الامتحان الجهوي (http://sbaibi.ifrance.com/p4.htm?2&weborama=-1#_Favorite_Links_Favorite_Links)
بين التقويم والتحطيم
مقال من وحي الحصيلة الرديئة التي حصل عليها تلاميذنا، جراء تطبيق نظام الامتحانات الجهوية البئيس.
من إعداد : عبد الكريم يعقوبي.
فاتحــة:
من المشهور في عالم الحيوان، أن القطة خوفا على أولادها من صروف الدهر، تأكلها! وأن الأرانب أيضا، حينما تدرك شح الطبيعة، تقتل صغارها! وعلى هذا قس، بالنسبة لعينة عريضة من هذه المخلوقات ...
قد يبدو هذا المدخل غريبا عن طبيعة الموضوع التربوي الذي نحن بصدده، إلا أنه في العمق، تلخيص قريب له، مع الفارق طبعا!!
كان مناي أن أكتب غير هذا، أن أبعث الأمل، أن أبشر، أن أزيد تقاسيم الوجه تفاؤلا فارتياحا، وشغاف القلب تَيَمُّنا فانشراحا، ولكن السفن، قلما هادنتها الرياح...
وكان من المطلوب في مثل هذه المواضيع المتخصصة، أن أركب صهوة الأرقام الكاسفة، والنِّسَبِ الخاسفة، التي يمكن أن تزودنا بها حَذامِِ[1] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn1)[24] الممتدةُ عيونُها إلى بعض أكاديمياتنا الموقرة، غير أن مراعاتي لبعض إكراهات المقام، أجلت الأرقام، فلزم من ثم التريث، والاحتفال بالكلام ...
هذا ناهيك عما يمكن لحذام أن تطلعنا عليه، ما حدود الاطمئنان إليه ؟!
حدثني ثقة من رجال الطباشير، بحادثة تتقطع لبشاعتها الأعصاب، وتندلق لفظاعتها الأقتاب، فقال:
" بينما كنا جلوسا في مكتب السيد مدير الثانوية، نتجاذب أطراف ما لذ وطاب من شؤون الساعة، وهموم الساحة، حتى رن هاتف المدير، فقطع صمتنا، وكدر صفونا، وإذا بالحاجِّ يهش ويبش، ويشرع في تقديم أرقام ومعطيات عجبت كيف أنه يضبطها بدقة متناهية...نعم يا سيدي... ها هي المحاضر أمامي، لا تتعب نفسك، عدد التلاميذ الأدبيين في الأولى ثانوي[2] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn2)[25]: ثلاث مائة وأربعون تلميذا، الناجحون منهم كذا وكذا، الراسبون كذا وكذا، المفصولون، كذا وكذا، الإناث كذا وكذا، الذكور كذا وكذا، أما العلميون، فكذا وكذا... إلى أن أنهى مكالمته ضاحكا شاكرا، فقلنا له في استغراب مستنكر، لماذا زعمت أن المحاضر بين يديك ؟ وإلى أي حد هذه الأرقام التي أعطيت صحيحة؟
أغرب الرجل في الضحك حتى بدت نواجذه، وقال: ولماذا لا يرجع هذا المسؤول إلى محاضرنا عنده ؟ إن تلك الأرقام، وليدة "بَّاكْ آلْحاجْ"، وإن مؤشرات النجاح في الإدارة، السرعة والبديهة، هكذا تعلمت ... وأنا على يقين، أن المحاضر ضاعت في الرفوف... وأردف بالدارجة :" السَّرْبِيسْ حيلة، والناس مَشْمُوتِينْ فيه!!"
ما عساي أفعل تجاه واقع تربوي مزمن مسكوت عنه، يوشك يفرنقع في أي لحظة؟؟ فالحاج هكذا تعلم، إذن، هو مجرد تلميذ، وكم عدد التلاميذ الذين تقاسموا ويتقاسمون معه هذه النظرية "الخارقة" في تسيير شؤون الإدارة ...؟؟
لهذه العلة أيضا، زهدت في الأرقام !!
قد تكون هذه الواقعة نشازا، وهذا ما نتمناه جميعا، ولكنها بالتأكيد، نازلة لها أخوات..
مائــدة
قلت في الفاتحة إن القطة تأكل أولادها حبا فيها، أو خوفا عليها، وقلت إن هذا في العمق يترجم جوهر التقويم في نظامنا التربوي بالثانوي"التأهيلي"، مع الفارق طبعا! بحيث لا ندري بأية عاطفة تتم عملية القتل في نظامنا التربوي؟
قد يهمس القارئ الكريم: هذا هراء، هذيان، عن أي قتل تتكلم ؟
إن القتل الذي أتكلم عنه، لا تسيل فيه دماء، أو تكلم به أعضاء، ولا تُسَلُّ فيه سيوف أو تنصب الكلاشنكوف، وإنما الذي يصاب، هو إرادة الإنسان، حقه في الاختيار، أمله في المستقبل، وجدواه بالتالي من العيش أصلا ...
ما معنى أن نوجه التلميذ حسب رغباته ومؤهلاته في التاسعة إعدادي؟ ما قيمة أن نعلمه تحمل مسؤولية اتخاذ القرار؟ وما جدوى مجالس الأقسام التي يؤشر فيها أطراف العملية التعليمية على عملية التوجيه تلك ؟ وما مصير هذا التوجيه، بعد أمد قصير من الزمان ؟
إن هذا الإخراج المسرحي الرديء، يوحي لنا أن التلميذ حاضر في الحسبان، إنه صلب العملية التعليمية، بعقله والوجدان، هكذا، عند صناع القرار، وفي الواجهة، وبكل مساحيق *AZBANE، يعتبر التلميذ عندنا، أساس البنيان.[3] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn3)[26]
وبعد التاسعة، يأتي الجدع المشترك، لينجح التلميذ بسرعة أقل من تلك التي كان يدفع بها من قبل، ففي الماضي، كانت الخريطة المدرسية-لا أدام الله بركتها، ولا أفلح سعيها، ولا أبقى في العاقلين ذكرها- "تنجح"[4] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn4)[27] كل شيء، حتى الجدران !!
ومع الجدع المشترك، يبدأ العهد الجديد، عهد ما عرفه أبناؤنا من قبل، فهم الذين استأنسوا الدفع[5] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn5)[28]، واستحسنوا النجاح الرخيص السهل...لأول مرة يكثر الضحايا، ويُشرِع الهدر المدرسي ذراعيه، معلنا بداية الفصل الأول من فصول المحاكمة، فما هو الثاني؟
إنه بيت القصيد، وإنه السلك الأول من البكالوريا، فالعلميون الذين أفلتوا من مقصلة الجدع المشترك، يتنفسون الصعداء في أقسامهم الجديدة، غير أنهم يدرسون والخوف يقطع أوصالهم، ليس من مشكلة السقوط هذه المرة[6] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn6)[29]، ولكن من كابوس الامتحان الجهوي !! إذ كيف لمن اختار المواد العلمية، بعد حب، ومؤانسة، ورغبة في التعلم والتخصص والمجالسة، منذ نهاية التاسعة، وإبان الجذع المشترك، أن يقومه هذا الامتحان في المواد الأدبية، وبنسبة 25% من فرص النجاح في السلك الثاني من البكالوريا[7] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn7)[30]؟؟!!
هاته المواد الأدبية، التي اختار التلميذ، لعلة من العلل[8] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn8)[31]، أو لسبب من الأسباب، ألا تكون مركزية في مشواره الدراسي، كيف يعقل أن نجعلها حاجزا و معيارا لتقويمه؟
أية فلسفة حداثية في التربية هاته التي ترجع التلميذ إلى الوراء، تكبح جماحه، تخلط أوراقه، تربك اهتماماته وميوله، تئد مشاركته، تطأ حقوقه، في زمن التشدق عاليا بحقوق الإنسان، وبالشراكات مع الجمعيات الحقوقية محليا ودوليا[9] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn9)[32]ا؟
هذا الامتحان/الكارثة، يجعل الكثير من التلاميذ العلميين، يقبلون على المواد الأدبية بنهم شديد، على حساب تخصصهم طبعا، خوفا من إضاعة 25% من فرص النجاح في الفصل الثالث من المجزرة؛ فعوض أن نعمق كفايات هؤلاء التلاميذ فيما اختاروه من تخصص، تساوقا مع منطق الأشياء، ومع مخططاتنا الناشدة للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي والإنساني من منطلق العلوم والتقنية والمعارف الإنسانية عموما[10] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn10)[33]...إلخ نوقف التيار، نسبح ضده، فنغرق الكثير من أبنائنا، وفي الأخير، ندعي الإصلاح!!
وعلى شاكلة ما جرى للعِلْمِيِّين، يأتي دور الأدبيين، ليمتحنوا في الرياضيات، وفي العلوم الطبيعية!!
ليت شعري أفهم السر الكامن وراء هذا الوعي التربوي الجديد، الذي يصدر عنه منظرونا التربويون في أوراش المناهج والتقويم، بل في كل مجالات شأننا التربوي!
هل تراهم اكتشفوا أن لا فائدة في التخصص، وبالتالي لابد للتلميذ العلمي أن يكون في الأصل أدبيا، ولا بد للأدبي أن يكون في الأول علميا؟؟
أم أنهم "تأديبا"وتعليما وتوجيها، أرادوا أن يُذَكِّروا هؤلاء وأولئك، بأن هناك معارف أخرى غير التخصصية، تستأهل التعلم والتقدير؟؟
أم أنهم أدركوا فداحة المستويات، في مجمل المواد و التخصصات، فأرادوا أن يتداركوا ما بقي، ويُكَفِّروا عن زلة الإسهال والتساهل في النجاح، الذي كانت تزفه الخارطة المدرسية، للأسرة المغربية، الأمر الذي أعطانا تلاميذ بدون محتوى ولا معنى- إلا فئة قليلة محدودة - فأرادوا من ثم إعادة التكوين، وإعادة البناء، وإعادة التأهيل ، دونما استفادة من مثلنا الزاهر: " الصيف ضيعت اللبن"؟؟
أم أنهم - وهذا ما لا نرجوه – ضاقوا بالتلاميذ ضرعا، إذ وصلت المجانية أقصاها، وإلزامية التعليم منتهاها، فأصبح لابد مما ليس منه بد...
لا بد للتصفية أن تأخذ مجراها، وللغربال الدقيق أن يقول كلمته...
حينها، سيتم إقصاء التلاميذ بديمقراطية شفافة، وستَملأ الأرجاءَ تلك اللازمة القديمة[11] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn11)[34]، التي لم نهيئ ظروفها أبدا...وستبدأ بعض الأقلام الساذجة الطيبة تبكي على مشكلة المستوى الذي يتنازل، والغش الذي يتناسل، دونما تذكر جدي لصلب الرزية، وأساس البلية، الكامن في سيادة المفهوم المتخلف للإلزامية والتعميم، على حساب الجودة المفترى عليها في التعليم.
إن إبقاء الامتحان الجهوي على ما هو عليه، ضرب من العبث، إن لم يكن هو العبثَ عينَه، وهذا لأنه دوسٌ صريح على رغبات تلاميذنا، وسوءُ تقدير عظيمٌ لكفاياتهم، وتخلٍ مستورٌ عن الأخذ بأيديهم...
إن إبقاء الامتحان الجهوي على ما هو عليه، تشجيع للهدر الدراسي، ومن ثم تعزيز للتخلف والسلبية، وتكريس للخرافة والهجرة السرية...
إن تمكين الفشل الدراسي، في هذه المرحلة العمرية، لا ينسجم إطلاقا مع القرار الحكيم الذي قضى بتخفيض سن الانتخاب، إذ بدل أن يتحمل نظامنا التربوي بكل مكوناته، مسؤولية الهشاشة والرداءة، يلقي الثقل كله على الضحية...ولنتخيل بعدئذ، نوع المساهمة في الشأن المحلي والوطني التي يمكن لجيوش الراسبين أن تقوم بها...بل لنتصور جميعا، رد فعل ذلك التلميذ الذي أصبح يعي أنه زائف، كما يعي أنه كان على منظومتنا التربوية، أن تذيقه مرارة الرسوب في الصغر حتى يحذر، لنتساءل بعد هذا الاكتشاف الصادم،-وهذا هو الخطير- عن قيمة الوطن، وقيم الوطن، في نفس الضحية؟
إن فشل بعض الأبناء في الامتحان الجهوي، رغم نجاحهم إلى المستوى الموالي بالمراقبة المستمرة، دفع نخبة من الآباء إلى التفكير في تحرير طلب لرسوب أبنائهم ، حتى لا تقع الكارثة في السلك الثاني من الباكالوريا!! فما عسانا نعمل لو أن هذا الوعي امتد؟ وأن ساعده اشتد ؟ وكيف ستكون نفسية هؤلاء التلاميذ الذين نجحوا، ثم لحسابات ما رسبوا؟
وعلى أي ، وحتى إن كانت هناك أهداف دقيقة لم نستطع لقصور في الفهم أن نلمسها، تقضي بأهميته وجدواه، فليكن، ولكن مع تعديل سديد:
أولا: انساجما مع قرارت التوجيه، التي تُحل إرادة التلميذ محلها اللائق.
ثانيا: تساوقا مع شعارات المشاركة واعتبار الكفايات وحقوق الإنسان .
ثالثا: تمشيا مع منطق العصر الذي يزكي التخصص، ويعمق ركائزه، ويوسع آفاقه
رابعا:استحضارا للأبعاد السيكولوجية، وللغايات البيداغوجية التي تؤطر العملية التعليمية.
اعتبارا لكل هذا، لنجعل من الامتحان الجهوي، معيارا لقياس كفايات التلاميذ في صلب تخصصاتهم، وبنسبة 50%، إعدادا لهم للامتحان الوطني، على أن تحضر المواد الأخرى(الثانوية)، في تقويمات المراقبة المستمرة، بنسبة 50% هي أيضا، هكذا، سينتهي شبح الامتحان الجهوي، بانتهاء السنة الدراسية، وستخلو ذمة التلاميذ من كل دَيْنٍ من شأنه أن يعكر عليهم صفو حياتهم خلال العطلة الصيفية، وإبان الموسم الدراسي الجديد.
بــراءة
إن هذه الورقة، قراءة صريحة لبعض ما أفرزته امتحاناتنا التقويمية، من نتائج غير مرضية، كما أنها فرصة عملية لنقف على حقيقة بعض التصريحات الرسمية، التي ترفع شعار المشاركة والنقد البناء، واجهة لفعلها الحكومي، في شأننا التربوي.[12] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn12)[35]
جميل جدا أن نسمع "أن الإصلاح ليس مجرد نص أو تعليمات،وإنما حلقات متواصلة من الأداء والتوجيه والمراقبة والتتبع والاستدراك والتصحيح."[13] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn13)[36]
ورائع أيضا قول القائل[14] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn14)[37]:" وقبل أن أختم هذه الكلمة، ينبغي أن ألح على أهمية هذه المنتديات الخاصة بالإصلاح. إنها ليست تجمعات استعراضية، وليست تجميعا لحشود بشرية لإلقاء الخطب والتصفيق...ولكنها فضاءات لحوار جدي، ولنقاش ينبغي أن يكون خصبا وحقيقيا حول المدرسة المغربية اليوم، حول حاضرها وآفاقها المستقبلية."
ولكن كم هو غال كذلك، أن نلقي السمع، لأساتذتنا المتخصصين، أولي الخبرة والرأي، حينما يهمون بوضع النقط على الحرف، في تواضع جم، ومعرفة صحيحة مفيدة...
يقول د محمد الدريج:" ونحن إذ نناقش الآن بعض مضامين الكتاب[يعني الكتاب الأبيض]، لا ندعي قراءة نقدية شاملة، بل هي جملة من الملاحظات و الانطباعات الأولية ...
إلى أن يقول:"...وفي ذلك يتضح طغيان التأمل الفلسفي، على حساب العمق السيكولوجي والتحليل الديداكتيكي في الكتاب الأبيض، وانعدام الحس البيداغوجي، وغياب البراديكم.
ويقول رغم اعترافه لأعضاء اللجنة بالكفاءة: والغريب في الأمر أن الكتاب الأبيض يشير إلى:(استحضار أهم خلاصات البحث التربوي الحديث في مراجعة مناهج التربية والتكوين[15] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn15)[38])، وفي الحقيقة إننا لم نعثر على خلاصات ولا على نتائج، بل ولم نعثر حتى على إشارة سريعة إلى أي بحث تربوي حديث...
وفي الأخير بعد أن تجاوز صبر الدكتور مداه، صرح أن الخطأ[ في المشروع برمته]، يكمن في غياب النموذج لدى المسؤولين والمؤطرين، وغياب الروح الملهمة، وفقر في البعد السيكولوجي والبيداغوجي، وبكلمة واحدة، العلمي في العمل برمته."[16] (http://www.************/vb/showthread.php?t=103618#_ftn16)[39]
هكذا إذن، يرى المتخصصون بعض أجرآت الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وهكذا بالتالي، يتأكد أنه على أصحاب القرار أن يتحملوا مسؤوليتهم، حتى لا يتسع الخرق على الراتق، ولا يبقى الحبل على الغارب...
إن الأمر جلل، لا يحتمل التأجيل، وإن أعظم ما يميز العقلاء، إنصاتهم للرأي الآخر، ولا نحسب صناع قرارنا إلا منهم .
الإمضاء : عبدالكريم يعقوبي
[email protected] (
[email protected])
وحدة أساليب الكتابة. غشت 2004
نقلا عن : http://sbaibi.ifrance.com/p4.htm