المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 33 سببا للخشوع في الصلاة


الخوف والرجاء
25-06-2009, 09:58
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

33 سببا للخشوع في الصلاة للمنجد - كتاب إلكتروني

اسم الكتاب : 33 سبب للخشوع في الصلاة للمنجد - كتاب إلكتروني

المؤلف : الشيخ محمد صالح المنجد

عدد الصفحات : 52 صفحة

الملف بصيغة وورد :

http://www.geocities.com/ff9295365/33_reason.doc (http://www.geocities.com/ff9295365/33_reason.doc)

أو من هنا :
http://ghoraba.net/uploaded/1_1242189659.doc (http://ghoraba.net/uploaded/1_1242189659.doc)

الملف بصيغة pdf :

http://www.geocities.com/ff9295365/33_reason.zip (http://www.geocities.com/ff9295365/33_reason.zip)

أو من هنا :
http://ghoraba.net/uploaded/1_1242189642.zip (http://ghoraba.net/uploaded/1_1242189642.zip)

منــقول

كريــم
25-06-2009, 10:17
file:///C:/DOCUME%7E1/Ziani/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif33
سبباً للخشوع في الصلاة

الشيخ
محمد بن صالح المنجد
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الذي قال في كتابه المبين: ) وقوموا لله قانتين ( وقال عن الصلاة: ) وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ( والصلاة والسلام على إمام المتقين وسيد الخاشعين محمد رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد :
فإن الصلاة أعظم أركان الدين العملية ، والخشوع فيها من المطالب الشرعية ، ولما كان عدو الله إبليس قد أخذ العهد على نفسه بإضلال بني آدم وفتنتهم ، وقال : ) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ( صار من أعظم كيده صرف الناس عن الصلاة بشتى الوسائل ، والوسوسة لهم فيها لحرمانهم لذة هذه العبادة وإضاعة أجرهم وثوابهم، ولما كان الخشوع أول ما يرفع من الأرض ونحن في آخر الزمان ، انطبق فينا قول حذيفة t:" أول ما تفقدون من دينكم الخشوع ، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورُبّ مصلٍّ لا خير فيه ، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعا " .
ومما يلمسه المرء من نفسه ويسمعه من كثرة المشتكين من حوله بشأن قضية الوساوس في الصلاة وفقدان الخشوع، تتبين الحاجة إلى الحديث عن هذا الموضوع ، وفيما يلي تذكرة لنفسي ولإخواني المسلمين أسأل الله أن ينفع بها:
فقد قال الله تعالى: ) قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ( أي خائفون ساكنون و الخشوع هو السكون والطمأنينة والتؤدة والوقار والتواضع والحامل عليه – أي الخشوع - الخوف من الله و مراقبته. والخشوع : هو قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل .
ويروى عن مجاهد قال: ) قوموا لله قانتين ( فمن القنوت : الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله عز وجل .
ومحل الخشوع في القلب وثمرته على الجوارح ، والأعضاء تابعة للقلب فإذا فسد خشوعه بالغفلة والوساوس فسدت عبودية الأعضاء والجوارح فإن القلب كالملك والأعضاء كالجنود له فبه يأتمرون وعن أمره يَصدرون فإذا عُزل الملك وتعطّل بفقد القلب لعبوديته ضاعت الرعية وهي الجوارح.
وأما التظاهر بالخشوع ممقوت، لأن من علامات الإخلاص:
إخفاء الخشوع
كان حذيفة t يقول : إياكم وخشوع النفاق فقيل له : وما خشوع النفاق قال : أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع .
وقال الفضيل بن عياض : كان يُكره أن يُري الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه .
ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان، الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى مبيّناً الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق : " خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء ، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء و شهود نعم الله وجناياته هو ، فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح . وأما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا والقلب غير خاشع .
و كان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق ؟ قال: أن يرى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع .
فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته ، وسكن دخانها عن صدره ، فانجلى الصدر وأشرق فيه نور العظمة فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حشي به وخمدت الجوارح وتوقر القلب واطمأن إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه فصار مخبتاً له ، والمخبت المطمئن ، فإن الخبت من الأرض ما اطمأن فاستنقع فيه الماء ، فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها ، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه إجلالاً له وذلاً وانكساراً بين يديه سجدة لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه ، فهذا خشوع الإيمان، وأما القلب المتكبر فإنه قد اهتز بتكبره وربا فهو كبقعة رابية من الأرض لا يستقر عليها الماء .
وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعا ومراءاة ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات فهو يتخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة .
والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرّغ قلبه لها ، واشتغل بها عما عداها ، وآثرها على غيرها ، وحينئذٍ تكون راحة له وقرة عين كما قال النبي r : ( .. جعلت قرة عيني في الصلاة ) .
وقد ذكر الله الخاشعين والخاشعات في صفات عباده الأخيار وأخبر أنه أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما .
ومـــن فوائد الخـشوع أنه يخفـف أمر الصلاة على العـبد قــال تعالى : ) واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ( والمعنى : أي مشقة الصلاة ثقيلة إلا على الخاشعين.
والخشوع أمر عظيم شأنه، سريع فقده، نادر وجوده خصوصا في زماننا وهو من آخر الزمان قال النبي r ( أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعا.)
قال بعض السلف الصلاة كجارية تُهدى إلى ملك الملوك فما الظن بمن يُهدي إليه جارية شلاّء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرّجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة ، حتى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح ، فكيف بالصلاة يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى ؟ والله طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب: صلاة لا روح فيها. كما أنّه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه .
حكم الخشوع
والراجح في حكم الخشوع أنه واجب ، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال الله تعالى ) واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ( وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين ، و الذم لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرّم وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دلّ ذلك على وجوب الخشوع.
ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضا قوله تعالى: ) قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * - إلى قوله - أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ( أخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم .
وإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً وهو المتضمن للسكون والخشوع (هكذا في الأصل ولعلها الخضوع ) فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده وكذلك من لم يرفع رأسه في الركوع ويستقر قبل أن ينخفض لم يسكن لأن السكون هو الطمأنينة بعينها فمن لم يطمئن لم يسكن ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده ومن لم يخشع كان آثما عاصيا.
ويدل على وجوب الخشوع في الصلاة أن النبي r توعد تاركيه كالذي يرفع بصره إلى السماء فإنه حركته ورفعه وهو ضد حال الخاشع .
وفي فضل الخشوع ووعيد من تركه يقول النبي r : ( خمس صلوات افترضهن الله تعالى ، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن ، وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يفعل ، فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه .) .
وقال عليه الصلاة والسلام في فضل الخشوع أيضا : ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يُقبل عليهما بقلبه ووجهه [ وفي رواية : لا يحدّث فيهما نفسه ] غفر له ما تقدّم من ذنبه [ وفي رواية إلا وجبت له الجنة ] ) .
وعند البحث في أسباب الخشوع في الصلاة يتبين أنها تنقسم إلى قسمين، الأول جلب ما يوجد الخشوع ويقويه.
والثاني دفع ما يزيل الخشوع ويضعفه .
وهو ما عبّر عنه شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في بيانه لما يعين على الخشوع فقال : والذي يعين على ذلك شيئان :
1- قوة المقتضى .
2- ضعف الشاغل .
أمّا الأول: قوة المقتضى:
فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله و ما يفعله، ويتدبر القراءة والذكر والدعاء، ويستحضر أنه مناجٍ لله تعالى كأنه يراه. فإن المصلي إذا كان قائما فإنما يناجي ربه .
و الإحسان: ( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).
ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد ، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان .
والأسباب المقوية للإيمان كثيرة ، ولهذا كان النبي r يقول : ( حبب إليَّ من دنياكم : النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة ) وفي حديث آخر قال : ( أرحنا بالصلاة يا بلال ) ولم يقل : أرحنا منها .
أمّا الثاني: زوال العارض:
فهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يعنيه ، و تدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة ، وهذا في كل عبد بحسبه ، فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات ، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها ، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها .
وبناء على هذا التقسيم نستعرض فيما يلي طائفة من أسباب الخشوع في الصلاة:
أولا: الحرص على ما يجلب الخشوع ويقويه وهذا يكون بأمور منها:


( 1 ) الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها
ويحصل ذلك بأمور منها الترديد مع المؤذن والإتيان بالدعاء المشروع بعده " اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته " ، والدعاء بين الأذان والإقامة ، وإحسان الوضوء والتسمية قبله والذكر والدعاء بعده ( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله). ( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ). والاعتناء بالسواك وهو تنظيف وتطييب للفم الذي سيكون طريقا للقرآن بعد قليل لحديث: ( طهِّروا أفواهكم للقرآن ).
وأخذ الزينة باللباس الحسن النظيف، قال الله تعالى: ) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ( والله عز وجل أحقّ من تُزيِّن له، كما أن الثوب الحسن الطيب الرائحة يعطي صاحبه راحة نفسية بخلاف ثوب النوم والمهنة. و كذلك الاستعداد بستر العورة وطهارة البقعة والتبكير وانتظار الصلاة، وكذلك تسوية الصفوف والتراص فيها لأن الشياطين تتخلل الفُرَج بين الصفوف.

( 2) الطمأنينة في الصلاة
كان النبي r يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى موضعه وأمر بذلك المسيء صلاته وقال له : ( لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك .)
عن أبي قتادة t قال : قال النبي r : ( أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قال يا رسول الله : كيف يسرق صلاته ، قال : ( لا يتم ركوعها ولا سجودها ).
وعن أبي عبد الله الأشعري t قال : قال النبي r : ( مثل الذي لا يتمّ ركوعه ، وينقر في سجوده ، مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين ، لا يغنيان عنه شيئا ) والذي لا يطمئن في صلاته لا يمكن أن يخشع لأن السرعة تذهب بالخشوع ونقر الغراب يذهب بالثواب .
( 3 ) تذكر الموت في الصلاة
لقوله r : ( اذكر الموت في صلاتك ، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحريّ أن يحسن صلاته ، وصلّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي غيرها ) .
وفي هذا المعنى أيضا وصية النبي r لأبي أيوب t لما قال له: ( إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع ) يعني صلاة من يظن أنه لن يصلي غيرها وإذا كان المصلي سيموت ولابد ، فإن هناك صلاة مّا هي آخر صلاة له فليخشع في الصلاة التي هو فيها فإنه لا يدري لعلها تكون هذه هي .

( 4 ) تدبر الآيات المقروءة وبقية أذكار الصلاة والتفاعل معها
القرآن نزل للتدبر ) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليذكّر أولوا الألباب ( ولا يحصل التدبر إلا بالعلم بمعنى ما يقرأ فيستطيع التفكّر فينتج الدمع والتأثر قال الله تعالى : )والذين إذا ذُكِّروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا ( وهنا يتبين أهمية الاعتناء بالتفسير .
قال ابن جرير رحمه الله : " إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله ( أي : تفسيره ) كيف يلتذ بقراءته " ولذلك فمن المهم لقارئ القرآن أن ينظر في تفسير ولو مختصر مع التلاوة مثل كتاب زبدة التفسير للأشقر المختصر من تفسير الشوكاني وتفسير العلامة ابن سعدي المسمى " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " وإن لم يكن فكتاب في شرح الكلمات الغريبة مثل " المعجم الجامع لغريب مفردات القرآن " لعبد العزيز السيروان فإنه جمع فيه أربعة كتب من كتب غريب القرآن .
ومما يُعين على التدّبر كثيرا ترديد الآيات لأنه يعين على التفكّر ومعاودة النظر في المعنى وكان النبي r يفعل ذلك فقد جاء أنه r " قام ليلة بآية يرددها حتى أصبح وهي : ) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( .
وكذلك فإن مما يعين على التدبر التفاعل مع الآيات كما روى ( حذيفة قال : صليت مع رسول الله ذات ليلة .. يقرأ مسترسلا ، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح و إذا مر بسؤال سأل و إذا مر بتعوذ تعوذ ) وفي رواية ( صليت مع رسول الله ليلة ، فكان إذا مر بآية رحمة سأل ، و إذا مر بآية عذاب تعوذ ، و إذا مر بآية فيها تنزيه لله سبح ) .
وقام أحد الصحابة ــ وهو قتادة بن النعمان t الليل لا يقرأ إلا ) قل هو الله أحد ( يرددها لا يزيد عليها .
وقال سعيد بن عبيد الطائي : سمعت سعيد بن جبير يؤمهم في شهر رمضان وهو يردّد هذه الآية ) فسوف يعلمون * إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يُسحبون * في الحميم ثم في النار يُسجرون . ( .
وقال القاسم رأيت سعيد بن جبير قام ليلة يصلي فقرأ ) واتقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله ثم تُوفى كل نفس ما كسبت ( فرددها بضعا وعشرين مرة .
وقال رجل من قيس يُكنى أبا عبد الله : بتنا ذات ليلة عند الحسن فقام من الليل فصلى فلم يزل يردد هذه الآية حتى السّحر : ) وإن تعدّوا نعمة الله لا تُحصوها ( فلما أصبح قلنا : يا أبا سعيد لم تكد تجاوز هذه الآية سائر الليل ، قال : أرى فيها معتبرا ، ما أرفع طرفا ولا أردّه إلا وقد وقع على نعمة وما لا يُعلم من نعم الله أكثر .
وكان هارون بن رباب الأسيدي يقوم من الليل للتهجد فربما ردد هذه الآية حتى يُصبح : ) قالوا يا ليتنا نُردّ ولا نكذّب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ( ويبكي حتى يُصبح .
ومما يعين على التدبر أيضا حفظ القرآن والأذكار المتنوعة في الأركان المختلفة ليتلوها ويذكرها ليتفكّر فيها.
ولا شك أن هذا العمل ـ من التدبر والتفكر والترديد والتفاعل ـ من أعظم ما يزيد الخشوع كما قال الله تعالى : ) ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ( .
وفيما يلي قصة مؤثرة يتبين فيها تدبره وخشوعه r مع بيان وجوب التفكر في الآيات : عن عطاء قال : دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقال ابن عمير : حدّثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله r ، فبكت وقالت : قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة ذَريني أتعبّد لربي ، قالت : قلت : والله إني لأحبّ قربك ، وأحب ما يسرّك ، قالت : فقام فتطهر ثم قام يصلي ، فلم يزل يبكي حتى بلّ حجره ، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض ، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ لقد نزلت عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكّر ما فيها : ) إن في خلق السموات والأرض ... الآية ( .

ومن التجاوب مع الآيات التأمين بعد الفاتحة وفيه أجر عظيم ، قال رسول الله r :( إذا أمَّنَ الإمام فأمِّنُوا فإنه مَن وافق تأمِينُهُ تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه ) .
وهكذا التجاوب مع الإمام في قوله سمع الله لمن حمده فيقول المأموم ربنا ولك الحمد وفيه أجر عظيم فعن رفاعة ابن رافع الزرقي قال : كنا يوما نصلي وراء النبي r فلما رفع رأسه من الركعة قال : سمع الله لمن حمده ، قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فلما انصرف قال : من المتكلم ، قال : أنا ، قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أولُ .
( 5 ) أن يقطّع قراءته آيةً آية
وذلك أدعى للفهم والتدبر وهي سنة النبي r كما ذكرت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله عليه وسلم ( بسم الله الرحمن الرحيم ، وفي رواية : ثم يقف ثم يقول ، الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، وفي رواية : ثم يقف ثم يقول : )ملك يوم الدين ( يقطّع قراءته آيةً آية والوقوف عند رؤوس الآي سنّة وإن تعلّقت في المعنى بما بعدها .



( 6 ) ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها
كـما قـال الله عز وجـل : ) ورتل القرآن ترتيـلا ( وكانـت قـراءتـه r ( مفسـرةً حرفـاً حرفـا ) .
( وكان r يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها ) وهذا الترتيل والترسل أدعى للتفكر والخشوع بخلاف الإسراع والعجلة .
ومما يعين على الخشوع أيضا تحسين الصوت بالتلاوة وفي ذلك وصايا نبوية منها قوله صلى الله عليه و سلم : ( زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا ).
وليس المقصود بتحسين الصوت : التمطيط والقراءة على ألحان أهل الفسق وإنما جمال الصوت مع القراءة بحزن كما قال النبي r ( إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله).
( 7 ) أن يعلم أن الله يُجيبه في صلاته
قال النبي r : ( قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : الحمد لله رب العالمين قال الله : حمدني عبدي فإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال الله : أثنى عليّ عبدي ، فإذا قال : مالك يوم الدين ، قال الله : مجّدني عبدي ، فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : إهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال الله : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ) وهذا حديث عظيم جليل لو استحضره كل مصلٍّ لحصل له خشوع بالغ ولوجد للفاتحة أثرا عظيما كيف لا وهو يستشعر أن ربّه يخاطبه ثم يعطيه سؤله .
وينبغي إجلال هذه المخاطبة وقدرها حقّ قدرها ، قال رسول الله r : ( إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه ) .

( 8 ) الصلاة إلى سترة والدنو منها
من الأمور المفيدة لتحصيل الخشوع في الصلاة الاهتمام بالسترة والصلاة إليها فإن ذلك أقصر لنظر المصلي وأحفظ له من الشيطان وأبعد له عن مرور الناس بين يديه فإنه يشوّش ويُنقص أجر المصلي . قال النبي r : ( إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة و ليدن منها ) .
وللدنو من السترة فائدة عظيمة ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته ) والسنّة في الدنوّ من السترة أن يكون بينه وبين السترة ثلاثة أذرع وبينها وبين موضع سجوده ممرّ شاة كما ورد في الأحاديث الصحيحة .
وأوصى النبي r المصلي بأن لا يسمح لأحد أن يمرّ بينه وبين سترته فقال: ( إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، و ليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين ) .
قال النووي رحمه الله تعالى : " والحكمة في السترة كف ّ البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه .. وتمنع الشيطان المرور والتعرض لإفساد صلاته ".
( 9 ) وضع اليمنى على اليسرى على الصّدر
كان النبي r إذا قام في الصلاة ( وضع يده اليمنى على اليسرى ) مسلم رقم 401 و ( كان يضعهما على الصدر ) وقال رسول الله r: ( إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة).
وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن المراد بوضع اليدين إحداهما على الأخرى حال القيام فقال : هو ذلّ بين يدي العزيز الخشوع في الصلاة.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى : قال العلماء : الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع .




(10) النظر إلى موضع السجود
لما ورد عن عائشة (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلى طأطأ رأسه و رمى ببصره نحو الأرض ) .
( و لما دخل الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج عنها ).
أما إذا جلس للتشهد فإنه ينظر إلى أصبعه المشيرة وهو يحركها لما جاء عنه r أنه كان إذا جلس للتشهد ( يشير بأصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة ويرمي ببصره إليها) وفي رواية ( وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته ) .
مسألة

وهنا سؤال يدور في أذهان بعض المصلين وهو : ما حكم إغماض العينين في الصلاة خصوصا وأن المرء قد يحس بمزيد من الخشوع إذا فعل ذلك ؟
والجواب : أن ذلك مخالف للسنة الواردة عن النبي r كما تقدّم قبل قليل كما أن الإغماض يفوّت سنة النظر إلى موضع السجود وإلى الأصبع . ولكن هناك شيء من التفصيل في المسألة فلندع الميدان للفارس ولنفسح المكان للعلامة أبي عبد الله ابن القيم يبين الأمر ويجلّيه ، قال رحمه الله تعالى : " ولم يكن من هديه r تغميض عينيه في الصلاة ، وقد تقدّم أنه كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الدعاء ولا يُجاوز بصره إشارته ... وقد يدلّ على ذلك مدّ يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة ، وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها وصاحب المحجن .
وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمرّ بين يديه وردّه الغلام والجارية وحجزه بين الجاريتين ، وكذلك أحاديث ردّ السلام بالإشارة على من سلّم عليه وهو في الصلاة ، فإنه إنما كان يشير إلى من يراه ، وكذلك حديث تعرّض الشيطان له فأخذه فخنقه وكان ذلك رؤية عين . فهذه الأحاديث وغيرها يُستفاد من مجموعها العلم بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة .
وقد اختلف الفقهاء في كراهته ، فكرهه الإمام أحمد وغيره وقالوا : هو فعل اليهود ، وأباحه جماعة ولم يكرهوه ... والصواب أن يُقال إن كان تفتيح العين لا يُخلّ بالخشوع فهو أفضل ، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوّش عليه قلبه فهنالك لا يُكره التغميض قطعا ، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة ، والله أعلم .
الخلاصة: وبهذا يتبين أن السنة عدم الإغماض إلا إذا دعت الحاجة لتلافي أمر يضرّ بالخشوع .



(11) تحريك السبابة
وهذا أمر أهمله كثير من المصلين فضلا عن جهلهم بفائدته العظيمة وأثره في الخشوع قال النبي r : ( لهي أشد على الشيطان من الحديد ) أي أن الإشارة بالسبابة عند التشهد في الصلاة أشد على الشيطان من الضرب بالحديد لأنها تذكّر العبد بوحدانية الله تعالى والإخلاص في العبادة وهذا أعظم شيء يكرهه الشيطان نعوذ بالله منه .
ولأجل هذه الفائدة العظيمة كان الصحابة رضوان الله عليهم يتواصون بذلك ويحرصون عليه ويتعاهدون أنفسهم في هذا الأمر الذي يقابله كثير من الناس في هذا الزمان بالاستخفاف والإهمال.
فقد جاء في الأثر ما يلي: ( كان أصحاب النبي r يأخذ بعضهم على بعض. يعني : الإشارة بالأصبع في الدعاء ) والسنة في الإشارة بالسبابة أن تبقى مرفوعة متحرّكة مشيرة إلى القبلة طيلة التشهد .






( 12 ) التنويع في السور والآيات والأذكار والأدعية في الصلاة
وهذا يُشعر المصلي بتجدد المعاني والانتقال بين المضامين المتعددة للآيات والأذكار وهذا ما يفتقده الذي لا يحفظ إلا عدداً محدوداً من السور (وخصوصا قصارها ) والأذكار ، فالتنويع من السنّة وأكمل في الخشوع .
وإذا تأملنا ما كان النبي r يتلوه ويذكره في صلاته فإننا نجد هذا التنوع ففي أدعية الاستفتاح مثلا نجد نصوصا مثل : ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدّنس ، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرَد ) ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمِرتُ وأنا أول المسلمين) ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك ولا إله غيرك) وغير ذلك من الأدعية والأذكار والمصلي يأتي بهذا مرة وبهذا مرة وهكذا .
وفي السور التي كان r يقرؤها في صلاة الفجر نجد عددا كثيرا مباركا مثل: ( طوال المفصّل كالواقعة والطور و ق ، وقصار المفصّل مثل : إذا الشمس كورت والزلزلة والمعوذتين وورد أنه قرأ الروم ويس والصافات وكان يقرأ في فجر الجمعة بالسجدة والإنسان ) .
وفي صلاة الظهر ورد أنه كان يقرأ في كلّ من الركعتين قدر ثلاثين آية وقرأ بالطارق والبروج والليل إذا يغشى .
وفي صلاة العصر يقرأ في كل من الركعتين قدر خمس عشرة آية ويقرأ بالسور التي سبقت في صلاة الظهر .
وفي صلاة المغرب يقرأ بقصار المفصّل كالتين والزيتون وقرأ بسورة محمد والطور والمرسلات وغيرها .
وفي العشاء كان يقرأ من وسط المفصّل كـ ) الشمس وضحاها ( و ) إذا السماء انشقت ( وأمر معاذاً أن يقرأ بـالأعلى والقلم والليل إذا يغشى .
وفي قيام الليل كان يقرأ بطوال السور وورد في سنته r قراءة مائتي ومائة وخمسين آية وكان أحيانا يقصّر القراءة .
وأذكار ركوعه r متنوعة فبالإضافة إلى ( سبحان ربي العظيم ) و( سبحان ربي العظيم وبحمده ) يقول : ( سُبّوح قُدّوس رب الملائكة والروح ) ويقول : ( اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي ، خشع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين ) .
وفي الرفع من الركوع يقول بعد ( سمع الله لمن حمده ) : ( ربنا ولك الحمد ) .
وأحيانا ( ربنا لك الحمد ) وأحيانا ( اللهم ربنا (و) لك الحمد ) وكان يضيف أحيانا ( ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).
ويضيف تارة ( أهل الثناء والمجد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ ) .
وفي السجود بالإضافة إلى ( سبحان ربي الأعلى ) و ( سبحان ربي الأعلى وبحمده ) يقول أيضا : ( سُبّوح قدوس رب الملائكة والروح ) و ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) و ( اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت ، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشقّ سمعه وبصره ، تبارك الله أحسن الخالقين ) وغير ذلك .
وفي الجلسة بين السجدتين بالإضافة إلى ( رب اغفر لي رب اغفر لي ) يقول ( اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني واهدني وعافني وارزقني ) .
وفي التشهد عدد من الصيغ الواردة مثل ( التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ... الخ ) وكذلك ورد ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ... الخ ) وورد ( التحيات الطيبات الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ... الخ ) .
فيأتي المصلي مرة بهذا ومرة بهذا .
وفي الصلاة على النبي r عدّة صيغ منها : ( اللهم صلّ عل محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعل آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) .
وورد أيضا ( اللهم صلّ على محمد وعلى أهل بيته وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل بيته وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) .
وورد ( اللهم صلّ على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ) .
ووردت صيغ أخرى كذلك والسنة أن ينوّع بينها كما تقدّم ولا يمنع أن يواظب على بعضها أكثر من بعض لقوة ثبوتها أو اشتهارها في كتب الحديث الصحيحة أو لأن النبي r علّمها أصحابه لمّا سألوه عن الكيفية بخلاف غيرها وهكذا . جميع ما تقدّم من النصوص والصيغ من كتاب صفة صلاة النبي r للعلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني الذي اجتهد في جمعها من كتب الحديث .


( 13) أن يأتي بسجود التلاوة إذا مرّ بموضعه
من آداب التلاوة السجود عند المرور بالسجدة وقد وصف الله في كتابه الكريم النبيين والصالحين بأنهم ) إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجّدا وبكيا ( قال ابن كثير رحمه الله تعالى : " أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم " .
وسجود التلاوة في الصلاة عظيم وهو مما يزيد الخشوع قال الله عز وجل : ) ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ( وقد ثبت عن النبي r أنه سجد بسورة النجم في صلاته وروى البخاري رحمه الله في صحيحه (عن أبي رافع قال : صليت مع أبي هريرة t العتمة [ أي : العشاء ] فقرأ ) إذا السماء انشقت ( فسجد فقلت له ، قال : سجدت خلف أبي القاسم r فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه . ) .
فينبغي المحافظة على سجود التلاوة في الصلاة خصوصا وأن سجود التلاوة فيه ترغيم للشيطان وتبكيت له وذلك مما يضعف كيده للمصلي . عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إذا قرأ ابن آدم السجدة ، اعتزل الشيطان يبكي ، يقول : يا ويله ، أمر بالسجود فسجد ، فله الجنة ، وأمرت بالسجود فعصيت ، فلي النار ) .


(14) الاستعاذة بالله من الشيطان
الشيطان عدو لنا ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمصلي كي يذهب خشوعه ويلبِّس عليه صلاته. و الوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو بغيره ، لا بد له من ذلك ، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر ، و يلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة ولا يضجر ، فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان ) إن كيد الشيطان كان ضعيفا ( .
وكلما أراد العبد توجها إلى الله تعالى بقلبه جاء من الوسوسة أمور أخرى ، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق ، كلما أراد العبد السير إلى الله تعالى ، أراد قطع الطريق عليه ، ولهذا قيل لبعض السلف : " إن اليهود والنصارى يقولون : لا نوسوس قال : صدقوا ، وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب " .
وقد مثل ذلك بمثال حسن، وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره، وبيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره وجواهره وليس جواهر الملك وذخائره، وبيت خال صفر لا شيء فيه، فجاء اللص يسرق من أحد البيوت، فمن أيها يسرق ؟
والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه ، فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه وأغيظه للشيطان ، وأشده عليه فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه بل لا يزال به يعده ويمنّيه وينسيه ، ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهوّن عليه شأن الصلاة ، فيتهاون بها فيتركها . فإن عجز عن ذلك منه ، وعصاه العبد ، وقام في ذلك المقام ، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه ، ويحول بينه وبين قلبه ، فيذكّره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها ، حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجة وأيس منها ، فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ، ويأخذه عن الله عز وجل ، فيقوم فيها بلا قلب ، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه عز وجل الحاضر بقلبه في صلاته ، فينصرف من صلاته مثلما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله ، لم تُخفَفْ عنه بالصلاة ، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها ، وأكمل خشوعها ، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه.
ولمواجهة كيد الشيطان وإذهاب وسوسته أرشدنا النبي r إلى العلاج التالي : عن أبي العاص t قال : يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبِّسها عليّ ، فقال رسول الله صلى عليه وسلم : ( ذاك شيطان يُقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوّذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا ) . قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني .
ومن كيد الشيطان للمصلي ما أخبرنا عنه r وعن علاجه فقال : ( إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبس عليه - يعني خلط عليه صلاته وشككه فيها - حتى لا يدري كم صلى . فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس ) .
ومن كيده كذلك ما أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله : ( إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث ، فأشكل عليه ، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ) .
بل إن كيده ليبلغ مبلغا عجيبا كما يوضحه هذا الحديث : عن ابن عباس أن النبي r سئل عن الرجل يخيّل إليه في صلاته أنه أحدث ولم يُحدِث ، فقال رسول الله r : ( إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته حتى يفتح مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يُحدث ، فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرفن حتى يسمع صوت ذلك بأذنه أو يجد ريح ذلك بأنفه ) .
مسألة

وهناك خدعة شيطانية يأتي بها " خنزب " إلى بعض الخيِّرين من المصلين وهي محاولة إشغالهم بالتفكير في أبواب أخرى من الطاعات عن الصلاة التي هم بشأنها وذلك كإشغال أذهانهم ببعض أمور الدعوة أو المسائل العلمية فيستغرقون فيها فلا يعقلون أجزاء من صلاتهم وربما لبَّس عل بعضهم بأن عمر كان يجهِّز الجيش في الصلاة ، ولندع المجال لشيخ الإسلام ابن تيمية يجلي الأمر ويجيب عن هذه الشبهة .
قال رحمه الله تعالى : " وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب من قوله : ( وإني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة ) فذاك لأن عمر كان مأمورا بال**** وهو أمير المؤمنين ، فهو أمير ال**** ، فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلي الذي يصلي صلاة الخوف حال معاينة العدو ، إما حال القتال وإما غير حال القتال ، فهو مأمور بالصلاة ، ومأمور بال**** ، فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان . قال تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ( ، ومعلوم أن طمأنينة القلب حال ال**** لا تكون كطمأنينته حال الأمن ، فإذا قُدِّر أنه نقص من الصلاة شيء لأجل ال**** لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته .
ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن ، ولما ذكر الله سبحانه صلاة الخوف قال : ) فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ( فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف .
ومع هذا : فالناس متفاوتون في ذلك ، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة ، مع تدبره للأمور بها ، وعمر قد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ، وهو المحدَّث المُلهم فلا ينكر لمثله أن يكون مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره ، لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى ، ولا ريب أن صلاة رسول الله حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف في الأفعال الظاهرة فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة فكيف بالباطنة . وبالجملة فتفكر المصلي في الصلاة [في] أمر يجب عليه ، قد يضيق وقته ، ليس كتفكره فيما ليس بواجب أو فيما لم يضق وقته . وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر في تدبير جيشه إلا في تلك الحال ، وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة ، ومثل هذا يعرض لكل أحد بحسب مرتبته ، والإنسان دائما يذكر في الصلاة ما لا يذكره خارج الصلاة .
ومن ذلك ما يكون من الشيطان ، كما أن بعض السلف ذكر له رجل أنه دفن مالا وقد نسي موضعه ، فقال : قم فصل ، فقام فصلى فذكره ، فقيل له ، من أين علمت ذلك ؟ قال : علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يذكره بما يشغله ولا أهم عنده من ذكر موضع الدفن ، لكن العبد الكيِّس يجتهد كمال الحضور مع كمال فعل بقية المأمور ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .





( 15) التأمل في حال السلف في صلاتهم
وهذا يزيد الخشوع ويدفع إلى الاقتداء فـ " لو رأيت أحدهم وقد قام إلى صلاته فلما وقف في محرابه واستفتح كلام سيده خطر على قلبه أن ذلك المقام هو المقام الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين فانخلع قلبه وذهل عقله " .
قال مجاهد رحمه الله : " كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسيا ما دام في صلاته ." .
كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع ، وكان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه .
وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد فانهدم طائفة منه فقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر .
ولقد بلغنا أن بعضهم كان كالثوب الملقى ، وبعضهم ينفتل من صلاته متغير اللون لقيامه بين يدي الله عز وجل . وبعضهم إذا كان في الصلاة لا يعرف من على يمينه وشماله . وبعضهم يصفر وجهه إذا توضأ للصلاة ، فقيل له إنا نراك إذا توضأت للصلاة تغيرت أحوالك ، قال : إني أعرف بين يدي من سأقوم .
وكان علي بن أبي طالب t إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه ، فقيل له : ما لك ؟ فيقول : جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتُها . وكان سعيد التنوخي إذا صلى لم تنقطع الدموع من خديه على لحيته . وبلغنا عن بعض التابعين أنه كان إذا قام إلى الصلاة تغير لونه ، وكان يقول : أتدرون بين يدي من أقف ومن أناجي . فمن منكم لله في قلبه مثل هذه الهيبة ؟ .
وقالوا لعامر بن عبد القيس : أتحدّث نفسك في الصلاة فقال : أوَ شيء أحبُّ إليّ من الصلاة أحدّث به نفسي ! قالوا : إنا لنحدّث أنفسنا في الصلاة ، فقال: أبالجنة والحور ونحو ذلك ؟ قالوا لا ، ولكن بأهلينا وأموالنا . فقال : لأن تختلف الأسنّة فيّ أحبُّ إليّ [ أي لأن يكثر طعن الرماح في جسدي أحبّ إلي من أن أحدّث نفسي في الصلاة بأمور الدنيا ].
وقال سعد بن معاذ : فيّ ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن ، لكنت أنا أنا : إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه ، وإذا سمعت من رسول الله حديثا لا يقع في قلبي ريب أنه الحقّ ، وإذا كنت في جنازة لم أحدّث نفسي بغير ما تقول ويقال لها .
قال حاتم رحمه الله : أقوم بالأمر ، وأمشي بالخشية ، وأدخل بالنية ، وأكبّر بالعظمة ، وأقرأ بالترتيل والتفكير ، وأركع بالخشوع ، وأسجد بالتواضع ، وأجلس للتشهد بالتمام ، وأسلّم بالنية، وأختمها بالإخلاص لله عز وجل ، وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت .
قال أبو بكر الصبغي : أدركت إمامين لم أُرزق السّماع منهما : أبو حاتم الرازي ومحمد بن نصر المروزي ، فأما ابن نصر فما رأيت أحسن صلاة منه ، لقد بلغني أن زنبورا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرك . وقال محمد بن يعقوب الأخرم : ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن نصر ، كان الذباب يقع على أذنه .. فلا يذبّه على نفسه ، ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيبته للصلاة كان يضع ذقنه على صدره كأنه خشبة منصوبة .
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميل يمنة ويسرة .
قارن بين هذا وبين ما يفعله بعضنا اليوم هذا ينظر في ساعته وآخر يصلح هندامه وثالث يعبث بأنفه ومنهم من يبيع ويشتري في الصلاة وربما عدّ نقوده وبعضهم يتابع الزخارف في السجاد والسقوف أو يحاول التعرّف على من بجانبيه .
تُرى لو وقف واحد من هؤلاء بين يدي عظيم من عظماء الدنيا هل يجرؤ على فعل شيء من ذلك .

(16) معرفة مزايا الخشوع في الصلاة ومنها
-قوله r: ( ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها ، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة ، وذلك الدهر كله ) .
- أن الأجر المكتوب بحسب الخشوع كما قال r : ( إن العبد ليصلي الصلاة ما يُكتب له منها إلا عشرها ، تسعها ، ثمنها ، سبعها ،سدسها ، خمسها ، ربعها ، ثلثها ، نصفها ) .
- أنه ليس له من صلاته إلا ما عقل منها كما جاء عن ابن عباس t : (ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ) .
- أن الأوزار والآثام تنحط عنه إذا صلّى بتمام وخشوع كما قال النبي صلى عليه وسلم : ( إن العبد إذا قام يصلي أُتي بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقيه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه ) قال المناوي :" المراد أنه كلما أتم ركناً سقط عنه ركن من الذنوب حتى إذا أتمها تكامل السقوط وهذا في صلاة متوفرة الشروط والأركان والخشوع كما يؤذن به لفظ " العبد " و" القيام " إذ هو إشارة إلى أنه قام بين يدي ملك الملوك مقام عبد ذليل " .
- أن الخاشع في صلاته " إذا انصرف منها وجد خفّة من نفسه ، وأحس بأثقال قد وضعت عنه ، فوجد نشاطا وراحة وروحا ، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها ، لأنها قرّة عينه ونعيم روحه ، وجنة قلبه ، ومستراحه في الدنيا ، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها ، فيستريح بها ، لا منها ، فالمحبون يقولون : نصلي فنستريح بصلاتنا ، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم r : ( يا بلال أرحنا بالصلاة ) ولم يقل أرحنا منها .
وقال r : ( جعلت قرة عيني بالصلاة ) فمن جُعلت قرّة عينه في الصلاة ، كيف تقرّ عينه بدونها وكيف يطيق الصبر عنها ؟ .
(17) الاجتهاد بالدعاء في مواضعه في الصلاة وخصوصا في السجود
لاشك أن مناجاة الله تعالى والتذلل إليه والطلب منه والإلحاح عليه مما يزيد العبد صلة بربّه فيعظم خشوعه ، والدعاء هو العبادة والعبد مأمور به قال تعالى : ) أدعو ربكم تضرعا وخفية ( و ( من لم يسأل الله يغضب عليه ) .
وقد ثبت الدعاء في الصلاة عن النبي r في مواضع معينة هي السجود وبين السجدتين وبعد التشهد وأعظم هذه المواضع السجود لقوله r: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ) وقال : (... أما السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمَن - أي حريّ وجدير - أن يُستجاب لكم) .
ومن أدعيته r في سجوده : ( اللهم اغفر لي ذنبي دِقَّه وجِلَّه ، وأوله وآخره ، وعلانيته وسره ) وكذلك ( اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت ) وقد تقدّم بعض ما كان يدعو به بين السجدتين أنظر السبب رقم 11 .
ومما كان يدعو به r بعد التشهد ما علمناه بقوله : ( إذا فرغ أحدكم من التشهد فليستعذ بالله من أربع ؛ من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن شر المسيح الدجال .).
وكان يقول ( اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل .) ( اللهم حاسبني حسابا يسيرا ) .
وعلّم أبا بكر الصديق t أن يقول : ( اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ) .
وسمع رجلا يقول في تشهده : ( اللهم إني أسألك يا الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم فقال r : قد غُفر له ، قد غُفر له . ) .
وسمع آخر يقول في تشهده : ( اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك المنان يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار فقال النبي r لأصحابه : تدرون بما دعا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال : والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى . ) .
وكان من آخر ما يقوله r بين التشهد والتسليم : ( اللهم اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر ، لا إله إلا أنت . ) .
وحفظ مثل هذه الأدعية يعالج مشكلة صمت بعض الناس وراء الإمام إذا فرغوا من التشهد لأنهم لا يدرون ماذا يقولون.
(18) الأذكار الواردة بعد الصلاة
فإنه مما يعين على تثبيت أثر الخشوع في القلب وما حصل من بركة الصلاة وفائدتها ولاشك أن من حفظ الطاعة الأولى وصيانتها إتباعها بطاعة ثانية ، وكذلك فإن المتأمل لأذكار ما بعد الصلاة يجد أنها تبدأ بالاستغفار ثلاثا فكأن المصلي يستغفر ربه عما حصل من الخلل في صلاته وعما حصل من التقصير في خشوعها فيها ، ومن المهم كذلك الاهتمام بالنوافل فإنها تجبر النقص في الفرائض ومنه الإخلال بالخشوع .




وبعد الكلام عن تحصيل الأسباب الجالبة للخشوع يأتي الحديث عن
ثانيا : دفع ما يزيل الخشوع ويضعفه .

( 19) إزالة ما يشغل المصلي من المكان
عن أنس t قال : كان قِرام ( ستر فيه نقش وقيل ثوب ملوّن ) لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال لها النبي r : ( أميطي - أزيلي - عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ) .
وعن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة ( بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع أو الخزانة ) فكان النبي r يصلي إليه فقال : ( أخّريه عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ) فأخرته فجعلته وسائد .
ويدل على هذا المعنى أيضا أن النبي r لما دخل الكعبة ليصلي فيها رأى قرني كبش فلما صلى قال لعثمان الحجبي ( إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي ).
ويدخل في هذا ؛ الاحتراز من الصلاة في أماكن مرور الناس وأماكن الضوضاء والأصوات المزعجة وبجانب المتحدثين وفي مجالس اللغو واللغط وكل ما يشغل البصر .
وكذلك تجنب الصلاة في أماكن الحرّ الشديد والبرد الشديد إذا أمكن ذلك فإن النبي r أمر بالإبراد في صلاة الظهر بالصيف لأجل هذا .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى : " إن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور ، ويفعل العبادة بتكرّه وتضجّر ، فمن حكمة الشارع أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحرّ ، فيصلي العبد بقلب حاضر ، ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى .

( 20) أن لا يصلي في ثوب فيه نقوش أو كتابات أو ألوان أو تصاوير تشغل المصلي
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قام النبي الله r يصلي في خميصة ذات أعلام - أي : كساء مخطط ومربّع - فنظر إلى علمها فلما قضى صلاته قال : ( اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة و أتوني بأنبجانيّه - كساء ليس فيه تخطيط ولا تطريز ولا أعلام -، فإنها ألهتني آنفا في صلاتي " وفي رواية : " شغلتني أعلام هذه " وفي رواية : " كانت له خميصة لها علم ، فكان يتشاغل بها في الصلاة .
ومن باب أولى أن لا يصلي في ثياب فيها صور وخصوصا ذوات الأرواح كما شاع وانتشر في هذا الزمان .



( 21) أن لا يصلي وبحضرته طعام يشتهيه
وقال رسول الله r : ( لا صلاة بحضرة طعام ) فإذا وُضع الطعام وحضر بين يديه أو قُدِّم له ، بدأ بالطعام لأنه لا يخشع إذا تركه وقام يصلي ونفسه متعلِّقة به . بل إن عليه أن لا يعجل حتى تنقضي حاجته منه لقوله r: ( إذا قرِّب العَشاء وحضرت الصلاة ، فابدؤا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب . ولا تعجلوا عن عشائكم . ) وفي رواية : ( إذا وُضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء ولا يعجلنّ حتى يفرغ منه ) متفق عليه ، البخاري كتاب الآذن ، باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة .

( 22) أن لا يصلي وهو حاقن أو حاقب
لاشكّ أن مما ينافي الخشوع أن يصلي الشخص وقد حصره البول أو الغائط ولذلك ( نهى رسول الله r أن يصلي الرجل وهو حاقن ) والحاقن أي الحابس البول و الحاقب هو حابس الغائط .
ومن حصل له ذلك فعليه أن يذهب إلى الخلاء لقضاء حاجته ولو فاته ما فاته من صلاة الجماعة فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء ) .
بل إنه إذا حصل له ذلك أثناء الصلاة فإنه يقطع صلاته لقضاء حاجته ثم يتطهر ويصلي لأن النبي r قال : ( لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان .) وهذه المدافعة بلا ريب تذهب بالخشوع . ويشمل هذا الحكم أيضا مدافعة الريح .
(23) أن لا يصلي وقد غلبه النّعاس
عن أنس بن مالك قال ، قال رسول الله r : ( إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقول ) أي فليرقد حتى يذهب عنه النوم .
وقد جاء ذكر السبب في ذلك : فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r قال : ( إذا نعس أحدكم و هو يصلي فليرقد ، حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه ) وقد يحصل هذا في قيام الليل وقد يصادف ساعة إجابة فيدعو على نفسه وهو لا يدري ، ويشمل هذا الحديث الفرائض أيضا إذا أمِن بقاء الوقت .
(24) أن لا يصلي خلف المتحدث أو (النائم)
لأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن ذلك فقال : ( لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث ).
لأن المتحدث يلهي بحديثه والنائم قد يبدو منه ما يلهي . قال الخطابي رحمه الله : " أما الصلاة إلى المتحدثين فقد كرهها الشافعي وأحمد بن حنبل وذلك من أجل أن كلامهم يُشغل المصلي عن صلاته " .
أما أدلة النهي عن الصلاة خلف النائم فقد ضعّفها عدد من أهل العلم منهم أبو داود في سننه كتاب الصلاة : تفريع أبواب الوتر : باب الدعاء ، وابن حجر في فتح الباري شرح باب الصلاة خلف النائم : كتاب الصلاة وقال البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه : باب الصلاة خلف النائم ، وساق حديث عائشة : كان النبي r يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه .. صحيح البخاري : كتاب الصلاة " وكره مجاهد وطاوس ومالك الصلاة إلى النائم خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته .." فتح الباري الموضع السابق . فإذا أُمن ذلك فلا تُكره الصلاة خلف النائم والله أعلم .
( 25) عدم الانشغال بتسوية الحصى
روى البخاري رحمه الله تعالى عن معيقيب t ( أن النبي r قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال : إن كنت فاعلا فواحدة ) قال رسول الله r: ( لا تمسَح وأنت تصلي فإن كنتَ لا بدَّ فاعِلا فواحدة) يعني تسوية الحصى .
والعلة في هذا النهي المحافظة على الخشوع ولئلا يكثر العمل في الصلاة ، والأَولى إذا كان موضع سجوده يحتاج إلى تسوية فليسوه قبل الدخول في الصلاة .
ويدخل في الكراهية مسح الجبهة والأنف وقد سجد النبي r في ماء وطين وبقي أثر ذلك في جبهته ولم يكن ينشغل في كل رفع من السجود بإزالة ما علق فالاستغراق في الصلاة والخشوع فيها ينسي ذلك ويشغل عنه وقد قال النبي r : ( إن في الصلاة شغلا ).
وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال : ما أحب أن لي حمر النعم وأني مسحت مكان جبيني من الحصى . وقال عياض : كره السلف مسح الجبهة في الصلاة قبل الانصراف ( يعني الانصراف من الصلاة ).
وكما أن المصلي ينبغي أن يحترز مما يشغله عن صلاته كما مرّ في النقاط السابقة فكذلك عليه أن يلتزم بعدم التشويش على المصلين الآخرين ومن ذلك :
(26) عدم التشويش بالقراءة على الآخرين
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( ألا إن كلكم مناج ربه ، فلا يؤذين بعضكم بعضا ، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة ) أو قال (في الصلاة ) وفي رواية ( لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن ) .




(27) ترك الالتفات في الصلاة
لحديث أبي ذر t قال : قال رسول الله r : ( لا يزال الله عز وجل مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه ) .
والالتفات في الصلاة قسمان :
الأول : التفات القلب إلى غير الله عز وجل .
الثاني : التفات البصر ، وكلاهما منهي عنه وينقص من أجر الصلاة ، وقد سئل رسول الله r عن الالتفات في الصلاة فقال : ( اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) .
ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو قلبه مثل رجل استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينا وشمالا ، وقد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به لأن قلبه ليس حاضرا معه فما ظنّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان ؟ . أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتا مبعدا قد سقط من عينيه ، فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته وذلت عنقه له ، واستحيى من ربه أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية : إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة ، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض ، وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله عز وجل والآخر ساه غافل.".
و أما الالتفات " لحاجة فلا بأس به ، روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال : ( ثوب بالصلاة -صلاة الصبح - فجعل رسول الله r يصلي وهو يلتفت إلى الشعب ) . قال أبو داود : ( وكان أرسل فارسا من الليل إلى الشعب يحرس ) . وهذا كحمله أمامة بنت أبي العاص ، .. وفتحه الباب لعائشة ونزوله من المنبر لما صلى بهم يعلمهم ، وتأخره في صلاة الكسوف ، وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن يقطع صلاته ، وأمره بقتل الحية والعقرب في الصلاة ، وأمره بردّ المار بين يدي المصلي ومقاتلته ، وأمره النساء بالتصفيق وإشارته في الصلاة وغير ذلك من الأفعال التي تُفعل لحاجة ، ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث - المنافي للخشوع - المنهي عنه في الصلاة " .
( 28) عدم رفع البصر إلى السماء
وقد ورد النهي عن ذلك والوعيد على فعله في قوله r : ( إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يرفع بصره إلى السماء ، أن يلتمع بصره ) وفي رواية : ( ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم [ وفي رواية : عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة [ . فاشتد قوله في ذلك حتى قال : لينتهنّ عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم ).
( 29) أن لا يبصق أمامه في الصلاة
لأنه مما ينافي الخشوع في الصلاة والأدب مع الله لقوله صلى الله عليه و سلم : ( إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى ). و قال:( إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه ، فإنما يناجي الله - تبارك و تعالى - ما دام في مصلاه ، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا ، و ليبصق عن يساره ، أو تحت قدمه فيدفنها ) وقال : (إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه ، وإن ربه بينه و بين قبلته ، فلا يبزقن أحدكم في قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ) .
وإذا كان المسجد مفروشا بالسجاد ونحوه كما هو الغالب في هذا الزمان فيمكنه إذا احتاج أن يُخرج منديلا ونحوه فيبصق فيه ويردّه .
( 30) مجاهدة التثاؤب في الصلاة
قال رسول الله r: ( إذا تثاءَب أحدُكم في الصلاة فليكظِم ما استطاع فإن الشيطان يدخل ) وإذا دخل الشيطان يكون أقدر على التشويش على خشوع المصلي بالإضافة إلى أنه يضحك من المصلي إذا تثاءب .


( 31) عدم الاختصار في الصلاة
عن أبي هريرة قال : ( نهى رسول الله r عن الاختصار في الصلاة ) والاختصار هو أن يضع يديه على خصره .
فعن زياد بن صبيح الحنفي قال : صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي فضرب يدي فلما صلى قال هذا الصّلب في الصلاة وكان رسول الله r ينهى عنه .
وقد جاء في حديث مرفوع أن التخصّر راحة أهل النار والعياذ بالله .
( 32) ترك السدل في الصلاة
لما ورد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ( نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه ). قال الخطّابي : السَّدْل ؛ إرسال الثوب حتى يصيب الأرض . السدل منهي عنه مطلقا لأنه من الخيلاء وهو في الصلاة أشنع وأقبح .
وقال صاحب النهاية : أي يلتحف بثوبيه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد . وقيل إن كانت اليهود تفعله . وقيل السدل : أن يضع الثوب على رأسه أو كتفه ويرسل أطرافه أمامه أو على عضديه فيبقى منشغلا بمعالجته فيخلّ بالخشوع بخلاف ما لو كان مربوطا أو مزررا لا يُخشى من وقوعه فلا يُشغل المصلي حينئذ ولا ينافي الخشوع .
ويوجد في بعض ألبسة الناس اليوم من بعض الأفارقة وغيرهم وفي طريقة لبس بعض المشالح والأردية ما يبقي المصلي مشغولا في أحيان من صلاته برفع ما وقع أو ضم ما انفلت وهكذا فينبغي التنبه لذلك .
أما النهي عن تغطية الفم فمن العلل التي ذكرها العلماء في النهي عنه أنه يمنع حسن إتمام القراءة وكمال السجود.
(33 ) ترك التشبه بالبهائم
لمّا أن الله كرّم ابن آدم وخلقه في أحسن تقويم ، كان من المعيب أن يتشبه الآدمي بالبهائم وقد نهينا عن مشابهة عدد من هيئات البهائم وحركاتها في الصلاة لما في ذلك من منافاة الخشوع أو قبح الهيئة التي لا تليق بالمصلي فمما ورد في ذلك : ( نهى رسول الله r في الصلاة عن ثلاث : عن نقر الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المقام الواحد كإيطان البعير ) قيل معناه أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا به يصلي فيه كالبعير لا يُغير مناخه فيوطنه . وفي رواية : ( نهاني عن نقرة كنقرة الديك ، وإقعاء كإقعاء الكلب ، والتفات كالتفات الثعلب . ) هذا ما تيسر ذكره من الأسباب الجالبة للخشوع لتحصيلها والأسباب المشغلة عنه لتلافيها .
وإن من عِظم مسالة الخشوع وعلوّ قدرها عند العلماء أنهم ناقشوا القضية التالية مسألة : فيمن كثرت الوساوس في صلاته ، هل تصح أم عليه الإعادة قال ابن القيم رحمه الله تعالى : فإن قيل ما تقولون في صلاة من عدِم الخشوع ، هل يعتد بها أم لا ؟ قيل : أما الاعتداد بها في الثواب : فلا يعتد بها ، إلا بما عقل فيه منها ، و خشع فيه لربه .
قال ابن عباس : ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها . و في المسند مرفوعا : إن العبد ليصلي الصلاة ، و لم يكتب له إلا نصفها ، أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها .
فقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم ، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح ، و لو اعْتُدَّ له بها ثوابا لكان من المفلحين . و أما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء فإن غلب عليها الخشوع و تعقلها اعتد بها إجماعا ، و كانت من السنن و الأذكار عقيبها (بعدها) جوابر و مكملات لنقصها .
وإن غلب عليها عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها ، فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد . ومن هذا أيضا اختلافهم في الخشوع في الصلاة وفيه قولان للفقهاء ، وهما في مذهب أحمد وغيره .
وعلى القولين : اختلافهم في وجوب الإعادة على من غلب عليه الوسواس في صلاته ، فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد ولم يوجبها أكثر الفقهاء .
واحتجوا بأن النبي r أمر من سها في صلاته بسجدتي السهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله : ( إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيقول : أذكر كذا ، أذكر كذا ، لما لم يكن يذكر ، حتى يُضل الرجل أن يدري كم صلى).
ولكن لا نزاع أن هذه الصلاة لا ثواب على شيء منها إلا بقدر حضور قلبه وخضوعه ، كما قال r : ( إن العبد لينصرف من الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها ، ثلثها ، ربعها ، حتى بلغ عشرها ) .
وقال ابن عباس : ( ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ) فليست صحيحة باعتبار ترقب كمال مقصودها عليها وإن سميت صحيحة باعتبار أنا لا نأمره بالإعادة .
وقد ثبت عن النبي r في الصحيح أنه قال : ( إذا أذن المؤذن بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط ، حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضى التأذين أقبل ، فإذا ثوب بالصلاة أدبر ، فإذا قضى التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا اذكر كذا ، ما لم يكن يذكر ، حتى يظل لا يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس ) . قالوا : فأمره النبي في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها، حتى لم يدر كم صلى بأن يسجد سجدتي السهو ، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلة - كما زعمتم - لأمره بإعادتها .
قالوا : وهذا هو السر في سجدتي السهو ، ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد ، وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة ، ولهذا سماها النبي المرغمتين .
فإن أردتم وجوب الإعادة : لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك كله إليه إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه .
وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا. وهذا هو أرجح القولين . والله أعلم .
خاتمة
أمر الخشوع كبير ، وشأنه خطير ، ولا يتأتى إلا لمن وفقه الله لذلك ، وحرمان الخشوع مصيبة كبيرة وخطب جلل ولذلك كان النبي r يقول في دعائه : ( اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ) والخاشعون درجات ، والخشوع من عمل القلب يزيد وينقص فمنهم من يبلغ خشوعه عنان السماء ومن يخرج من صلاته لم يعقل شيئا ، والناس في الصلاة على مراتب خمسة :
أحدها : مرتبة الظالم لنفسه المفرط ، وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.
الثاني : من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها ، لكنه قد ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة ، فذهب مع الوساوس والأفكار .
الثالث : من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار ، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته ، فهو في صلاة و**** .
الرابع : من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها ، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئا منها ، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها ، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها .
الخامس : من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ، ناظرا بقلبه إليه ، مراقبا له ، ممتلئا من محبته وعظمته ، كأنه يراه ويشاهده ، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات ، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه ، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أعظم مما بين السماء والأرض ، وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين به .
فالقسم الأول معاقب .
والثاني محاسب .
والثالث مكفّر عنه .
والرابع مثاب .
والخامس مقرّب من ربّه ، لأن له نصيبا ممن جُعلت قرّة عينه في الصلاة ، فمن قرّت عينه بصلاته في الدنيا ، قرّت عينه بقربه من ربّه عز وجل في الآخرة ، وقرّت عينه أيضا به في الدنيا ، ومن قرت عينه بالله قرّت به كل عين ، ومن لم تقرّ عينه بالله تعالى تقطعّت نفسه على الدنيا حسرات " .
وختاما أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الخاشعين وأن يتوب علينا أجمعين وأن يجزي بالخير من ساهم في هذه الرسالة وأن ينفع من قرأ فيها آمين ، والحمد لله رب العالمين .
كتبه : محمد بن صالح المنجد









الفهرس

الموضوع
رقم الصفحة
المقدمة
2
الخشوع
2
إخفاء الخشوع
3
حكم الخشوع
6
أما الأول : قوة المقتضى
8
أما الثاني : زوال العارض
8
1- الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها
9
2- الطمأنينة في الصلاة
10
3- تذكر الموت في الصلاة
10
4- تدبر الآيات المقروءة وبقية أذكار الصلاة والتفاعل معها
11
5- أن يقطع قراءته آية آية
14
6- ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها
15
7- أن يعلم أن الله يجيبه في صلاته
15
8- الصلاة إلى سترة والدنو منها
16
9- وضع اليمنى على اليسرى على الصدر
17
10- النظر إلى موضع السجود
18
11- تحريك السبابة
20
12- التنويع في السور
21
13- أن يأتي بسجود التلاوة إذا مر بموضعه
25
14- الاستعاذة بالله من الشيطان
26
15- التأمل في حال السلف في صلاتهم
31
16- معرفة مزايا الخشوع في الصلاة
34
17- الاجتهاد بالدعاء في مواضعه في الصلاة وخصوصاً في السجود
35
18- الأذكار الواردة بعد الصلاة
37
19- إزالة ما يشغل المصلي من المكان
38
20- أن لا يصلي في ثوب فيه نقوش أو كتابات أو ألوان أو تصاوير تشغل المصلي
39
21- أن لا يصلي وبحضرته طعام يشتهيه
40
22- أن لا يصلي وهو حاقن أو حاقب
40
23- أن لا يصلي وقد غلبه النعاس
41
24- أن لا يصلي خلف المتحدث والنائم
41
25- عدم الانشغال بتسوية الحصى
42
26- عدم التشويش بالقراءة على الآخرين
43
27- ترك الالتفات في الصلاة
44
28- عدم رفع البصر إلى السماء
45
29- أن لا يبصق أمامه في الصلاة
46
30- مجاهدة التثاؤب في الصلاة
46
31- عدم الاختصار في الصلاة
47
32- ترك السدل في الصلاة
47
33- ترك التشبه بالبهائم
48
خاتمة
51

asmadweb
25-06-2009, 11:02
جزاك الله خيرا ، وان كان امر السدل والقبض محل نقاش واختلاف بين المسلمين عامة والله اعلم

أم حمزة
25-06-2009, 14:42
http://img519.imageshack.us/img519/838/df960bc9d81wm2.gif