المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكتابة.. بين الحـب والتوقـف.


boutrika abdellatif
05-06-2009, 11:58
لماذا نكتب؟ سؤال أزلي يتكرر دائما أمام من يكتب، والحديث هنا لمن يملك موهبة الكتابة الحقيقية والإبداعية، وليس الطارئة أو ذات المغزى الشخصي المكتسب، لأن هذه الفئة مقصدها واضح ولايحتاج إلى تفكير.
من خلال ما قرأنا لكتّاب كثيرين تفاوتت الرؤى، فهناك من يكتب ليسعد الآخرين أو يسعد نفسه وهناك من يحمل هماً أو قضية وهناك من يحلم بتغيير الواقع، إلا أن هناك فئة من الكتّاب ربطت بين الكتابة وبين الحب لشيء ما، أو الكتابة بحد ذاتها، وهذا ما أشارت إليه الكاتبة الإنكليزية روز ماري فريدمان التي تقول (كما ذكر على شلش) في كتابه علامات استفهام (إن الكتابة في أولها مثل الحب لا ندري لماذا نمارسها ولا نعرف سر ميلنا نحوها وإنما ننساق إليها دون أن ندري).
في كتابه (هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية)يبرر جورج طرابيشي كتابته هنا بأنها جمع أشتات الأوراق والمقالات القديمة إذ يقول (ففي لحظة بعينها من الحياة وتوقعا للرحيل يجد الكاتب نفسه مناسقا إلى الرجوع إلى دفاتره العتيقة...)، هذا يعني أن الكاتب في حالة سباق وخوف من الرحيل وترك بعض الكتابات والأوراق التي يحتفظ بها عرضة للنسيان أو الضياع أو حتى عبث من يأتي بعده.
وإذا كان التساؤل عن الكتابة ومقاصدها صعباً، نجد أن التوقف عن الكتابة أيضا تحتاج لتساؤل آخر، وتوقف يستحق التأمل، لأن هناك من يتوقف أو تقل متابعته لظروف صحية، هناك أيضا من يتوقف عن الكتابة رغم تألقه لأسباب يحددها الكاتب نفسه، وفي هذا السياق كتب الأديب رجاء النقاش مقالا أو دراسة جميلة في مجلة دبي الثقافية عدد مارس 2007 بعنوان (بين الهجرة من الأدب والهجرة من الوطن) يدور حول عادل كامل الذي تألق في ثلاثة أعمال روائية صدر أولها عام 1941 وهي بعنوان ملك من شعاع، ثم يعلن توقفه بسبب قيمة ما يقدمه للناس وحالة الشقاء ولكن الأقسى فيما وصف قوله (... فوجدت أن الأدب في ذلك الوقت أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي هو في معظم الأحوال عمل العاجزين أو المنحلين من رواد المقاهي، فعزت على نفسي وجزعت أن يكون هذا مصيري بينما أن صاحب مهنة قضيت زهرة شبابي وأنا أتلقى أصولها حتى أتقنتها وهي مهنة المحاماة).
أطرف حالة توقف قرأتها هي ما ذكرها رجاء النقاش في مقاله سابق الذكر، حالة حسين الجزار، الذي ترك الأدب وفتح محلاً للجزارة وأنشد قائلا:
لا تلمني يا سيدي شرف الدين
إذا ما رأيتني قصابا
كيف لا أشكر الجزارة ما عشت
حفاظا وأهجر الآدابا
وبها أضحت الكلاب تُرجيني
وبالشعر كنت أرجو الكلابا.