التربوية
19-05-2012, 15:06
الإضراب عن الطعام.. فيه وفيه
المساء
المساء : 19 - 05 - 2012
هددت إحدى تنسيقيات المعطلين بتحويل الساحة المقابلة للبرلمان إلى مقبرة جماعية، وأصرت على رفض صيغة المباريات مقابل التشغيل، متمسكة بالتوظيف المباشر في قطاع الوظيفة العمومية وركوب المصاعد بدل السلاليم، وقال حملة الشواهد إن الموت أهون من سنوات الانتظار أمام البرلمان، ودعوا رفاقهم إلى الإمساك عن الطعام كشكل احتجاجي فيه أجر ورسالة لمن يهمه الأمر.
الإضراب عن الطعام هو نوع من الانتحار البطيء، وقتل الذات وتدمير خلاياها دفاعا عن موقف أو قضية، حيث ينسج المضرب علاقة مع الجوع، ويتعايش مع الألم والمغص والدوار، ومع مرور الأيام تتعطل الحواس ويصبح الجسد أشبه بجثة مهملة تؤرخ لحالة انتحار بعد أن يقرأ المضرب الشهادة، إذا استحضرها طبعا.
يجمع أهل الفتوى على عدم جواز الإضراب عن الطعام «لما فيه من إهلاك للنفس»، ويعتبرونه صيغة نضالية للانتحار، لأن الله سبحانه وتعالى يوصي بعدم رمي النفس إلى التهلكة. لكنْ، لعملة الإفتاء وجه آخر يحمل المسؤولية للحاكم الذي يدفع محكوميه دفعا نحو أبغض الإضراب إلى الله ويعتبره راعيا ضيع رعيته.
نسجت الحكومة قانونا للإضراب يلزم الداعين إليه، بكل أشكاله، إلى إشعار السلطات والمشغل بقرار الإضراب قبل عشرة أيام من تاريخ تنفيذه، ويمنع القانون الاعتصام داخل المؤسسات. ولأن الاعتصام مرادف للإضراب عن الطعام، فإن المشرع المغربي ألغى الإمساك عن شهوة البطن من قاموس الاحتجاج، إلا إذا كان الإمساك بنية جمع الحسنات ومراكمة الأجر والثواب، لكن أليس من واجب الحكومة أولا تشغيل العاطلين قبل سن قانون الإضراب كي لا تضع المحراث قبل البعير، وتنظم العمل النقابي من انتهازيين، قلوبُهم مع المعتصمين وسيوفهم مع المشغلين، وتضيف إلى القانون بندا يدعو المعتصمين إلى إشعار سيارات الإسعاف وحجز مقابر مسبقا.
من الناس من يلجأ إلى الإضراب عن الطعام دفاعا عن قضية، ومنهم من يعتبر الجوع ورقة ضغط، وهناك من يضرب عن الأكل بناء على تعليمات مختص في التغذية بهدف تخسيس الوزن ومحاربة السمنة والغاز «الطبيعي»، بل إن الأمر وصل إلى حد اختراع فساتين و«شورطات» تغني عن الإضراب عن الطعام وتقوم مقامه في تعديل القوام ومحاربة البناء العشوائي للأبدان. بينما يوجد إضراب شبه دائم عن الطعام، يمارسه البسطاء بسبب العوز والحاجة، فضيق ذات اليد يجعل المرء يكتفي بوجبات تؤمن للجسد الحد الأدنى من الحياة، وهناك فئة تضرب عن «الطعامْ»، أي الكسكس، بينما تقبل بنهم على بقية أصناف المأكولات، وقس على ذلك أصناف المضربين عن الأكل والشراب.
لكن أغرب حالات الإضراب عن الطعام هي التي عشتها أثناء إنجاز استطلاع صحفي حول المصحات الخصوصية للحيوانات، حيث جمعتني الصدف بزبون في غرفة انتظار، تخيم عليه حالة اكتئاب قصوى، وهو يحتضن قطة لم تعد لها رغبة في الأكل، قال لسيدة تجلس عن يمينه إن قطته مضربة عن الطعام، وتصر على ملازمة مكان معين لا تغيره ولا تتحرك في البيت، وإنه قلق بشأن وضعها الصحي؛ نظرت السيدة إلى القطة بإمعان وطلبت من المشتكي تفاصيل أخرى حول الإضراب عن الطعام الذي تخوضه القطة، وراحت تصف له مجموعة من الفيتامينات قبل أن تختم مرافعتها بدعوته إلى البحث عن قط يزاوج القطة المضربة في ما يشبه الخلوة الحيوانية.
حسن البصري
المساء
المساء : 19 - 05 - 2012
هددت إحدى تنسيقيات المعطلين بتحويل الساحة المقابلة للبرلمان إلى مقبرة جماعية، وأصرت على رفض صيغة المباريات مقابل التشغيل، متمسكة بالتوظيف المباشر في قطاع الوظيفة العمومية وركوب المصاعد بدل السلاليم، وقال حملة الشواهد إن الموت أهون من سنوات الانتظار أمام البرلمان، ودعوا رفاقهم إلى الإمساك عن الطعام كشكل احتجاجي فيه أجر ورسالة لمن يهمه الأمر.
الإضراب عن الطعام هو نوع من الانتحار البطيء، وقتل الذات وتدمير خلاياها دفاعا عن موقف أو قضية، حيث ينسج المضرب علاقة مع الجوع، ويتعايش مع الألم والمغص والدوار، ومع مرور الأيام تتعطل الحواس ويصبح الجسد أشبه بجثة مهملة تؤرخ لحالة انتحار بعد أن يقرأ المضرب الشهادة، إذا استحضرها طبعا.
يجمع أهل الفتوى على عدم جواز الإضراب عن الطعام «لما فيه من إهلاك للنفس»، ويعتبرونه صيغة نضالية للانتحار، لأن الله سبحانه وتعالى يوصي بعدم رمي النفس إلى التهلكة. لكنْ، لعملة الإفتاء وجه آخر يحمل المسؤولية للحاكم الذي يدفع محكوميه دفعا نحو أبغض الإضراب إلى الله ويعتبره راعيا ضيع رعيته.
نسجت الحكومة قانونا للإضراب يلزم الداعين إليه، بكل أشكاله، إلى إشعار السلطات والمشغل بقرار الإضراب قبل عشرة أيام من تاريخ تنفيذه، ويمنع القانون الاعتصام داخل المؤسسات. ولأن الاعتصام مرادف للإضراب عن الطعام، فإن المشرع المغربي ألغى الإمساك عن شهوة البطن من قاموس الاحتجاج، إلا إذا كان الإمساك بنية جمع الحسنات ومراكمة الأجر والثواب، لكن أليس من واجب الحكومة أولا تشغيل العاطلين قبل سن قانون الإضراب كي لا تضع المحراث قبل البعير، وتنظم العمل النقابي من انتهازيين، قلوبُهم مع المعتصمين وسيوفهم مع المشغلين، وتضيف إلى القانون بندا يدعو المعتصمين إلى إشعار سيارات الإسعاف وحجز مقابر مسبقا.
من الناس من يلجأ إلى الإضراب عن الطعام دفاعا عن قضية، ومنهم من يعتبر الجوع ورقة ضغط، وهناك من يضرب عن الأكل بناء على تعليمات مختص في التغذية بهدف تخسيس الوزن ومحاربة السمنة والغاز «الطبيعي»، بل إن الأمر وصل إلى حد اختراع فساتين و«شورطات» تغني عن الإضراب عن الطعام وتقوم مقامه في تعديل القوام ومحاربة البناء العشوائي للأبدان. بينما يوجد إضراب شبه دائم عن الطعام، يمارسه البسطاء بسبب العوز والحاجة، فضيق ذات اليد يجعل المرء يكتفي بوجبات تؤمن للجسد الحد الأدنى من الحياة، وهناك فئة تضرب عن «الطعامْ»، أي الكسكس، بينما تقبل بنهم على بقية أصناف المأكولات، وقس على ذلك أصناف المضربين عن الأكل والشراب.
لكن أغرب حالات الإضراب عن الطعام هي التي عشتها أثناء إنجاز استطلاع صحفي حول المصحات الخصوصية للحيوانات، حيث جمعتني الصدف بزبون في غرفة انتظار، تخيم عليه حالة اكتئاب قصوى، وهو يحتضن قطة لم تعد لها رغبة في الأكل، قال لسيدة تجلس عن يمينه إن قطته مضربة عن الطعام، وتصر على ملازمة مكان معين لا تغيره ولا تتحرك في البيت، وإنه قلق بشأن وضعها الصحي؛ نظرت السيدة إلى القطة بإمعان وطلبت من المشتكي تفاصيل أخرى حول الإضراب عن الطعام الذي تخوضه القطة، وراحت تصف له مجموعة من الفيتامينات قبل أن تختم مرافعتها بدعوته إلى البحث عن قط يزاوج القطة المضربة في ما يشبه الخلوة الحيوانية.
حسن البصري