تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : المغربُ...مَغْرِبَان!!


ابو ندى
23-12-2011, 11:30
بالأمس و أنا أتابع الأخبار الرئيسية ،أثار إنتباهي خبَرُ إشرف جلالة الملك على تدشين مركز فحص وعلاج الأسنان بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء ،و تدشين مصلحة الطب النفسي للأطفال والمراهقين بذات المركز .

الخبر يبدو عادياً ،فالمغرب الذي يزْعُمُ بأنَّهُ دولة المشاريع الكبرى ،مُتعوِّدٌ على إنشاء مرافق كهذه ،لكنه في الحقيقة ،يحمِلُ في طيَّاته مفارقات غريبة جدّاً:

فبالتزامنِ مع متابعتي للنبأ ،كنتُ أطالِع على الفايسبوك أخبار المستوصف الصغير بحي "بام"-آزرو- ،و الذي يحتضِنُ هذه الأيَّام الحملة الوطنية للتلقيح ،فالناشطون الجمعويون الذين يشاركون في تأطير الحملة ، يصفون وضع هذا المرفق الصِّحي بالكارثي،ما دام أنَّ الأمهات يضطرِرنَ إلى القدوم إلى هناك مع الساعات الأولى للفجر ،حتَّى يتمكَّنَّ من وضْع أسمائهن في مقدمة لائحة الإنتظار ،مع مايُرافق ذلك من مُجازفةٍ بصحة الأطفال الرُّضع ،خاصة و أنَّ درجة الحرارة تهوي -في الصباح- إلى رُتَب تحت الصِّفر ،الشيء الذي قد يجعلهم عُرضةً لضربات البرد ،كما أنَّ بهو المستوصف يصير غاصّاً بالنساء اللواتي تنتظِرْن دورهنَّ لإستفاذة أبنائهن من الجلبة ،هذا الإكتضاض ينجُمُ بالأساس على النقص الكبير بمستوصفات الأحياء بمدينة آزرو و إنعدامها بالقُرى المجاورة ممَّا يدفَع سكانها إلى القدوم إلى أقرب مدينة ، إضافة إلى نُدْرَة الأطر الطبية و الشبه طبية بالمُستوصفات.

الوضعُ بآزرو ،بالِغ الصُّعوبة ،فالناسُ لا يجدون حتَّى الحدَّ الأدنى من الرِّعاية الصِّحيَّة ،حيث الجميع يتصارع من أجلِ حُقن تقي أبناءها من شبح الشلل و الحصبة و الكزَاز و آفاتٌ أخرى لا زالت تبطش بفلدات أكبادنا.

في جهة أخرى من المغرب و بالتحديد في الدار البيضاء ،الناس من ذوي الحُضوة هُناك ،أصبح عندهم التزاحم كالخراف في المستوصف من أجل التلقيح ،شيئاً من الماضي الغابر، أمَّا الرِّعاية الصِّحية فقد وصلت حدَّ الكماليات كتقويم الأسنان و الصِّحة النفسية.

هذه هي الصُّورة في المغرب إذاً ،أناسٌ بلغوا من االترَف و الكماليات مبلغاً ، و آخرون مغبونون لا يجدون طبيباً يُشخِّصُ لهم المرض و يصِفُ لهم الدواء و يُحْمَلُونَ على التزاحم و الإصطفاف في طوابير مُنيفَةٍ ،بل إنَّ البعض لم يسبق له أن صادف طبيباً و لا رأى مستوصفاً ،و إنَّما ينتظرُ قدوم قافلة طبية أجنبية أو مُستوصفات عسكرية مؤقتة و كأنَّ المرض زائرٌ موسميٌّ يعُودُهم في أوقات دون أخرى.

لا يُمكن لمثل هذه المقاربات التي نتعاطى بها مع الخريطة الصحية ببلادنا أن تُسْفر عن نتائج جيدة ،فبدل صرف 34 مليون درهم على مركزيين إستشفائيين خاصَّين بالكماليات ،وجب صرف مثل هذه المبالغ في تقريب المستوصفات و الأدوية لسكان المغرب النائي و المُهمَّش ،حيثُ الإنسان هُناك لا يحضى حتى بالحد الأدنى للرعاية الصَّحية ،و الذي سقط فريسة للفقر و الجوع و المرض و الجهل.

قدرُ سُكان آزرو أن يكونوا لُقمة سائغة للجوع و المرض ،ممَّا وجب التعامُلُ مع ما هو متوفِّرٌ من إمكانيات -على نُدرتها- حتى يستفيد الجميع .

فكان بالإمكان مثلا التعاملُ مع قاصدي مستوصف "بام" بنظام المواعيد ،حيث يُعطى لكُلِّ أحدٍ منهم موعدا يدوَّن به اليوم و الساعة ،حتى يأتي و يستفيذَ من عملية تلقيح أبنائه ،و هكذا يمكن حَصْرَ أعداد زوار المستوصف و بالتالي تمُرُّ العملية بطريقة أكثر تنظيماً ،مع تخصيص يوم الثلاثاء للقادمين من القرى.

حملة التلقيح أمرِ يتكرَّرُ كلَّ سنة ،مما يجعل العاملين بالمستوصفات مُتسلحين بالخبرة في التعامل معها،لذا كان مٌحتَّماً الإعداد الجيِّد لمثل هذه المُناسبات ،حتى تمُرَّ بشكلٍ منظَّم بعيداً عن الإرتباك الحاصِل الآن.

شيءٌ يُثلِجُ الصدر أن ترى الشباب الجمعوي من أبناء آزرو يحاولون من خلال العملٍ التطوُّعي رَفع بعض العبئ على هذه النساء و الممرضات و كلُّ الأطرُ العاملة بالمُستوصف و الذين أقدِّمُ لهم في هذا المقال كلَّ عبارات الشُّكر و التقدير ،عرفاناً لهم ،لما قدَّموه من تضحيات في سبيل هذه المدينة الغالية - آزرو-.

موكال عزيز