المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قضية الدارجة والعربية الفصيحة


nasser
08-01-2015, 13:43
قضية الدارجة والعربية الفصيحة
عزالدين التامري http://www.hibapress.com/upload/812015-75629.jpg ========= هبة بريس يوم 08 - 01 - 2015 ==================================
سنجاري في هذا المقال الذين يعترضون على وصف اللغة العربية ب "الفصيحة" أو ب "الفصحى" من منطلق أن "الفصاحة" لا تختص بها العربية وحدها، وإنما هي صفة قد تحضر في أشكال تعبيرية و فنية تنتمي ل "الثقافة الشعبية" كما هو الحال في الملحون والعيطة ... سنجاري هؤلاء ونعتبر "العربية الفصيحة" مصطلحا للوصف وليس حكم قيمة، وإن كان هذا المسعى لا يكفي لرفع كل الدوارج السائدة في الوطن العربي إلى مستوى العربية الفصيحة.
وعليه سننطلق في دراسة هذه القضية من الجذور والخلفيات التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الدعوة إلى التدريس بالدارجة المغربية تحركها إيديولوجية حاقدة على العربية والعروبة، أكثر مما تحركها دواع علمية أو تربوية والدليل الأوضح على ذلك أن الذين ينتصرون للتدريس بالدارجة، ويجدونها "غزالة ورائعة" لا يتحدثون بها إلا لماما وإذا ما تحدثوا بها خلطوها بفرنسيتهم المحبوبة. إنهم يفعلون ذلك لأنهم مطمئنون كامل الاطمئنان على مستقبل أبنائهم وأحفادهم الذين يدرسون ويتحدثون بالفرنسية وربما بالإنجليزية، ولذلك فلا خوف من إهمال العربية الفصيحة التي يفضلون، في شعورهم ولا شعورهم، أن يفتحوا أعينهم يوما ليجدوها وقد تحولت إلى لغة محنطة في المتاحف ليس لأنها تستحق ذلك ولكن لأنها "تزعج" أبناءهم المدللين الذين استغنوا عنها بالفرنسية "الجميلة".
هذا هو المسكوت عنه في خطاب دعاة التدريج ، إنهم ينتصرون للدارجة في التخاطب اليومي وهم مطمئنون إلى أن الفرنسية ستبقى في المغرب لغة العلم والثقافة ، فلو كان انتصارهم للدارجة باعتبارها اللغة السائدة أو لغة الأم كما يحلو لهم أن يسموها لكان المفروض أن يدعوا أيضا إلى تعميمها لغة تدريس في جميع المراحل الدراسية حتى الجامعية، فندرس بها الطب والهندسة و الفلسفة والأدب والنقد ...إنهم يطمحون إلى جعل الدارجة لغة تخاطب يومي والفرنسية لغة علم وثقافة كما هو واقع حال المثقفين المغاربة الفرانكفونيين الذين لا يكتبون ولا يتحدثون بالعربية الفصيحة لأنهم بكل بساطة يجهلونها كما يجهلها كل سائح فرنسي زار المغرب و استطاع التقاط بعض الكلمات والجمل الدارجة. من أجل هذا الهدف ترتفع الأصوات الداعية إلى تعزيز مكانة الدارجة في حياتنا العامة، بل هناك من بات يدعو إلى ترسيمها باعتبارها محركا من محركات الحداثة والديمقراطية في بلادنا.
وإذا عدنا إلى جذور الدعوة لاستعمال الدارجة في المغرب فإننا نجدها مرتبطة بفترة الاستعمار الفرنسي في العشرينات من القرن الماضي حين تم إحداث كرسي للغة الدارجة المغربية في معهد " الإينالكو " بباريس، خلصت بعض الدراسات فيه إلى نتائج منها أن العربية الفصيحة لغة ميتة ينبغي استبدالها بالدارجة، وذلك ما روج له أحد أركان الثقافة الاستعمارية في الأربعينات " جورج كولان ".
وستنتعش هذه الدعوة من جديد في التسعينات مع الخطاب الذي كان يرى أن سياسة التعريب هي المسؤولة عن تنامي الحركات الإسلامية وتخلف النظام التعليمي المغربي ، و في 2002 مع تأسيس جمعية " أخبار بلادنا " التي دعت إلى اعتماد اللهجة العامية لمحاربة الأمية انطلاقا مما سمي في ذلك الحين " خبرة " جمعية " زاكورة " ، ثم مع إصدار أسبوعية " تيل كيل " ملفا يدعو صراحة إلى اعتبار الدارجة لغة وطنية.
واليوم هناك من يرى أن استفحال أزمة منظومتنا التعليمية يعود في جزء كبير منه إلى قضية تغييب اللغة الأم أي الدارجة مع أن الدراسات اللسانية الحديثة وتجارب دول كثيرة تقدم معطيات مخالفة لذلك ومنها حالة الدولة العبرية التي جعلت من العبرية القديمة لغة العلم والثقافة رغم اختلافها عن لغة الأم السائدة في المجتمع العبري. وقد ارتفعت أصوات غير متخصصة داعية إلى وضع حد للفكرة القائلة إن العربية الفصيحة هي لغتنا كما نجد في حوار مع السيد نورالدين عيوش الذي يؤكد أن العربية الفصحى " جاءت إلينا من الخارج منذ عدة قرون وفرضت علينا فرضا " متناسيا أن الفرنسية التي يفضل الحديث بها هي التي فرضت علينا مع الاستعمار ومازالت تفرضها علينا النخبة الفرانكفونية ومع ذلك لم يتخل عنها أنصارها بل نجدهم يدافعون عنها لأنها اللغة التي تلقوا بها تعليمهم في الوقت الذي يتطلعون فيه إلى أن تصبح الدارجة المغربية " الغزالة " لغة تعليم لأبنائنا . و حتى إذا صح أن العربية الفصيحة قد فرضت علينا فرضا فإننا تلقيناها بالقبول والترحاب وصارت هي لغة الثقافة عند الغالبية العظمى، يكتب بها معظم المثقفين والمفكرين والأدباء إنتاجاتهم الإبداعية بمن فيهم بعض خصومها من أنصار الأمازيغية، تماما كما تلقت كثير من شعوب أمريكا اللاتينية اللغة الإسبانية وأبدعت فيها ونال بها أدباؤها جائزة نوبل.
وتجدر الإشارة إلى أن فئة قليلة من نشطاء الحركة الأمازيغية ترفع هي أيضا مشعل الدعوة إلى الدارجة اعتقادا منها أن الانتصار للعربية الفصيحة سيكون على حساب الأمازيغية ، وهذا وهم وخطا في التقدير لأن صراع العربية ليس مع الأمازيغية ولا مع الفرنسية نفسها ولا مع أية لغة أخرى وإنما هو صراع مع السياسة الفرنكفونية.
يبقى أن نشير في الأخير إلى أن المطلوب حاليا هو النهوض باللغة العربية عبر تبسيطها وتشذيبها من العوالق التي كانت تستجيب لحاجيات الثقافة القديمة، وخاصة ما يرتبط ببعض قواعد النحو والصرف والبلاغة لجعلها مواكبة للعصر وتحدياته العلمية والتكنولوجية، فينبغي أن نعترف بأن كثيرا من تلك القواعد مازالت تدرس لأطفالنا في مراحل التعليم الابتدائي بكل حمولاتها الفكرية والثقافية القديمة ومن ذلك قواعد النحو والصرف التي ينبغي أن تتجه نحو الوظيفية بدل المعيارية، وهذا جهد أيسر مقارنة مع الجهد المراد القيام به مع الدارجة كما بين ذلك الأستاذ العروي في لقائه التلفزي الشهير مع السيد عيوش. وإلا فلن يكون أمرا منطقيا السعي إلى بناء لغة معيارية مع الأمازيغية وبالمقابل السعي إلى هدم لغة عربية معيارية تحمل حضارة ممتدة في التاريخ والجغرافيا.