أمدياز
16-01-2013, 11:43
التلميذ والمدرس.. من يستحق الحماية؟
لقد سبق ل "برنار شارلوB. Charlot "، في كتابه "التضليل البيداغوجي La mystification pédagogique" سنة 1976، أن كشف بإسهاب عن بيداغوجيا التنوير* كما أسس لها "جان جاك روسو" وأماط اللثام عن أفكار جديدة تهم الطفولة، حيث أعاد الاعتبار للطفل وأنقذه من الدونية التي لازمته ردحا من الزمن وانشله من براثين الجهل وقيود أفكار الكنيسة المسيحية خلال العصور الوسطى. واعتبر مرحلة الطفولة مرحلة إعدادية ووظيفية وأحالها بكثير من العناية على جملة من القيم الإنسانية كالبراءة والحرية والإبداع...
لكن الوضع الراهن بالمدارس المغربية (ابتدائي، إعدادي وثانوي تأهيلي)، فرض علينا كمتتبعين للشأن التعليمي/التربوي، تحرّي نوع من الحذر حيال هذه المفاهيم التي أتت بها رياح بيداغوجيا التنوير منهجا وفلسفة .. وبات لازما علينا إعادة النظر في علاقة التلميذ بالمدرس في ارتباط وثيق بالبيئة الاجتماعية بجميع تمظهراتها وتمفصلاتها..
وإذا كانت المدرسة، في ضوء أفكار تربوية من قبيل أفكار "جون دوي" و"روسو"، تشكل بيئة معهود لها بحماية الطفل من آثار العناصر السلبية للبيئة الاجتماعية وتداعيات الأزمات النفسية والحالات النشاز التي تعرفها الأسر المغربية وتأثير الإعلام والثقافات الهجينة .. فالأمر يسير في الاتجاه المعاكس في غضون الظرفية الحالية الحرجة والمشحونة بالسلوكات الغريبة والشائكة والخارجة عن "دائرة المعقول في الثقافة الشعبية والطريق الصحيح في الثقافة الدينية والقانونية" في كثير من الحالات؛ حيث نسجل عنفا صارخا بصور مختلفة ودرجات متفاوتة ضد المدرس من طرف المتعلم، إلى المدى الذي يمكننا فيه دقّ جرس الإنذار دقات متتالية، علها تفلح في صدّ مخلفات هذه السلوكات الغير مرغوب فيها بالوسط المدرسي. ولعل أسوأ صورة درامية اهتز لها الرأي العام مؤخرا، رسمها ببشاعة تلميذ/مراهق تجاه أستاذه وأشهر في وجهه سكينا وغرسه في حنجرته ليبدد نور مفرداته الفرنسية وشتت أحرفها الأبجدية على عتبات أنفاسه الهتكة وجوزي، بالتالي، عن سنواته الطويلة في درب العمل التي أفناها في سيبل تنوير العقول وتهذيب النفوس .. بطعنة غدر موجعة!
الأمر هنا فعلا خطير، لا نبوّ فيه ولا شذوذ، لا يحتاج إلى تحيين قوانين بل يحتاج إلى تفعيلها والإسراع في إخراج مقتضياتها من مجرد رموز وأرقام مرقونة على الورق إلى فعل ملموس على أرض الواقع. الأمر لا يحتاج إلى بيداغوجيات معاصرة أوأساليب التربية الحديثة، بل يحتاج إلى الضرب بشدة على أيدي كل متهور سولت له نفسه إلحاق الضرر. الأمر لا يحتاج إلى ثقافة مراكز الاستماع بل يحتاج إلى جرة أذن. الأمر لا يحتاج إلى زيارات تغلفها الرسميات وتمتح من روح الديبلوماسية من قبل مسؤول، زيارات أشبه بلعبة ذر الرماد في العيون البريئة، الغرض الواضح من مثل هذه الزيارات تلميع صورة الحكومة عبر وسائل الإعلام، كالزيارة الأخيرة للأستاذ "المذبوح" على رأي الصحفي رشيد نيني، زيارة أشبه بعيادة المريض ليس إلا، رغم أنها أضعف الإيمان.. لا يحتاج الأمر إلى مثل هذه "الحركات" كالأيس كريم لذيذ لكنه يذوب في رمشة عين، بل الأمر يحتاج إلى التفكير الجدي في الشرطة المدرسية لردع كل "متمرد" على طقوس المدرسة لكي لا نقول "النظام الداخلي المدرسي" لأنه لا يفعل مع الأسف.
حري بالتنبيه أن جسد المنظومة التربوية صار في مسيس الحاجة إلى صناعة قوانين مدرسية، بدل سنها وتركها حبيسة أدراج المكاتب المكيفة، وخلق أحكام جديدة وجريئة عوض إصدار مذكرات لا تُقرأ إلى في اللحظات الأخيرة من اللقاء الأخير بين الإدارة المدرسية والمدرسين من كل سنة دراسية.
فمن يستحق الحماية إذن، من آثار العناصر السلبية للبيئة الاجتماعية التي تحدث عنها "برنار شارلو"؟
وكيف السبيل إلى صنع مناخ مدرسي نقي يحقق التوازن في إطار من الديموقراطية التي راهنت عليها أفكار "جون دوي J. Dewey"؟
وأين ملامح الخير، في هذه الصورة الهشة المقززة التي رسمها ذاك التلميذ، وغيرها من الصور التي نراها بين الفينة والأخرى يرسمها، بأسف شديد، رواد مدارسنا؟ أين هذا الخير الذي يعود بنا إلى زمن "أفلاطون"؟ حين قال: " أنا أعني بالتعليم (...) الخير بالصورة التي يكتسبها الطفل أولا."
هل، أصبحت السلطة جزءا من نشاط التربية؟ وهل من يكون في حاجة إلى التربية، اليوم، يكون أيضا في حاجة إلى سلطة؟
وهل علينا إعادة النظر في مفاهيم "الحرية والسعادة" التي نادى بها "إمنويل كانط" و" كارل روجيرز" واعتبرها هذا الأخير شرطا أساسيا لكل تعلم؟
وإذا ما احترم المدرس(ة) التلميذ(ة) ومنحه الثقة كأحد أبرز شروط قيام العلاقة الإنسانية بينهما، كما قرأنا عنه في كتاب "جانين فيللو Janine Filloux" عن العقد الديداكتيكي. فمن يضمن لنا بالفعل قيام هذه العلاقة الإنسانية؟
إن الفكرة القائلة بالسلطة المؤسسية للمدرس لم تعد من الأفكار المتجاوزة حقا، فهي كورقة ممزقة رمي بها في سلة المهملات وحان الوقت لإخراجها وإلصاق أجزائها لتصبح ورقة رابحة تربويا وأسلوبا بيداغوجيا ناجعا، ورقة حان الوقت لإشهارها في وجه بعض التلاميذ بين قوسين، الذين تجاوزا الحدود الطبيعية للعلاقة الإنسانية بينهم وبين من يعلمهم، وبات لزاما على القائمين على أمن المؤسسات التعليمية غربلة مرتاديها وإزالت الشوائب والنفخ على الغير مرغوب فيهم والزج بهم، بهذه العبارة، في أقسام خاصة، ليس لدعم مكتسباتهم المعرفية أو سد ثغراتهم، بل لكسر شوكة من تمرد بغية إعادة تربيته من جديد والرقي بالتالي به من الطفولة القاصرة أوالمراهقة الجارفة إلى النضج العقلي والنفسي، وإعادة الإنسانية الحقة في سيرورة تكوينه الشخصي.
في شيء من الغيرة على قطاع التعليم المدرسي وعلى المدرسين والمدرسات بخاصة، أستطيع القول أن التدريس يؤمن وظيفة اجتماعية بالدرجة الأولى، وليست عملية نقل المعارف وتلقينها سوى مظهر خارجي لهذه الوظيفة. ولكي تعود للمدرس(ة) هيبته وسلطته الإيجابية المرموقة، وجب تدعيم سلطته المعرفية، لأن تطور تكنولوجيا التعليم، على لسان الدكتور محمد زياد حمدان، أدى إلى تقليص دور المدرس(ة) وتنحى عن سلطته أمام زمرة المتعلمين والمتعلمات وفقد هيبته التي حفظها له الزمن بكثير من الكبرياء والفخر والاعتزاز.
بقلم: جمال الحنصالي
باحث تربوي
إمنتانوت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أنظر كتاب "رهانات البيداغوجيا المعاصرة، دراسة في قضايا التعلم والثقافة المدرسية" لمؤلفه عبد الحق منصف، عن دار إفريقيا الشرق، 2007
لقد سبق ل "برنار شارلوB. Charlot "، في كتابه "التضليل البيداغوجي La mystification pédagogique" سنة 1976، أن كشف بإسهاب عن بيداغوجيا التنوير* كما أسس لها "جان جاك روسو" وأماط اللثام عن أفكار جديدة تهم الطفولة، حيث أعاد الاعتبار للطفل وأنقذه من الدونية التي لازمته ردحا من الزمن وانشله من براثين الجهل وقيود أفكار الكنيسة المسيحية خلال العصور الوسطى. واعتبر مرحلة الطفولة مرحلة إعدادية ووظيفية وأحالها بكثير من العناية على جملة من القيم الإنسانية كالبراءة والحرية والإبداع...
لكن الوضع الراهن بالمدارس المغربية (ابتدائي، إعدادي وثانوي تأهيلي)، فرض علينا كمتتبعين للشأن التعليمي/التربوي، تحرّي نوع من الحذر حيال هذه المفاهيم التي أتت بها رياح بيداغوجيا التنوير منهجا وفلسفة .. وبات لازما علينا إعادة النظر في علاقة التلميذ بالمدرس في ارتباط وثيق بالبيئة الاجتماعية بجميع تمظهراتها وتمفصلاتها..
وإذا كانت المدرسة، في ضوء أفكار تربوية من قبيل أفكار "جون دوي" و"روسو"، تشكل بيئة معهود لها بحماية الطفل من آثار العناصر السلبية للبيئة الاجتماعية وتداعيات الأزمات النفسية والحالات النشاز التي تعرفها الأسر المغربية وتأثير الإعلام والثقافات الهجينة .. فالأمر يسير في الاتجاه المعاكس في غضون الظرفية الحالية الحرجة والمشحونة بالسلوكات الغريبة والشائكة والخارجة عن "دائرة المعقول في الثقافة الشعبية والطريق الصحيح في الثقافة الدينية والقانونية" في كثير من الحالات؛ حيث نسجل عنفا صارخا بصور مختلفة ودرجات متفاوتة ضد المدرس من طرف المتعلم، إلى المدى الذي يمكننا فيه دقّ جرس الإنذار دقات متتالية، علها تفلح في صدّ مخلفات هذه السلوكات الغير مرغوب فيها بالوسط المدرسي. ولعل أسوأ صورة درامية اهتز لها الرأي العام مؤخرا، رسمها ببشاعة تلميذ/مراهق تجاه أستاذه وأشهر في وجهه سكينا وغرسه في حنجرته ليبدد نور مفرداته الفرنسية وشتت أحرفها الأبجدية على عتبات أنفاسه الهتكة وجوزي، بالتالي، عن سنواته الطويلة في درب العمل التي أفناها في سيبل تنوير العقول وتهذيب النفوس .. بطعنة غدر موجعة!
الأمر هنا فعلا خطير، لا نبوّ فيه ولا شذوذ، لا يحتاج إلى تحيين قوانين بل يحتاج إلى تفعيلها والإسراع في إخراج مقتضياتها من مجرد رموز وأرقام مرقونة على الورق إلى فعل ملموس على أرض الواقع. الأمر لا يحتاج إلى بيداغوجيات معاصرة أوأساليب التربية الحديثة، بل يحتاج إلى الضرب بشدة على أيدي كل متهور سولت له نفسه إلحاق الضرر. الأمر لا يحتاج إلى ثقافة مراكز الاستماع بل يحتاج إلى جرة أذن. الأمر لا يحتاج إلى زيارات تغلفها الرسميات وتمتح من روح الديبلوماسية من قبل مسؤول، زيارات أشبه بلعبة ذر الرماد في العيون البريئة، الغرض الواضح من مثل هذه الزيارات تلميع صورة الحكومة عبر وسائل الإعلام، كالزيارة الأخيرة للأستاذ "المذبوح" على رأي الصحفي رشيد نيني، زيارة أشبه بعيادة المريض ليس إلا، رغم أنها أضعف الإيمان.. لا يحتاج الأمر إلى مثل هذه "الحركات" كالأيس كريم لذيذ لكنه يذوب في رمشة عين، بل الأمر يحتاج إلى التفكير الجدي في الشرطة المدرسية لردع كل "متمرد" على طقوس المدرسة لكي لا نقول "النظام الداخلي المدرسي" لأنه لا يفعل مع الأسف.
حري بالتنبيه أن جسد المنظومة التربوية صار في مسيس الحاجة إلى صناعة قوانين مدرسية، بدل سنها وتركها حبيسة أدراج المكاتب المكيفة، وخلق أحكام جديدة وجريئة عوض إصدار مذكرات لا تُقرأ إلى في اللحظات الأخيرة من اللقاء الأخير بين الإدارة المدرسية والمدرسين من كل سنة دراسية.
فمن يستحق الحماية إذن، من آثار العناصر السلبية للبيئة الاجتماعية التي تحدث عنها "برنار شارلو"؟
وكيف السبيل إلى صنع مناخ مدرسي نقي يحقق التوازن في إطار من الديموقراطية التي راهنت عليها أفكار "جون دوي J. Dewey"؟
وأين ملامح الخير، في هذه الصورة الهشة المقززة التي رسمها ذاك التلميذ، وغيرها من الصور التي نراها بين الفينة والأخرى يرسمها، بأسف شديد، رواد مدارسنا؟ أين هذا الخير الذي يعود بنا إلى زمن "أفلاطون"؟ حين قال: " أنا أعني بالتعليم (...) الخير بالصورة التي يكتسبها الطفل أولا."
هل، أصبحت السلطة جزءا من نشاط التربية؟ وهل من يكون في حاجة إلى التربية، اليوم، يكون أيضا في حاجة إلى سلطة؟
وهل علينا إعادة النظر في مفاهيم "الحرية والسعادة" التي نادى بها "إمنويل كانط" و" كارل روجيرز" واعتبرها هذا الأخير شرطا أساسيا لكل تعلم؟
وإذا ما احترم المدرس(ة) التلميذ(ة) ومنحه الثقة كأحد أبرز شروط قيام العلاقة الإنسانية بينهما، كما قرأنا عنه في كتاب "جانين فيللو Janine Filloux" عن العقد الديداكتيكي. فمن يضمن لنا بالفعل قيام هذه العلاقة الإنسانية؟
إن الفكرة القائلة بالسلطة المؤسسية للمدرس لم تعد من الأفكار المتجاوزة حقا، فهي كورقة ممزقة رمي بها في سلة المهملات وحان الوقت لإخراجها وإلصاق أجزائها لتصبح ورقة رابحة تربويا وأسلوبا بيداغوجيا ناجعا، ورقة حان الوقت لإشهارها في وجه بعض التلاميذ بين قوسين، الذين تجاوزا الحدود الطبيعية للعلاقة الإنسانية بينهم وبين من يعلمهم، وبات لزاما على القائمين على أمن المؤسسات التعليمية غربلة مرتاديها وإزالت الشوائب والنفخ على الغير مرغوب فيهم والزج بهم، بهذه العبارة، في أقسام خاصة، ليس لدعم مكتسباتهم المعرفية أو سد ثغراتهم، بل لكسر شوكة من تمرد بغية إعادة تربيته من جديد والرقي بالتالي به من الطفولة القاصرة أوالمراهقة الجارفة إلى النضج العقلي والنفسي، وإعادة الإنسانية الحقة في سيرورة تكوينه الشخصي.
في شيء من الغيرة على قطاع التعليم المدرسي وعلى المدرسين والمدرسات بخاصة، أستطيع القول أن التدريس يؤمن وظيفة اجتماعية بالدرجة الأولى، وليست عملية نقل المعارف وتلقينها سوى مظهر خارجي لهذه الوظيفة. ولكي تعود للمدرس(ة) هيبته وسلطته الإيجابية المرموقة، وجب تدعيم سلطته المعرفية، لأن تطور تكنولوجيا التعليم، على لسان الدكتور محمد زياد حمدان، أدى إلى تقليص دور المدرس(ة) وتنحى عن سلطته أمام زمرة المتعلمين والمتعلمات وفقد هيبته التي حفظها له الزمن بكثير من الكبرياء والفخر والاعتزاز.
بقلم: جمال الحنصالي
باحث تربوي
إمنتانوت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أنظر كتاب "رهانات البيداغوجيا المعاصرة، دراسة في قضايا التعلم والثقافة المدرسية" لمؤلفه عبد الحق منصف، عن دار إفريقيا الشرق، 2007