المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معلم في الأرياف: "وأدرك فاطمة الصباح فسكتت عن الكلام المباح"


التربوية
07-02-2013, 21:47
معلم في الأرياف: "وأدرك فاطمة الصباح فسكتت عن الكلام المباح"
زاوية يكتبها الزملاء الصحافيون والمراسلون بالتناوب ترصد واقع التدريس بالوسط القروي من خلال شهادات حية لمدرسين ومدرسات ينحتون الصخر لإنجاح هذا الشيء الذي اسمه "مدرسة النجاح"..فتحية لهم ولهن.
أحمد ذو الرشاد
نشر في الصباح يوم 06 - 02 - 2013

التحقت فاطمة (اسم مستعار) بإحدى الفرعيات التابعة لمجموعة مدرسية بأحد مداشر دكالة الفسيحة، قادمة إليها من الشمال. لا يهم الزمان، ما يهم هو الحدث الذي فرض نفسه على محيط المؤسسة وأصبحت تتداوله الألسن القريبة وحتى البعيدة.
استأنست فاطمة بعالمها الجديد بعدما وجدت لنفسها مكانا وسط سكان الدوار الذين احتضنوها وتبنوها لبعدها عن أهلها من جهة ولطلاقها من زوجها لظروف لا داعي للخوض فيها من جهة ثانية. قضت فاطمة سنتين بين أحضان أسرة كبيرة تتكون من الجد والجدة والأب وزوجته وأطفالهما الستة. لم تكن في حاجة إلى التسوق ولا إلى صرف جزء من راتبها. كان رب الأسرة يتكلف بكل شيء. وكان يعتبرها واحدة من أبنائه.
انتقلت بسبب خصاص بالمدرسة المركزية أو هكذا كان يبدو للمتتبعين. تحملت مسؤولية تدريس قسم الشهادة. كانت المدرسة المركزية بعيدة عن الدوار وكانت تتوفر على سكن وظيفي للمدير ولبعض المعلمين والمعلمات. استقرت فاطمة بواحدة من السكنيات الوظيفية رفقة مدرسة أخرى واستأنست بحياتها الجديدة وارتاحت لها نسبيا. فهي وإن كانت تعيش وسط أسرة بدوية، ولم تكن تحتاج إلى القيام بأعمال البيت من طبخ وكنس وتصبين وغيرها من المهام اليومية، فإنها لم تكن مرتاحة نفسيا، بل كانت مجبرة على ذلك، وشكرت الأسرة التي استضافتها كثيرا قبل أن تنتقل إلى مقر عملها الجديد.
كان المدير الجديد القادم من بعيد هو الآخر، قد استقر بالسكن الوظيفي المخصص لرئيس المؤسسة وكان يضطر إلى التنقل من حين إلى آخر، سيما أيام نهاية الأسبوع. وكانت فاطمة لبعدها عن سكن والديها، تضطر إلى قضاء أيام الدراسة بالمدرسة المركزية ولا تغادرها إلا في أيام العطل. وجدت السند في زميلتها وبعض زملائها المدرسين. كانت تكلف البعض منهم، سيما الذين ينتقلون إلى "الفيلاج" لشراء متطلباتها اليومية من خضر ولحوم ومواد التصبين وغيرها.
قضت فاطمة السنة الأولى بدكالة وبدأت تستأنس بحياتها هناك. كانت المدرسة المركزية حين يغادرها الأطفال، تصبح مقفرة. الريح "تصفر" في أرجائها. بدأت تتغيب عن الحصص الصباحية. لاحظ زملاؤها تغيبها غير المبرر، رغم وجودها بالمؤسسة. وكانت تتحجج من حين إلى آخر بإصابتها بوعكة صحية أو نزلة برد مفاجئة. بدأ غيابها يتكرر وبدأت همسات المدرسين والمدرسات تتكاثر وأصبحت تعليقات يومية تفتتح بها الحصص الصباحية.
وعلق أحد المدرسين على غياب فاطمة سيما على الحصص الصباحية، بعدم قدرتها على الاستيقاظ باكرا، خصوصا في هذا الجو البارد، في حين أردف الثاني أن الأمر ربما يتعلق فعلا بإصابتها بمرض مفاجئ، لكن الثالث العالم بخبايا الأمور، فجر "الدلاحة"، وكشف عن المستور حين تساءل أمام بقية زملائها قائلا: "هل تعرفون أين تقضي فاطمة الليل؟".
سكت الجميع فاسحين المجال للمدرس الثالث للإفصاح عن جواب السؤال الذي ظل معلقا. انتظر برهة لجلب الاهتمام إليه قبل أن يواصل حديثه بكل ثقة ومسؤولية. ولما لمس من زملائه اهتمامهم الزائد ورغبتهم الأكيدة في معرفة ما يجري ويدور بالمدرسة المركزية ومعرفة أين تقضي فاطمة الليل، قال: "السيدة تقضي الليل رفقة المدير بسكن الإدارة. وسكت منتظرا ردة فعلهم وتأثير جوابه على محياهم.
ولتأكيد جوابه وجعل زملائه يقتنعون به، أضاف: "سمعت هذا الكلام من أحد سكان الدوار، ولم أرد الجهر به إلا بعدما تأكدت". السيدة تقضي الليل رفقة السيد المدير، وعندما يدركها الصباح، تسكت عن الكلام المباح ولا تستيقظ باكرا للعودة إلى مقر سكنها، وبالتالي تضطر إلى التغيب عن حصة الصباح.