الشريف السلاوي
14-03-2015, 19:09
قراءة في كتاب: شروط النهضة لمالك بن نبي
http://feker.net/ar/wp-content/uploads/2014/04/16148053.jpg
بدأ بن نبي كتابه القيم برثاء مرحلة من تاريخ الجزائر امتدت بين 1925 إلى سنة 1936، كادت أن تُحدث فيها حركة الإصلاح التي قادها علماء الجزائر حالةً من إعادة المجتمع للسير مرة أخرى في موكب التاريخ.. فبعد أن خلعت الحركة الإصلاحية عن نفسها رداء الدروشة التي قامت في الزوايا بالتماس البركات و اقتناء الحروز، وسارت في طريق القيام بالواجبات و الاستمساك بالكرامة والتناسب والجمال في المظهر العام هادفةً إلى تغيير الإنسان و إقامة عرى نفسه المتهالكة، بعد ذلك كله يممت الحركة وجهها شطرَ السراب السياسي وعادت لترقد في فصول دروشة جديدة على موسيقى الشعارات المطربة من قبيل : إن الحقوق تؤخذ و لا تعطى.. فتحولت الحروز والتمائم إلى أوراق انتخابية و إلى حقوقٍ وأماني يتنغم بها الخيال..
خطا العلماء، مع نيتهم الطاهرة، خطوتهم الأولى نحو السراب السياسي، ونسوا أن الحكومة ما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تبعا للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه، وأن الدولة، كما يقول بورك، التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغييرات الاجتماعية لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها، وأن الحقوق ما هي إلا نتيجة حتمية للقيام بالواجبات.. نسوا كل ذلك فغربت شمس الفكرة التي تدعو إلى تغيير ما بالنفوس وظهر الصنم من جديد..
يشبّه مالك العالم الإسلامي بمريض دخل صيدلية، فيعالجه السياسي بما ظهر من أعراض أمراضه السياسية والفقيهُ بما ظهر من أعراض أمراضه العقائدية فهو يتعاطى حبة هنا ضد الجهل وقرصا هناك ضد الاستعمار ويتناول عقارا يشفي من الفقر، ولكن لا خيط ناظمَ يذهب إلى أصل الأدواء و مبعثِها ليشتغل عليه بدل الانغماس في علاج الأعراض..
ويؤكد بن نبي أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها وليس العكس، فليس واجبا لكي ننشئ حضارة أن نشتري كل منتجات حضارة أخرى فذاك ممتنع كما وكيفا، فحتى يركِّب العالم الإسلامي حضارتَه في زمانه هذا وجب عليه أن يرجع إلى تلك الصيغة التحليلية التي تصنع كل ناتج حضاري :
ناتج حضاري = إنسان + تراب (مادة) + وقت
ومعلوم أن وجود المتفاعلات غير كاف لحدوث التفاعل في الاتجاه الصحيح المراد إذ لابد من تدخل مركِّب ما يؤثر في مزج العناصر الثلاثة.. إن هذا المركِّب ليس سوى الفكرة الدينية التي رافقت تركيب كل الحضارات خلال التاريخ.. فكما كانت الفكرة الإسلامية مركِّب الحضارة الإسلامية فكذا الفكرة المسيحية مهدت الطريق لحضارة الغرب بالرغم من أن هذه الفكرة لم يُكتب لها أن تعمل و تؤثر إلا قرونا بعد ميلادها بخلاف الفكرة الإسلامية التي تزامن ميلادها و انخراطها في بناء حضارة المسلمين..
فميلاد الحضارة يبدأ بإخضاع الفكرة الدينية لغرائز الإنسان الفطري البدائي (عبر تنظيمها وليس القضاء عليها).. بعد ذلك تتطور الحضارة وتنشأ مشاكل وضرورات جديدة في مسارها كنتيجة حتمية لإشعاعها و انتشار أفكارها، فتسلك إذاك الحضارة منعطف العقل الذي يكون سلطانه على الغرائز أقل من سلطان الروح عليها.. ثم ما تلبث الغرائز أن تتحرر تترى مع انكماش الفعالية الاجتماعية للفكرة الدينية شيئا فشيئا إلى أن تصبح عاجزة عن القيام بمهمتها، إذاك يكون المجتمع قد دخل نهائيا في ليل التاريخ و تمت بذلك دورة الحضارة..
إن الإنسان قبل أن يتطلع إلى المستقبل كان لزاما عليه أن يحطم تلك الأغلال التي تكبح تقدمه و يصفي ثقافته من الأفكار البالية ومن عوامل الانحطاط، هذا ما أطلق عليه مالك بن نبي التحديد السلبي الذي يسبق التحديد الإيجابي الذي يصلنا بدوره بمقتضيات المستقبل. بعبارة أخرى، يجب على الإنسان المتخلف أن ينفك عن الثقافة السائدة في عصر الانحطاط و يرسم معالم ثقافة جديدة تحدد لها طريقا نحو التحضر.
وهُنا يشدّد مالك على الخلط الذي كثيرا ما يقع بين الثقافة و العلم، فالثقافة تعني مجموع الصفات الخلقية و القيم المجتمعية التي يُلقّاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي وُلد فيه، إنها المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه و شخصيته، إنها خصائص المجتمع التي يتساوى فيها العالم و الفلاح لأنها تعبر عن تقاليدٍ وعواطفَ واستعدادات وأذواقٍ متناسبة متكاملة في مجتمع ما. وليست الثقافة علما خاصا لطبقة من الشعب دون أخرى، فهي كالدم، يحمل كريات بيضاء و حمراء، تحمل أفكار النخبة و العامة في سائل واحد يغذي حضارة الأمة. إن الثقافة لا علاقة لها بمرض العصر، بالتعالم وامتطاء العلم للصعود إلى البرلمان أو جعله آلة للعيش.
يتبع
http://feker.net/ar/wp-content/uploads/2014/04/16148053.jpg
بدأ بن نبي كتابه القيم برثاء مرحلة من تاريخ الجزائر امتدت بين 1925 إلى سنة 1936، كادت أن تُحدث فيها حركة الإصلاح التي قادها علماء الجزائر حالةً من إعادة المجتمع للسير مرة أخرى في موكب التاريخ.. فبعد أن خلعت الحركة الإصلاحية عن نفسها رداء الدروشة التي قامت في الزوايا بالتماس البركات و اقتناء الحروز، وسارت في طريق القيام بالواجبات و الاستمساك بالكرامة والتناسب والجمال في المظهر العام هادفةً إلى تغيير الإنسان و إقامة عرى نفسه المتهالكة، بعد ذلك كله يممت الحركة وجهها شطرَ السراب السياسي وعادت لترقد في فصول دروشة جديدة على موسيقى الشعارات المطربة من قبيل : إن الحقوق تؤخذ و لا تعطى.. فتحولت الحروز والتمائم إلى أوراق انتخابية و إلى حقوقٍ وأماني يتنغم بها الخيال..
خطا العلماء، مع نيتهم الطاهرة، خطوتهم الأولى نحو السراب السياسي، ونسوا أن الحكومة ما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تبعا للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه، وأن الدولة، كما يقول بورك، التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغييرات الاجتماعية لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها، وأن الحقوق ما هي إلا نتيجة حتمية للقيام بالواجبات.. نسوا كل ذلك فغربت شمس الفكرة التي تدعو إلى تغيير ما بالنفوس وظهر الصنم من جديد..
يشبّه مالك العالم الإسلامي بمريض دخل صيدلية، فيعالجه السياسي بما ظهر من أعراض أمراضه السياسية والفقيهُ بما ظهر من أعراض أمراضه العقائدية فهو يتعاطى حبة هنا ضد الجهل وقرصا هناك ضد الاستعمار ويتناول عقارا يشفي من الفقر، ولكن لا خيط ناظمَ يذهب إلى أصل الأدواء و مبعثِها ليشتغل عليه بدل الانغماس في علاج الأعراض..
ويؤكد بن نبي أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها وليس العكس، فليس واجبا لكي ننشئ حضارة أن نشتري كل منتجات حضارة أخرى فذاك ممتنع كما وكيفا، فحتى يركِّب العالم الإسلامي حضارتَه في زمانه هذا وجب عليه أن يرجع إلى تلك الصيغة التحليلية التي تصنع كل ناتج حضاري :
ناتج حضاري = إنسان + تراب (مادة) + وقت
ومعلوم أن وجود المتفاعلات غير كاف لحدوث التفاعل في الاتجاه الصحيح المراد إذ لابد من تدخل مركِّب ما يؤثر في مزج العناصر الثلاثة.. إن هذا المركِّب ليس سوى الفكرة الدينية التي رافقت تركيب كل الحضارات خلال التاريخ.. فكما كانت الفكرة الإسلامية مركِّب الحضارة الإسلامية فكذا الفكرة المسيحية مهدت الطريق لحضارة الغرب بالرغم من أن هذه الفكرة لم يُكتب لها أن تعمل و تؤثر إلا قرونا بعد ميلادها بخلاف الفكرة الإسلامية التي تزامن ميلادها و انخراطها في بناء حضارة المسلمين..
فميلاد الحضارة يبدأ بإخضاع الفكرة الدينية لغرائز الإنسان الفطري البدائي (عبر تنظيمها وليس القضاء عليها).. بعد ذلك تتطور الحضارة وتنشأ مشاكل وضرورات جديدة في مسارها كنتيجة حتمية لإشعاعها و انتشار أفكارها، فتسلك إذاك الحضارة منعطف العقل الذي يكون سلطانه على الغرائز أقل من سلطان الروح عليها.. ثم ما تلبث الغرائز أن تتحرر تترى مع انكماش الفعالية الاجتماعية للفكرة الدينية شيئا فشيئا إلى أن تصبح عاجزة عن القيام بمهمتها، إذاك يكون المجتمع قد دخل نهائيا في ليل التاريخ و تمت بذلك دورة الحضارة..
إن الإنسان قبل أن يتطلع إلى المستقبل كان لزاما عليه أن يحطم تلك الأغلال التي تكبح تقدمه و يصفي ثقافته من الأفكار البالية ومن عوامل الانحطاط، هذا ما أطلق عليه مالك بن نبي التحديد السلبي الذي يسبق التحديد الإيجابي الذي يصلنا بدوره بمقتضيات المستقبل. بعبارة أخرى، يجب على الإنسان المتخلف أن ينفك عن الثقافة السائدة في عصر الانحطاط و يرسم معالم ثقافة جديدة تحدد لها طريقا نحو التحضر.
وهُنا يشدّد مالك على الخلط الذي كثيرا ما يقع بين الثقافة و العلم، فالثقافة تعني مجموع الصفات الخلقية و القيم المجتمعية التي يُلقّاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي وُلد فيه، إنها المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه و شخصيته، إنها خصائص المجتمع التي يتساوى فيها العالم و الفلاح لأنها تعبر عن تقاليدٍ وعواطفَ واستعدادات وأذواقٍ متناسبة متكاملة في مجتمع ما. وليست الثقافة علما خاصا لطبقة من الشعب دون أخرى، فهي كالدم، يحمل كريات بيضاء و حمراء، تحمل أفكار النخبة و العامة في سائل واحد يغذي حضارة الأمة. إن الثقافة لا علاقة لها بمرض العصر، بالتعالم وامتطاء العلم للصعود إلى البرلمان أو جعله آلة للعيش.
يتبع