أبو خاطر
06-02-2008, 16:35
تتذكر أم رشيدة أيام بنتها بالمدرسة قائلة: "رشيدة تحب المدرسة، كانت سريعة الحفظ والفهم. هي لم تذهب قبل إلى "الجامع" (الكتاب) ومع ذلك استطاعت أن تتابع في المدرسة. لم نفكر قط من قبل في إرسالها إلى "الجامع"، فلقد كانت تساعد في الأشغال المنزلية.التحقت عدة فتيات من الدوار بالمدرسة، لم نتردد قط في إرسالها، إذ كانت أختاها تقومان بكل شئ في البيت."
تزكي رشيدة كلام أمها، وتحكي عن التحاقها بالمدرسة: "كنت أحب اللعب من قبل، لم أكن أفكر في الذهاب إلى "الجامع" أو المدرسة، لكن وأنا أرى بعض صديقاتي قد سجلن بالمدرسة، قررت كذلك الذهاب. لا أحد عارض هذا في البيت، بالعكس الكل فرح لي. كنت أساعد في الأشغال المنزلية حتى بعد دخولي إلى المدرسة، خاصة في الكنس وغسل الأواني.."
تتابع رشيدة حديثها عن المدرسة: "وجدت صعوبات كثيرة، كان معلمي لا يعرف تاشلحيت ولا يفسر لنا ونحن لا نفهم. نعم كان هذا يزعجني ولا يعجبني وكنت أحيانا أحس بنوع من الخوف لأنني لا أفهم!! ... حصلت على معدل متوسط في التحضيري وكان 5، أما في القسم الثاني فكان معدلي في الدورة الأولى 5، وأصبح 6 في الدورة الثانية، ثم 7 في الدورة الثالثة. كان هذا بعد أن عدت إلى القسم الثاني، لأن المرة الأولى التي قضيتها في هذا القسم لم أتمكن من إتمام الدورة الثالثة لأنني انقطعت عن الذهاب إلى المدرسة ."
تتلعثم رشيدة وتحني رأسها وهي تغالب الدمع، فتكسر الأم الصمت لتنجد ابنتها، وفي حديثها نبرة ألم يبدو أن المقابلة قد أحيته: "لم نفهم شيئا أبدا، رفضت رشيدة الحديث بهذا الشأن. سألتها وسألها أبوها : لماذا لا تذهبين إلى المدرسة؟ لم تجب. حقيقة لم نلح في السؤال بعد ذلك. فعاودت مساعدتي في البيت والعمل مع أختيها في الشؤون المنزلية. أنا لم يعجبني هذا أبدا ولكن لم أحاول إجبارها على الذهاب إلى المدرسة!"
قبلت رشيدة الكشف عن سر التوقف المفاجئ عن الدراسة، رغم أن تحصيلها كان في تحسن متواصل: "في أحد الأيام طلبت مني المعلمة وكعادتها مع تلاميذ آخرين، أن أذهب إلى بيتنا لأحضر لها الخبز. لم أتردد فذهبت، لأن أمي وكما هو الشأن بالنسبة لأمهات كل صديقاتي في القسم لا يرفضن هذا. نعم أحيانا يقلن هذا كثير وأحيانا أخرى لا يقلن شيئا. عندما وصلت البيت وطلبت من أمي الخبز، قالت لي: لم أخبز اليوم فأنا أحضر الكسكس. اذهبي وقولي لمعلمتك أن لا خبز في البيت وأمي تعتذر. فعلت ما طلبت أمي، كنت عائدة للمدرسة وأنا أحس بالخجل، ترددت كثيرا قبل أن أتوجه للمعلمة، كنت جد خجولة... عندما أخبرتها بما قالته أمي « تعصبت » كثيرا، طلبت مني رفع الرجلين وأعطتني الفلقة بشدة، لم أستطع معها المشي. أحسست بألم شديد في رجلي. كنت غاضبة جدا. قررت أن لا أعود للمدرسة. عندما رجعت للبيت لم أحك لأحد ما حل بي، كنت أحس كذلك بخجل. لا أدري، لم تكن لي رغبة في التحدث بهذا لأحد. حين لاحظ والدي عدم ذهابي إلى المدرسة سألني، كما سألتني أمي عن سبب عدم التحاقي بالمدرسة فلم أجبهما، لم أتكلم قط. ألحا علي أن أعود إلى المدرسة وأنا رفضت ولم أكمل بذلك الدورة الثالثة ولم أكمل معها القسم الثاني. عدت إلى "شقاء" البيت، فأصبحت أقوم بإحضار الحطب وحش الربيع للبهائم والطبخ والكنس وغسل الأواني كما بدأت في تعلم الزربية. لا، لم يحصل أن عدت لدفاتري طيلة تلك المدة!!"
"عندما أقوم بكل الأشغال المنزلية أحس بالتعب وبأن شيئا ما ينقصني، لم أعد ألعب كثيرا خاصة أن كل صديقاتي يذهبن إلى المدرسة، وتعلم الزربية متعب كذلك. لم أكن أتحدث عن هذه المشكلة ولا عن المدرسة مع الآخرين، سواء إخوتي ووالدي أو أصدقائي. كنت أفكر وحيدة أن أعود للقسم طيلة مدة الدورة الثالثة، لكن لم يكن هذا ممكنا. لا أدري ما هو السبب. المعلمة كانت هناك وهي صعبة جدا، فهي تشدد الضرب!!"
تسكت رشيدة وتتابع أمها: "لم تذهب ابنتاي الكبيرتان قط إلى المدرسة، لكن والحمد لله علمتهما صنع الزربية وهما سندي في الاهتمام كذلك بأخواتهما. فأنا رزقت 7 أطفال: رشيدة ومريمة صغرى البنات تتابع الآن في القسم الثاني، وعبد العالي في القسم السادس، وسعيد في القسم الثالث ازداد منذ 8 سنوات تقريبا، والأصغر خالد ازداد منذ 3 سنوات (1999) وهو في الروض. كلهم أصغر من رشيدة التي ولدت بعد أختيها الكبيرتين اللتين لم تذهبا إلى المدرسة. لسوء الحظ، رشيدة لم تعد تذهب إلى المدرسة كأختيها!.. هي لم تكن صغيرة جدا، لكن لم يكن حرج في ذهابها إلى المدرسة كي تتعلم وتفهم. لم نلح عليها فهي قررت. لم يحصل أن سألنا أحد من المدرسة عن غياب رشيدة، لا أحد اهتم بما حدث. بقيت الأمور هكذا إلى أن عادت رشيدة لوحدها إلى المدرسة دون مشاورة أي أحد في البيت. أظن عادت إلى القسم الثاني أو الثالث، لا أدري. هي تعرف! المهم أن المدير، ليس المدير الحالي، كان هناك مدير سابق لم يهتم بالأمر ولم يسأل. لا نعرف إن كان قد علم بالأمر. لربما حاول المعلم (ت) إخباره."
تستأنف رشيدة حكايتها: "لم أخبر أحدا عن السبب هكذا، لم أكن أدري. لم أبتعد عن المدرسة، فأنا تألمت من شدة الضرب وخفت. لقد حرمتني المعلمة من الذهاب إلى المدرسة لو لم تقل لي: "لا، لا تحضري إلى المدرسة". (تصمت قليلا ثم تتابع) أخذت أتألم كثيرا عند رؤية فتيات الدوار وهن يذهبن إلى المدرسة لكي يضمن مستقبلهن. قلت في (رأسي)، أنا كذلك يجب أن أتعلم لكي أفهم، خصوصا إذا ذهبت إلى المستشفى أو إلى المدينة. تألمت خاصة في بداية السنة الدراسية وأنا أشاهد الآخرين واخوتي يستعدون للذهاب بعد العطلة إلى المدرسة، فقررت أن أذهب كذلك. ذهبت عند المعلم (ت)، لأنه كان يدرس في القسم الثاني، وطلبت منه أن أرجع إلى المدرسة فقبل. أظن أن المدير قبل كذلك، فبدأت الدراسة حتى أنهيتها ونجحت في القسم الثاني هذه المرة بمعدل 6 كمعدل عام. وكنت قد حصلت على معدل 7 في الدورة الأخيرة... لم أواجه صعوبات كبيرة خلال هذه السنة، ربما في الإملاء فقط."
"كنت أراجع دائما، أراجع وحدي وكنت أعمل لكي أحصل على أحسن النقط لكي أنتقل إلى الرتبة الأولى في القسم. أقوم بالأشغال المنزلية ولكن لا أنسى أبدا مراجعة دروسي، فأنا تعجبني القراءة والكتابة. أمي وأبي لا يسألان دائما عن المدرسة. فهما لا يعرفان القراءة والكتابة. أمي تطلب مني أن أساعد في الأشغال المنزلية لكنها لا تمنعني من الذهاب إلى المدرسة. أختاي الكبيرتان تساعدانها أكثر مني."
"لم أواجه صعوبات كبيرة في الفرنسية إذ كانت معاملة المعلمة في الأول لنا حسنة، أحببت المادة، أما العربية فلقد حصلت فيها على معدل 7 وأصبحت فيها نتائجي أحسن من القسم الثاني."
"دخلت القسم الثالث، كنت فرحة، كانت علاقاتي مع أصدقاء القسم حسنة جدا، لم تكن لي أبدا فكرة الانقطاع عن المدرسة. رغم الأشغال المنزلية المتبعة، لم أفكر قط في ترك المدرسة لكن المعلمة (ع) كانت دائما تشدد الضرب، في يوم ضربت أخي عبد العالي، وهو الآن في القسم السادس. كان في القسم الثاني، ضربته بشدة بالبركار فأصابته بجرح في كف اليد. تألم كثيرا وأخبر الأسرة بذلك. لم يعجبني هذا وتألمت أنا كذلك، لا أحد في أسرتي ذهب للاستفسار وللتشكي للمعلمة. في حديث مع بعض صديقاتي وأنا أحس بقلق شديد على إثر هذا الحدث، قلت لهن (تلك سوى تسقويت) أي السوداء. أخبرت إحدى صديقاتي المعلمة وعندما ذهبت للقسم ضربتني بشدة وعنف..."
تكفكف رشيدة دمعها محاولة الابتسام، وتتابع: "أنا لم أنتبه جيدا لما قلته، كنت حزينة لأخي لأنه كان يحس بألم من جراء جرحه. وقال لأمي أنه لا يريد العودة إلى المدرسة. فوجئت عند دخولي للقسم بالمعلمة وهي تسألني عن الشيء الذي دفع بي لنعتها بأنها (السوداء)، لم أستطع الجواب إذ أحسست بخوف شديد، وإذا بها تشد شعري بعنف وهي تصرخ. أخرجتني من القسم أمام التلميذات والتلاميذ ورمت بمحفظتي. حملتها وعدت مفزعة للبيت ... عدت للبيت ولم أستطع أن أخفي هذه المرة ما حدث. حكيت لأمي وأبي وعلى مسمع كل إخوتي، ما قامت به المعلمة."
حاولت الأسرة إيجاد حل للمشكلة كما تقول الأم: "أصبحت رشيدة مغمومة جدا وحزينة. لم أتحمل هذا فذهبت إلى المدرسة بنية مقابلة المدير، لكن التقيت بثلاثة معلمين وطلبت منهم أن ينصفوا ابنتي ويساعدوها على العودة إلى المدرسة. تعهدوا بالقيام بالواجب دون إيصال الأمر إلى المدير، إذ قالوا أنهم سيتكلمون مع المعلمة (ع) بهذا الشأن. انتظرنا ولم يحدث أي شئ، ثم ذهب والد رشيدة عند معلم آخر وجدد طلب عودة رشيدة إلى المدرسة. وعده المعلم ولم يحدث مرة ثانية أي شئ... (صمت ثقيل والأم تردد) الله وحده قادر على أخذ الحق".
تواصل الأم حديثها: "نحن أناس ضعفاء وأميون ولا نفهم ولا نعرف ما يمكن فعله. لا نقبل أن يضرب أطفالنا هكذا ونحن بعثنا بهم لكي يتعلموا ويصبحوا أحسن منا لا لكي يضربوا ويمنعوا من الذهاب إلى المدرسة. رشيدة اليوم تساعدني وتعين أختيها الكبيرتين، لكن ما فعلته المعلمة (ع) لم يكن فعل خير والله لا يقبل بهذا... أنا كنت أشتغل بمطعم المدرسة وتوقفت... المدير السابق لم يكن يعبأ أو يبالي بشيء، لكن الحمد لله أن المدير الجديد متفهم ويساعد، ابني كذلك لم ينج من هذه المعلمة..."(*)
حاولت رشيدة الاستمرار في التعلم، والتحقت بقسم محاربة الأمية: " أخذت أذهب عند عائشة، هي التي كانت تعلم بقسم محاربة الأمية، لكن لم يدم ذلك طويلا حيث ذهبت المعلمة عائشة فلم أتمكن من التعلم ثانية".
تحاول رشيدة إبقاء الصلة مع المدرسة التي حرمت منها: "أحيانا أذهب عند المعلمة (س) التي تدرس قسم التحضيري، لا أدري لماذا أذهب عندها باستمرار. أعتقد لأنها طيبة وهي قريبة للعائلة. هناك ألتقي بالمعلمة (ع). أحييها، أمضي بعض الدقائق وأخرج عائدة للمنزل... (صمت ثقيل) هي ترد التحية لا أكثر... "
وتنهي رشيدة حكايتها متأسية: "لو كنت أفهم لعدت إلى المدرسة ولو أنني كنت جد خائفة وغاضبة كذلك."
تزكي رشيدة كلام أمها، وتحكي عن التحاقها بالمدرسة: "كنت أحب اللعب من قبل، لم أكن أفكر في الذهاب إلى "الجامع" أو المدرسة، لكن وأنا أرى بعض صديقاتي قد سجلن بالمدرسة، قررت كذلك الذهاب. لا أحد عارض هذا في البيت، بالعكس الكل فرح لي. كنت أساعد في الأشغال المنزلية حتى بعد دخولي إلى المدرسة، خاصة في الكنس وغسل الأواني.."
تتابع رشيدة حديثها عن المدرسة: "وجدت صعوبات كثيرة، كان معلمي لا يعرف تاشلحيت ولا يفسر لنا ونحن لا نفهم. نعم كان هذا يزعجني ولا يعجبني وكنت أحيانا أحس بنوع من الخوف لأنني لا أفهم!! ... حصلت على معدل متوسط في التحضيري وكان 5، أما في القسم الثاني فكان معدلي في الدورة الأولى 5، وأصبح 6 في الدورة الثانية، ثم 7 في الدورة الثالثة. كان هذا بعد أن عدت إلى القسم الثاني، لأن المرة الأولى التي قضيتها في هذا القسم لم أتمكن من إتمام الدورة الثالثة لأنني انقطعت عن الذهاب إلى المدرسة ."
تتلعثم رشيدة وتحني رأسها وهي تغالب الدمع، فتكسر الأم الصمت لتنجد ابنتها، وفي حديثها نبرة ألم يبدو أن المقابلة قد أحيته: "لم نفهم شيئا أبدا، رفضت رشيدة الحديث بهذا الشأن. سألتها وسألها أبوها : لماذا لا تذهبين إلى المدرسة؟ لم تجب. حقيقة لم نلح في السؤال بعد ذلك. فعاودت مساعدتي في البيت والعمل مع أختيها في الشؤون المنزلية. أنا لم يعجبني هذا أبدا ولكن لم أحاول إجبارها على الذهاب إلى المدرسة!"
قبلت رشيدة الكشف عن سر التوقف المفاجئ عن الدراسة، رغم أن تحصيلها كان في تحسن متواصل: "في أحد الأيام طلبت مني المعلمة وكعادتها مع تلاميذ آخرين، أن أذهب إلى بيتنا لأحضر لها الخبز. لم أتردد فذهبت، لأن أمي وكما هو الشأن بالنسبة لأمهات كل صديقاتي في القسم لا يرفضن هذا. نعم أحيانا يقلن هذا كثير وأحيانا أخرى لا يقلن شيئا. عندما وصلت البيت وطلبت من أمي الخبز، قالت لي: لم أخبز اليوم فأنا أحضر الكسكس. اذهبي وقولي لمعلمتك أن لا خبز في البيت وأمي تعتذر. فعلت ما طلبت أمي، كنت عائدة للمدرسة وأنا أحس بالخجل، ترددت كثيرا قبل أن أتوجه للمعلمة، كنت جد خجولة... عندما أخبرتها بما قالته أمي « تعصبت » كثيرا، طلبت مني رفع الرجلين وأعطتني الفلقة بشدة، لم أستطع معها المشي. أحسست بألم شديد في رجلي. كنت غاضبة جدا. قررت أن لا أعود للمدرسة. عندما رجعت للبيت لم أحك لأحد ما حل بي، كنت أحس كذلك بخجل. لا أدري، لم تكن لي رغبة في التحدث بهذا لأحد. حين لاحظ والدي عدم ذهابي إلى المدرسة سألني، كما سألتني أمي عن سبب عدم التحاقي بالمدرسة فلم أجبهما، لم أتكلم قط. ألحا علي أن أعود إلى المدرسة وأنا رفضت ولم أكمل بذلك الدورة الثالثة ولم أكمل معها القسم الثاني. عدت إلى "شقاء" البيت، فأصبحت أقوم بإحضار الحطب وحش الربيع للبهائم والطبخ والكنس وغسل الأواني كما بدأت في تعلم الزربية. لا، لم يحصل أن عدت لدفاتري طيلة تلك المدة!!"
"عندما أقوم بكل الأشغال المنزلية أحس بالتعب وبأن شيئا ما ينقصني، لم أعد ألعب كثيرا خاصة أن كل صديقاتي يذهبن إلى المدرسة، وتعلم الزربية متعب كذلك. لم أكن أتحدث عن هذه المشكلة ولا عن المدرسة مع الآخرين، سواء إخوتي ووالدي أو أصدقائي. كنت أفكر وحيدة أن أعود للقسم طيلة مدة الدورة الثالثة، لكن لم يكن هذا ممكنا. لا أدري ما هو السبب. المعلمة كانت هناك وهي صعبة جدا، فهي تشدد الضرب!!"
تسكت رشيدة وتتابع أمها: "لم تذهب ابنتاي الكبيرتان قط إلى المدرسة، لكن والحمد لله علمتهما صنع الزربية وهما سندي في الاهتمام كذلك بأخواتهما. فأنا رزقت 7 أطفال: رشيدة ومريمة صغرى البنات تتابع الآن في القسم الثاني، وعبد العالي في القسم السادس، وسعيد في القسم الثالث ازداد منذ 8 سنوات تقريبا، والأصغر خالد ازداد منذ 3 سنوات (1999) وهو في الروض. كلهم أصغر من رشيدة التي ولدت بعد أختيها الكبيرتين اللتين لم تذهبا إلى المدرسة. لسوء الحظ، رشيدة لم تعد تذهب إلى المدرسة كأختيها!.. هي لم تكن صغيرة جدا، لكن لم يكن حرج في ذهابها إلى المدرسة كي تتعلم وتفهم. لم نلح عليها فهي قررت. لم يحصل أن سألنا أحد من المدرسة عن غياب رشيدة، لا أحد اهتم بما حدث. بقيت الأمور هكذا إلى أن عادت رشيدة لوحدها إلى المدرسة دون مشاورة أي أحد في البيت. أظن عادت إلى القسم الثاني أو الثالث، لا أدري. هي تعرف! المهم أن المدير، ليس المدير الحالي، كان هناك مدير سابق لم يهتم بالأمر ولم يسأل. لا نعرف إن كان قد علم بالأمر. لربما حاول المعلم (ت) إخباره."
تستأنف رشيدة حكايتها: "لم أخبر أحدا عن السبب هكذا، لم أكن أدري. لم أبتعد عن المدرسة، فأنا تألمت من شدة الضرب وخفت. لقد حرمتني المعلمة من الذهاب إلى المدرسة لو لم تقل لي: "لا، لا تحضري إلى المدرسة". (تصمت قليلا ثم تتابع) أخذت أتألم كثيرا عند رؤية فتيات الدوار وهن يذهبن إلى المدرسة لكي يضمن مستقبلهن. قلت في (رأسي)، أنا كذلك يجب أن أتعلم لكي أفهم، خصوصا إذا ذهبت إلى المستشفى أو إلى المدينة. تألمت خاصة في بداية السنة الدراسية وأنا أشاهد الآخرين واخوتي يستعدون للذهاب بعد العطلة إلى المدرسة، فقررت أن أذهب كذلك. ذهبت عند المعلم (ت)، لأنه كان يدرس في القسم الثاني، وطلبت منه أن أرجع إلى المدرسة فقبل. أظن أن المدير قبل كذلك، فبدأت الدراسة حتى أنهيتها ونجحت في القسم الثاني هذه المرة بمعدل 6 كمعدل عام. وكنت قد حصلت على معدل 7 في الدورة الأخيرة... لم أواجه صعوبات كبيرة خلال هذه السنة، ربما في الإملاء فقط."
"كنت أراجع دائما، أراجع وحدي وكنت أعمل لكي أحصل على أحسن النقط لكي أنتقل إلى الرتبة الأولى في القسم. أقوم بالأشغال المنزلية ولكن لا أنسى أبدا مراجعة دروسي، فأنا تعجبني القراءة والكتابة. أمي وأبي لا يسألان دائما عن المدرسة. فهما لا يعرفان القراءة والكتابة. أمي تطلب مني أن أساعد في الأشغال المنزلية لكنها لا تمنعني من الذهاب إلى المدرسة. أختاي الكبيرتان تساعدانها أكثر مني."
"لم أواجه صعوبات كبيرة في الفرنسية إذ كانت معاملة المعلمة في الأول لنا حسنة، أحببت المادة، أما العربية فلقد حصلت فيها على معدل 7 وأصبحت فيها نتائجي أحسن من القسم الثاني."
"دخلت القسم الثالث، كنت فرحة، كانت علاقاتي مع أصدقاء القسم حسنة جدا، لم تكن لي أبدا فكرة الانقطاع عن المدرسة. رغم الأشغال المنزلية المتبعة، لم أفكر قط في ترك المدرسة لكن المعلمة (ع) كانت دائما تشدد الضرب، في يوم ضربت أخي عبد العالي، وهو الآن في القسم السادس. كان في القسم الثاني، ضربته بشدة بالبركار فأصابته بجرح في كف اليد. تألم كثيرا وأخبر الأسرة بذلك. لم يعجبني هذا وتألمت أنا كذلك، لا أحد في أسرتي ذهب للاستفسار وللتشكي للمعلمة. في حديث مع بعض صديقاتي وأنا أحس بقلق شديد على إثر هذا الحدث، قلت لهن (تلك سوى تسقويت) أي السوداء. أخبرت إحدى صديقاتي المعلمة وعندما ذهبت للقسم ضربتني بشدة وعنف..."
تكفكف رشيدة دمعها محاولة الابتسام، وتتابع: "أنا لم أنتبه جيدا لما قلته، كنت حزينة لأخي لأنه كان يحس بألم من جراء جرحه. وقال لأمي أنه لا يريد العودة إلى المدرسة. فوجئت عند دخولي للقسم بالمعلمة وهي تسألني عن الشيء الذي دفع بي لنعتها بأنها (السوداء)، لم أستطع الجواب إذ أحسست بخوف شديد، وإذا بها تشد شعري بعنف وهي تصرخ. أخرجتني من القسم أمام التلميذات والتلاميذ ورمت بمحفظتي. حملتها وعدت مفزعة للبيت ... عدت للبيت ولم أستطع أن أخفي هذه المرة ما حدث. حكيت لأمي وأبي وعلى مسمع كل إخوتي، ما قامت به المعلمة."
حاولت الأسرة إيجاد حل للمشكلة كما تقول الأم: "أصبحت رشيدة مغمومة جدا وحزينة. لم أتحمل هذا فذهبت إلى المدرسة بنية مقابلة المدير، لكن التقيت بثلاثة معلمين وطلبت منهم أن ينصفوا ابنتي ويساعدوها على العودة إلى المدرسة. تعهدوا بالقيام بالواجب دون إيصال الأمر إلى المدير، إذ قالوا أنهم سيتكلمون مع المعلمة (ع) بهذا الشأن. انتظرنا ولم يحدث أي شئ، ثم ذهب والد رشيدة عند معلم آخر وجدد طلب عودة رشيدة إلى المدرسة. وعده المعلم ولم يحدث مرة ثانية أي شئ... (صمت ثقيل والأم تردد) الله وحده قادر على أخذ الحق".
تواصل الأم حديثها: "نحن أناس ضعفاء وأميون ولا نفهم ولا نعرف ما يمكن فعله. لا نقبل أن يضرب أطفالنا هكذا ونحن بعثنا بهم لكي يتعلموا ويصبحوا أحسن منا لا لكي يضربوا ويمنعوا من الذهاب إلى المدرسة. رشيدة اليوم تساعدني وتعين أختيها الكبيرتين، لكن ما فعلته المعلمة (ع) لم يكن فعل خير والله لا يقبل بهذا... أنا كنت أشتغل بمطعم المدرسة وتوقفت... المدير السابق لم يكن يعبأ أو يبالي بشيء، لكن الحمد لله أن المدير الجديد متفهم ويساعد، ابني كذلك لم ينج من هذه المعلمة..."(*)
حاولت رشيدة الاستمرار في التعلم، والتحقت بقسم محاربة الأمية: " أخذت أذهب عند عائشة، هي التي كانت تعلم بقسم محاربة الأمية، لكن لم يدم ذلك طويلا حيث ذهبت المعلمة عائشة فلم أتمكن من التعلم ثانية".
تحاول رشيدة إبقاء الصلة مع المدرسة التي حرمت منها: "أحيانا أذهب عند المعلمة (س) التي تدرس قسم التحضيري، لا أدري لماذا أذهب عندها باستمرار. أعتقد لأنها طيبة وهي قريبة للعائلة. هناك ألتقي بالمعلمة (ع). أحييها، أمضي بعض الدقائق وأخرج عائدة للمنزل... (صمت ثقيل) هي ترد التحية لا أكثر... "
وتنهي رشيدة حكايتها متأسية: "لو كنت أفهم لعدت إلى المدرسة ولو أنني كنت جد خائفة وغاضبة كذلك."