المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحداثة الغربية تفرض علينا نموذجها باسم العولمة وتسلب منا حق التفكير والاختيار


jamal2008
17-06-2009, 15:28
الحداثة الغربية تفرض علينا نموذجها باسم العولمة وتسلب منا حق التفكير والاختيار (http://www.atakafia.educa.ass.ma/index.php?option=com_*******&view=article&id=650:2009-06-14-14-43-17&catid=53:2009-02-11-16-02-11&Itemid=26)[/URL] [URL="http://www.atakafia.educa.ass.ma/index.php?option=com_mailto&tmpl=component&link=aHR0cDovL3d3dy5hdGFrYWZpYS5lZHVjYS5hc3MubWEva W5kZXgucGhwP29wdGlvbj1jb21fY29udGVudCZ2aWV3PWFydGl jbGUmaWQ9NjUwOjIwMDktMDYtMTQtMTQtNDMtMTcmY2F0aWQ9N TM6MjAwOS0wMi0xMS0xNi0wMi0xMSZJdGVtaWQ9MjY="] (http://www.atakafia.educa.ass.ma/index.php?view=article&catid=53%3A2009-02-11-16-02-11&id=650%3A2009-06-14-14-43-17&tmpl=component&print=1&layout=default&page=&option=com_*******&Itemid=26) المهدي المنجرة
هل حقا يعيش العالم العربي أزمة حضارية تهدد استقراره؟ وهل يمكن اختزال الخروج من الأزمة في حلول سياسية أو دينية أو اقتصادية؟ ما الذي يمكن أن نقدمه تجارب فريدة في النهضة للوطن العربي
والعالم الإسلامي من قبيل مميزات التجربة اليابانية مثلا؟ وكيف نقرأ تصاعد أرقام العزوف السياسي لدى شباب المنطقة العربية كما أفرزتها بشكل جلي نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في الجزائر والمغرب؟
أسئلة قلقة، قوبلت بأجوبة تفرعت إلى نبرة تشاؤمية، بلغة النقاد، ونبرة تفاؤلية، كما جاء في تفاصيل هذا الحوار مع البروفيسور وعالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة، والدي يجسد حالة خاصة في الساحة المغربية والعربية من حيث نسبة مبيعات مؤلفاته، وقد وصلت بالنسبة لكتاب "حوار التواصل" إلى طبع 000 60 نسخة، أما في اليابان، حيث يدرس بين الفينة والأخرى، فقد أصبح من الأسماء العربية القليلة التي يترجم لها هناك، ويحاضر فيها، ويسهم بالتالي في إحقاق خطاب التواصل والتفاعل الحضاري، وليس منطق الصدام والنزاع.
عن الخلاف المفاهيمي بين أطروحة المنجرة وهنتنغتون بخصوص منظومة "صدام الحضارات"، وعن أزمة القيم التي يمر منها الوطن العربي والعالم الإسلامي، كان هذا اللقاء.

* شهدت الانتخابات التشريعية في الجزائر والمغرب، حدثا لافتا وهو أن نسبة مقاطعة الاستحقاق فاقت 60 في المائة في الحالتين، وقد وصلت إلى 80 في المائة في الحالة المغربية، مع احتساب الأصوات الملغاة. ما مرد هذا العزوف؟
ــ إذا لم نأخذ بعين الاعتبار مجموعة من المتغيرات التي تمر منها المنطقة العربية، فإننا سنتيه مع كثرة الأسباب، وعلى المسؤولين أن يحصلوا وعيا بهذه المتغيرات، هذا إذا كانت لديهم الرغبة في تجاوز هذه النسب المتوقعة من المقاطعة.
فبسبب انفتاح الشباب على العالم عبر ميزات ثورة الاتصالات، بدأنا نشهد أفول العلاقة الحميمية بين النخبة والشباب. وما يزيد الأمور تعقيدا، أن النخب الحالية لا تملك رؤية مجتمعية تلبي رغبات الشباب على الخصوص. والأخطر أن الرؤى أو المشاريع الموجودة الآن، تهم اللحظة الراهنة، بينما المطلوب وجود رؤية تهم أوضاعا مستقبلية.
هناك هوة قائمة بين القادة والشعوب، ولو نشرت الأرقام الحقيقية الخاصة بالفئات العمرية التي شاركت في الانتخابات المغربية الأخيرة، سوف نجد أن أغلب المقاطعين من فئة الشباب.
غياب الرؤية وفشل الاستراتيجيات
* ما السبب في غياب رؤية تهم المستقبل، ولا تقتصر على أوضاع الراهن؟
ــ السبب في ذلك هو سيادة عقلية نخبوية انتهازية لا تفكر إلا في أوضاع الحاضر أو الغد القريب.
ثم هناك سبب ثان وجوهري يقف وراء العزوف، وهو أزمة غياب التواصل، أو غياب "ثقافة الإنصات"، وعندما يستمع رجل الشارع إلى برامج الأحزاب السياسية، يتهيأ له كما لو أنه في حاجة إلى تعلم لغة أجنبية من أجل تفقه طبيعة هذه البرامج من فرط الغربة التي يجدها في الخطب والشعارات. ولدي تجارب شخصية تثبت أننا نعيش فعلا أزمة تواصل بين النخب والشارع، حيث أحصيت نسبة كبيرة في المراسلات التي أتواصل بها عبر البريد الإلكتروني، أو في اللقاءات والحوارات التي تجرى معي في المكتب مع طلبة وباحثين، ووجدت أن محور النقاش يدور حول غياب التواصل مع النخب التي تتصرف كما لو أن الجيل الجديد سينافسها على المناصب والامتيازات.
كنت قد أشرت في كتابي "حوار التواصل" إلى أننا، كعرب ومسلمين، نعاني أزمة تواصل مع الغرب، وأن هناك فجوة كبيرة في التواصل بين دول الشمال والجنوب، ولكن اليوم، اكتشفت، أنه حتى على الصعيد المحلي، نعيش أزمة تواصل بين النخبة والشارع أو الرأي العام. وهذا يفسر أزمة مصداقية هذه النخب السياسية لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، وهو ما أكدته نسب المشاركة الضعيفة في الانتخابات الجزائرية والمغربية.
وهناك أزمة أخطر تتعلق بالنخب العربية، وهي غياب رؤية أو برنامج مجتمعي يجب تطبيقه على المدى البعيد، أي أنه في حاجة إلى عقلية استراتيجية، وهي الغائبة أيضا، وهنا مكمن الخطر. إنها أزمة نهاية الإيديولوجيا، ولكن الإيديولوجيا هنا بمفهومها النبيل التي تجتهد في وضع خطط عملية تهم القطاعات السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية.. إلخ.
إن الإسلام بحد ذاته رؤية قائما بذاته، وليس مجرد دين شكلي، وهو أكبر درس لنا بأنه علينا اتباع رؤية محددة تهم الهوية العربية والإسلامية، وبغياب هذه الاستراتيجيات، نفهم لماذا يهجر الشباب العربي العمل السياسي مثلا، ولماذا يتجه البعض إلى الدين أو إلى الحركات الإسلامية، مادامت الطبيعة تقبل الفراغ.
وما هو موجود اليوم في العالم العربي لا يخرج عن دائرة سياسات قصيرة المدى، لا تنظر إلى تحديات اليوم والغد القريب، وتقفز أو تتجاهل تحديات وإكراهات المدى المتوسط والبعيد.
الحديث عن رؤية يتطلب تحديد مرجعية لهذه الرؤية نجتهد جميعا في تطبيقها على الواقع، أليس كذلك؟
هناك من يقول إننا نعيش أزمة أخلاق، وأقول بالتدقيق إنها أزمة قيم، والقيم هي ذلك البحر الفسيح الذي يعوم فيه المجتمع، بمختلف انتماءاته واتجاهاته السياسية والفكرية.
علينا أن نتساءل عن طبيعة القيم التي تحكم بالفعل مجتمعاتنا وتحدد مثله وتطلعاتها، ثم إلى أين تتجه بنا هذه القيم مستقبلا؟ وإذا كنا بالفعل نملك مجموعة من القيم تحكم فعلنا (وهذا أمر مفروغ من إنكاره)، فهل نستصحب هذه القيم في جميع أحوالنا وقراراتنا وموافقتنا. والإشكالية الكبرى، أننا لا نتصرف بملك إرادتنا ولم نعد نبدع رغباتنا وحاجاتنا، ناهيك عن كوننا لم نعد نفكر انطلاقا من ذواتنا وخصوصياتنا، لسبب موضوعي يفرض نفسه بحدة اليوم في ظل الواقع العربي، ويمس العيش تحت وطأة الحداثة الغربية التي تفرض علينا نموذجها باسم العولمة وتسلب منا حق التفكير والنظر والاختيار.
في تعليق لها على نتائج الانتخابات الفرنسية الرئاسية، نشرت جريدة "لوموند" الفرنسية الشهيرة عنوانا لافتا جاء فيه أن الانتخابات "جسدت نجاحا لقيم فرنسية جديدة"، ولا يهم طبيعة هذه القيم، أن تكون يمينية أو يسارية أو معتدلة، ولكن المهم هنا، كما تلمح إلى ذلك "لوموند"، أننا بصدد قيم مجتمعية جديدة أفرزتها الاستحقاقات الرئاسية، ومن دون قيم تنطبق من الذات العربية والإسلامية، يصعب أن تكون لديك رؤية، أو مقاصد كما جاء في الفقه الإسلامي.
انظر للاستعمار مثلا، فقد كانت لديه رؤى ومقاصد، بصرف النظر عن طبيعة هذه الرؤى والمقاصد، المهم أنه تأسس على رؤية للكون، ووضع استراتيجيات سعى إلى تطبيقها.
وبلغة الفقهاء، لدينا قيم معينة ولدينا مقاصد، وعلينا أن نحدد طبيعة هذه القيم وأن نتفق عليها من أجل تحقيق تلك المقاصد، ولا يهم طبيعة الوسائل أوالآليات الكفيلة بتطبيق والدفاع عن هذه القيم، لأن هذه مسألة ثانوية في المعادلة، والمهم هو الاتفاق المجتمعي والإجماع المتناغم بين النخب والشارع على طبيعة هذه القيم من أجل الوصل إلى تلك المقاصد.
وأعطي مثالا حيا مع أزمة القيم عندما تكون موضع خلاف، ويتعلق الأمر بالقيم التي تأسست عليها هيئة الأمم المتحدة التي تعيش على فقدان المصداقية يوما بعد يوم.
لقد قضيت معظم فترات حياتي مع المنظمات الدولية، وكنت قد نشرت مؤلفا عن الأمم المتحدة في عام 1973، طُبِعَ في لندن ونيويورك استعمل وما زال يُدَرَّس في جل الجامعات الأمريكية والإنجليزية، أكدت فيه على أن المقاصد التي تم من خلالها تأسيس الميثاق الأممي كانت مرتبطة بمقاصد الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وهي مقاصد يهودية مسيحية، ومن ضمن الدول الموقعة آنذاك، وهنا يبرز دور القيم، لأنه لا يمكن أبدا الاستمرار في المصادقة على مقاصد ثم تبنيها من طرف دول جسدت الأغلبية في فترة من الفترات ولا تمثل الأغلبية اليوم، لأنه لا توجد قيم مسيحية ويهودية في هذا العالم الفسيح، بل هناك القيم الإسلامية والقيم الآسيوية مثل القيم الصين والهندية واليابانية، وغيرها من القيم طبعا.

بين المنجرة وهنتنغتون
* أشارت بعض المنابر الإعلامية العربية إلى سبق المنجرة في الحديث عن منظومة "صدام الحضارات" أو "حرب حضارية" كما قدم في مؤلف لكم، وذلك قبل صدور مقال ثم كتاب هنتنغتون الشهير، وكانت يومية "الزمن" السويسرية، منبرا غربيا أشار إلى هذا السبق المعرفي إن صح التعبير. ترى ما الذي يفصل ما ذهبتم إليه في "الحرب الحضارية الأولى" مقارنة بأطروحة صامويل هنتنغتون حول "صدام الحضارات"؟
ــ على خلاف موقف هنتنغتون، الذي اعترف ضمن مؤلفه هذا بأسبقيتي في طرح مفهوم "الحرب الحضارية الأولى"، فإن موقفي هو موقف "وقائي"، أي أننا إذا أردنا تفادي الصدام فلا بد من خلق حوار حضاري بين شمال العالم وجنوبه.
لقد أشرت منذ سنين إلى أن نزاعات المستقبل ستكون بالدرجة الأولى نزاعات ثقافية وحضارية، إذا لم نأخذ بعين الاعتبار التطورات والمعرفية القائمة اليوم. تبقى القضية اليوم، قضية الاتصال الحضاري، والمشكل مع هنتنغتون أنه ينطلق من الخوف من القيم الإسلامية والكونفوشيوسية، وكلها قيم غير يهودية وغير مسيحية. إن ثلثي المسؤولية على الأقل على أكتافنا، وعدم الاهتمام بشعوبنا وضمان ظروف العيش الكريم لها من حرية وديمقراطية وحقوق إنسانية وأولها ما نسميه المجتمع المدني، والمجتمع الدولي والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، لا حضور لها على الإطلاق أمام عجرفة القوة. إن النصر الآخر سيأتي من الإيمان ومن حسن المقاصد والعمل والجدية، أما "النسر الأمريكي النبيل" فهو بداية الضعف والتدهور. وحين يشعر القوي بالضعف، يحاول بشتى الوسائل التشبث بشيء ما كي يبقى قويا، ونلمس ذلك من خلال سياسات الإدارة الأمريكية في المنطقة العربية.
لقد جاء الغرب بالاستعباد والعبودية لبلداننا بالدرجة الأولى قبل ما يسميه البعض "حسنات الاستعمار"، ولنتأمل ما قام به الجنرال الفرنسي ليوطي قبل مجيئه إلى المغرب والجزائر، وما قام به آخرون في الحركة الاستعمارية عن طريق خبراء وعلماء ومستشرقين ممن كانوا يأتون قبل سنة 1912، حيث استوعبوا أن أي مجتمع إسلامي لا يتعامل مع الإسلام كدين فقط، ولكن الإسلام شمولي ووسيلة تفكير وعلاقات تواصل وفلسفة حياة، وتوصلوا بالتالي إلى أنه من غير الممكن أن تفككه، بمعنى إما أن تمارسه كله وإما تتركه كله.
وواضح أن مفردات مثل العلمنة أو العلمانية لا أساس لها في هذا التفكير الشمولي لقوة الإسلام. ولا ننسى أن كرومويل دخل إلى البرلمان الإنجليزي ـ وكان للإنجليز آنذاك مشاكل كبيرة مع مصر ـ وهو يرفع القرآن قائلا: "مادام أن هذا الكتاب يحترم ويقدس في مصر، فلا مستقبل لنا فيها".

اطلبوا العلم ولو في.. اليابان
ــ هناك إجماع لدى المرقبين العرب والمسلمين على أننا نعيش أزمة تكاد تكون حضارية، وتختلف الحلول المقترحة للخروج من هذه الأزمة حسب المرجعية الفكرية والسياسية للمعني بطرح المقترح، فهناك من يتحدث عن ضرورة المرور عبر الإصلاح السياسي، وهناك تيار يدعو إلى العودة إلى الدين، وغيرها من المقترحات.
* ما الذي تقترحونه تأسيسا على مرجعية الدراسات المستقبلية؟
- أولا، يجب الإشارة إلى أن عالم المستقبل يشتغل على جيل ونستشرف أوضاع قادمة في الطريق انطلاقا، ويسعى أيضا إلى الاستفادة من تجارب الحضارات والأمم، ومن هذه الأرضية، وبحكم اشتغالي على النموذج الياباني، التي أحاضر فيها وترجمت مؤلفاتي هناك، أعبر عن تأثري الشديد بهذا النموذج النهضة الحضارية الذي برز للوجود مع ثورة الميجي في عام 1886.
* ما هي أبرز سمات هذا النموذج؟
ــ تأسس المعادلة اليابانية على ثلاث ركائز: قاموا أولا وقبل أي شيء بمحو الأمية، من 1886 إلى مطلع القرن العشرين. وإذا تأملنا نسب الأمية في الدول العربية، يتبين لنا أنه يستحيل الحديث عن النهضة والتنمية والتقدم، أو عن تطبيق حلول جاهزة وآنية، ونسبة الأمية في بلد كالمغرب مثلا تقارب 55 في المائة.
ليس هذا وحسب، فإلي جانب الأمية الأبجدية، هناك أيضا الأمية الوظيفية، ويحدث هذا في أمة "اقرأ باسم ربك الذي خلق".
أما الركيزة الثانية، فتجسدت في الحفاظ وتطوير اللغة الأم، ولكن مع تبني برنامج علمي ضخم يقوم على الترجمة. ولا بد هنا من التأكيد على دور اللغة الأم في أي مشروع حضاري لأي أمة. وقد سبق لي، عندما كنت مسؤولا في منظمة اليونسكو في باريس أن طالبت بالدفاع والحفاظ على اللغات الإفريقية من الاندثار، وتبنيت مجموعة من المبادرات، ولو أنها تسببت لي في عداء من التيار الفرنكفوني.
وأقول إن المسألة هنا لا علاقة لها بحسابات سياسية أو دبلوماسية، وإنما هي قضية نفسية وتربوية، ويؤكد عليها علماء النفس واللسانيات.
وفي الأخير، هناك ركيزة ثالثة، تقوم على تشجيع البحث العلمي، وعلينا أن نتذكر بأن قوة إسرائيل اليوم تأتي من إمكاناتها التكنولوجية وفي التعاون العالمي، وليست مرتبطة بعبقرية يهودية.
على أن تشجيع البحث العلمي، يتطلب إرادة سياسية واحتراما لكينونة الإنسان العربي، وعندما أتحدث عن تشجيع البحث العلمي، فلا أتحدث عن شعارات انتخابية أو موجهة للاستهلاك السياسي الظرفي، وإنما أتحدث، كما أشرت من قبل، إلى امتلاك رؤية واضحة ووضع استراتيجيات بعيدة المدى، تولي الاهتمام الأكبر لأهمية البحث العلمي، بعد محو الأمية وتدشين مشاريع كبرى في الترجمة. وشخصيا، لا أتردد في وصف هذه الثلاثية المؤسسة لدى اليابانيين بـ"الثلاثية المقدسة"، لأنها تقف وراء ما وصلت إليه اليابان اليوم.
هناك علاقة عضوية بين تطوير اللغة الأم وتشجيع البحث العلمي، كما جسدتها التجربة اليابانية، ولا توجد أي دولة في العالم انطلقت في المجال التكنولوجي دون الاعتماد على اللغة الأم، وهذا يحصل حتى مع إسرائيل، والصين، والهند، بعد أن حصل مع اليابان. ثم إن الجميع يتحدث بالمعيار، فعدد الوثائق المتوافرة في شبكة الإنترنيت باللغة الإنجليزية، أكبر بكثير، بل لا مجال لأن يقارن بالنسبة الضعيفة لعدد الوثائق الفرنسية، كما أن أكثر من 90 في المائة من خبراء الأبحاث الفرنسية في "المركز الوطني للأبحاث الاجتماعية" الشهير، يشتغلون وينشرون باللغة الإنجليزية.

العرب ومأزق السيناريوهات الثلاثة
* تأسيسا على الأبحاث المستقبلية، كيف تقيمون الأوضاع العربية خلال العقود القديمة، انطلاقا من إكراهات الساحة اليوم؟
ــ إن أبرز ما في علم المستقبليات، هو إذكاء روح الأمل على المدى المستقبلي بالرغم من نتائج الحاضر المتشائمة، فالتغييرات ستعاين بعد خمسين أو ستين سنة وهذا العمر في الحضارة الإنسانية لا يساوي شيئا، والتطور لا يأتي بالقنابل والحروب، بل بالشفافية وتكاثف الجهود. أما الحديث عن ضغوط عالمية، ونظام عالمي جديد، وقوة أمريكية وغير ذلك، فهو تعبير عن خوف، يمثل نقطة ضعف، تستغلها هذه القوى الأجنبية.
والمهم في نقطة الضغوط الغربية هو استغلالها من أجل الترويج لتأثير هذه القوى الدولية في المصالح المحلية، وخاصة الخوف في حال عدم الاستجابة لهذه الضغوط، من عدم حماية هذه القوى الغربية للأنظمة من سخط الشعوب، وهنا يتم فتح باب جديد للاستعمار.
نحن بتفكيك معطيات الحاضر من أجل استشراف آفاق المستقبل، ولو حصرنا النقاش في الحالة المغربية، نجد أنه بعد خمسين سنة من الاستقلال، لم نحقق أهم الأهداف التي رسمت مباشرة بعد تحقيق الاستقلال، بالرغم من المنجزات الميدانية التي أنجزت على أرض الواقع، ونجد أيضا أن نسبة الفقر في تصاعد، ومن الضروري جدا التوقف عند نسب الفقر في دراسة مستقبلية. فقد كان الفرق بين الأغنياء والفقراء مباشرة بعد خروج المستعمر لا يتجاوز نسبة الواحد إلى ستة أو سبعة، أما الفجوة اليوم، فتقارب نسبة الواحد إلى مائة. وأعتقد أن الحكومة المغربية الحالية، عليها أن تخجل من نفسها عندما تعتقد أنها تمثل الشارع أو الرأي العام المغربي، وهي لم تأت سوى بتصويت 20 في المائة فقط من الناخبين.
أما المأزق الأخطر، ونحن نتحدث عن طرد المستعمر في المغرب وفي دول المغرب العربي، فهو أن المغرب في الفترة ما بين 1956 و1960 كان حرا وأكثر استقلالية من اليوم، والسبب أنه أصبحنا الآن مقيدين أكثر بالاتفاقات مع بعض الدول العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وحتى مع إسبانيا في الآونة الأخيرة.
* أنت متهم من طرف بعض النقاد المغاربة بأنك تروج لآراء نقدية متشائمة، فهل يصح الأمر على الوضع العربي الراهن؟
ــ لست متشائما، ولا أسعى لأن أكون كذلك، وإنما أتحدث بلغة الأرقام ومعطيات الواقع التي لا يمكن أن نصرف النظر عنها أو نتجاهلها، وغالبا ما أستعير مقولة لأنطونيو غرامشي، مفادها أنه علينا أن نتسلح بعقلانية التشاؤم وتفاؤل الإرادة من أجل مواجهة تحديات الواقع، ولو كنت متشائما لما تحدثت عن التفاؤل أصلا.
بالنسبة لمستقبل الأوضاع في المنطقة العربية، فيمكن أن نختزله في تقاطع ثلاثة سيناريوهات:
ـ يقوم السيناريو على إبقاء الوضع عما هو عليه، وهذا احتمال ضعيف، لأن دوام الحال من المحال، كما جاء في الأثر العربي، أو كما قالت أم كلثوم، لأن "للصبر حدودا".
أما السيناريو الثاني، فيقوم على القيام بإصلاح تدريجي، ويتطلب تأملا لأوضاع الساعة غير السوية، وبالعودة إلى النموذج الياباني، فإن هذا السيناريو يتطلب شن حرب على الأمية، وتشجيع البحث العلمي وتبني برامج علمية ضخمة في الترجمة.. إلخ.
وأعتقد أن هذا السيناريو هو الأمل الحقيقي للأنظمة العربية والشعوب على حد سواء.
وأخيرا، هناك السيناريو الثالث، وهو سيناريو الفوضى والانفلات الأمني، وهو سيناريو تشاؤمي طبعا، وحفظنا الله من هذا السيناريو، ولكن، الطبيعة لا تقبل الفراغ وعلى النظم العربية أن تبدع في تبني الخيار أو السيناريو الثاني خدمة لمصالح الأوطان العربية
البروفيسور وعالم المستقبليات المهدي المنجرة لـ «المجلة»
الرباط: منتصر حمادة
11/10/2007

صخرة سيزيف
17-06-2009, 16:01
شكرا لنقلك لهذا الموضوع القيم.
"على أن تشجيع البحث العلمي، يتطلب إرادةسياسية واحتراما لكينونة الإنسان العربي، وعندما أتحدث عن تشجيع البحث العلمي، فلاأتحدث عن شعارات انتخابية أو موجهة للاستهلاك السياسي الظرفي، وإنما أتحدث، كماأشرت من قبل، إلى امتلاك رؤية واضحة ووضع استراتيجيات بعيدة المدى، تولي الاهتمام الأكبر لأهمية البحث العلمي، بعد محو الأمية وتدشين مشاريع كبرى في الترجمة. وشخصيا، لا أتردد في وصف هذه الثلاثية المؤسسة لدى اليابانيين بـ"الثلاثيةالمقدسة"، لأنها تقف وراء ما وصلت إليه اليابان اليوم."
المنجرة