المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخطاب العامي الشائع بين التصحيح المدرسي و المعطى الواقعي


abo fatima
14-03-2013, 22:16
(http://www.almoharir.ma/index.php/2012-12-28-22-20-33/397-2013-03-14-17-05-23)الخطاب العامي الشائع بين التصحيح المدرسي و المعطى الواقعي




لا يختلف اثنان في كون المدرسة تعتبر قاطرة تنمية كل بلد أراد لنفسه ولشعبه النمو و الرخاء ، فتكون بذلك المدرسة عملة رائجة في مصرف الواقع .هذا الواقع الذي أصبح اليوم عرضة لثمثلات عامة والتي تستهدف المشروع التربوي عموما و المدرسة خصوصا من قبيل " القراية في المغرب سوفونير ماشي أفنير" و " لي قراو أش قضاو" و" كين لي كمل القراية او ماشدش البلاصة"...إلخ.

إن المدرسة اليوم – و من ورائها الوزارة الوصية و كل المسؤولين – مدعوة لتصحيح مداخلها و مسارات إصلاحها، و تسائل نفسها حول مواكبة "منتوجها" أو بالأحرى ملائمة مخرجاتها لمتطلبات سوق الشغل ، ومواكبتها لسياق العولمة الجارفة.
إن الواقع المعيشي المغربي ليبرهن بوضوح بعد المدرسة عن الأسئلة العميقة و الغايات النبيلة للمجتمع المغربي ، الشيء الذي سمح و سيسمح بانتشار الخطابات العامية السوداوية، التي تضرب المشروع التربوي برمته.
لقد صدق بيير بورديو في كتابه " إعادة الإنتاج" حين قال : وظيفة المدرسة بمختلف أسلاكها هي السماح بحركية إجتماعية مفادها تحويل الريع الإجتماعي إلى استحقاق اجتماعي[la fonction principale de l’école est de transformer ceux qui héritent en ceux qui méritent]، فأين هي منظومتنا التربوية التعليمية من هذا؟ وما مدى إنخراط المدرسة في هذا المشروع التنشيئي؟
صحيح أن دور المدرسة في ضوء هذه الرؤية لا يقتصر, على تعلم وتعليم التلاميذ فحسب، بل يتعدى ذلك إلى الدور الحيوي الذي تمارسه في تطوير محيطها والتفاعل معه. إن الدور الجديد للمدرسة يقوم على النظام التفاعلي المفتوح للتعايش وتبادل المنافع مع المجتمع,و يستنكر و يتجاوز واقع المدرسة التقليدية المتقوقعة على نفسها ، التي تعيش خارج التاريخ المشترك، بينما يؤكد واقع المدرسة المعاصرة التي أصبحت كينونتها تستمد من انفتاحها وتفاعلها مع قضايا وحاجات مجتمعها . فتبرز في ضوء هذه الثنائية «مدرسة الجامع" في مقابل"مدرسة المجتمع".
إن مدرسة المجتمع مدعوة و بإستعجال إلى وضع إستراتيجية أو مخطط تربوي رائد و متوافق عليه يروم تحسين صورتها و خطابها ، خاصة و إن التواصل في ظل هذه الأزمة يصبح ضرورة ملحة ، كما تؤكد الدكتورة غانم عزام .
و هكذا، نجد أنه في الوقت الذي كان فيه الفصل هو المجال الذي يقضي فيه التلميذ أطول فترة من يومه, ينشد من خلاله الأستاذ بناء علاقة عنوانها التقدير والاحترام، ضمانا لسير مريح للدراسة، و حفاظا على أسس التعامل الديمقراطي داخل الممارسة الفصلية.فإننا اليوم نوجد أمام تجاوز شارخ لميثاق شرف الفصل الدراسي ، كانت أخر فصوله محاولة قتل أستاذ بإعدادية بسلا من طرف تلميذ .
إن المجتمع المغربي يعاني -كباقي امثاله من المجتمعات في عصر الاتصالات -من أكثر من نوع من أنواع الاقتحام الثقافي لبيوته ومؤسساته وأفراده ،وهو غزو مبرمج ومخطط له يستهدف بالدرجة الأولى عقل المجتمع و قلبها النابض[أقصد المشروع التربوي] ،ولعلّ أهم مظاهر هذا الغزو وآثاره :


اتساع موجة التغريب التي ضربت قطاعات عريضة من فتياننا وفتياتنا ، والإقبال عليها من قبلهم كمن يقبل على مائدة طعام دسمة مزيّنة ومزوّقة لم يتبيّن مدى أضرارها الصحّية .
اتساع قاعدة الشباب المقبلين على الهجرة بمختلف أنواعها، متوهمين أن بركوبهم البحر سينتقلون إلى وضع تعليمي و إقتصادي أحسن ناسين قولة أحد الخبراء في الميدان بأن " الهجرة هي إنتقال من فقر مؤكد–قد يكون جهلا كذلك- إلى غنى محتمل"
تشردم الأسر و انحلال الروابط الأسرية والاجتماعية ، ومروق الأطفال و وتمردهم على ضوابط الأسرة وقيم المجتمع .
تردي علاقة الآباء بالأبناء ، وانصراف الأولين عن دورهم التربوي التاريخي ـ ما عدا الرعاية المادية ـ في ظل شيوع نموذج [PRET A PORTER ]يقابل ذلك استغناء الأبناء عن الحاجة إلى أولياء الأمور تحت عناوين الاستقلالية وبناء الذات .
البحث عن المتع حتى ولو كانت غير مشروعة ،في مقابل تجاهل أو التعدي على الالتزامات القيمية والمعرفية و التربوية .
شيوع أخلاق وقيم هابطة وبديلة استأثرت باهتمام المتعلمين عنوانها الأكبر: "قرا و غش مليح ألا ما خدمتي تبقى صحيح" و " من نقل انتقل ،ومن اعتمد بقي في قسمه"، يضاف لها مثلا" في المغرب ، دهن السير إسير" و" بيستون صوليد أحسن من عشرين عام ديال إيتيد " [un piston solide vaut mieux que vingt ans d’études] متناسين أن الدين الإسلامي جعل من فريضة العلم و التعلم فرضا واجبا على كل مسلم و مسلمة.

إن موجة الغزو الثقافي الذي اصبحت تجتاحنا وتكرس تفوق الخطاب العامي على تفوق الخطاب التعليمي تدخل من أبواب كثيرة ، أهمّها :الفضائيات ومواقع الانترنيت والإعلام المقروء والمسموع والمرئي (صحافة وإذاعات وسينما وكتب وبرامج مسلسلات وصور ..) و الإنبهار أمام النموذج الغربي ولاحقاً الأميركي إلى الكثير من حقول الحياة دون مراعاة للمحاذير والتحفظات والخصوصيات ، ووجود استعداد نفسي وذهني لتقبل كل وافد دونما مناقشة وفحص وتقييم . فهل توجد سياسة ثقافية و تربوية مندمجة ترفع من شان الفعل التربوي و تعيد الإعتبار و البريق للعمل الثقافي في المغرب؟.
إن هذا الوضع ، ليدعو إلى حبس النفس و مساءلتها حول مدى قدرتنا كأساتذة و طلاب في الجامعات و معدي دخيرة المستقبل حول مدى جدوى رفع شعار الجودة و المحاسبة في زمن "باك صاحبي" خاصة و ان جيل اليوم أو ما يسمى في الأدبيات الاقتصادية و التربوية بجيل Y يوصف بجيل يدرس مدة طويلة و يلج سوق الشغل متأخرا في السن [مركب Peter Pan] ، الشيء الذي يزيد من صعوبة الوضع.
من خلال هذه الجولة في ميدان المدرسة المغربية ، ووضع الأصبع على مكامن الخلل التواصلي و الترويجي للمخرج التربوي. أن الأوان للانتقال لتقديم مقترحات وحلول كمانرفع توصيات ننشد من خلالها المتدخلين في الشأن التربوي أخدها مأخذ الجد و على وجه السرعة، ومن بين الحلول المقترحة لتجاوز أزمة التواصل التي تزيد من تقوقع منظومتنا نذكر:


تنمية مهارة الربط بالواقع: تلك المهارة التي يتعلم فيها المتعلم كيف يربط بين المادة العلمية وما فيها من اتجاهات وفكر وعظات وعبر مسترشدا و ربطها بالواقع الاجتماعي الذي يعيشه وما فيه من سلوك وقيم وعادات .
تطوير العلاقة بين المدرسة والمجتمع في إطار العلاقة الوظيفية المتزامنة كون المدرسة نتاج للبيئة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية لمجتمعها وبكونها المحتضن الطبيعي للأفراد الذين ومن خلال المدرسة تتشكل هويتهم وتتطور مهارتهم وخبراتهم ليصبحوا بعد تخرجهم عوامل بناء وتحديث للمجتمعات التي نشؤوا فيها.
تأهيل المعلمين و تكوينهم لهذا الغرض ، و ذلك من خلال :

- التطوير المهني.
- زيادة الحصيلة العلمية وإثراء ثقافته للإحاطة بكل ما يعمل في المجتمع من علاقات إنسانية وحراك اجتماعي.
- المشاركة في تقويم البرنامج الدراسي والتأكد من أنه يرضي حاجات التلاميذ.
- التأكيد على غرس القيم الخلقية الايجابية لدي التلاميذ التي تحقق لهم النمو السوي وتكسبهم القدرة على التمييز بين الصالح والطالح.
- دعم وتنمية ألوان النشاط الاجتماعي والترفيهي بالمدرسة.
- تشجيع الشباب على المشاركة في المشاريع البيئية التنموية.
نستخلص مما سبق أن مدرستنا - التي توجد في عصر الإحتباس الثقافي و التلوث المعرفي و بداية إرهاصات الأبارتيد المعلوماتي - مدعوة لرفع و تجاوز التحديات الألفية الثالثة وذلك من خلال التوصيات:
1 ــ التنزيل الصحيح و السريع لأهداف التعليم [ تخريج أجيال من المثقفين القادرين على العمل بجد وإيجاد مفاتيح التنمية المنشودة ].
2 – تصحيح الصورة السوداء القاتمة حول المدرسة المغربية ، وتجديد البيعة و الثقة بالمشتغلين بها، لأن رأسمال الثقة بـهم من رأسمال البنايات .
3– ربط المدرسة كفضاء حي بإحتياجات المتعلمين و الطلاب اليومية، لأنه كما يقول في الخطاب العامي" لي كي احسب كشيت ليه ".
4 ــ ضرورة الإسراع بعقد دورات ورش عمل تدريب للفاعلين التربويين تدور حول توظيف عصر العولمة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في مجالات التعليم المختلفة ، وتنمية فهم أعمق للمجتمع والمتغيرات العالمية المعاصرة .
5 ــ ضرورة توفير الخدمات التي تقدمها تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات بالفصول الدراسية مما يتطلب معه إعادة تنظيم وتجهيز قاعات الدراسة بحيث تتيح الفرص أمام التلاميذ للاستفادة من تلك الخدمات في دراستهم.
5 ــ أهمية تجهيز المكتبات التعليمية بخدمات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات لتصبح معلومات شاملة مما يساعد على الاتصال بها والدخول منها إلى المكتبات العالمية عن بعد.
6-ضرورة إعداد برنامج تعليمي متكامل في المعلوماتية يهتم باستخدامات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات التعليمية وتدريسه بمراحل التعليم العام.
7 -الاهتمام بالتعليم التعاوني والتعلم الذاتي والتعلم الاستكشافي بالمدرسة .
8 - الاهتمام بغرس مبادئ الدين الإسلامي والثقافة العربية في نفس المتعلم في تعزيز هويته وترسيخ قيمه الأصيلة في مواجهة أي تحديات خارجية.
إن كل الفاعلين في الحقل التعليمي و الشركاء الاجتماعيين، مدعويين إلى الانفتاح على كل جديد في مرونة تمكنهم من الإبداع والابتكار في عصر علم فريد يحتاج برغم تقدمه ورفاهيته إلى اتجاه إنساني يؤكد على التلميذ بالدرجة الأولى الأمر الذي يجعلنا نقرر أن هذا العصر هو عصر العلم و التواصل المفيد و الجيد وفي ذات الوقت هو عصر وجوب السيطرة على المستقبل، في اختيار رشيد لصورة هذا المستقبل قبل حلوله.
كما أن مثل هذه الأوراش التربوية التي من بين ما تهدف إليه الرفع من قيمة المدرسة المغربية و إعادة الثقة لها ، تشبه مباراة سد في كرة القدم. لكن هذه المباراة لا تتطلب إشراك إحدى عشرة لاعبا من المنتخب، بل يتطلب الانتصار فيها، تظافر جهود كل المغاربة و المغربيات اللائي أبن في اللحظات التاريخية [المسيرة الخضراء المظفرة نموذجا]عن حنكتهن و علو كعبهن.
رضوان ازهري:استاذ وفاعل جمعوي