مشاهدة النسخة كاملة : الرسول المعلم صلى الله عليه و سلم
بسم الله الرحمن الرحيم
أدرج هنا مكونات المشاركات حتى يسهل الوصول إليها:
نص القرآن و السنة مشاركة 1
التعليم بذاتيته الشريفة مشاركة 2
شخصيته التعليمية مشاركة 3
أساليبه في التعليم مشاركة 4
تلطفه و تواضعه مشاركة 5
طريقة الإلقاء مشاركة 6
تحذيره من الفتور في التعليم و التعلم مشاركة 7
تعليمه بالسيرة الحسنة و بالفعل و العمل مشاركة 8
التعليم بالتدريج مشاركة 9
الاعتدال و البعد عن الإملال مشاركة 10
رعاية الفروق الفردية بين المتعلمين مشاركة 11
استعمال الحوار و المساءلة مشاركة 12
استعمال المحادثة و الموازنة العقلية مشاركة 13
استكشاف ذكاء المتعلمين مشاركة 14
التعليم بالمقايسة و التمثيل مشاركة 15
استعمال التشبيه و ضرب الأمثال مشاركة 16
استعمال الرسم على التراب مشاركة 17
استعمال الإشارة الجسدية مشاركة 18
الإفادة دون سؤال مشاركة 19
جواب السائل مشاركة 19
تنبيه السائل إلى غير ما سأل عنه مشاركة 20
التدريب و التمرين مشاركة 21
الامتحان مشاركة 22
التعليم بالسكوت و الإقرار مشاركة 23
انتهاز المناسبة للتعليم مشاركة 23
التعليم بالممازحة و المداعبة مشاركة 24
التعليم بالقسم مشاركة 24
تغيير الجلسة وتكرار المقال مشاركة 25
إمساكه بيد أو منكب المخاطب مشاركة 25
استثارة البحث و الاستكشاف مشاركة 26
الاجمال ثم التفصيل مشاركة 27
التعليم بالوعظ و الارشاد مشاركة 28
التعليم بالقصص و أخبار الماضين مشاركة 28
تعليمه لما يستحيا منه مشاركة 29
الترغيب و الترهيب و الغضب مشاركة 30
الاهتمام بتعليم النساء مشاركة 30
الاهتمام بتعلم اللغات الاجنبية مشاركة 30
خاتمة مشركة 31
نصُّ القرآن و السنة على كون الرسول صلى الله عليه وسم معلِّماً
لقد أثبَتَ القرآن الكريم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معلِّمٌ للناسِ والبشريةِ جميعاً
قال الله تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).
وقال تعالى : (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً).
وقال تعالى أيضاً : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
قال الله تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ )
قال الله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا )
لقد أثبتَتْ السُّنّةُ المطهّرة أيضاً أن رسول صلّى الله عليه وسلم معلِّمٌ هادٍ بصير .
1 ـ روى ابنُ ماجَهْ والدّارِميُّ قال : ((خَرَج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم من بعض حُجَره ، فدخلَ المسجد ، فإذا هو بحَلْقَتين : إحداهما يَقرؤون القرآن ويدعون الله تعالى ، والأخرى يَتعلَّمون ويُعلِّمون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كلٌّ على خير ، هؤلاء يقرؤون القرآن ويَدْعون الله ، فإن شاء أعطاهم وإن شاء مَنَعهم ، وهؤلاء يُعلمون ويَتعلمون ، وإنما بُعِثتُ مُعلِّماً ، فَجَلَسَ معهم)).
2 ـ وروى مسلم في قصة تخيير النبي صلى الله عليه وسلم زوجاتِه الشريفات رضي الله عنهن ، وقد بَدأ بعائشة منهن فاختارَتْه رضي الله عنها ، ورَغِبَتْ منه أن لا يُخبِرَ غيرها أنها اختارته ، فقال لها عليه الصلاة والسلام : ((إنَّ الله لم يَبعثني مُعَنِّتاً ولا مُتَعنِّتاً ، ولكن بعثني مُعلِّماً مُيَسِّراً)). قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : وفي إبهامه صلى الله عليه وسلم وعدَمِ مصارحته ومواجهته لعائشة بالزجر ، إشعارٌ بأنَّ من دقائق صناعة التعليم أن يَزجُرَ المعلّمُ : المتعلِّمَ عن سوء الأخلاق ، باللّطفِ والتعريضِ ما أمكن ، من غير تصريح ، وبطريقِ الرحمةِ من غير توبيخ ، فإن التصريح يَهتك حجاب الهيبة ، ويورِثُ الجُرأةَ على الهجوم بالخلاف ، ويُهيِّجُ الحرصَ على الإصرار
التعليم بذاتيتِه الشريفة صلى الله عليه وسلم
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعلِّماً اختاره الله تعالى لتعليم البشرية دينَ الله وشريعتَه الخاتمةَ والخالدةَ ، وليس في الدنيا أغلى على الله من (دين الله تعالى) ، فاختار الله سبحانه لنشرِه وتعليمِه أفضلَ الأنبياء والرُّسُل محمداً عليه وعليهم أفضلُ الصلاة والسلام . وكان هذا المُعلِّم المصطفى من الله تعالى لتبليغ شريعتِه للناس ، معلِّماً بمظهَرِه ومَخبَرِه ، وحالِه ومقالِه ، وجميع أحوالِه ، فتكامُلُ شخصيتِه الشريفة أسلوبٌ مُعلِّم للمُتعلِّمين أن يكونوا كمثالِه الشريف وهَدْيِه المُنيف . ومن أهم صفاتِ المعلِّم أن يكون في ذاته مُتكامِل المحاسِن عقلاً وفضلاً ، وعلماً وحكمةً ، ومَنظراً ورُواءً ، ولَباقةً ولَياقةً ، وحركةً وسكوناً ، وطِيبَ حديثٍ ، وذكاءَ رائحةٍ ، ونظافةَ ثيابٍ ، وجمالَ طَلْعةٍ ، وحُسنَ منطِقٍ وتَصرُّفٍ وإدارةٍ ...
وقد كان كلُّ هذا في ذاتِ الرسول المُعلِّم صلى الله عليه وسلم على أتمِّ وجهٍ وأعلى حُسنٍ واكتمال ، فهو معلِّم بذاتِه الشريفة النَّموذجية لكل متعلِّم ومُسترشِد ، فهو صلى الله عليه وسلم تَتَمثَّل فيه غايةُ التعليم بأساليبِه المختلفة ، لأن كلَّ تلك الوسائل والأساليب تتوجَّه لأن يكون المسلمُ مُحقِّقاً لقوله تعالى : (كنتم خيرَ أمةٍ أُخرِجَتْ للناس) ، فهذا الكمالُ الجامعُ فيه صلى الله عليه وسلم غايةُ الغايات من جميع الأساليب ، وزُبدةُ التعليم والتهذيب ، ولقد حَظِيَتْ ذاتُه الشريفة بأعلى الثناء العزيز الفريد ، المؤكَّد من الله تعالى كلَّ التأكيد ، بقوله تعالى : (وإنك لَعَلى خُلُقٍ عظيم).
فلا غرابةَ أن تُعدَّ محاسِنُه الشريفة من أساليب التعليم ، وأيُّ مُعلِّمٍ أثَّر في البشرية تأثيرَه ، وتقبَّل الناسُ ـ على اختلاف ألوانِهم وألسنتِهم ـ دينَه وشريعتَه؟ واتخذوه القدوة والأسوةَ الحسنةَ في سائر شؤونِ الحياة سوى هذا الرسول الكريم والنبي العظيم ، عليه من الله أفضلُ الصلاة والتسليم .
شخصيته التعليمية صلى الله عليه و سلم
كان صلى الله عليه وسلم يُعطي كل واحد من جُلسائه وأصحابه حقَّه من الالتفات إليه والعناية به ، حتى يظُنَّ كل واحد منهم أنه أحبُّ الناس إلى رسول الله: روى الترمذي عن سيدنا علي رضي الله عنه في وصفه لمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ((كان يُعطي كل جُلسائِه بنصيبه ، لا يحسب جليسه أنَّ أحداً أكرم عليه منه.))
نجمل معالم شخصيته التعليمية صلى الله عليه و سلم فيما يلي:
* لا يتكلم في غير حاجة
* يَفتَتِحُ الكلام ويختِمُه باسم الله تعالى
* يتكلَّم بجوامع الكَلِم، كلامُه فَصْل، لا فُضولَ ولا تقصير
* لا تُغضِبُه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعدِّيَ الحقُّ لم يَقُمْ لغضبه شيءٌ حتى ينتصر له، ولا يَغضَبُ لنفسه ولا ينتصر لها
* إذا أشارَ أشار بكفِّه كلِّها ، وإذا تَعجَّب قَلَبها ، وإذا تحدّث اتَّصل بها وضرب براحتِه اليُمنى بَطنَ إبهامِه اليُسرى
* إذا غضِب أعرضَ وأشاح، وإذا فرِح غضَّ طرْفَه ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبسُّم
* ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته
* كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزُن لسانه إِلا بما يعنيه.
* ويؤلِّفهم ولا ينفِّرهم ويكرم كريم كل قوم ويولِّيه عليهم
* ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أَن يطوي على أَحد منهم بِشْرَه ولا خُلُقَه
* يتفقَّد أَصحابه، ويسأَل الناس عمَّا في الناس،
* ويحسِّن الحسن ويقوِّيه، ويقبِّح القبيح ويُوَهِّيه
* لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا
* لكلِّ حال عنده عتاد
* أَفضلهم عنده أعمهم نصيحة
* إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك
* يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أَنَّ أحداً أكرم عليه منه
* من جالسه أَو قومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه
* من سأَله حاجة لم يردّه إِلا بها أو بميسور من القول
* قد وسع الناسَ منه بَسطُه وخلقُه فسار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سوء
* مجلسُهُ مجلسُ حلم وحياءٍ وصبر وأمانة لا تُرفع فيه الأصوات
* كان لا يذم أَحداً ولا يعيِّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إِلا فيما يرجو ثوابه
* يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه
* يصبر للغريب على الجفْوة في منطقه ومسأَلته
* لا يقطع على أَحد حديثه
* دائم البِشْر، سهل الخُلُق، لين الجانب،
* ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخَّاب، ولا فحاش، ولا عيّاب، ولا مزَّاح
* يتغافل عما لا يشتهي، ولا يُؤْيس منه راجيَه
* جُمع له صلى الله عليه وسلم الحلم والصبر
و هي كلها في حديث طويل أدرجته كاملا في نافذة : صفة النبي صلى الله عليه و سلم في المنتدى الإسلامي و الرابط من هنا:
http://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=150893
أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار في تعليمه من الأساليب أحسنَها وأفضَلَها ، وأَوْقَعَها في نفسِ المخاطب وأقربَها إلى فهمه وعقلِه ، وأشدَّها تثبيتاً للعلم في ذهن المخاطب ، وأكثرها مُساعَدةً على إيضاحه له .
ومن دَرَس كُتُب السُّنّة وقرأها بإمعان رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُلوِّن الحديث لأصحابه ألواناً كثيرة ، فكان تارةً يكون سائلاً ، وتارةً يكون مُجيباً ، وتارةً يُجيبُ السائلَ بقَدْرِ سُؤالِه ، وتارةً يَزيدُه على ما سأل ، وتارةً يَضرِبُ المثلَ لما يُريد تعليمَه ، وتارةً يُصحِبُ كلامَه القَسَمَ بالله تعالى ، وتارةً يَلْفِتُ السائلَ عن سُؤاله لحكمةٍ بالغةٍ منه صلى الله عليه وسلم ، وتارةً يُعلِّم بطريق الكتابة ، وتارةً بطريق الرَّسْم ، وتارةً بطريق التشبيه أو التصريح ، وتارةً بطريق الإبهام أو التلويح .
وكان صلى الله عليه وسلم تارةً يورِدُ الشبهة ليَذكُرَ جوابَها ، وتارة يَسلُكُ سبيل المُداعبة والمُحاجاةِ فيما يُعلِّمُه ، وتارةً يُمهِّدُ لما يَشاءُ تعليمَه وبيانَه تمهيداً لطيفاً ، وتارةً يَسلُكُ سبيلَ المُقايَسةِ بين الأشياء ، وتارةً يُشيرُ إلى عِلَلِها لذِكرِ جوابِها ، وتارةً يَسألُ أصحابَه وهو يَعْلَم ليمْتَحِنَهم بذلك ، وتارةً يَسألُهم لِيُرشِدَهم إلى موضع الجواب ، وتارة يُلقي إليهم العلمَ قبل السُّؤال ، وتارةً يَخُصُّ النساءَ ببعض مجالسه ويعلمهُنَّ ما يحتجن إليه من العلم ، وتارةً يُراعي حالَ من بحضرتِه من الأطفال والصِّغار ، فيَتنزَّلُ إليهم بما يُلاقي طفولتهم ولَهوَهم البريء ، إلى غير ذلك من فُنون تعليمِه صلى الله عليه وسلم.
تلطف و تواضع المعلم صلى الله عليه و سلم
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرأفة والرحمة ، وتَرْكِ العَنَتِ وحُبّ اليُسر ، والرِّفق بالمتعلِّم ، والحِرصِ عليه ، وبَذْلِ العلم والخير له في كل وقت ومناسبة : بالمكان الأسمى والخُلُقِ الأعلى قال الله تعالى : ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) .
قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
روى مسلم: ((بَيْنا أنا أُصلّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ عَطَس رجلٌ من القوم ، فقلتُ : يَرحمُك الله ، فرَماني القوم بأبصارهم! فقلتُ : واثُكْلَ أُمِّياه! ما شأنُكم تنظرون إليَّ؟! فجعلوا يَضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتُهم يُصمِّتونني سكَتُّ .فلما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم دَعاني ، فبأبي هو وأُمّي ، ما رأيتُ مُعلِّماً قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تعليماً منه ، فوالله ما كَهَرني، ولا ضربني ، ولا شَتَمني، قال : إنَّ هذه الصلاة لا يَصْلُحُ فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح ، والتكبير ، وقراءة القرآن)).قال الإمام النووي رحمه الله تعالى تعليقاً على هذا الحديث الشريف : ((وفيه بيانُ ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من عظيم الخُلُق الذي شَهِدَ الله تعالى له به ، ومن رِفْقِهِ بالجاهل ، ورَأفتِهِ بأمته وشفقته عليهم . وفيه التخلُّقُ بخُلُقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل ، وحُسْنِ تعليمه ، واللطفِ به ، وتقريب الصواب إليه.
وكان صلى الله عليه وسلم أتَمَّ ما يكون تواضُعاً للمتعلِّم والسائل المستفيد والضعيف الفَهْم .
روى البخاري ومسلم قال : ((انتهَيْتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يَخطُبُ ، قال : فقلتُ : يا رسول الله ، رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينِه ، لا يدري ما دينُه .قال : فأقبلَ عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك خُطبتَه حتى انتهى إليَّ ، فأُتي بكُرسيٍّ حَسِبْتُ قوائمه حديداً، قال : فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يُعلِّمُني مما علَّمه الله ، ثم أتى خُطبته فأتمَّ آخِره)).
وروى البخاري ، والنسائي: ((بينما نحن جُلوسٌ في المسجد ، دخل رجلٌ على جَمَلٍ فأناخَه في المسجد، ثم عَقَلَهُ، ثم قال لهم : أيُّكُم محمدٌ؟ ـ والنبي صلى الله عليه وسلم مُتَّكِىءٌ بين ظَهْرانَيْهم ـ فقلنا : هذا الرجل الأبيض المُتَّكِىءُ .فقال له الرجل : يا ابن عبد المطَّلب ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قد أجبتُك، فقال له الرجل : يا محمد ، إني سائلُك ومُشدِّدٌ عليك في المسألة ، فلا تَجِدنَّ عليَّ في نفسِك، فقال : سلْ ما بدا لك.
فقال : أسألك بربِّك وربِّ من قبْلك ، آلله أرسلَك إلى الناس كلِّهم؟ فقال : اللهمَّ نعم. قال : فأنشدُك بالله، آلله أمرك أن نُصلّي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال : اللهم نعم .قال : فأَنشُدُك بالله ، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال : اللهم نعم . قال : فأنشدُك بالله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتَقْسِمَها على فُقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهمَّ نعم .فقال الرجل : آمنتُ بما جئتَ به ، وانا رسولُ من ورائي من قومي ، وانا ضِمامُ بنُ ثعلَبة ، أخو بني سعد بنِ بَكْرٍ)).
وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه : ((أنَّ امرأةً كان في عقلِها شيء ، فقالت : يا رسول الله إنَّ لي إليك حاجة ، فقال : يا أُمَّ فلان ، انظري أيَّ السِّكَكِ شِئتِ حتى أقضي لكِ حاجتك ، فخلا معها في بعض الطُّرُق ، حتى فَرَغَتْ من حاجتها)) . وفي رواية أبي داود : ((فجلسَت فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إليها حتى قضتْ حاجتها))
طريقة الإلقاء:
روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَسْرُدُ كسَرْدِكم هذا ولكن كان يتكلم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْل، يحفظه من جلس إليه))
وروى فيها أيضاً عن أنس رضي الله عنه قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعيدُ الكلمة ثلاثاً لِتُعقَلَ عنه)).
حَضُّه صلى الله عليه وسلم على محوِ العاميّة وتحذيرُه من الفتور في التعليم والتعلُّم
ولا غرابة أن يَتخرَّجَ على يديه صلى الله عليه وسلم هذا العددُ الجمُّ الغفيرُ من الناس ، في فترة وجيزةٍ من الزمن ، فإنه قد سَلَك بهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسلكَ التعليم الجَماعي المستَنْفَر ، ودَفَعَهُم إلى محْوِ العاميّةِ دَفْعاً ، وحَضَّهم على ذلك ونَدَبَهم إليه ، وحذَّرهم من الفُتور فيه تحذيراً شديداً .
ولذلك أقبل أولئك الناس يَتلقَّون العلم ، ويتفقَّهون في الدين ، ويُعلِّم بعضهم بعضاً ، ويتعلَّم بعضهم من بعض ، حتى أزالوا العاميّة عنهم في وقتٍ قصير عاجل .
أورد الحافظ المُنْذِري ، و الحافظ الهيثمي ، الحديث الشريف التالي : ((خَطَب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم ، فحمِدَ الله وأثنى عليه ، ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيراً ، ثم قال : ما بالُ أقوامٍ لا يُفَقَّهون جيرانَهم؟! ولا يُعلِّمونهم؟! ولا يُفَطِّنونهم؟! ولا يَأمُرونهم؟! ولا يَنْهَوْنَهم؟! . وما بال أقوام لا يتعلَّمون من جيرانِهم؟! ولا يتفقَّهون؟! ولا يتفطَّنون؟! .واللهِ ليُعلِّمَنَّ قومٌ جيرانهم ، ويُفقِّهونهم ، ويُفطِّنونهم ، ويأمُرونهم ، وينهونهم . وليتعلَّمنَّ قومٌ من جيرانهم ، ويتفقَّهون ، ويتفطَّنون ، أولأُعاجِلَنَّهم العقوبة في الدنيا .
ثم نزل فدخل بيته ، فقال قوم : من تروْنَه عنى بهؤلاء؟ قالوا : نراه عنى الأشعريّين ، هم قومٌ فقهاء ، ولهم جيرانٌ جُفاةٌ من أهلِ المياهِ والأعراب. فبلغ ذلك الأشعريين ، فاتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، ذكرت قوماً بخير ، وذكرتنا بشر ، فما بالُنا؟
فقال : لَيُفَقِّهَنَّ قوم جيرانهم، وليُفطِّنُنَّهم ، وليَأمُرونَّهم ، ولينْهَوُنَّهم ، وليتعلَّمَنَّ قومٌ من جيرانهم ، ويتفقَّهون ، ويتفطَّنون ، أو لأُعاجِلَنَّهم العقوبة في الدنيا
فقالوا : يا رسول الله أنُفَطِّنُ غيرنا؟ فأعاد قولَه عليهم ، فأعادوا قولهم : أنُفَطِّنُ غيرنا؟ فقال ذلك أيضاً .
فقالوا : أمهِلنا سنةً ، فأمهلَهم سنة ليُفقِّهوهم ، ويُعلِّموهم ويُفطِّنوهم .
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ).
وقال العلامة مصطفى الزرقا ، تعليقاً على هذا الحديث الشريف ما يلي : ((إنّ هذا الموقف العظيم في اعتبار التقصير في التعليم والتعلُّم جريمةً اجتماعية ، يستحق مرتكبُها العقوبة الدنيوية : موقفٌ لم يَرْوِ التاريخ له مثيلاً في تقديس العلم ، قبلَ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بعده .
حديث((طَلَبُ العلم فريضة على كل مسلم)) ولفظُ (المسلم) هنا : يَشمَلُ الرجلَ والمرأة ، لأن الحكمَ مَنُوط بصفةٍ مشتركةٍ هي الإسلام .
وأُضيفُ أنه لما ناط النبي صلى الله عليه وسلم فَرْضَ طلبِ العلم باتصافِ المرء بالإسلام ـ رجلاً كان أو امرأة ـ ، كان في ذلك تنبيهٌ منه صلى الله عليه وسلم على ان كل من انتَسَب إلى الإسلام لزِمَه طلبُ العلم وتحصيلُه ، إذ لا جَهْلَ في شِرْعَةِ الإسلام الذي أوَّلُ كلمةٍ من كتابه نزلت تقول : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ .
تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالسيرة الحسنة والخلق العظيم و بالفعل و العمل
وكان من أهم وأعظم وأبرز أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم العملُ والتخلُّق بالسيرةِ الحَسَنة والخلقِ العظيم ، فكان صلى الله عليه وسلم إذا أَمَر بشيء عَمِل به أولاً ثم تأسّى به الناس وعمِلوا كما رأَوْه ، وكان خلُقُه القرآن ، فكان على الخُلُق العظيم ، وجَعَله الله تعالى أسوة حسنةً لعبادِه ، فقال عَزَّ من قائل : (لقد كان لكم في رسول الله أسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمن كان يَرْجو اللهَ واليومَ الآخِرَ وذكَرَ اللهَ كثيراً) فهو صلى الله عليه وسلم أسوةٌ لأمتِه في أخلاقِه وأفعالِه وأحوالِه .
ولا ريب أن التعليمَ بالفعلِ والعَمَل أقوى وأوقعُ في النفس ، وأعونُ على الفهم والحفظِ ، وأدْعى إلى الاقتداء والتأسّي ، من التعليمِ بالقولِ والبَيان ، وأن التعليمَ بالفعلِ والعَمَل هو الأسلوبُ الفطري للتعليم ، فكان ذلك أبرزَ وأعظمَ أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم.
جاء في ((الإصابة في تمييز الصحابة)) للحافظ ابن حجر في ترجمة الصحابي الجليل (الجُلَنْدى مَلِك عُمان) : أن النبي صلى الله عليه وسلم بَعَث إليه عَمْرو بنَ العاص يَدعوه إلى الإسلام ، فقال :لقد دَلَّني على هذا النبي الأمي : أنه لا يأمُرُ بخيرٍ إلاّ كان أولَ آخِذٍ به ، ولا يَنْهى عن شرٍّ إلاّ كان أولَ تاركٍ له ، وأنه يَغلِبُ فلا يَبْطَر ، ويُغْلَبُ فلا يُهْجِرُ ـ أي لا يقولُ القبيحَ من الكلام ـ ، وأنه يَفي بالعهد ، ويُنجِزُ الوعدَ ، وأشهَدُ أنه نبي)) . انتهى .
روى مسلم وأبو داود قال : (( أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدنا هذا ، وفي يده عُرْجونُ ابنِ طاب، فرأى في قِبلةِ المسجد نُخامةً، فحكَّها بالعُرْجون. ثم أقبل علينا فقال : أيكم يحب أن يُعرِضَ الله عنه؟! قال : فخَشَعْنا، ثم قال : أيُّكم يُحِبُّ أن يُعرِضَ الله عنه؟! قال : فخشعنا ، ثم قال : أيكم يحب أن يُعرض الله عنه؟ قلنا : لا أَيُّنا يا رسول الله.
قال : فإنَّ أحدكم إذا قام يصلي ، فإن الله تبارك وتعالى قِبَلَ وجهه، فلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وجهه ، ولا عن يمينه ، ولْيَبصُقْ عن يساره تحتَ رِجْلِه اليُسرى، فإن عَجِلَتْ به بادرة ، فلْيَقُلْ بثوبه هكذا، ثم طَوى ثوبَه بعضَه على بعض ـ وفي رواية أبي داود : ووضَعَ ثوبَه على فيه ثم دَلَكه ـ .
ثم قال : أَروني عَبيراً، فقام فتىً من الحيّ يَشتَدُّ إلى أهلِه، فجاء بخَلوقٍ في راحَتِه ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعَلَه على رأسِ العُرْجون، ثم لَطَخَ به على أَثَر النُّخامة. ))
في هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية :إعادةُ الكلمة ثلاثاً ، لتَبْلُغَ من نفوس المخاطبين كلَّ مبلغ .
وفيه : البيان بالفعل ، ليكون أوقع في نفس السامع ، وليكون أوضح دلالةً على ما يُرادُ تعليمُه .
وفيه : عِظَمُ تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ باشَرَ حكَّ النخامة بنفسه .
روى البخاري ومسلم: ((رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المِنبر ، فاستَقبَلَ القِبلة ، وكَبَّر ، وقامَ الناسُ خلْفَه ، فقرأ وركع ، وركعَ الناسُ خلفَه ، ثم رفَع رأسَه ، ثم رجَعَ القَهْقَرى فسجَدَ على الأرض، ثم عاد إلى المِنبر ، ثم قرأ ، ثم رَكع ، ثم رفَع رأسه ، ثم رجع القهقرى حتى سجَدَ بالأرض ، فلما فرَغَ أقبَلَ على الناس فقال : أيها الناس ، إنما صَنَعْتُ هذا لِتَأْتمّوا بي ، ولِتَعلَّموا صلاتي)).
تعليمُه صلى الله عليه وسلم الشرائعَ بالتدريج
وكان صلى الله عليه وسلم يُراعي التدريجَ في التعليم ، فكان يقدِّمُ الأهمَّ فالأهمَّ ، ويُعلِّمُ شيئاً فشيئاً ، ليكون أقربَ تَناولاً ، وأثبتَ على الفُؤاد حفظاً وفهماً .
ـروى ابنُ ماجه: ((كُنّا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحن فِتْيان حَزاوِرة، فتعلَّمنا الإيمان قبل أن نتعلَّم القرآن ، ثم تعلَّمنا القرآن ، فازدَدْنا به إيماناً
ـوروى البخاري ومسلم: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مُعاذاً إلى اليمن ، فقال : إنك ستأتي قوماً من اهل الكتاب ، فادعُهم إلى شهادة أنْ لا إله إلاّ الله وأني رسولُ الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعْلِمْهُم أن الله افتَرَض عليهم صدقةً ، تُؤخَذ من أغنيائِهم فتُرَدُّ على فُقرائِهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكَرائِمَ أموالِهم ، واتَّق دعوةَ المَظلومِ ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)).
وروى الإمام أحمد: ((حَدَّثَنا من كان يُقرِئُنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يَقْتَرئونَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم عَشْرَ آياتٍ ، فلا يأخذون في العَشْرِ الأُخرى حتى يَعلَموا ما في هذه من العلم والعمل))
رِعايتُه صلى الله عليه وسلم في التعليم الاعتدالَ والبُعدَ عن الإملال
وكان صلى الله عليه وسلم يتعهَّد أوقاتَ أصحابه وأحوالَهم في تذكيرهم وتعليمهم ، لئلاّ يَمَلّوا ، وكان يُراعي في ذلك القَصْدَ والاعتدال .
روى البخاري ومسلم : ((كُنّا جُلوساً عند بابِ عبدِ الله ـ بن مسعودٍ ـ ننتَظِرُهُ ، فمرَّ بنا يزيدُ بنُ مُعويةَ النَّخَعي ، فقلنا : أَعْلِمْهُ بمَكانِنا، فدخَلَ عليه ، فلم يَلْبَثْ أن خَرَجَ علينا عبدُ الله ، فقال : إني أُخبَرُ بمَكانِكم فما يمنَعني أن أخرُجَ إليكم إلاّ كَراهِيةُ أن أُمِلَّكُم ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَتَخَوَّلُنا بالموعِظةِ في الأيام مَخافةَ السَّآمةِ علينا)).
وروى البخاري ومسلم أيضاً ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((يَسِّروا ولا تُعسِّروا ، وبَشِّروا ولا تُنفِّروا))
رعايتُه صلى الله عليه وسلم الفروقَ الفردية في المتعلمين
وكان صلى الله عليه وسلم شديدَ المراعاة للفروقِ الفردية بين المتعلِّمين من المُخاطَبين والسائلين ، فكان يُخاطِبُ كلَّ واحدٍ بقدرِ فَهْمِه وبما يُلائِمُ منزلتَه ، وكان يُحافِظ على قُلوبِ المبتدئين ، فكان لا يُعلِّمُهم ما يُعلِّم المنتهين . وكان يجيب كلَّ سائلٍ عن سؤالِهِ بما يَهُمُّه ويُناسِبُ حالَه .
وروى الإمام أحمد: ((كُنّا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء شابٌّ فقال : يا رسول الله ، أُقَبِّلُ وأنا صائم؟ قال : لا ، فجاء شيخٌ فقال : أقبِّل وأنا صائم؟ قال : نعم ، فنَظَر بعضُنا إلى بعضٍ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد علمتُ لِمَ نَظَر بعضُكم إلى بعض ، إن الشيخَ يَملِكُ نفسَه)).
ـوروى البخاري ومسلم: ((جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يَستأذِنُه في ال**** ، فقال : أحيٌّ والدك؟ قال : نعم ، قال: ففيهما فجاهِدْ)).
ـ وروى مسلمٌ: ((أقبلَ رجلٌ إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أبايعك على الهجرةِ وال****ِ أبتغي الأجرَ من الله ، قال : فهل من والدَيْكَ أحدٌ حيٌّ؟ قال : نعم ، بل كلاهما ، قال : فتَبتَغي الأجرَ من الله؟ قال : نعم ، قال : فارجِعْ إلى والدَيكَ فأحسِنْ صُحبَتَهما)) .
هذا مع ما عُرِف عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحضِّ على ال****ِ والهجرةِ والترغيبِ فيهما ، ولكنه صلى الله عليه وسلم لاحظَ حالَ هذا السائِل بخصوصِهِ ، فرأى بِرَّ الوالدينِ أهمَّ وأفضلَ في حقه من ال**** .
واختلافُ أجوبةِ النبي صلى الله عليه وسلم لاختلاف أحوالِ السائلين وظُروفِهم وقُدْراتِهم : بابٌ واسعٌ له أمثلةٌ كثيرة في كتب السنة المُطهَّرة .
ومن ذلك وصايا النبي صلى الله عليه وسلم المختلِفةُ لأناسٍ طَلَبوا منه الوصيةَ ، فأوصى كلَّ واحدٍ بغير ما أوصى به الآخَرَ ، ووجهُ ذلك يرجِع إلى اختلاف أحوالِ الذين سألوه الوصيةَ .
ـ روى الإمام أحمد: ((قلتُ : يا رسول الله ، أوصِني ، قال : اتقِ الله حيثما كنتَ ، وأتْبِعْ السيِّئةَ الحسنة تَمْحُها ، وخالِقْ الناسَ بخلُقٍ حسنٍ))
ـ وروى البخاري: ((أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوْصِني بشيءٍ ، ولا تُكْثِر عليَّ لَعَلّي أَعيهِ، قال : لا تَغْضَبْ . فردَّد ذلك مِراراً ، كلُّ ذلك يقول : لا تَغْضَبْ)).
ـ وروى البخاري: ((أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، دُلَّني على عَمَلٍ إذا عَمِلتُه دخلتُ الجنةَ ، قال : تَعبُدُ الله لا تُشرِكُ به شيئاً ، وتُقيمُ الصلاةَ المكتوبةَ ، وتؤدّي الزكاةَ المفروضةَ ، وتصوم رمضانَ ، قال : والذي نفسي بيده لا أزيدُ على هذا شيئاً أبداً ولا أنقُصُ منه .فلما وَلّى قال النبي صلى الله عليه وسلم : منْ سرَّه أن يَنظُرَ إلى رجلٍ من اهلِ الجنةِ فليَنْظُرْ إلى هذا)).
ـ وروى الترمذي: ((أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إن شرائع الإسلام قد كَثُرتْ عليَّ ، فأخبرني بشيءٍ أتَشَبَّثُ به ، قال : لا يَزالُ لسانُك رَطْباً من ذكرِ الله))
ـ وروى مسلم: ((قلتُ يا رسول الله ، قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك ، قال : قُلْ : آمنتُ بالله فاستَقِم)).
ـ وروى الترمذي: ((قلتُ : يا رسول الله ما النَّجاةُ؟ قال : أَمْلِكْ عليك لِسانَكَ ، ولْيَسَعْكَ بيتُك ، وابْكِ على خَطيئتِك))
ـ فقد روى البخاري ومسلم: ((أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال : تُطْعِمُ الطعامَ ، وتَقرأُ السلامَ على من عرفتَ ومن لم تَعرِفْ))
ـ وروى مسلم: ((أنَّ رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أيُّ المسلمين خير؟ فقال : من سَلِم المسلمون من لسانِه ويدِه))
ـ وروى البخاري ومسلم: ((سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم : أيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال : إيمان بالله ورسولِه ، قيل : ثم ماذا؟ قال : ****ٌ في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا؟ قال : حجٌّ مَبرور((
ـ وروى البخاري ومسلم: ((سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ العمل أفضَلُ؟ ـ وفي روايةٍ : أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ ـ قال : الصلاةُ لوقتِها ، قال : قلت : ثم أيٌّ؟ قال : برُّ الوالدين ، قال : قلتُ : ثم أيٌّ؟ قال : ال**** في سبيلِ الله ، فما تركتُ أستزيدُهُ إلا إرْعاءً عليه)(
ـ وروى أبو يَعْلى: ((أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في نَفَر من أصحابه . فقلتُ : أنت الذي تَزعُمُ أنك رسولُ الله؟ قال : نعم ، قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال : الإيمانُ بالله ، قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، ثم مَهْ؟ قال : ثم صِلَةُ الرَّحِم ، قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، ثم مَهْ؟ قال : ثم الأمرُ بالمعروف ، والنهيُ عن المنكَرِ .
وهناك أحاديثُ أخر من هذا القبيل مما اختَلَفت فيه الأجوبةُ في بيان أفضلِ الأعمال أو أحبِّها ، وإنما يَرجِع الاختلافُ فيها إلى رعايةِ الفروقِ الفردية بين أفرادِ السائلين وجماعاتِهم أو أوقات سُؤالِهم ، فأعلَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كُلاًّ بما يَحتاجُ إليه ، أو بما لم يُكْمِله بعدُ من دعائمِ الإسلام ولا بَلَغَهُ عِلمُه ، أو بما له فيه رغبةٌ ، أو بما هو لائق به .أو أعلَمَ السائلَ بما كان الأفضَلَ من غيرِه في وقتِ سُؤالِه ، فقد كان ال****ُ في ابتداء الإسلامِ أفضَلَ الاعمال لأنه الوسيلةُ إلى القيامِ بها والتمكُّنِ من أدائها ، وقد تَضافَرَتْ الأدلةُ على أن الصلاةَ أفضَلُ من الصدقة ، ومع ذلك ففي وقت مُؤاساةِ المُضطرِّ تكون الصدقةُ أفضَل.والنبي صلى الله عليه وسلم هو المعلِّم المُرشِد والهادي البَصير ، يُبَصِّرُ كلاًّ بما يحتاج إليه وبما يليق به ، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وبارَك وسلَّم .
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ((من وظائف المُعلِّم أن يَقتَصِر بالمتعلِّم على قدر فهمِه ، فلا يُلقي إليه ما لا يَبلُغُه عقلُه فيُنفِّرُهُ أو يُخَبِّطُ عليه عقله ، اقتداءً في ذلك بسيِّد البَشر صلى الله عليه وسلم ـ فقد كان يُراعي ذلك في تعليمِه وتحديثِه ووعظه ـ ، فليَبُثَّ إليه الحقيقة إذا عَلِم أنه يَستَقِلُّ بفهمِها .ولا ينبغي أن يُفشيَ العالمُ كلَّ ما يَعلَم إلى كلِّ أحد ، هذا إذا كان يَفهمُه المتعلِّمُ ولم يكن أهلاً للانتفاع به ، فكيف فيما لا يَفهَمُه؟
قال : والمتعلِّم القاصرُ ينبغي أن يُلقيَ إليه الجَليَّ اللائقَ به ، ولا يَذكرَ له أنَّ وراءَ هذا تدقيقاً وهو يَدَّخِرُه عنه ، فإن ذلك يُفتِّر رغبته في الجَليّ ، ويُشوِّشُ عليه قلبَه ، ويوهِمُ إليه البُخلَ به عنه ، إذ يَظُن كلُّ أحدٍ أنه أهلٌ لكلِّ علمٍ دقيقٍ .
تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالحِوارِ والمُساءَلة
وكان من أبرز أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم الحِوارُ والمُساءلةُ ، لإثارةِ انتباهِ السّامِعين وتشويقِ نفوسِهم إلى الجوابِ ، وحَضِّهم على إعمال الفِكْر للجوابِ ، ليكون جوابُ النبي صلى الله عليه وسلم ـ إذا لم يستطيعوا الإجابة ـ أقربَ إلى الفهمِ وأوقعَ في النَفس.
روى البخاري ومسلم: ((أَرأيتُم لو أنَّ نَهْراً ببابِ أحدِكم ، يَغتسِلُ منه كلَّ يومٍ خمسَ مرّات ، هل يَبقى مِن دَرَنِه شيء؟ قالوا : لا
يَبقى مِن دَرَنِه شيء ، قال : فذلكَ مَثَلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ يمحو اللهُ بهنَّ الخَطايا)).
وروى الإمام أحمد قال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ي: ((تَدْرون مَنْ المُسلِم؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلم ، قال : المُسلِمُ من سَلِمَ المسلمون من لِسانِهِ ويَدِه. قال : تَدرون من المُؤْمِن؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلم : قال : من أمِنَه المؤمنون على أنفُسِهم وأموالِهم . والمُهاجِرُ من هَجَرَ السُّوءَ فاجْتنبَه
وروى مسلم: ((أتَدْرون ما المُفلِس؟ قالوا : المُفْلِس فينا من لا دِرْهَمَ له ولا مَتاع .قال : إنَّ المُفلِس مِن أُمَّتي مَنْ يَأتي يومَ القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة ، ويأتي وقد شَتَم هذا ، وقَذَفَ هذا ، وأكَلَ مالَ هذا ، وسَفَك دَمَ هذا ، وضَرَب هذا ، فيُعْطى هذا من حَسَناتِه ، وهذا من حسناتِه ، فإنْ فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يُقضى ما عليه ، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه ثم طُرِحَ في النار)) فكان مِن سُؤالِه لهم أوَّلاً ، ثم تَبْيينِه ما هو جوابُ سؤالِه ثانياً : تنبيهٌ منه صلى الله عليه وسلم للأذهان ، أنَّ الإفلاسَ الحقيقيَّ هو الإفلاسُ يوم القيامة!
ومن أشهَرِ أمثلةِ الحِوار حديثُ جبريل في تعليم أركانِ الإيمان.
تعليمه صلى الله عليه وسلم بالمُحادَثةِ والموازنة العقلية
ومن أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم أنه كان يَسلُك في بعض الاحيان سبيلَ المحاكمةِ العقليةِ على طريقة السؤالِ والاستجواب ، لقلعِ الباطلِ من نفسِ مستحسِنه ، أو لترسيخ الحقِّ في قلب مُستبعِدِه أو مُستَغرِبهِ .
روى أحمدُ والطبراني: ((أن فتى شابّاً أَتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسولَ الله ، ائذنْ لي بالزنى ، فأقبلَ القومُ عليه فزَجَروهُ وقالوا : مَهْ مَهْ. فقال صلى الله عليه وسلم : ادْنُهْ، فدنا منه قريباً فجلَسَ ، فقال صلى الله عليه وسلم له : أتُحِبُّهُ لأمِّك؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لأمَّهاتِهم .
قال : أفتُحِبُّهُ لابنتك ؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لبَناتِهم .
قال : أفتُحِبُّهُ لأختِك؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لأخواتِهم .
قال : أفتحبُّهُ لعمتِك؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لعمّاتِهم .
قال : أفتحبُّهُ لخالتِك؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لخالاتِهم .
قال : فوَضَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَه عليه ، وقال : اللهُمَّ اغفِرْ ذنبَهُ ، وطَهِّرْ قلبَهُ ، وحَصِّن فَرْجَهُ . قال : فلم يَكنْ الفتى بعد ذلك يَلتفتُ إلى شيءٍ)) فانظُر كيف استأصَلَ النبي صلى الله عليه وسلم من نفس الفَتى تعلُّقَه بالزنى ، عن طريقِ المُحادثَةِ والمُحاكَمةِ النفسيّة والمُوازنةِ العقلية ، دون أن يَذكُر له الآياتِ الواردة في تحريم الزنى والوعيدِ للزاني والزانيةِ ، نظراً منه أن هذا أقلَعُ للباطل ـ في ذلك الوقت ـ من قلبِ الشابِّ بحَسَب تصوُّرِه وإدراكِهِ .
سؤالُه صلى الله عليه وسلم أصحابَه ليَكشِف ذكاءهم ومعرفتهم
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يَسألُ أصحابَه عن الشيء وهو يَعلَمُه ، وإنما يَسْألُهم ليُثيرَ فِطْنَتَهم ، ويُحرِّك ذكاءَهم ، ويَسقِيَهم العلمَ في قالَب المُحاجاة ليَختَبِر ما عندهم من العلم .
روى البخاري ومسلم: ((بَيْنا نحنُ عند النبي صلى الله عليه وسلم جُلوس ، إذْ أُتِيَ بِجُمّارِ نَخْلَة، فقال وهو يأكُلُه : إنَّ من الشَّجَر شَجَرة خضراءُ ، لَما بَرَكَتُها كبَرَكَةِ المسلم، لا يَسْقُطُ وَرَقُها ، ولا يَتَحاتُّ، وتُؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذْنِ رَبِّها، وإنها مِثْلُ المُسْلِم، فحدِّثوني ما هي؟ قال عبد الله : فوقَعَ الناسُ في شَجَر البَوادي ، فقال القوم : هي شَجَرةُ كذا ، هي شجرةُ كذا ، ووَقَع في نَفْسي أنَّها النَّخلة ، فجَعَلْتُ أُريدُ أن أقولَها ، فإذا أَسنانُ القوم ، فأهابُ أن أتكلَّم وأنا غلامٌ شابّ ، ثم التَفَتُّ فإذا أنا عاشِرُ عَشْرٍ أنا أَحدَثُهم أصغَرُ القوم ، ورأيتُ أبا بكر وعمر لا يَتكلَّمان ، فسَكَتُّ .فلما لم يتكلَّما ، قالوا : حدِّثنا ما هِيَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي النَّخلة .
فلما قُمنا قُلتُ لعمر أبي : واللهِ يا أبَتاهُ ، لقد كان وَقَع في نفسي أنها النخلة ، فقال : ما منَعَك أن تقولَها؟ قلتُ : لم أرَكم تتكلَّمون ، لم أرَكَ ولا أبا بكر تكلَّمتُما ، وأنا غلامٌ شابّ ، فاستَحيَيْتُ ، فَكرِهتُ أن أتكلَّم أو أقولَ شيئاً ، فسكتُّ . قال عمر : لأن تكون قُلتَها أحبُّ إليَّ من أن يكونَ لي كذا وكذا)).
وأُشيرُ هنا إلى جُلِّ ما يُؤخَذ من هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية :
استحبابُ إلقاءِ العالم المسألة على أصحابه ، ليَختَبِرَ أفهامَهم ، ويُرغِّبَهم في الفِكر والاعتناء ، مع بيانِه لهم ما خفي عليهم إن لم يفهموه .
التحريضُ على الفهم في العلم .
ضَرْبُ الأمثالِ والأشباه ، لزيادةِ الإفهام وتصويرِ المعاني لتَرْسُخ في الذهن ، ولتحديدِ الفكر في النظر في حكم الحادثة .
أنَّ تشبيه الشيء بالشيء ، لا يَلزَمُ منه أن يكون نظيرَه من جميع وجوهه ، فإنَّ المؤمن لا يُماثِلُه شيء من الجَمادات ولا يُعادِلُه .
استحبابُ الحياء ما لم يؤدِّ إلى تفويتِ مصلحة ، ولهذا تمنّى عمرُ أن يكون ابنُه لم يَسكت .
توقيرُ الكبير ، وتقديمُ الصغير أباه في القول ، وأنه لا يُبادِرُه بما فَهِمَه ، وإن ظَنَّ أنه الصواب . =
أنَّ العالِمَ الكبير قد يَخفى عليه بعضُ ما يُدركه من هو دونه ، لأن العلم مَواهب ، واللهُ يُؤتي فضله منْ يَشاءُ .
فَرَحُ الرجل بإصابةِ ولدِهِ وتوفيقِهِ للصواب .
الإشارةُ إلى حَقارةِ الدنيا في عينِ عمر رضي الله عنه ، لأنه قابل فَهْمَ ابنه لمسألةٍ واحدة بحُمُرِ النَّعَم ـ كما جاء في رواية ـ ، مع عِظَمِ قَدْرِها وغلاءِ ثمنها .
أنه لا يُكْرَهُ للوَلَد أن يُجيب بما عَرَف في حضرةِ أبيه ، وإن لم يَعرفه الأبُّ ، وليس في ذلك إساءةُ أدبٍ عليه .
ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الحياءِ من أكابرهم وأَجِلاّئِهم ، وإمساكُهم عن الكلام بين أيديهم .
تعليمه صلى الله عليه وسلم بالمُقايَسةِ والتمثيل
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُقايِسُ لأصحابه الأحكامَ ويُعلِّلُها لهم ، إذا اشتبهتْ عليهم مَسالِكُها ، وغَمُضَ عليهم حُكمُها ، فيَتَّضِحُ لهم ما اشتَبَه أمْرُه ، وخَفِيَ فَهْمُه ، ويكونُ لهم من تلك المقايَسةِ معرفةٌ بمسالِكِ الشريعة ومقاصِدِها ، وفِقهٌ بمراميها البعيدة :
روى البخاري أنَّ امرأةً من جُهَيْنة ، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إنَّ أُمّي نذَرَتْ أن تَحُجّ ، فلم تَحجَّ حتى ماتَتْ ، أفأحُجَّ عنها؟ قال : نعم ، حُجّي عنها ، أرأيتِ لو كان على أُمُّكِ دَيْن أكنتِ قاضِيَتَه؟ قالت : نعم ، فقال : اقْضوا اللهَ الذي له، فإنَّ الله أحقُّ بالوفاء
ومن ذلك أيضاً ما رواه مسلم: ((أنَّ ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، ذهَبَ أهلُ الدُّثور بالأُجور، يُصَلّون كما نُصلّي ، ويَصومون كما نصوم ، ويَتصدَّقون بفُضولِ أموالِهم؟!.
قال : أوَليس قد جعَلَ لكم ما تَصَدَّقون؟ إنَّ بكل تسبيحةٍ صَدَقةً ، وكلِّ تكبيرةٍ صَدَقةً ، وكلِّ تحميدةٍ صَدَقةً ، وكلِّ تَهْليلةٍ صَدَقةً، وأمْرٌ بالمعروفِ صَدَقةٌ ، ونَهْيٌ عن منكرٍ صَدَقةٌ ، وفي بُضْعِ أحدِكم صَدَقةٌ.
قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحَدُنا شَهْوَتَه ويكونُ له فيها أجر؟ قال : أرأيتُم لو وضَعَها في حرامٍ أكان عليه فيها وِزْر؟ فكذلك إذا وَضَعَها في الحلال كان له أَجْر فقايَسَ لهم صلى الله عليه وسلم مُقايَسةً عقليةً بين الأمرين ، حتى اتَّضح لهم الحكم ، وفهِموا ما لم يكن يَدورُ في خَلَدِهم ، وهو أنَّ مِثلَ هذا الاستمتاعِ المشروعِ يكون به للمرء أجرٌ وثواب ، لما يترتب عليه من الآثار الحسنة .
وروى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال : سمعتُ النبي
صلى الله عليه وسلم يُسألُ عن شِراءِ التَّمْرِ بالرُّطَب؟
فقال لمن حوله : ((أيَنقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟ قالوا : نعم ، فنهى عن ذلك
وبدَهيٌّ كلَّ البَداهةِ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً أن الرطب ينقص إذا يبس ، ولكنه صلى الله عليه وسلم سألهم : هل ينقص الرطب إذا يبس؟ ليُنبِّه أصحابه وسامعيه وتابعيه ، إلى أنَّ علةَ النَّهي عن بيع الرطب بالتمر ، هي نقصه عند يُبسه ، فلا يجوز أن يباع هذا بهذا على سبيل التساوي بالكيل ، فأشعرَهم بعلةِ الحكم إذْ كان خَفِيّاً عليهم ، فكان ذلك قاعدةً في البيوع إلى آخر الزمن .
ـتعليمُه صلى الله عيله وسلم بالتشبيهِ وضَرب الأمثال
وكان صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان يَستَعين على توضيح المعاني التي يُريد بيانَها بضَرْبِ المثل ، مما يَشْهَدُه الناسُ بأبصارِهم ، ويَتَذَوَّقونَه بألسنتِهم ، ويَقَع تحت حواسِّهم وفي مُتناوَلِ أيديهم ، وفي هذه الطريقة تيسيرٌ للفهمِ على المتعلِّم ، واستيفاءٌ تامٌ سريعٌ لإيضاح ما يُعلِّمُه أو يُحذِّرُ منه .
روى أبو داود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَثَلُ المؤمنِ الذي يَقرأ القرآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّة، ريحُها طَيِّبٌ ، وطَعْمُها طَيِّب . ومثلُ المؤمنِ الذي لا يقرأُ القرآنَ كمثَلِ التَّمْرة ، طعمُها طيِّب ولا ريحَ لها . ومثلُ الفاجر الذي يقرأ القرآنَ كمثلِ الرَّيحانة ، ريحُها طيِّبٌ وطَعْمُها مُرّ ، ومثلُ الفاجرِ الذي لا يَقرأ القرآن كمثلِ الحَنْظَلة ، طَعْمُها مُرٌّ ولا ريحَ لها ، ومثلُ الجليسِ الصّالِح كمثلِ صاحبِ المِسْك ، إنْ لم يُصِبْكَ منه شيء ، أصابك من ريحه . ومثلُ جليسِ السّوءِ كصاحبِ الكِيْر، إن لم يَصِبْك من سَوادِه أصابك من دُخانِه))
وفي هذا التشبيه النبوي الكريم أبلغُ ترغيبٍ في الخير ، وأزجَرُ تحذيرٍ عن الشر، بأقربِ أسلوبٍ يُدرِكه المخاطبون ، وفيه إرشاد إلى الرغبة في صحبةِ الصُّلَحاء والعُلَماء ومُجالَستِهم ، فإنها تنفَع في الدنيا والآخرة ، وفيه أيضاً تحذيرُ من صحبة الأشرار والفُسّاق .
ومن هذا الأسلوب أيضاً ما رواه البخاري ومسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن مثَلَ ما بَعَثَني الله به من الهُدى والعلم، كمثلِ الغَيْثِ الكثير أصاب أرضاً ، فكانتْ منها طائفةٌ طيِّبَةٌ نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الماءَ فأنبتَتْ الكَلأَ والعُشْبَ الكثير5. وكانت منها أَجادِبُ6أمسَكَتْ الماءَ فنفَع الله بها الناسَ فشَرِبوا وسَقَوا وزَرَعوا .وأصابَ طائفةً أخرى منها إنما هي قِيْعان لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنبِتُ كَلأً. فذلك مثلُ منفَقِه في دجين الله ونَفَعَه الله به فعَلِم وعَلَّم ، ومثلُ من لم يَرفَعْ بذلك رأساً ولم يَقْبَلْ هدَى الله الذي أُرسِلْتُ به)).
وما رواه البخاري والترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((مَثَلُ القائمِ على حدودِ الله والواقِعِ فيها والمُدْهِنِ فيها قوم استَهَموا سفينةً فصارَ بعضُهم في أسفلِها ، وصارَ بعضُهم في أعلاها ، فكان الذين في أسفَلِها يَمُرّون بالماء على الذين في أعلاها ، فتأذّوا به ، فأخَذَ فأساً فجَعَل يَنْقُرُ أسفلَ السفينةِ ، فأتوه فقالوا : ما لك؟ قال : تأذَّيتم بي ولا بُدَّ لي من الماء ، فإن أخَذوا على يديه أَنجَوهُ ونَجّوا أنفُسَهُم ، وإن تَركوه أهلَكوهُ وأَهْلَكوا أنفُسَهم)) وما رواه النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((مَثَلُ المُنافِقِ كمَثَل الشاةِ الحائِرةِ بين الغَنَمينِ، تعيرُ في هذه مَرَّةً ، وفي هذه مرَّةً ، لا تدْري أيّها تَتْبَعُ))
تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالرَّسْمِ على الأرض والتراب
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يَستعين على توضيح بعضِ المعاني بالرَّسمِ على الأرضِ والتراب ، ومن ذلك ما رَواه الإمام أحمد(كنا جلوساً عند النبي صلَّى الله غليه وسلم, فخطَّ بيده خطاً هكذا أمامه, فقال: هذا سبيلُ الله عزَّ وجلَّ, وخطَّ خطين عن يمينه, وخطين عن شِمالِه, وقال :هذه سُبلُ الشيطان, ثم وضع يده في الخط الأوسط, ثم تلا هذه الآية وأنَّ هذا صِراطي مستقيماً فاتَّبِعوه, ولا تَتَّبعوا السُّبُلَ فَتَفرَّق بكم عن سَبيله, ذلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقون)).
ـ وروى البخاري: ((خَطَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خَطّاً مُربَّعاً ،وخطاً خطاً في الوسط خارجاً منه، وخطَّ خُطوطاً صِغاراً إلى هذا الذي في الوَسَط، من جانِبِه الذي في الوسَط، فقال : هذا الإنسانُ ، وهذا أَجَلُه مُحيطٌ به ، وهذا الذي هو خارجٌ أمَلُه ، وهذه الخُطوطُ الصِّغارُ : الأعراضُ، فإنْ أَخطأه هذا نهَشَه هذا، وإنْ أخطأه هذا نَهَشه هذا ، وإن أخطأَهُ كلُّها أصابَهُ الهَرَمُ)) فبيَّن لهم صلى الله عليه وسلم بما رسَمَه أمامَهم على الأرض ، كيف يُحالُ بين الإنسانِ وآمالِه الواسعة ، بالأجَل المُباغِت ، أو العِلَلِ والأمراضِ المُقْعِدة ، أو الهَرَمِ المُفني ، وحَضَّهم على قِصَر الأملِ والاستعدادِ لِبَغْتَةِ الأجل ، وكانت وسيلةُ الإيضاح في ذلك : الأرض والتُّرابَ كما رأينا .
وروى الإمام أحمد: ((خَطَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعةَ خُطوط، وقال : أَتَدْرون لِمَ خَطَطْتُّ هذه الخطوط؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضلُ نِساءِ أهلِ الجنة : خَديجةُ بنتُ خُوَيلد ، وفاطِمةُ بنتُ محمد ، ومريم ابنةُ عِمْران ، وآسِيَةُ بنتُ مُزاحِم امرأةُ فِرْعَون)).
استعمال الإشارة الجسدية في التعليم
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يَجمَعُ في تعليمه بين البيان بالعبارة ، والإشارة باليدين الكريمتين ، توضيحاً للمَرام وتنبيهاً على أهميةِ ما يذكُره للسامعين أو يُعلِّمُهم إياه ، وإليك طائفةً من الأحاديث في ذلك :
روى البخاري ومسلم: ((المؤمِنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ يَشُدُّ بعضُه بعضاً ، ثم شَبَّك رسولُ الله بين أصابِعه))
وروى مسلم في حَجَّة النبي صلى الله عليه وسلم قولَه : (( لو أني استَقبَلْتُ من أمري ما استَدبرْتُ ، لم أَسُق الهَدْيَ ، وجعَلتُها عُمْرةً ، فمن كان منكم ليس معه هَدْي فليَحِلَّ ولْيَجعلْها عُمرة . فقام سُراقَةُ بن مالك بن جُعْشُم فقال : يا رسول الله ، أَلِعامِنا هذا أمْ لأَبَدٍ؟ فشبَّك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصابعَه واحدةً في الاخرى وقال : دخَلَتْ العُمرةُ في الحجّ ، دخَلَتْ العُمرةُ في الحجّ ، بل لأبَدٍ أَبدٍ))
وروى البخاري: ((أنا وكافِلُ اليتيم فيالجنَّةِ كهاتَيْنِ ، وأشار بإصبعَيْه : السبَّابةِ والوُسْطى ، وفَرَّجَ بينهما شيئاً)) .
روى مسلم والترمذي: ((قلتُ يا رسول الله حَدِّثني بأمْرٍ أَعتصِمُ به ، قال : قُلْ : ربِّيَ الله ، ثم استقِمْ . قلتُ : يا رسول صلى الله عليه وسلم ، ما أَخوَفَ ما تخافُ عليَّ؟ فأخَذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانِ نَفْسه ثم قال : هذا))
وروى الدّارَقُطْنيُّ ((سُئِلَ يومَ النَّحْر عمن قَدَّم شيئاً قبلَ شيء، وشيئاً قبلَ شيء؟ قال : فرفَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ وقال : لا حَرَج ، لا حَرَج))
وروى مسلم: ((تُدْنى الشَمْسُ يومَ القيامة من الخَلْق ، حتى تكونَ منهم كمِقدارِ مِيْل ، فيكون الناسُ على قَدْرِ أعمالِهم في العَرَق ، فمنهم من يكونُ إلى كَعْبَيه ، ومنهم من يكونُ إلى رُكْبَتَيْه ، ومنهم من يكون إلى حِقْوَيْه، ومنهم من يُلْجِمُه العَرَقُ إلجاماً ، وأشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدِهِ إلى فِيْه))
وذكَرَ الحافظُ الهَيْثَمي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((تَدْنو الشمسُ من الأرض ، فيعرَق الناسُ فمِن الناسِ من يَبْلُغُ إلى الفَخِذ ، ومنهم من يَبلُغ إلى الخاصِرةِ ، ومنهم من يَبلُغ إلى عُنُقِه ، ومنهم من يبلُغُ إلى وَسَطِ فيه ، وأشار عُقبةُ بيده ، فألجَمَ فاه ، وقال : رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُشيرُ هكذا ، ومنهم من يُغطّيه عَرَقُه ، وضَرَب بيده إشارةً)).
روى أبو داود: ((أخَذَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَريراً بشِماله ، وذَهَباً بيمينه ، ثم رفَعَ بهما يَدَيْه فقال : إنَّ هذينِ حرامٌ على ذُكورِ أُمَّتي ، حِلٌّ لإناثِهم))
ابتداؤه صلى الله عليه وسلم أصحابَه بالإفادة دون سؤال منهم
وكان صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان يَبتَدىءُ أصحابَه بالإفادةِ من غير سؤالٍ منهم ، لا سيما في الأمور المهمةِ التي لا يَنتَبِهُ لها كلُّ واحدٍ حتى يَسألَ عنها ، فكان صلى الله عليه وسلم يُعلِّم أصحابه جوابَ الشُّبْهة قبلَ حُدوثها ، خشية أن تقع في النفوس فتستَقِرَّ بها ، وتَفعلَ فعلَها السيِّىء
روى البخاري ومسلم: ((يأتي الشيطانُ أحدَكم ، فيقول : من خلَقَ كذا وكذا؟ حتى يقول له : من خَلَق ربّك. فإذا بَلَغ ذلك ، فليستَعِذْ بالله ولْيَنْتَهِ))
إجابتُه صلى الله عليه وسلم السائلَ عما سأل عنه
وكان صلى الله عليه وسلم يجيب السائلَ عن سؤالِهِ ، وقد علَّم كثيراً من الشرائع والأحكام ومَعالِمِ الدين بالإجابة على أسئلة أصحابه ، وقد حَضَّ أصحابَه على السؤال عما يَهمُّهم من الحوادثِ والنوائب أو مما يحتاجون إلى معرفته من الفرائض والشرائع ، فقد روى أبو داود قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ)) وكان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم يوردون عليه ما يُشكِلُ عليهم من الأسئلة والشُّبهات للفهم والبيان وزيادة الإيمان ، فكان يُجيبُ كُلاًّ عن سؤالِهِ بما يُثْلِجُ صُدورَهم .
وكُتُبُ الحديث مَشْحونةٌ بأجوبة النبي صلى الله عليه وسلم على أسئلة أصحابه في أمور الدين.
جوابُه صلى الله عليه وسلم السائلَ بأكثرَ مما سأل عنه
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُجيب السائلَ بأكثرَ مما سأل ، إذا رأى أنَّ به حاجةً إلى معرفةِ الزائدِ عن سُؤاله ، وهذا من كمالِ رأفتِه صلى الله عليه وسلم ، ومن عظيم رعايتِه بالمتعلِّمين والمتفقِّهين :
روى الإمام مالك: ((سألَ رجلٌ ـ من بني مُدْلِجٍ ـ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنا نَركبُ البحرَ ، ونحمِلُ معنا القليلَ من الماء، فإن توضَّأنا به عَطِشْنا ، أفنتوضَّأُ بماءِ البحر؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُهُ))
وهذا الصنيعُ منه صلى الله عليه وسلم من لُبابِ الخير في أُسلوب التعليم واستيفاءِ ما يَحتاجُ إليه المتعلِّم .
وروى مسلم (( رَفَعتْ امرأةٌ صبيّاً لها ـ وهي حاجّة ـ فقالت : يا رسولَ الله ألهذا حجٌّ؟ قال : نعم ، ولكِ أجرٌ)).
فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم بأكثَرَ مما سألتْ عنه.
تنبيه السائلَ إلى غير ما سَأَل عنه
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يَلفِتُ السائلَ عن سؤالِه لحكمةٍ بالغةٍ ومن ذلك :
ما رواه البخاري ومسلم أنَّ رجلاً قال لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم : متى الساعةُ يا رسولَ الله؟ قال : ما أعددتَّ لها؟ قال : ما أعددتَّ لها من كثيرِ صلاةٍ ولا صومٍ ولا صَدَقةٍ ، ولكني أحبُّ الله ورسولَه ، قال : أنت مع من أحببتَ)) فلَفَتَه صلى الله عليه وسلم عن سؤالِه عن وَقْتِ قيام الساعة ، الذي اختَصَّ الله تعالى بعلمِه ، إلى شيءٍ آخَرَ هو أحوجُ إليه ، وأفضَلُ نفعاً عليه ، وهو إعدادُ العملِ الصالح للسّاعةِ ، فقال : ما أعددتَّ لها؟ فقال : حُبَّ اللهِ ورسولِه ، فقال : أنت مع من أحببتَ .
فزاده صلى الله عليه وسلم أياً أن الإنسان يُحشَرُ مع من يُصاحِبُ ويُحبُّ . وفي هذا تبصيرٌ للإنسان وتحذيرٌ من أن يتَّخذ في الدنيا قريناً له غيرَ صالحٍ ، فيكونَ معه في الآخرةِ حيث يكون!
وهذا الأسلوبُ في لَفْتِ السائل يُسمّى : أسلوبَ الحكيمِ ، وهو تَلَقّي السائلِ بغير ما يَطلُب ، مما يَهُمُّه أو مما هو أهمُّ مما سأَل عنه أو أنفَعُ له .
ومن هذا الباب أيضاً ما رواه البخاري ومسلم: (( أنَّ رجلاً سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ما يَلْبَسُ المُحْرِم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يَلْبَسُ القَميصَ ، ولا العِمامةَ ، ولا السَّراويلَ ، ولا البُرْنُسَ ، ولا ثوباً مسَّهُ الوَرْسُ أو الزَّعْفرانُ ، فإنْ لم يَجِد النَّعلَيْنِ ، فلْيَلْبَسْ الخُفَّين ، ولْيَقْطَعْهُما حتى يكونا تحت الكعبينِ )) فأنت ترى أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عما يَلْبَسُ المُحْرِم ، فأجاب ببيانِ ما لا يَلبَسه المُحرِم ، وتَضمَّن ذلك الجوابَ عما يَلْبَسُه ، فإنَّ ما لا يَلبَسُه المُحْرم محصور ، وما يَلبَسُه غير محصور ، فعدَل عما لا ينحصرُ تعدادُه إلى ما ينحصر ، طلباً للإيجاز ، ولو عدَّدَ له ما يلبَسُ لطال به البيان ، وربما يَصعُبُ على السائل ضبطُه واستيعابُه .
ثم بيَّن له صلى الله عليه وسلم زيادةً عما سأل : حُكمَ لُبسِ الخُفِّ عند عدَمِ وجودِ النَّعْل ، فزاده بيانَ حالةِ الاضطرار هذه ، وهي مما يتصل بالسؤال ، فقال : ((فإنْ لم يجد النَّعْلَين ، فلْيَلْبَسْ الخُفَّين ، ولْيَقْطَعْهُما حتى يكونا تحت الكعبين)) .
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يَستعيدُ السائلَ سؤالَه ـ وقد أحاط بسؤالِهِ علماً ـ ليَزدَه علماً أو ليَستدرِك على ما أجابَه به ، أو ليوضحه له.
تدريب و تمرين الرسول صلى الله عليه و سلم للصحابة:
وكان صلى الله عليه وسلم يُفوِّض أحَدِ أصحابِه الجوابَ عن السؤالِ الذي رُفع إليه ليُدرِّبه على الإجابة في أمور العلم ، ومن ذلك ما رواه البخاري، ومسلم ((كان أبو هريرة يحدث أن رجلاً أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفَهُ من أُحُد ، فقال :
إني رأيتُ الليلة في المنام ظُلّةً يَنطُفُ منها السَّمنُ والعَسَلُ، ورأيتُ الناس يتكفَّفون منها بأيديهم، فالمستكثِرُ والمستقِلُّ ، ورأيتُ سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض، رأيتُك يا رسول الله ، أخذتَ به فعلوتَ به ، ثم أخَذَ به رجل آخر من بعدك فعَلا به ، ثم أخَذَ به رجل آخر بعده فعَلا به ، ثم أخَذ به رجل آخر بعده فانقطع به ، ثم وُصِلَ له فعَلا به .
قال أبو بكر : يا رسول الله بأبي وأُمّي أنتَ ، واللهِ لَتَدَعَنّي فلأُعَبِّرَنَّها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اعْبُرْها . قال أبو بكر : أما الظُّلّةُ فظُلَّةُ الإسلام ، وأما الذي يَنِطُفُ من السمن والعسل فهو القرآن حلاوتُه ولينُه . وأما ما يتكفف الناسُ من ذلك فالمستكثِرُ من القرآن والمستقِلُّ منه . وأما السببُ الواصلُ من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه ، تأخُذُ به فيُعليك الله ، ثم يأخُذُ به بعدك رجلٌ فيَعْلو به ، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ، ثم يأخُذُ به رجل آخر فينقطع ، ثم يوصلَ له فيعلو به .
فأخبِرني يا رسول الله بأبي أنت ، أصبتُ أم أخطأتُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً.
من باب التدريب والتمرين أيضاً أمرُه صلى الله عليه وسلم لبعضِ أصحابِه بأن يَقضي بين يديه ، فيما رُفع إليه من الخصومات .
فقد روى أحمد ((جاء رجلان يَختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعَمْرو بنِ العاص : اقضِ بينهما ، قال : وأنت ها هنا يا رسولَ الله؟ قال : نعم ، قال : على ما أقضي؟ قال : إن اجتهدتَ فأصبتَ فلك عشرةُ أُجورٍ ، وإن اجتهدتَ فأخطأتَ فلك أجر واحد))
وروى أحمد: ((جاء خَصْمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يَختصمان ، فقال لي : قُمْ يا عُقبةُ اقضِ بينهما ، قلتُ : يا رسول الله ، أنت أولى بذلك مني ، قال : وإن كان ، اقْضِ بينهما ، فإن اجتهدتَ فأصبتَ فلك عشرةُ أُجورٍ ، وإن اجتهدتَ فأخطأتَ فلك أجر واحد))
امتحانُه صلى الله عليه وسلم للصحابة
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يمتحنُ بعضَ أصحابِه ، فيسألُه عن شيء من العلم ليَكشِف ذَكاءه ومعرفتَه ، فإذا هو أصاب في جوابِه مَدَحه وأثنى عليه وضَرَب في صدرِه ، إشعاراً باستحقاقِه حُبَّ رسول الله وتقديراً منه صلى الله عليه وسلم لحُسْنِ إجابتِه ، ومن هذا الباب :
ما رواه مسلم ((يا أبا المُنذر ، أيُّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ قال : قلتُ : الله ورسوله أعلم . قال : يا أبا المنذر أتَدري أيُّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ قال : قلتُ : (الله لا إله إلاّ هو الحيُّ القيّوم)
قال : فضَرَب في صدري وقال : لِيَهْنِكَ العلمُ أبا المنذر)) . أي لتَهْنَأ به .
وما رواه أبو داود ،والترمذي: ((لمّا بَعَثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليَمَن ، قال لي : كيف تقضي إن عَرَض لك قضاء؟ قلتُ : أقضي بكتاب الله ، قال : فغن لم تَجِد في كتاب الله؟ قلتُ : أقضي بسُنّة رسول الله ، قال : فإن لم تجد في سنّة رسول الله؟ قلتُ : أجتَهِدُ برأيي ولا آلو ـ أي لا أقصِّر ـ .
قال : فضَرَب رسول الله صدري بيده ، وقال : الحمدُ لله الذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ الله))
تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالسكوتِ والإقرارِ على ما حَدَث أمامه
هذا أحدُ أقسام السُّنّة ، ويُعبِّرُ عنه الأصوليّون والمحدِّثون بالتقرير ، فما حَدَث أمامَ النبي صلى الله عليه وسلم من مُسْلمٍ قولاً أو فعلاً ، وأقرَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالسكوت عليه أو إظهارِ الرِّضا به فهو بيانٌ منه صلى الله عليه وسلم لإباحة ذلك القولِ أو الفعل ، وكثيرٌ من الأمور العلمية أُخِذ من النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الطريق.
انتِهازُه صلى الله عليه وسلم المناسباتِ العارِضةَ في التعليم
وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يَنْتهِزُ المناسَبَةَ المُشاكِلةَ لما يُريدُ تعليمَه ، فيَربِطُ بين المناسبةِ القائمة ، والعلمِ الذي يُريد بَثَّه وإذاعتَه ، فيكون من ذلك للمخاطبين أبيَنُ لوضوح ، وأفضلُ الفَهْم ، وأقوى المعرفة بما يَسمعون ويُلقى إليهم .
روى مسلم: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بالسّوق ، داخلاً من بعضِ العالِيَة، والناسُ كنَفَتَيْه، فمرَّ بجَدْيٍ ميِّتٍ أسَكَّ، فتناولَه فأخذَ بأُذُنِه ، ثم قال : أيُّكم يُحِبُّ أنَّ هذا له بدرهم؟ قالوا : ما نُحِبُّ أنه لنا بشيء ، وما نَصنَعُ به؟ قال : أتُحِبّون أنه لكم؟ قالوا : واللهِ لو كان حيّاً كان هذا السَّكَكُ عَيْباً فيه ، لأنه أسَكّ ، فكيف وهو ميِّت؟! فقال : فواللهِ للدُّنيا أهونُ على الله من هذا عليكم((
وروى البخاري: ((كنا جلوساً ليلةً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ نَظَرَ إلى القمر ليلةَ البَدْر ، فقال : إنكم سَتَرَوْن ربَّكم يوم القيامة ، كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رُؤيَتِه، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس ، وصلاةٍ قبل غروبها ، فافعلوا ، ثم قرأ : (وسَبِّحْ بحَمْدِ ربِّك قبلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وقبلَ الغُروب).
فانتهز صلى الله عليه وسلم مُشاهدةَ الصَّحابةِ للقمر ليلةَ البدر ، فبيَّنَ لهم أن رؤية الله تعالى في الآخرة ، ستكون للمؤمنين في الجنة بهذا الوضوح وتلك السُّهولةِ واليُسْر .
تعليمه صلى الله عليه وسلم بالمُمازَحةِ والمُداعَبة
وكان صلى الله عليه وسلم يُداعِبُ أصحابَه في بعضِ الأحيانِ ويُمازِحُهم ، ولكنه ما كان يقولُ إلاّ حقاً، وكان يُعلِّم كثيراً من أمورِ العلم خلال المُداعَبةِ والمُمازحةِ .
روى أبو داود والترمذي: ((إنَّ رجلاً استَحمَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني حامِلُك على وَلَدِ النّاقة ، فقال الرجل : يا رسول الله ، ما أصنَعُ بولدِ الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهل تَلِدُ الإبلَ إلاّ النّوقُ؟((
فأفهمه صلى الله عليه وسلم من طريق هذه المداعبة اللطيفة ، أن الجمَلَ ولو كان كبيراً يَحملُ الأثقال ، ما يَزالُ وَلَد الناقة.
الدُّعابةُ اللطيفة تُروِّح عن الإنسان ، وتُلطِّفُ من ثِقَلِ المتاعِب التي تَنْتابُه أو تُصاحِبُه ، فإن الحياةَ لا تخلو من المرارة والمَكارِه ، فالدُّعابةُ تُخَفِّفُ من وَطأةِ ذلك على النفسِ . والمرءُ يَتعلَّمُ بالابتسامِ والبِشْر أكثرَ مما يَتعلَّمُ بالعُبوس والقُطوب .
وما أعذَبَ الدُّعابةَ المُعلِّمةَ، فإن الجِدَّ الدائمَ يورِثُ رَهَق الذهنِ ، وكلَلَ الفِكرِ ، فالمزاحُ اللطيفُ الهادي بين الحين والحين ، يُعيدُ إلى الإنسانِ نشاطَه وانتباهَه ، فما أعْلَمَ هذا المُعلِّمَ الحكيمَ ، الوقورَ الرؤوفَ الرحيمَ صلى الله عليه وسلم .
تأكيدُه صلى الله عليه وسلم التعليم بالقَسَم
وكان صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان ، يَبدأُ حديثَه بالقَسَم بالله تعالى ، تنبيهاً منه إلى أهميّة ما يقولُه وتقويةً للحكم وتأكيداً له.
روى مسلم: ((والذي نفْسي بيده ، لا تَدْخُلون الجنّة حتى تُؤْمِنوا ، ولا تُؤْمِنوا حتى تَحابّوا، أوَلا أَدُلُّكم على شيءٍ إذا فعلتُموه تَحاببْتُم؟ أَفشوا السلامَ بينكم)).
وروى مسلم: ((والذي نفسي بيده ، لا يُؤْمِنُ عبدٌ حتى يُحِبَّ لجارِهِ ـ أو قال : ـ لأخيهِ ما يُحِبُّ لنفسِه)).
تغيير جِلْسَتِه صلى الله عليه وسلم وحاله ، وتكرار المقال
وكان صلى الله عليه وسلم يُكرِّرُ حديثَه تأكيداً لمضمونِه ، وتنبيهاً للمخاطب على أهمِّيَّته ، وليفهَمَه السامعُ ويُتقِنَه، وقد روى البخاري لهذا المعنى عن أنس رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا تَكلَّم بكلمةٍ أعادَها ثلاثاً حتى تُفهَم عنه
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُغيِّر جِلسته وحالَه ، مع تكرار مقالِه تعبيراً عن الاهتمام والخُطورَةِ لما يقولُه أو يُحذِّرُ منه .
روى البخاري ومسلم: ((ألا أنبِّئُكم بأكبرِ الكَبائر؟ ألا أنبِّئُكم بأكبرِ الكبائر؟ ألا أنبِّئُكم بأكبرِ الكَبائر؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالدين، وكان متَّكِئاً فجلسَ فقال : ألا وقولُ الزّور وشهادةُ الزّور ، ألا وقولُ الزّور وشهادةُ الزّور، فما زال يقولُها حتى قلتُ : لا يَسكُتُ)) . وفي روايةِ مسلم : ((فما زال يُكرِّرُها حتى قلنا : ليتَه سَكَت)).
إمساكُه صلى الله عليه وسلم بيد المُخاطَب أو منكِبِه لإثارةِ انتباهِه
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُثيرُ انتباهَ المخاطبِ بأخذ يدِه أو منكِبِه ، ليَزدادَ اهتمامُه بما يُعلِّمهُ ، وليُلقِيَ إليه سمعَه وبصَرَه وقلبَه ، ليكون أوعى له وأذكَر .
روى البخاري ومسلم: ((علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفّي بين كفّيه ، التشهّدَ ، كما يُعلِّمني السورةَ من القرآن:
التحيّاتُ لله ، والصلواتُ والطيِّباتُ ، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه ، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين ، أشهَدُ أن لا إله إلاّ الله ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه((
وروى البخاري والترمذي: ((أَخَذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمَنْكِبي ، فقال : كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل ، وعُدَّ نفسَك من أهل القبور)).
إبهامُه صلى الله عليه وسلم الشيءَ لحملِ السامِع على البحث و الاستكشاف
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُبهِمُ الشيءَ ترغيباً فيه لحملِ السامع على الاستِكشافِ عنه فيكونَ أوقعَ في نفسِه وأحَضَّ له على إتيانِه .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كُنّا جُلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يَطلُعُ الآن عليكم رجلٌ من أهل الجنةِ ، فطلَعَ رجلٌ من الأنصار، تنطُفُ لحيتُه من وَضوئه، قد علَّق نعلَيْهِ بيده الشِّمال، فلما كان الغَدُ قال النبي صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذلك ، فطلع ذلك الرجلُ مثلَ المرةِ الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مِثْلَ مَقالتِه أيضاً ، فطلع ذلك الرجلُ مثلِ حالِه الأولى .
فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تَبِعَه عبد الله بن عمرو أي تبعَ ذلك الرجل ـ ، فقال : إني لاحَيتُ أبي فأقسمتُ أني لا أدخُل عليه ثلاثاً، فإن رأيتَ أنْ تُؤوِني إليك حتى تمضي فعلتَ ، قال : نعم .
قال أنسٌ فكان عبد الله يُحدِّثُ أنه باتَ معه تلك الثلاثَ اللَّيالي فلم يَرَهُ يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تَعارَّ وتقلَّبَ على فِراشِهِ ذكَرَ الله عز وجل، وكبَّرَ حتى يقومَ لصلاةِ الفجر .قال عبد الله : غير أني لم أسمعْهُ يقولُ إلاّ خيراً ، فلما مَضَتْ الثلاثُ اللّيالي ، وكِدْتُ أن أحتقِرَ عملَه قلتُ : يا عبد الله لم يكنْ بيني وبين أبي غَضَبٌ ولا هَجْرٌ ، ولكن سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرّاتٍ : يَطلُعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة فطَلَعتَ أنت الثلاثَ مرّات .فأردتُ أن آوي إليك ، فأنظُر ما عَمَلُك ، فأقتدي بك ، فلم أرك تعمَلُ كثيرَ عملٍ ، فما الذي بَلَغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : ما هو إلاّ ما رأيتَ ، فلما ولَّيتُ دَعاني ، فقال : ما هو إلاّ ما رأيتَ يا ابن أخي غيرَ أني لا أجدُ في نفسي لأحدٍ من المسلمين غِشّاً ، ولا أحسُدُ أحداً على خيرٍ أعطاه الله إياه .فقال عبدُ الله : هذه التي بَلَغَتْ بك وهي التي لا نُطيقُ)).
وفيه تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وترغيبُه في الخير والبِرِّ بالثناء على أهلِهما بإبهامِ الأمر على المخاطَب ، ليقومَ هو بالكشفِ عنه فيكون أوقَعَ في نفسه ، وفيه فضلُ تزكيةِ القلب وطهارتِه من الغِلِّ والحَسَد وأن ذلك من الأعمال التي يَستحِقُّ المرءُ بها الجنةَ .
إجمالُ الأمر ثم تفصيلُه ليكون أوضحَ وأمكَنَ في الحفظ والفهم
وكان صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان يُجمِل الأمرَ في حديثِه لحضِّ المخاطَب على السؤالِ ، وتَشويقِه إلى الاستكشافِ عنه ، ثم يُفصِّلُه ببيانٍ واضحٍ فيكون أوقع في نفس المخاطَب وأمكن في حفظِه وفهمه .
روى البخاري ومسلم: ((مُرَّ بجنازةٍ فأُثنِيَ عليها خيراً، فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت . ومُرَّ بجنازةٍ فأُثني عليها شراً ، فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت.
قال عمر : فِدىً لك أبي وأمي ، مُرَّ بجنازة فأُثني عليها خيراً ، فقلتَ : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت . ومُرَّ بجنازةٍ فأُثني عليها شراً ، فقلت : وجَبَتْ ، وجبت ، وجبت .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أَثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة ، ومن أَثنيتم عليه شراً وجبت له النار ، أنتم شُهداء الله في الأرض ، أنتم شُهداء الله في الأرض ، أنتم شُهداء الله في الأرض)). وفي الحديث من الأمور التعليمية : استحبابُ توكيد الكلام المُهِمّ بتكراره ، ليُحفَظ ، وليكون أبلغ في نفس سامعه . وفيه من أساليب التعليم : الإجمال ثم البيان ليكون أشوق وأوقع في السمع ، فقد أَجملَ صلى الله عليه وسلم في قوله (وجبت) لكل من الجنازتين ، ثم بيَّن أن قوله لذي الخير : (وجبت) أي وجبت له الجنة ، وأنَّ قولَه لذي الشر : (وجبت) أي وجبت له النار .
ومن الإجمال ثم التفصيل قولُه صلى الله عليه وسلم في التحذير من أَذى الجار :
روى البخاري ((واللهِ لا يؤْمِن! واللهِ لا يؤْمِن! واللهِ لا يؤْمِن! قيل : من يا رسول الله؟ قال : الذي لا يَأمَنُ جارُهُ بَوائِقَه)).
ومن هذا الباب أيضاً قولُه صلى الله عليه وسلم في التحذير من التقصير في بِرِّ الوالِدَين :
روى مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رَغِمَ أَنْفُه! ثمّ رَغِمَ أَنْفُه! ثمّ رَغِمَ أَنْفُه! قيل : من يا رسول الله؟ قال : مَن أدرَك والِدَيْهِ عند الكِبَرِ أحَدَهما أو كليهما ، ثم لم يَدْخُل الجنّة((
روى الحاكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اغْتَنِمْ خمساً قبلَ خمس : شَبابَك قبل هَرَمِك ، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك ، وغِناكَ قبل فَقْرِك ، وفَراغَك قبل شُغُلِك ، وحَياتَك قبل موتِك)).
تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالوعظ والتذكير
ومن أهمِّ وأبرزِ أساليبِه صلى الله عليه وسلم في التعليم ، الوعظُ والتذكير ، اقتداءً بالقرآن الكريم ، في قوله : (وذكِّرْ فإن الذِّكرى تَنفَعُ المؤمنين) ، وقولِهِ : (إنّما أنتَ مُذَّكِّر) ، وكثيرٌ من تعليماتِه صلى الله عليه وسلم إنما أُخِذَتْ منه في مَواعِظِه وخُطبه العامة.
قال الشيخ محمد أنور الكشميري: اعلم أنَّ هناك وظيفتين :
الأولى : وظيفةُ الواعظِ والمذكِّر ، فإنه يُحرِّضُ على العمل ويُرغِّب إليه فيختارُ من التعبيرات ما يكون أدعى لها ، ولا يَلتفتُ إلى تحقيق المسألة واستيفاءِ شرائِطها وموانِعها ، بل يُرسلُ الكلامَ فيعِدُ ويوعِدُ ، ويُرغِّبُ ويُرهِّبُ مطلقاً ، ويأمُرُ ويَنهى ولا يَلتفتُ إلى مزيدِ التفاصيل .
والثانيةُ : وظيفةُ المعلِّم والفقيه وهو يُريدُ تلقينَ العلم وبيانَ المسألة ، أما العملُ بها فبمَعزل عن نظره ، فيُحقِّقُ البيانَ ، ويُدقِّقُ الكلامَ ، ويَستوفي الشروطَ ويختارُ من التعبيرات ما لا يكون مُوْهِماً بخلاف المقصود ، بل يكون أدلَّ عليه وأقربَ إليه ، فلا يُرسِلُ الكلامَ بل يذكُرُه بشرائطِه ، ويَعِدُ ويوعِدُ ويُرغِّبُ ويُرهِّبُ بشرائطِه .
فهاتان وظيفتان ، ومَنصِبُ الشارع منصِبُ المُذكِّر ، قال الله تعالى : (إنما انتَ مُذَّكِّر لستَ عليهم بمسيطر) ، وليس له مَنصِبُ المعلِّم فقط فهو مُذَّكرٌ ومعلِّم معاً ، فوَجَب أن يُعبِّر بما هو أدعى للعمل وأبعدُ عمّا يوجِب الكَسَلَ .
وهذا هو التعليم الفطري ، فإن أكثرَ تعليماتِه صلى الله عليه وسلم مستفادٌ من عمله ، فما أَمَر به الناسَ عَمِل به أولاً ثم تَعلَّم منه الناسُ ، ولذا لم يَحتاجوا إلى التعليم والتعلُّم ، ولو كان طريقُه كما في زماننا لَما شاع الدينُ إلى الأبد ، ولكنَّه علَّم الناس بعمله .
ثم إذا قال لهم أمراً اختار فيه الطريق الفِطري أيضاً ، وهو الامرُ بالمطلوب والنهيُّ عن المكروهِ ، ولم يَبحَثْ عن مراتِبه ، قال الله تعالى : (وما آتاكم الرسولُ فخُذوه وما نَهاكم عنه فانتهوا) ، فهذا هو السبيلُ الأقوم .
تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالقَصَصِ وأخبار الماضين
وكثيراً ما كان صلى الله عليه وسلم يُعلِّمُ أصحابَه بطريق القَصَصِ والوقائع التي يُحدِّثُهم بها عن الأقوام الماضين ، فيكونُ لها في نفوسِ سامعيها أطيبُ الأثر ، وأفضلُ التوجيه ، وتَحْظى منهم بأوفى النشاطِ والانتباه ، وتقَعُ على القلبِ والسَّمع أطيب ما تكون ، إذ لا يُواجَهُ فيها المخاطَبُ بأمْرٍ أو نَهْي ، وإنما هو الحديثُ عن غيره ، فتكونُ له منه العِبْرةُ والموعظةُ والقُدوةُ والائتساء . وقد سنَّ الله تعالى هذا الأسلوبَ الكريم في تعليمه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم ، فقال سبحانه : (وكُلاًّ نقُصُّ عليك مِن أنباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ به فُؤادَكَ)
روى البخاري ومسلم قال : ((بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه العطش ، فوجَدَ بِئراً فنزَلَ فيها ، فشَرِب ثم خَرَج ، فإذا كلبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرى من العطش، فقال الرجل : لقد بلَغَ هذا الكلب من العطش مثلُ الذي كان بلغَ مني! فنزل البئرَ فملأ خُفَّه ماءً ، ثم أمسك بفيه حتى رَقِيَ فسقى الكلب، فشكر اللهُ له فغفر له .قالوا : يا رسول الله ، وإنَّ لنا في البهائم لأجراً؟ فقال : في كل كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْر)). يعني : في الإحسان إلى كل ذي روحٍ وحياةٍ أجر .
تعليمه صلى الله عليه وسلم لما قد يُستَحيا منه
وكان صلى الله عليه وسلم تارةً يُمهِّدُ التمهيدَ اللطيفَ الرقيقَ ، إذا شاء أن يُعلِّم أصحابَه ما قد يُستَحيا من التصريح به :
روى مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنما أنا لكم مثلُ الوالِدِ لولدِهِ أُعلِّمُكم ، إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القِبلة، ولا تَستَدْبِروها، وأمرَ بثلاثةِ أحجار، ونهى عن الرَّوْث، والرِّمّة، ونهى أن يَستطيبَ الرجلُ بيمينه)) وفي هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية : تواضعُ المعلِّم الأول صلى الله عليه وسلم ، وكمالُ شفقته على المتعلمين ، وجميلُ تلطفه بهم لتعليمهم ما يُستحيا منه ، وتعليمُه لهم التزامَ النظام في تصرفاتهم وشؤونهم وأمور نظافتهم .
وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يكتفي بالتعريض والإشارة في تعليم ما يُستحيا منه :
روى البخاري ومسلم: ((أنَّ أسماء بِنْتَ شَكَل ، سألَتْ النبي صلى الله عليه وسلم عن غُسْلِ المَحيض؟ فقال : تأخُذُ إحْداكُنَّ ماءها وسِدْرَتَها فتَطَهَّرُ ، فتُحسن الطُّهور ،ثم تصُبُّ على رأسها ، فتَدْلُكُه دلْكاً شديداً حتى تبْلُغَ شؤونَ رأسِها، ثم تصُبُّ عليها الماء ، ثم تأخذ فِرْصةً مُمَسَّكَةً فتطهَّرُ بها.
فقالت أسماء : وكيف تطهَّرُ بها؟ قال : سبحان الله تطهَّرين بها. فقالت عائشة ـ وكأنها تُخفي ذلكـ : تتبَّعي أثر الدم.
وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال : تأخذ ماء فتطهَّرُ فتُحسِنُ الطُّهور ، أو تُبلِغُ الطُّهور ، ثم تَصُبّ على رأسها فتدْلُكُه حتى تبلُغ شؤون رأسها ، ثم تُفيض عليها الماء. فقالت عائشة : نِعْمَ النساء نساء الأنصار ، لم يمنعهنَّ الحياءُ أن يتفقَّهنَ في الدين)).
في هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية الشيءُ الكثير :
*التسبيحُ من المعلِّم عند التعجُّب . ومعناه هنا : كيف يخفى عليكِ هذا الظاهرُ الذي لا يُحتاجُ في فهمه إلى فكر .
*واستحبابُ الكنايات عند تعليم ما يتعلَّق بالعَوْرات .
*وسؤالُ المرأةِ العالم عن أحوالها التي يُحتشَمُ منها .
*والاكتفاءُ بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجَنة .
*وتكريرُ الجواب لإفهام السائل . وإنما كرَّره عليه الصلاة والسلام ، مع كونها لم تفهمه أوَّلاً ، لأن الجواب به يؤخذُ من إعراضه صلى الله عليه وسلم بوجهه عند قولِه للسائلة : (تطهَّري) ، أي في المحلِّ الذي يُستحيا التصريحُ به في مواجهة المرأة . فاكتفى بلسانِ الحال عن لسانِ المقال . وفهمَتْهُ عائشة رضي الله عنها ، فتَولَّتْ تعليمَ السائلة .
*وفيه أيضاً من الأمور التعليمية : سَواغِيَةُ تفسير كلام العالم بحضرتِهِ ووجودِه لمن خَفِيَ عليه ، إذا عَرَف أن ذلك يُعجِبُه .
*وجوازُ الأخذِ عن المفضولِ ـ وهو عائشة ـ بحضرة الفاضل وهو سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
*وصحّةُ العَرْضِ ـ أي القراءة من الطالب ـ على (المُحَدِّث) إذا أَقَرَّه، ولو لم يَقُل عَقِبَ ما عرَضه عليه : (نَعَمْ) .
*وأنه لا يُشترَطُ في صحة تحميل العلم فهم السامع لجميع ما يسمعُه .
*والرِّفْقُ بالمتعلِّم ، وإقامةُ العُذْر لمن لا يفهم . =
*وأنَّ المرءَ مطلوبٌ منه ستر عيوبِه ، وإن كانت مما جُبِلَ عليها ، وذلك من جهة أمرِهِ صلى الله عليه وسلم للمرأة بالتطيُّبِ ، لإزالة الرائحة المكروهة .
*وعدم مواجهة السائل بجوابه في مثل هذه الأمور المُستحيا منها ، فإنه قال لها : (تأخُذُ إحداكُنَّ) ولم يقل لها : (تأخذين) رعايةً لزيادةِ الأدب في هذا المقام .
*وحُسْنُ خُلُق المعلِّم الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وعظيم حاله وحَيائِه ، زاده الله تشريفاً وتكريماً وتعظيماً
تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالترغيب والترهيب
ومن أجلى أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم الترغيبُ في الخير الذي يدعو إليه ، والترهيبُ عن الشرِّ الذي يُحذِّر منه ، فكان صلى الله عليه وسلم يُرغِّب في الخير بذكر ثوابِه والتنبيه على مَنافِعِه، ويُرهِّبُ عن الشرِّ بذكرِ عقابِه والتنبيه على مساويه .
وكان يَجمَع في أحاديثه بين الترغيب حيناً والترهيب حيناً آخر ، وما كان يَقتَصِرُ على الترهيب فيُؤدّي إلى التنفير ، ولا على الترغيب فيؤدي إلى الكَسَل وترك العمل .
غضبُه صلى الله عليه وسلم في التعليم إذا اقتضت الحالُ ذلك
وكان صلى الله عليه وسلم يغضبُ الغضب الشديد إذا جاوز المُتعلّم ببحثِه وسؤالِه إلى ما لا ينبغي السؤال عنه والدخول فيه . ومن ذلك ما رواه ابن ماجه: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابِه وهم يختصمون في القَدَر ، فكأنما يُفقأ في وجهِهِ حَبُّ الرُّمّان من الغضب، فقال : بهذا أُمرتِم؟! أو لهذا خُلِقتُم؟!تضرِبون القرآن بعضَه ببعضٍ ، بهذا هلكَتْ الأممُ قبلكم)).
اهتمامُه صلى الله عليه وسلم بتعليم النساء ووعظِهن
وكان صلى الله عليه وسلم يهتم بتعليم النساء ما يحتجن إليه ، فكان يَخصُّهن ببعض مجالسِه ومواعظِه .
روى البخاري: ((أشهدُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم لَصَلّى ـ صلاة العيد ـ قبل الخطبةِ ، قال : ثم خَطَب فرأى أنه لم يُسْمِعْ النساء فأتاهُنَّ فذكَّرهُنَّ ، ووعظهُنَّ ، وأمرهُنَّ بالصدقة ، وبلال باسط ثوبَه ، فجعلت المرأة تُلقي الخاتم والخُرْصَ والشيءَ)).
وروى البخاري ومسلم، قال : ((قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم : غَلَبنا عليك الرجالُ ، فاجعلْ لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تُعلِّمُنا مما علَّمَك الله ، قال : اجتَمِعْنَ يوم كذا وكذا ، فاجتمعْنَ فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلَّمَهن مما علَّمه الله ... )) الحديث
أمرُه صلى الله عليه وسلم الصحابة بتعلُّم اللغات الأجنبية
روى البخاري، والترمذي: ((أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلَّم له كلماتٍ من كتاب يهود ، وقال : إني واللهِ ما آمَنُ يهود على كتابي ، قال : فما مرَّ بي نصف شهر حتى تعلَّمتُه ، قال : فلما تعلمتُه كان إذا كتب إلى يهود كتبتُ إليهم ، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابَهم((
قال الترمذي : ، عن زيد بن ثابتٍ يقول : ((أمرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلَّم السريانية((
فاستخدامُ اللغات الاجنبية في مجال التعليم والدعوة والتبليغ ، عند الحاجةِ إليها مما ثبت من هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أحدُ أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم .
أتمنى أن تعم الفائدة بهذه الوسائل و الطرق التعليمية التي انتهجها رسول الله صلى الله عليه و سلم و التي هي منار هدى لكل المدرسين في مهنتهم و طريقهم و قد اعتمدت في هذه النافذة بشكل كبير (بتصرف مع إضافات متعددة) على كتاب مهم:
الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم وأساليبه في التعليم
تأليف الشيخ : عبد الفتاح أبو غدة
و أدرج هنا مكونات المشاركات حتى يسهل الوصول إليها
نص القرآن و السنة مشاركة 1
التعليم بذاتيته الشريفة مشاركة 2
شخصيته التعليمية مشاركة 3
أساليبه في التعليم مشاركة 4
تلطفه و تواضعه مشاركة 5
طريقة الإلقاء مشاركة 6
تحذيره من الفتور في التعليم و التعلم مشاركة 7
تعليمه بالسيرة الحسنة و بالفعل و العمل مشاركة 8
التعليم بالتدريج مشاركة 9
الاعتدال و البعد عن الإملال مشاركة 10
رعاية الفروق الفردية بين المتعلمين مشاركة 11
استعمال الحوار و المساءلة مشاركة 12
استعمال المحادثة و الموازنة العقلية مشاركة 13
استكشاف ذكاء المتعلمين مشاركة 14
التعليم بالمقايسة و التمثيل مشاركة 15
استعمال التشبيه و ضرب الأمثال مشاركة 16
استعمال الرسم على التراب مشاركة 17
استعمال الإشارة الجسدية مشاركة 18
الإفادة دون سؤال مشاركة 19
جواب السائل مشاركة 19
تنبيه السائل إلى غير ما سأل عنه مشاركة 20
التدريب و التمرين مشاركة 21
الامتحان مشاركة 22
التعليم بالسكوت و الإقرار مشاركة 23
انتهاز المناسبة للتعليم مشاركة 23
التعليم بالممازحة و المداعبة مشاركة 24
التعليم بالقسم مشاركة 24
تغيير الجلسة وتكرار المقال مشاركة 25
إمساكه بيد أو منكب المخاطب مشاركة 25
استثارة البحث و الاستكشاف مشاركة 26
الاجمال ثم التفصيل مشاركة 27
التعليم بالوعظ و الارشاد مشاركة 28
التعليم بالقصص و أخبار الماضين مشاركة 28
تعليمه لما يستحيا منه مشاركة 29
الترغيب و الترهيب و الغضب مشاركة 30
الاهتمام بتعليم النساء مشاركة 30
الاهتمام بتعلم اللغات الاجنبية مشاركة 30
و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين
أتمنى من إدارة المنتدى تثبيت هذا الموضوع
صلى الله على سيدنا محمد و عل آله و صحبه أجمعين
لو اتبعوا منهجه في التعليم لأصلحوا التعليم
لو اتبعوا منهجه في الحياة لأصلحوا المجتمع
لو اتبعوا منهجه في الدين لأحيوا الأخلاق و القيم
لو اتبعوا منهجه في التسيير لأصلحوا الاقتصاد و نظام المعيشة
اللهم صل عليه و على آله و سلم
خادم المنتدى
28-07-2014, 23:01
************************
شكرا جزيلا لك..بارك الله فيك...
*************************
************************
شكرا جزيلا لك..بارك الله فيك...
*************************
شكرا جزيلا لكم على المتابعة و المواكبة
أرجو من إدارة المنتدى
تثبيت هذا الموضوع
لما فيه من فوائد مهمة في مجال التدريس
و العلاقات البينية بين المدرّس و التلميذ
بالتوفيق
benghazinour
04-06-2015, 18:34
شكر الله لكم وجعله في ميزان حسناتكم آمين
abdoutazi
04-06-2015, 23:19
http://www.lamst-a.net/upfiles/13693093.gif
شكر الله لكم وجعله في ميزان حسناتكم آمين
http://www.lamst-a.net/upfiles/13693093.gif
الله يبارك فيكم و يحفظكم و يعلي قدركم و مقامكم
nadiazou
05-06-2015, 09:12
شكرا جزيلا على الموضوع القيم لقد تم التثبيت لأنه فعلا يستحق ذلك
شكرا جزيلا على الموضوع القيم لقد تم التثبيت لأنه فعلا يستحق ذلك
بارك الله فيكم على هذا التفاعل الإيجابي المشجع
أحسن الله إليكم و حفظكم و رعاكم و أعلى قدركم و مقامكم
محمد علي إبراهيم
01-04-2024, 02:25
عليه الصلاة والسلام..
شكرا..
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026
diamond