مصطفى
24-12-2012, 20:43
مواصفات المدرسة الآمنة: منعاً لحدوث الجرائم والاعتداءات
«إن تمكين البشر من خلق بيئة أكثر أمنًا ومجتمع أكثر اهتمامًا يتطلب منا البحث عن أسباب الجريمة والعنف للحد من فرص وقوعهما.. إن أطفالنا هم أهم مواردنا البشرية وضمان أمنهم وسلامتهم في جميع أنحاء البلاد هي أهم مهامنا». (المجلس القومي الأمريكي للوقاية من الجريمة).
تسعى مكونات المجتمعات المتحضرة جاهدة إلى العمل معًا لجعل المدارس أماكن آمنة يتلقى فيها أطفالنا تعليمهم حتى يصبحوا مواطنين مسؤولين في المستقبل. وعلى الرغم أن وسائل الإعلام الأمريكية تعج بالتقارير التي تتناول عمليات إطلاق النار، والعنف، والأحداث الدرامية التي تقع في المدارس، إلا أن ذلك يجب ألا ينسينا أن الغالبية العظمى من المدارس في جميع أنحاء البلاد تنعم طول اليوم بالهدوء والأمن. بيد أن هذا الهدوء قد يبدو غير ذي معنى إذا ما قورن بالرعب والخوف الذي ينجم عن نشر هذه الحوادث العنيفة الدامية في وسائل الإعلام، لكن هذه النتائج ما هي إلا أعراض لأمراض ومشكلات يجب التعامل معها ومخاطبتها.
فالتوحش في السلوك، والضرب المبرح، والترويع، والانتهاكات السلوكية يمكن أن تشكل الأساس لوقوع مزيد من الأحداث المميتة في المستقبل، الأمر الذي جعل المعلمين والتربويين يعتبرون هذه الممارسات العنيفة مقدمات وموحيات بوقوع مزيد من الجرائم الخطيرة في المدارس وأماكن أخرى. ومن ثم، على الآباء، وصناع السياسة، والمسؤولين في المدارس، والطلاب أن يتخذوا من جانبهم الإجراءات الكفيلة بمنع وقوع العنف في المدارس من خلال دعم وتعزيز السلامة والأمن في مجتمعاتنا في جميع أنحاء البلاد. وهذا الهدف لن يتحقق إلا من خلال المشاركة الفعالة في تعليم وتوجيه الجماهير، وتزويدهم بمبادئ الأمن والسلامة الموضوعية والمُجربة في المدارس.
إن تحقيق مبادئ الأمن والسلامة في المدارس يتطلب اتخاذ إجراءات منهجية، وتشكيل فريق عمل للتعرف على المشكلات، وعقد الندوات وعصر الأدمغة للتوصل إلى حلول ناجعة، وتطوير خطة عمل، وحشد الدعم لها، وتقييم نتائجها. إن اتخاذ إجراء وقائي من شأنه منع تحول المشكلات البسيطة إلى مشكلات خطيرة.
قلق الآباء
تعتبر المدارس من أأمن الأماكن التي يرتادها أطفالنا، حيث ترتفع معدلات وقوع الضحايا بعيدًا عن أسوار المدرسة. ومع ذلك، لا ينفي هذا تعرض الأطفال لعدة جرائم عنيفة، علاوة على إمكانية وقوعهم في براثن تناول المخدرات، وممارسات التوحش الطلابي، والمكايدة، والإضرار بالمتعلقات الشخصية، والسرقة أثناء ومن وإلى المدرسة، والعبارات والرسومات ذات العلاقة بأعمال الكراهية، والمشكلة الأكبر تكمن في إمكانية تصاعد هذه الأحداث وتأزمها.
والحقيقة، أن الطلاب ليسوا الوحيدين الذي يتعرضون للجرائم المدرسية، حيث يتعرض المعلمون، بنسب ليست بالقليلة، لعدة جرائم كالسرقة، والاغتصاب، والاعتداء البدني وكذلك الاعتداء على ممتلكاتهم الشخصية، كالسيارات والهواتف الخلوية (الجوال).
ويلاحظ أن انتظام الطلاب في المدرسة ومستواهم التعليمي (الأكاديمي) يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بقدر الأمان الذي يشعر به الطالب في بيئته المدرسية، ومن ثم، يصعب على الأطفال الصغار التركيز في الدراسة إذا شعروا بأنهم عرضة لأي خطر، علاوة على أن مناخ الخوف يجبر المعلمين على أن يتحول اهتمامهم من التدريس إلى القيام بأعمال المراقبة والشرطة، وسرعان ما تصبح مخاوف الأمن والسلامة في المدرسة جزءًا هامًا للغاية في أي حوار يتعلق بتحسين الأداء العلمي في المدرسة.
دور الآباء ورعاة الطلاب
إن اشتراك الآباء والقائمين على رعاية الأطفال في خلق مدارس آمنة أمر هام للغاية. وبوسعهم، بل يجب عليهم التعاون مع مديري المدارس، والمعلمين، والطلاب، والمسؤولين المحليين القائمين على تطبيق القانون لتحقيق الآتي:
- تقييم احتياجات ومتطلبات الأمن والسلامة الخاصة بالمدرسة.
- التعرف على قادة المجتمع المحلي والمواطنين الآخرين المعنيين الذين يستطيعون المساعدة في تحديد أولويات السلامة والأمن وإشراكهم في هذه المهمة.
- رسم خطط التحرك وتحديد الأهداف المرجوة من معالجة مشكلات محددة تتعلق بالسلامة والأمن.
- تشجيع وتبني ومناصرة قضية أمن وسلامة المدرسة في المجتمع المحيط.
- القيام بتغيير إيجابي في بيئة المدرسة وحولها.
- تقييم فعالية أي تطويرات يتم اتخاذها في مسألة الأمن والسلامة المدرسية.
ويجب أن تهدف أي خطة عمل يتم تبنيها إلى تأمين مبنى المدرسة ضد أي عنصر دخيل محتمل، وتوفير ممر أو طريق آمن للذهاب إلى المدرسة والعودة منها، والاستفادة من وسائل التأمين الحديثة مثل الكاميرات الرقمية، والأقفال المؤمنة، وأجهزة الإنذار، والإضاءة، والمراقبة، بالإضافة إلى شن حملة في جميع أنحاء المدارس ضد التوحش بين الطلاب.
مدير المدرسة.. الحليف الرئيسي للآباء
على الآباء أن يحددوا موعدًا للالتقاء بمدير المدرسة أو نائبه، فإقامة شراكة بين الطرفين أمر هام للغاية في ضوء الخبرة والمعرفة التي يحظى بها المديرون في مجال أمن وسلامة المدرسة. ويمكن من خلال هذا اللقاء التعرف على الإجراءات القائمة في المدرسة لتوفير الأمن والسلامة داخلها، وهل هناك لجنة لإدارة الأزمات تتولى منع الجريمة قبل وقوعها، وهل بمقدور الآباء المشاركة في هذه اللجنة؟ وهل لدى المدرسة الاستعداد الكافي للتجاوب بسرعة مع المواقف غير الآمنة؟
وباستطاعة الآباء أن يتعرفوا على الأشخاص الذين يستطيعون الاتصال بهم في حالة وقوع أمر طارئ في المدرسة، وبمقدورهم أيضاً أن يعرفوا إذا كان هناك ناصحون (مستشارون) وعلماء نفسيون أم لا في المدرسة للتعامل مع الطلاب المثيرين للإزعاج والقلق. وسيتمكن الآباء من التأكد من حصول المعلمين أو عدمه على دورات تدريبية في مجال منع وقوع العنف في المدرسة، وإدارة الفصل المدرسي، وقضايا الأمن والسلامة. ويجب على الآباء أن يدركوا أن كل من المعلمين، والمدربين، والمرشدين الاجتماعيين، وحراس وضباط الأمن المدرسي، وسائقي الحافلات المدرسية جميعهم عناصر حيوية لأمن وسلامة أي مدرسة، ومن ثم على الوالدين أن يكونوا متعاونين معهم لتحقيق الهدف المشترك وهو توفير بيئة آمنة لتعليم الطلاب.
القضايا الرئيسية الثلاث التي تؤثر على سلامة وأمن المدرسة:
مناخ المدرسة
حينما يتعلق الأمر بالأمن والسلامة، تختلف كل مدرسة عن الأخرى، وبالبحث أمكن التعرف على عوامل عدة تؤثر على تحديد ما إذا كانت مدرسة ما آمنة أو غير آمنة.
ويمكن تلخيص بعض الخصائص التي تجعلنا نصف مدرسة ما بأنها غير آمنة على النحو التالي:
· رداءة تصميم مباني المدرسة وسوء استخدام المساحات الفضاء فيها.
· الازدحام الشديد وكثافة عدد الطلاب.
· غياب أو قلة الإجراءات النظامية أو الانضباطية اليقظة، والصارمة، والحريصة أو الحذرة.
· شعور الطلاب بالاستغراب تجاه من حولهم والنفور منهم.
· إهمال المعلمين ونظرائهم للطلاب المعرضين للخطر.
· الضيق والتبرم من قواعد ونظم المدرسة ومتطلبات التكيف معها.
وعلى الجانب الآخر، نذكر بعض الخصائص التي تجعلنا نصف مدرسة ما بأنها آمنة كالتالي:
· التحلي بمناخ وجو مدرسي إيجابي.
· التوقعات الواضحة والمرتفعة لأداء وسلوك الطلاب.
· ارتباط الطالب القوي بالمدرسة وبالعملية التعليمية.
· ارتفاع معدلات مشاركة الطلاب والآباء (أولياء الأمور).
· توفر الفرص أمام الطلاب لتعلم مهارات الحياة والتطور اجتماعيًا.
· وجود القيم والممارسات التي تجعل كل شخص يشعر بأنه مطلوب ومشمول بالاهتمام.
· وجود الثقافة التي تشجع على احترام وتقدير التنوع.
· وجود مدير مدرسة وإدارة مدرسية تتعامل فورًا مع المخاوف وترحب بمشاركة الآباء.
مواصفات المدرسة الآمنة والمسؤولة كما عرّفتها وزارة التعليم الأمريكية
· تتمتع المدرسة بقيادة قوية، وملكة الاهتمام والعناية بالطلاب، ومشاركة الأسرة والمجتمع معها (بما في ذلك المسؤولون عن تنفيذ القانون ومُمثلو المنظمات المجتمعية)، ومشاركة الطلاب في تصميم وإعداد البرامج والسياسات.
· تتمتع المدرسة ببيئة طبيعية آمنة وتقوم السياسات التي تتبعها المدرسة بتشجيع ودعم السلوكيات المسؤولة للطلاب.
· يجب أن تتميز برامج الوقاية من الجريمة والتدخل لمنعها بالاستدامة، والتناغم، والشمولية.
· يجب أن يكون التدخل قائمًا على أساس تقييم دقيق لاحتياجات ومتطلبات الطلاب.
· يتم استخدام الطرق والوسائل التى ثبت بالدليل العملي والتجريبي جدواها.
· يتلقى العاملون في المدرسة التدريب والمساندة اللازمتين لمساعدتهم على تنفيذ البرامج.
· مراقبة التدخلات الخارجية وتقييمها للتأكد من أن البرامج المطبقة تحقق الأهداف المرجوة.
وبوجه عام، يجب أن تتضمن جميع المدارس، ومن بينها المدارس الابتدائية، موضوعات عن منع وقوع الجريمة ومكافحتها في المناهج الدراسية. وينبغي أن يتعلم الطلاب كيف يحلون النزاعات بدون اللجوء للعنف، وكيف يسيطرون على غضبهم، ويؤمنون بالتنوع، ويحلون المشكلات. وباستطاعة الطلاب أيضًا أن يستفيدوا من البرامج التي تبني المهارات الاجتماعية، وتزيد احترام الذات، وتعلم التواصل الإيجابي، وتعين في إدارة الضغوط، وتهيئهم للتعامل مع المتغيرات.
تخطيط المدرسة وتنظيمها
إن منع وقوع الجريمة من خلال تبني التصميم البيئي للمدرسة يسهل ويعزز أمن وسلامة المدرسة، حيث يشجع على السلوك الإيجابي للطلاب. ويركز تصميم المدرسة على تحقيق ثلاثة مبادئ: السيطرة، وتحسين المراقبة الطبيعية، والاستيعاب الصحيح لحدود المدرسة. فهذه المبادئ الثلاثة يمكن تطبيقها بسهولة وفعالية على المدارس. فعلى سبيل المثال، تستطيع المدرسة الآمنة أن:
· تسيطر على أي وصول أو اقتراب من مباني وأرض المدرسة من خلال تحديد موضع أو مدخل واحد للزوار، والسماح بمرورهم من خلال بوابات المسح (الكشف) الإلكترونية، وتحديد ومراقبة نقطة دخول محددة للطلاب، وتقليل عدد الأبواب الجانبية المحيطة بالمباني والمؤدية إليها.
· تحسين المراقبة الطبيعية لمباني وأراضي المدرسة وذلك بضمان توفر الرؤية الواضحة للمكان من خلال إزالة العوائق والحواجز غير الضرورية وتقليم وتهذيب الأشجار، والحد من الأماكن المخفية ووضع علامات ولوحات إرشادية واضحة ومرتفعة عن الأرض مع خفض ارتفاع الأكم الخضراء، وتحسين الإضاءة والحد من المساحات المظللة أو وضع مرايا محدبة في الأماكن المظلمة أو المحجوبة.
· تعزيز حدود المدرسة من خلال تحديد الحواف النهائية لأملاك المدرسة بأسوار من الأشجار أو الحديد للتأكيد على مفهوم جوهري مفاده أن المدرسة ليست فضاء عامًا يصل إليه أي امرئ. يضاف إلى ذلك، جعل كل مكان في المدرسة متفردًا بذاته (فهذا قسم الفنون، وذلك قسم العلوم..إلخ) لتعزيز الحدود أو «الملكية» والفخر بالمدرسة، وتسهيل التعرف على الأشخاص غير المصرح لهم بالوجود في هذه الأماكن. وأخيرًا الالتزام بالصيانة الجيدة للأماكن والحرص الشديد على نظافتها والاعتناء بها، الأمر الذي يعزز الفخر والانتماء للمدرسة والحفاظ عليها.
الأمن الفعلي (المادي) الملموس
إن برامج الوقاية من الجريمة وأسس تخطيط المدرسة ليست بالأمر الكافي لضمان بيئة مدرسية آمنة، فالإجراءات الأمنية تقلل من أخطار الجريمة والعنف المدرسي من خلال تمكين الإدارة من السيطرة والمراقبة لكل منطقة في المنشأة.
وفي المنشآت ذات التاريخ الحافل بوقوع جرائم، يصبح تعزيز إجراءات الأمن أمرًا مساعدًا ومعينًا في إرسال رسالة مفادها أن من الصعوبة بمكان أن ترتكب جريمة أو عنفًا في المدرسة. وتشمل هذه التعزيزات تركيب كاميرات الفيديو، وأجهزة الكشف عن المواد والأدوات الصلبة، وأنظمة الإنذار، وتشغيل أفراد الأمن. وتستطيع التقنيات الأمنية أن تزيد عملية الكشف عن الجريمة وتأخير أو إبطاء تقدم المُقدمين على ارتكاب الجرائم، لكنها ليست كافية بذاتها للحد من الجريمة والعنف، ومن ثم فتعيين حراس الأمن أو الأفراد القائمين على تنفيذ القوانين في المدرسة خيار آخر مهم. ولكي نضمن أمن الطلاب، والمنشأة، والعاملين فيها، تتبع المدارس الآمنة الإرشادات التالية:
· تتطلب سياسة الزوار أن يوقعوا في سجل الزيارات ويكشفوا عن هويتهم تفصيليًا.
· يتم إغلاق الأبواب غير المراقبة من الخارج طول الوقت لمنع دخول الأشخاص والمواد غير المصرح بها للمبنى دون علم الإدارة.
· يتم مراقبة الطلاب الداخلين والخارجين من المدرسة، وتستخدم أجهزة الكشف على حقائب الطلاب لتبين ما بداخلها من أدوات غير مصرح بها.
· يتم تركيب أقفال مؤمنة للغاية أو وحدات تحكم إلكترونية للأبواب، خاصة في الأماكن التي تحتوي على مواد خطرة، والأماكن ذات الاستخدامات الخاصة كالبدروم ودورات المياه.
· تركيب شبكة اتصال تضمن إمكانية تواصل العاملين الإداريين والمعلمين فورًا عند الضرورة أو الطوارئ.
· تركيب أبواب صلبة، مغطاة بصفحة من الصلب من كلا الجانبين وتركيب أبواب للبدروم.
· تأمين جميع الشبابيك.
· عند تغير العاملين أو إدارة المدرسة، يتم تغيير الأقفال أو «القلب الداخلي» للأقفال.
· يتم استخدام الإضاءات ذات الحساسية مع أي تحرك بالإضافة للإضاءة الثابتة بالخارج.
· إضاءة الأماكن المظلمة المحيطة بالمبنى وقطع الشجيرات التي تحجب تسرب وتغلغل الضوء، وإضاءة الممرات والطرق الجانبية المظلمة.
· تزويد موظف الاستقبال بزر إنذار للطوارئ، وكاميرا وشاشة مراقبة في مكان آخر، وقفل عالي الأمان عند الباب الأمامي.
ورغم ما أشرنا إليه، لا تتوقف الجهود العلمية والميدانية عن مزيد من الضوابط التي تضمن لأطفالنا التمتع بمدرسة تنعم بكل سبل السلامة والأمن، بما يحقق الرسالة التعليمية المرجوة.
المصدر:
المجلس القومي للوقاية من الجريمة - واشنطن
مجلة المعرفة بتاريخ 2012-12-04
«إن تمكين البشر من خلق بيئة أكثر أمنًا ومجتمع أكثر اهتمامًا يتطلب منا البحث عن أسباب الجريمة والعنف للحد من فرص وقوعهما.. إن أطفالنا هم أهم مواردنا البشرية وضمان أمنهم وسلامتهم في جميع أنحاء البلاد هي أهم مهامنا». (المجلس القومي الأمريكي للوقاية من الجريمة).
تسعى مكونات المجتمعات المتحضرة جاهدة إلى العمل معًا لجعل المدارس أماكن آمنة يتلقى فيها أطفالنا تعليمهم حتى يصبحوا مواطنين مسؤولين في المستقبل. وعلى الرغم أن وسائل الإعلام الأمريكية تعج بالتقارير التي تتناول عمليات إطلاق النار، والعنف، والأحداث الدرامية التي تقع في المدارس، إلا أن ذلك يجب ألا ينسينا أن الغالبية العظمى من المدارس في جميع أنحاء البلاد تنعم طول اليوم بالهدوء والأمن. بيد أن هذا الهدوء قد يبدو غير ذي معنى إذا ما قورن بالرعب والخوف الذي ينجم عن نشر هذه الحوادث العنيفة الدامية في وسائل الإعلام، لكن هذه النتائج ما هي إلا أعراض لأمراض ومشكلات يجب التعامل معها ومخاطبتها.
فالتوحش في السلوك، والضرب المبرح، والترويع، والانتهاكات السلوكية يمكن أن تشكل الأساس لوقوع مزيد من الأحداث المميتة في المستقبل، الأمر الذي جعل المعلمين والتربويين يعتبرون هذه الممارسات العنيفة مقدمات وموحيات بوقوع مزيد من الجرائم الخطيرة في المدارس وأماكن أخرى. ومن ثم، على الآباء، وصناع السياسة، والمسؤولين في المدارس، والطلاب أن يتخذوا من جانبهم الإجراءات الكفيلة بمنع وقوع العنف في المدارس من خلال دعم وتعزيز السلامة والأمن في مجتمعاتنا في جميع أنحاء البلاد. وهذا الهدف لن يتحقق إلا من خلال المشاركة الفعالة في تعليم وتوجيه الجماهير، وتزويدهم بمبادئ الأمن والسلامة الموضوعية والمُجربة في المدارس.
إن تحقيق مبادئ الأمن والسلامة في المدارس يتطلب اتخاذ إجراءات منهجية، وتشكيل فريق عمل للتعرف على المشكلات، وعقد الندوات وعصر الأدمغة للتوصل إلى حلول ناجعة، وتطوير خطة عمل، وحشد الدعم لها، وتقييم نتائجها. إن اتخاذ إجراء وقائي من شأنه منع تحول المشكلات البسيطة إلى مشكلات خطيرة.
قلق الآباء
تعتبر المدارس من أأمن الأماكن التي يرتادها أطفالنا، حيث ترتفع معدلات وقوع الضحايا بعيدًا عن أسوار المدرسة. ومع ذلك، لا ينفي هذا تعرض الأطفال لعدة جرائم عنيفة، علاوة على إمكانية وقوعهم في براثن تناول المخدرات، وممارسات التوحش الطلابي، والمكايدة، والإضرار بالمتعلقات الشخصية، والسرقة أثناء ومن وإلى المدرسة، والعبارات والرسومات ذات العلاقة بأعمال الكراهية، والمشكلة الأكبر تكمن في إمكانية تصاعد هذه الأحداث وتأزمها.
والحقيقة، أن الطلاب ليسوا الوحيدين الذي يتعرضون للجرائم المدرسية، حيث يتعرض المعلمون، بنسب ليست بالقليلة، لعدة جرائم كالسرقة، والاغتصاب، والاعتداء البدني وكذلك الاعتداء على ممتلكاتهم الشخصية، كالسيارات والهواتف الخلوية (الجوال).
ويلاحظ أن انتظام الطلاب في المدرسة ومستواهم التعليمي (الأكاديمي) يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بقدر الأمان الذي يشعر به الطالب في بيئته المدرسية، ومن ثم، يصعب على الأطفال الصغار التركيز في الدراسة إذا شعروا بأنهم عرضة لأي خطر، علاوة على أن مناخ الخوف يجبر المعلمين على أن يتحول اهتمامهم من التدريس إلى القيام بأعمال المراقبة والشرطة، وسرعان ما تصبح مخاوف الأمن والسلامة في المدرسة جزءًا هامًا للغاية في أي حوار يتعلق بتحسين الأداء العلمي في المدرسة.
دور الآباء ورعاة الطلاب
إن اشتراك الآباء والقائمين على رعاية الأطفال في خلق مدارس آمنة أمر هام للغاية. وبوسعهم، بل يجب عليهم التعاون مع مديري المدارس، والمعلمين، والطلاب، والمسؤولين المحليين القائمين على تطبيق القانون لتحقيق الآتي:
- تقييم احتياجات ومتطلبات الأمن والسلامة الخاصة بالمدرسة.
- التعرف على قادة المجتمع المحلي والمواطنين الآخرين المعنيين الذين يستطيعون المساعدة في تحديد أولويات السلامة والأمن وإشراكهم في هذه المهمة.
- رسم خطط التحرك وتحديد الأهداف المرجوة من معالجة مشكلات محددة تتعلق بالسلامة والأمن.
- تشجيع وتبني ومناصرة قضية أمن وسلامة المدرسة في المجتمع المحيط.
- القيام بتغيير إيجابي في بيئة المدرسة وحولها.
- تقييم فعالية أي تطويرات يتم اتخاذها في مسألة الأمن والسلامة المدرسية.
ويجب أن تهدف أي خطة عمل يتم تبنيها إلى تأمين مبنى المدرسة ضد أي عنصر دخيل محتمل، وتوفير ممر أو طريق آمن للذهاب إلى المدرسة والعودة منها، والاستفادة من وسائل التأمين الحديثة مثل الكاميرات الرقمية، والأقفال المؤمنة، وأجهزة الإنذار، والإضاءة، والمراقبة، بالإضافة إلى شن حملة في جميع أنحاء المدارس ضد التوحش بين الطلاب.
مدير المدرسة.. الحليف الرئيسي للآباء
على الآباء أن يحددوا موعدًا للالتقاء بمدير المدرسة أو نائبه، فإقامة شراكة بين الطرفين أمر هام للغاية في ضوء الخبرة والمعرفة التي يحظى بها المديرون في مجال أمن وسلامة المدرسة. ويمكن من خلال هذا اللقاء التعرف على الإجراءات القائمة في المدرسة لتوفير الأمن والسلامة داخلها، وهل هناك لجنة لإدارة الأزمات تتولى منع الجريمة قبل وقوعها، وهل بمقدور الآباء المشاركة في هذه اللجنة؟ وهل لدى المدرسة الاستعداد الكافي للتجاوب بسرعة مع المواقف غير الآمنة؟
وباستطاعة الآباء أن يتعرفوا على الأشخاص الذين يستطيعون الاتصال بهم في حالة وقوع أمر طارئ في المدرسة، وبمقدورهم أيضاً أن يعرفوا إذا كان هناك ناصحون (مستشارون) وعلماء نفسيون أم لا في المدرسة للتعامل مع الطلاب المثيرين للإزعاج والقلق. وسيتمكن الآباء من التأكد من حصول المعلمين أو عدمه على دورات تدريبية في مجال منع وقوع العنف في المدرسة، وإدارة الفصل المدرسي، وقضايا الأمن والسلامة. ويجب على الآباء أن يدركوا أن كل من المعلمين، والمدربين، والمرشدين الاجتماعيين، وحراس وضباط الأمن المدرسي، وسائقي الحافلات المدرسية جميعهم عناصر حيوية لأمن وسلامة أي مدرسة، ومن ثم على الوالدين أن يكونوا متعاونين معهم لتحقيق الهدف المشترك وهو توفير بيئة آمنة لتعليم الطلاب.
القضايا الرئيسية الثلاث التي تؤثر على سلامة وأمن المدرسة:
مناخ المدرسة
حينما يتعلق الأمر بالأمن والسلامة، تختلف كل مدرسة عن الأخرى، وبالبحث أمكن التعرف على عوامل عدة تؤثر على تحديد ما إذا كانت مدرسة ما آمنة أو غير آمنة.
ويمكن تلخيص بعض الخصائص التي تجعلنا نصف مدرسة ما بأنها غير آمنة على النحو التالي:
· رداءة تصميم مباني المدرسة وسوء استخدام المساحات الفضاء فيها.
· الازدحام الشديد وكثافة عدد الطلاب.
· غياب أو قلة الإجراءات النظامية أو الانضباطية اليقظة، والصارمة، والحريصة أو الحذرة.
· شعور الطلاب بالاستغراب تجاه من حولهم والنفور منهم.
· إهمال المعلمين ونظرائهم للطلاب المعرضين للخطر.
· الضيق والتبرم من قواعد ونظم المدرسة ومتطلبات التكيف معها.
وعلى الجانب الآخر، نذكر بعض الخصائص التي تجعلنا نصف مدرسة ما بأنها آمنة كالتالي:
· التحلي بمناخ وجو مدرسي إيجابي.
· التوقعات الواضحة والمرتفعة لأداء وسلوك الطلاب.
· ارتباط الطالب القوي بالمدرسة وبالعملية التعليمية.
· ارتفاع معدلات مشاركة الطلاب والآباء (أولياء الأمور).
· توفر الفرص أمام الطلاب لتعلم مهارات الحياة والتطور اجتماعيًا.
· وجود القيم والممارسات التي تجعل كل شخص يشعر بأنه مطلوب ومشمول بالاهتمام.
· وجود الثقافة التي تشجع على احترام وتقدير التنوع.
· وجود مدير مدرسة وإدارة مدرسية تتعامل فورًا مع المخاوف وترحب بمشاركة الآباء.
مواصفات المدرسة الآمنة والمسؤولة كما عرّفتها وزارة التعليم الأمريكية
· تتمتع المدرسة بقيادة قوية، وملكة الاهتمام والعناية بالطلاب، ومشاركة الأسرة والمجتمع معها (بما في ذلك المسؤولون عن تنفيذ القانون ومُمثلو المنظمات المجتمعية)، ومشاركة الطلاب في تصميم وإعداد البرامج والسياسات.
· تتمتع المدرسة ببيئة طبيعية آمنة وتقوم السياسات التي تتبعها المدرسة بتشجيع ودعم السلوكيات المسؤولة للطلاب.
· يجب أن تتميز برامج الوقاية من الجريمة والتدخل لمنعها بالاستدامة، والتناغم، والشمولية.
· يجب أن يكون التدخل قائمًا على أساس تقييم دقيق لاحتياجات ومتطلبات الطلاب.
· يتم استخدام الطرق والوسائل التى ثبت بالدليل العملي والتجريبي جدواها.
· يتلقى العاملون في المدرسة التدريب والمساندة اللازمتين لمساعدتهم على تنفيذ البرامج.
· مراقبة التدخلات الخارجية وتقييمها للتأكد من أن البرامج المطبقة تحقق الأهداف المرجوة.
وبوجه عام، يجب أن تتضمن جميع المدارس، ومن بينها المدارس الابتدائية، موضوعات عن منع وقوع الجريمة ومكافحتها في المناهج الدراسية. وينبغي أن يتعلم الطلاب كيف يحلون النزاعات بدون اللجوء للعنف، وكيف يسيطرون على غضبهم، ويؤمنون بالتنوع، ويحلون المشكلات. وباستطاعة الطلاب أيضًا أن يستفيدوا من البرامج التي تبني المهارات الاجتماعية، وتزيد احترام الذات، وتعلم التواصل الإيجابي، وتعين في إدارة الضغوط، وتهيئهم للتعامل مع المتغيرات.
تخطيط المدرسة وتنظيمها
إن منع وقوع الجريمة من خلال تبني التصميم البيئي للمدرسة يسهل ويعزز أمن وسلامة المدرسة، حيث يشجع على السلوك الإيجابي للطلاب. ويركز تصميم المدرسة على تحقيق ثلاثة مبادئ: السيطرة، وتحسين المراقبة الطبيعية، والاستيعاب الصحيح لحدود المدرسة. فهذه المبادئ الثلاثة يمكن تطبيقها بسهولة وفعالية على المدارس. فعلى سبيل المثال، تستطيع المدرسة الآمنة أن:
· تسيطر على أي وصول أو اقتراب من مباني وأرض المدرسة من خلال تحديد موضع أو مدخل واحد للزوار، والسماح بمرورهم من خلال بوابات المسح (الكشف) الإلكترونية، وتحديد ومراقبة نقطة دخول محددة للطلاب، وتقليل عدد الأبواب الجانبية المحيطة بالمباني والمؤدية إليها.
· تحسين المراقبة الطبيعية لمباني وأراضي المدرسة وذلك بضمان توفر الرؤية الواضحة للمكان من خلال إزالة العوائق والحواجز غير الضرورية وتقليم وتهذيب الأشجار، والحد من الأماكن المخفية ووضع علامات ولوحات إرشادية واضحة ومرتفعة عن الأرض مع خفض ارتفاع الأكم الخضراء، وتحسين الإضاءة والحد من المساحات المظللة أو وضع مرايا محدبة في الأماكن المظلمة أو المحجوبة.
· تعزيز حدود المدرسة من خلال تحديد الحواف النهائية لأملاك المدرسة بأسوار من الأشجار أو الحديد للتأكيد على مفهوم جوهري مفاده أن المدرسة ليست فضاء عامًا يصل إليه أي امرئ. يضاف إلى ذلك، جعل كل مكان في المدرسة متفردًا بذاته (فهذا قسم الفنون، وذلك قسم العلوم..إلخ) لتعزيز الحدود أو «الملكية» والفخر بالمدرسة، وتسهيل التعرف على الأشخاص غير المصرح لهم بالوجود في هذه الأماكن. وأخيرًا الالتزام بالصيانة الجيدة للأماكن والحرص الشديد على نظافتها والاعتناء بها، الأمر الذي يعزز الفخر والانتماء للمدرسة والحفاظ عليها.
الأمن الفعلي (المادي) الملموس
إن برامج الوقاية من الجريمة وأسس تخطيط المدرسة ليست بالأمر الكافي لضمان بيئة مدرسية آمنة، فالإجراءات الأمنية تقلل من أخطار الجريمة والعنف المدرسي من خلال تمكين الإدارة من السيطرة والمراقبة لكل منطقة في المنشأة.
وفي المنشآت ذات التاريخ الحافل بوقوع جرائم، يصبح تعزيز إجراءات الأمن أمرًا مساعدًا ومعينًا في إرسال رسالة مفادها أن من الصعوبة بمكان أن ترتكب جريمة أو عنفًا في المدرسة. وتشمل هذه التعزيزات تركيب كاميرات الفيديو، وأجهزة الكشف عن المواد والأدوات الصلبة، وأنظمة الإنذار، وتشغيل أفراد الأمن. وتستطيع التقنيات الأمنية أن تزيد عملية الكشف عن الجريمة وتأخير أو إبطاء تقدم المُقدمين على ارتكاب الجرائم، لكنها ليست كافية بذاتها للحد من الجريمة والعنف، ومن ثم فتعيين حراس الأمن أو الأفراد القائمين على تنفيذ القوانين في المدرسة خيار آخر مهم. ولكي نضمن أمن الطلاب، والمنشأة، والعاملين فيها، تتبع المدارس الآمنة الإرشادات التالية:
· تتطلب سياسة الزوار أن يوقعوا في سجل الزيارات ويكشفوا عن هويتهم تفصيليًا.
· يتم إغلاق الأبواب غير المراقبة من الخارج طول الوقت لمنع دخول الأشخاص والمواد غير المصرح بها للمبنى دون علم الإدارة.
· يتم مراقبة الطلاب الداخلين والخارجين من المدرسة، وتستخدم أجهزة الكشف على حقائب الطلاب لتبين ما بداخلها من أدوات غير مصرح بها.
· يتم تركيب أقفال مؤمنة للغاية أو وحدات تحكم إلكترونية للأبواب، خاصة في الأماكن التي تحتوي على مواد خطرة، والأماكن ذات الاستخدامات الخاصة كالبدروم ودورات المياه.
· تركيب شبكة اتصال تضمن إمكانية تواصل العاملين الإداريين والمعلمين فورًا عند الضرورة أو الطوارئ.
· تركيب أبواب صلبة، مغطاة بصفحة من الصلب من كلا الجانبين وتركيب أبواب للبدروم.
· تأمين جميع الشبابيك.
· عند تغير العاملين أو إدارة المدرسة، يتم تغيير الأقفال أو «القلب الداخلي» للأقفال.
· يتم استخدام الإضاءات ذات الحساسية مع أي تحرك بالإضافة للإضاءة الثابتة بالخارج.
· إضاءة الأماكن المظلمة المحيطة بالمبنى وقطع الشجيرات التي تحجب تسرب وتغلغل الضوء، وإضاءة الممرات والطرق الجانبية المظلمة.
· تزويد موظف الاستقبال بزر إنذار للطوارئ، وكاميرا وشاشة مراقبة في مكان آخر، وقفل عالي الأمان عند الباب الأمامي.
ورغم ما أشرنا إليه، لا تتوقف الجهود العلمية والميدانية عن مزيد من الضوابط التي تضمن لأطفالنا التمتع بمدرسة تنعم بكل سبل السلامة والأمن، بما يحقق الرسالة التعليمية المرجوة.
المصدر:
المجلس القومي للوقاية من الجريمة - واشنطن
مجلة المعرفة بتاريخ 2012-12-04