nasser
10-04-2015, 21:53
إدارة نيوز :الدكتور جيلالي شبيه / الجمعة 10 أبريل 2015
http://www.idaranews.com/wp-content/uploads/2015/04/D.jilalichabih.jpg
- إني على وعي بأن هناك مصطلحات أخرى أشمل يمكن استعمالها عوض الظهائر، مثل القرارات أو الأعمال الملكية، لكن، في هذه الحالة، الظهائر الملكية أصح، لماذا ؟ لأن في جميع القضايا كان الأمر يتعلق بظهائر ملكية سواء كانت ذات صبغة تنظيمية أو فردية، باستثناء قضية مزرعة عبد العزيز (20 مارس 1970) حيث كان الطعن موجها ضد مرسوم ملكي موقع من طرف الوزير الأول بناء على تفويض التوقيع اتخذ أثناء حالة الاستثناء• لكن هذا لا يعني أني لا أستعمل خلال هذه الدراسة كلمة القرارات أو الأعمال الملكية •-إذن كل القضايا تقريبا موضوع الطعن كانت ضد أعمال ملكية متخذة في شكل ظهير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فان الظهائر الملكية تتميز بخصوصيتها في النظام القانوني المغربي • في الواقع، ﺇن مسألة الطبيعة القانونية للظهائر الملكية قد أثارت نقاشا فقهيا منذ منتصف الأربعينات بعد قضية جماعة تامسكلفت بتاريخ 4 ماي 1944 مع دولوبدير في مقاله ﺇصلاحات السلطات العمومية بالمغرب في 1948 ومع راسين في مقاله التدابير التشريعية والتنظيمية المتخذة من طرف السلطات الحاكمة بالمغرب في 1952 ومحمد لحبابي في كتابه الحكومة المغربية في فجر القرن العشرين سنة 1957 وألفيي رونار في كتابه التجربة المغربية حول وحدة المحاكم وثنائية المنازعات سنة 1964 ومع مشال روسي في مقاله تأملات في الاختصاصات الإدارية للملك من خلال الدستور المغربي لسنة 1962 وديكرو في مقاله ملك المغرب، مشرع، سنة 1967 ؛ وقد واصل النقاش فيما بعد بكل اهتمام وﺇفادة عدد من المفكرين المغاربة والأجانب المختصين في المادة الإدارية من أمثال روسي نفسه وبنجلون وبن صالح وأحمد العلمي والعنتري وبن عبد الله ومرغني و نجاسي وبن حلمة وسرحان وآخرون •
سأحاول إذن الاحاطة وبالتالي معالجة هذا الموضوع من خلال المحاور التالية : الوضعية الدستورية للملك واختصاصاته، موقف القضاء وموقف الفقه من الظهائر الملكية•
1)- المحور الأول : الوضعية الدستورية للملك واختصاصاته
ﺇن جميع الدساتير المغربية - منذ دستور 1962 إلى الدستور الحالي 2011 مرورا بدساتير 1970 و 72 و 92 و 96 - تضع المؤسسة الملكية في قمة الهرم السياسي والقضائي والإداري، فهو يسود ويحكم ويظل على هذا الأساس مبدأ فصل السلط مبدءا نسبيا؛ كما يعتبر الملك من الناحية الدستورية المدافع الأسمى عن مصالح الأمة والصائن لحقوق المواطنين أفرادا وجماعات وهيئات• تتجلى هذه الوضعية من خلال ﺇمارة المؤمنين، رئاسة الدولة، رئاسة المجلس الوزاري، القيادة الأعلى للقوات المسلحة، سواء في الحالة الاعتيادية أو في الحالة الاستثنائية، سواء على الصعيد الوطني أو على الصعيد الدولي• وعلى مستوى الاختصاصات، فالدستور يخول للملك صلاحيات هامة ومتنوعة كذلك في الحالة الاعتيادية وفي الحالة الاستثنائية، في المجال التشريعي وفي المجال التنفيذي، في المجال القضائي وفي المجال الإداري• وإذا اقتصرنا على الجانب الإداري فالدستور يخول للملك حق ممارسة الاختصاصات التي تخولها له رئاسة المجلس الوزاري كالتعيين في الوظائف المدنية السامية مثل تعيين والي بنك المغرب، والسفراء والولاة والعمال والمسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي والمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية• وحسب الدستور فالملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وله حق التعيين في الوظائف العسكرية كما له أن يفوض لغيره ممارسة هذا الحق؛ وله كذلك حق تعيين أعضاء ورئيس المحكمة الدستورية أو المجلس الدستوري سابقا، تعيين رؤساء الجامعات والعمداء والقضاة• كذلك يخول الدستور للملك صلاحية اتخاذ الإجراءات اللازمة وممارسة السلطات الاستثنائية التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية• وحتى وﺇن كان ﺇسناد السلطة التنظيمية إلى الوزير الأول بمقتضى دساتير 1962 و 1972 و 92 و 96 و 2011 – الفصل 90 منه- يظل مع ذلك مجال نشاط الظهائر الملكية، سواء ذات الصبغة التنظيمية أو الفردية، مجالا شاسعا يهم في إطار التعيين ثلاثة مجالات: التعيين بمقتضى الدستور، التعيين بمقتضى نصوص عامة والتعيين بموجب نصوص خاصة ؛ ونجد في كل هذه المجالات تعيين السفراء والولاة والعمال والقضاة وكتاب ومفتشون ومديرون عامون ومهندسون معماريون وأطباء مفتشون وبياطرة مفتشون ورؤساء الجامعات وعمداء وباشاوات وقياد ورؤساء دوائر، وحتى رئيس المجلس الجماعي
لجماعة المشور يعين بظهير وكذلك رؤساء المجالس الجماعية بعد انتخابهم بصفة نهائية يتسلمون ظهائر التقه وهي تعتبر بمثابة ظهائر تزكية ••• أما بشأن القضايا التي رفض فيها القضاء وخصوصا المجلس الأعلى الطعن على أساس المعيار الشكلي أو العضوي واعتبر مصدر الطعن – أساسا الظهائر واستثناءا مرسوم ملكي – غير صادرة عن سلطة إدارية هي كالتالي : قضية عبد الحميد روندا بتاريخ 18 يونيو 1960 ؛ قضية السيدة ماضلين بتاريخ 18 ماي 1961؛ قضية عبد الله بنسودة بتاريخ 15 يوليوز 1963 ؛ قضية رزق التجاني في 15 يوليوز 1963 ؛ قضية مزرعة عبد العزيز في 20 مارس 1970 ؛ قضية التباري بن خديم في 8 يناير 1971 ؛ قضية البهالي العمراني بتاريخ 16 فبراير 1973 ؛ قضية عبد العزيز الازموري في 6 ماي 1977 ؛ قضية أفقير مصطفى بتاريخ 26 أكتوبر 1979 ؛ قضية الحسين مصلي بتاريخ 7 دجنبر 1995 ؛ في كل هذه القضايا كان الطعن موجها ضد ظهائر ملكية، باستثناء قضية مزرعة عبد العزيز التي كان الطعن فيها موجها ضد مرسوم ملكي أثناء حالة الاستثناء ، وفي كل هذه القضايا كان دائما المجلس الأعلى يصرح بعدم اختصاصه، أو يرفض تشبيه الظهائر الملكية بالقرارات الإدارية، أو يبين أن الظهير المطعون فيه غير صادر عن سلطة إدارية •
المحور الثاني : موقف القضاء، خصوصا المجلس الأعلى، لأن الفترة موضوع الدراسة كانت الهيئة القضائية هي المجلس الأعلى وليس محكمة النقض كما جاء في دستور 2011
ميز القضاء في عهد الحماية، بكل وضوح، قبل إنشاء المجلس الأعلى بتاريخ 27 شتنبر 1957 وبالتالي قبل ظهور دعوى الإلغاء في إطار الدفع بعدم الشرعية لأن المحاكم آنذاك لم تكن لها الصلاحية في إلغاء الأعمال الإدارية، وذلك في قضية جماعة تامسكلفت، محكمة الاستئناف بالرباط، في 4 ماي 1944 أولا ، ثم في قضية أرملة كازيس ضد الدولة المغربية، محكمة النقض، الغرفة المدنية، في 3 يوليوز 1956 ثانيا، بين الظهائر القوانين ذات الصبغة التشريعية والتي تدخل في مجال دستورية القوانين والظهائر المراسيم ذات الصبغة الإدارية والتي تخضع لشرعية القوانين وبالتالي يمكن الطعن فيها أمام القضاء ؛ لكن سرعان ما عاد قضاء الاستقلال بمجرد تأسيس المجلس الأعلى إلى وحدة الظهائر وأدان – كما فعل من قبله مجلس الدولة الفرنسي – في حكم له بتاريخ 18 يونيو 1960 قضية عبد الحميد روندا نظرية التمييز بين الظهائر القوانين والظهائر المراسيم وأصبحت كل الظهائر منذ 1960 غير قابلة للطعن سواء كانت ذات صبغة تشريعية أو ﺇدارية، تنظيمية أو فردية• والغرفة الدستورية للمجلس الأعلى نفسها لم تحدد الطبيعة القانونية للظهائر الملكية واكتفت بالقول في قرار لها بتاريخ 17 أكتوبر 1980 بأن صلاحيات الملك لا تخضع لا للمجال التشريعي و لا للمجال التنظيمي •
رفض المجلس الأعلى تشبيه الظهائر الملكية بالقرارات الإدارية العادية وذلك في العديد من القضايا ورفض ﺇخضاعها لرقابة القضاء سواء بدعوى الإلغاء للشطط في استعمال السلطة (روندا، بنسودة، التجاني، الاتباري•••) أو بدعوى
التعويض، قضية الحاج كسوس بتاريخ 8 أبريل 1966 وقضية رابطة القضاة بتاريخ 25 نونبر 1980 • ومنذ دستور 1972 إلى الآن، دستور2011، أصبحت السلطة التنظيمية من اختصاص الوزير الأول أو رئيس الحكومة لكن مع ذلك فالتدابير الفردية ذات الطبيعة الإدارية أو التدابير التنظيمية الملكية تظل جد مهمة كما حددتها الدساتير المغربية، وتظل غير خاضعة لنظام الأعمال الادارية وبالتالي تخرج عن نطاق رقابة القضاء كليا سواء كانت صادرة مباشرة من الملك أو عن طريق التفويض وسواء تعلق الأمر بدعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة أو بدعوى التعويض أو بالدفع بعدم الشرعية، أي فحص شرعية القرارات الإدارية ، كيفما كانت سواء في إطار المادة الإدارية (قضية بورومي المجلس الأعلى بتاريخ 13 أبريل 1961 ؛ قضية مبارك بن إبراهيم نفس المحكمة في 21 دجنبر 1961) أو المادة المدنية أو المادة الجنائية ، وعلى هذا الاساس أصبحت القرارات الملكية تتبع نفس المسار الذي سارت عليه أعمال الحكومة• والغريب في الأمر أن أعمال الحكومة وهي في الواقع أعمال الإدارة والتي يعترف القضاء الإداري والعادي بعدم اختصاصه فيها تهم أساسا العلاقات بين الحكومة والبرلمان أو العلاقات الدبلوماسية للحكومة مع الدول الأجانب• وقد لجأ القضاء منذ 1943 إلى أعمال الحكومة في قضية منع الصيد في حالة الحصار، محكمة الرباط بتاريخ 17 فبراير 1943 وقضية ورثة فيلمان، الموظف الذي حرم من طرف الإدارة من الاستفادة من علاوة مالية قدمتها له الدولة الإسبانية، محكمة الاستئناف بالرباط، في 20 يوليوز 1953 ؛ ثم لجأ القضاء مؤخرا إلى نفس المبرر وبنى حكمه على هذا الأساس خصوصا قضية بلواد المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 8 مارس 2001 • ونجد كذلك في نفس السياق وبطريقة غير صريحة حالة أخرى من أعمال الحكومة في قضية الاتحاد الوطني لنقابات الناقلين الطرقيين بتاريخ 30 أبريل 1959 • ومجلس الدولة الفرنسي حسم في الموضوع منذ 1962 في قضية روبان دو سيرفانس عندما قال أن قرار رئيس الجمهورية بتحريك الفصل 16 في حالة الاستثناء له طابع عمل الحكومة والتدابير الرئاسية المتخذة في الحالة العادية في المجال التشريعي تعتبر من طبيعة تشريعية وتخرج عن نطاق الرقابة القضائية، أما التدابير المتخذة في المجال التنظيمي فهي من طبيعة إدارية وخاضعة للطعن أمام القضاء ؛ وحكم المجلس الأعلى الفرنسي ينطبق تماما على الفصل 35 في الدساتير المغربية السابقة، المتعلق بحالة الاستثناء• وجاء في تعليق رئيس المجلس الأعلى أحمد بحنيني أن الحصانة واجبة للظهائر الملكية ولكل مقرر ملكي سواء كان ذا صبغة تنظيمية أو فردية ( مجموعة قضاء المجلس الأعلى العدد 18 أكتوبر 1970 ومجلة المحاكم المغربية العدد 10 في 1971)• وكانت الحصانة بذلك المعنى تشمل دعوى الإلغاء ودعوى التعويض وﺇن كان الاجتهاد القضائي في أغلب الأحيان مقتصرا على مجال دعوى الإلغاء•
المحور الثالث : موقف الفقه بخصوص الطبيعة القانونية للظهائر الملكية ي الحقيقة، لقد انقسم الفقه الإداري بشأن موقف المجلس الأعلى في تحديد الطبيعة القانونية للقرارات الملكية المتخذة في المجال الإداري إلى ثلاثة أقسام : قسم معارض بكل وضوح يمثله الفقهاء ديكرو، روسي والطماوي، يرفض هذا التيار أحكام المجلس الأعلى في كل هذه القضايا السالفة الذكر بدليل أن كل قرار ذا طبيعة إدارية يكون من اختصاص القضاء الإداري والسلطة التي أصدرته سلطة إدارية •
يؤكد الأستاذ سليمان الطماوي في كتابه السلطات الثلاث أن القاضي في الأنظمة السياسية الإسلامية لا يستمد اختصاصاته من الامام أو الخليفة إلا من حيث الترسيم أو التعيين الشكلي؛ وقسم مؤيد بوضوح يمثله أحمد بحنيني، ليس كقاضي ولكن كفقيه، في رده على الفقهاء المنتقدين للحكم، بحيث نميز هنا بين حكم القاضي ورأي الفقيه؛ يقول المثل الفرنسي :
La plume est serve mais la parole est libre.
وهذا يعني أنه ممكن للقاضي أن يتحرر من منطوق الحكم في رأيه الشخصي إذا كانت هناك ضغوطات تجعله يحكم في هذا الاتجاه أو ذلك؛ غير أن بحنيني لم يتحفظ ولم يدحض ما قيل في الحكم، بل كان منطوق حكمه ينطبق مع رأيه الشخصي، نجد كذلك من بين مؤيدي موقف المجلس الأعلى الأستاذ أحمد العلمي في بحث له في المادة الإدارية يقول فيه : »وإذا كان هذا الاجتهاد يأخذ بعين الاعتبار التقاليد والأعراف المغربية فان بعض أساتذة القانون الإداري ينتقدون هذا الاجتهاد بعلة عدم تلاؤمه مع مبدأ فصل السلطات » يبدو أنه يقصد الأستاذ ميشال روسي • وقسم ثالث يؤيد الاجتهاد القضائي عندما يذهب في تأسيس حكمه على أحكام الشريعة الإسلامية ويعارضه بحجة أن القرارات الملكية إذا صدرت في المادة الإدارية تعتبر إدارية والسلطة التي أصدرتها سلطة إدارية؛ ومن ممثلي هذا الرأي نجد خصوصا عبد العزيز بنجلون، دروس في القانون الإداري، 1978 والقانون الإداري، فرنسية، الرباط، 1992، ص 68 وما بعدها؛ محمد مرغني، المبادئ العامة للقانون الإداري، الرباط، 1982، ص 126 وما بعدها؛ عبد القادر باينة، التنظيم الإداري بالمغرب، الدار البيضاء، 1991، ص 18 وما بعدها؛ مليكة الصروخ، القانون الإداري، دراسة مقارنة، الدار البيضاء، 2010، ص 88 وما بعدها•
- لكن، في اعتقادي، وبالرجوع إلى بعض المعطيات الموضوعية يمكن الخروج من هذه المواقف المتعددة بنتيجة واضحة ومعقولة تتلخص فيما يلي: يقضي الفصل الأول من ظهير 27 شتنبر 1957 المنظم للمجلس الأعلى باختصاصات المجلس بالنظر في القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية (بدون استثناء)؛ وفي رأي بحنيني (الرئيس الأول للمجلس الأعلى آنذلك) ﺇن السلطة الملكية بما اشتملت عليه من مهام الحكم كالتشريع والقضاء والإدارة وحدة لا تتجزأ ( يؤكد هنا الرأي بكل وضوح على أن الملك سلطة إدارية) ؛ من الجانب الموضوعي للأعمال الصادرة عن الملك في شكل ظهائر (مراسيم تنظيمية، قرارات فردية) فجميع الدساتير المغربية منذ 1962 و 70 و 72 و 92 و 96 و 2011 حاليا، أعطت للملك اختصاصات بطبيعتها إدارية، سواء في الحالة العادية أوفي الحالة الاستثنائية : السلطة التنظيمية في مجال الدفاع الوطني، التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية، السلطة التأديبية تجاه هؤلاء الموظفين، الرئيس المباشر للإدارة في حالة الاستثناء، بعد غياب الوزير الأول وبالتالي حتى الاختصاصات التنظيمية في المجال الإداري تنتقل إلى الملك والتي هي في الحالة الاعتيادية من اختصاص الوزير الأول؛ وحسب الفصل 353 من قانون المسطرة المدنية يبث المجلس الأعلى ما لم يصدر نص صريح بخلاف ذلك في ••• الطعون الرامية إلى إلغاء المقررات الصادرة عن السلطات الإدارية للشطط في استعمال السلطة؛ وحسب المادة 11 من قانون المحاكم الإدارية تختص محكمة الرباط الإدارية بالنظر في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للأشخاص المعينين بظهير أو بمرسوم؛ وحسب الفصل 118 من الدستور الحالي، وﺇن كان قد جاء بعد مدة، كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية المختصة؛ ﺇن هذا الفصل واضح لالبس فيه؛ وجاء في الفقه الاسلامي أنه لا يجوز أن يقلد القضاء إلا من تكاملت فيه شروطه، وشروط الاقضاء سبعة : أن يكون رجلا، وقال أبو حنيفة وابن
جرير الطبري يجوز للمرأة أن تقضي، والشرط الثاني وهو مجمع عليه أن يكون عاقلا صحيح التمييز والفطنة، والشرط الثالث أن يكون حرا، والعبد يجوز له إذا عتق أن يقضي، أن يكون مسلما وقال أبو حنيفة يجوز لغير المسلم تقليده القضاء بين أهل دينه، والشرط الخامس (وهو من الأهمية بمكان) أن يكون عادلا صادق اللهجة ظاهر الأمانة، والشرط السادس أن يكون سالم السمع والبصر وقال مالك (وهنا أنقل الماوردي) يجوز للضرير أن يقضي، والشرط السابع (وهو كذاك مجمع عليه) أن يكون عالما بالأحكام الشرعية، وأصول الأحكام في الشرع أربعة : علمه بالكتاب وبالسنة وبتأويل السلف فيما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه ليتبع الاجماع ويجتهد برأيه في الاختلاف، وعلمه بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها حتى يجد طريقا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل •
تقول القاعدة في القانون المقارن لا يمكن للملك أن يمس أحدا بسوء
Le roi ne peut mal faire
وفي نفس الاتجاه ينص الفصل 42 من الدستور الملك••• يسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات؛ وهذا إذا دل على شيء فإنما يدل على أن الظهائر الملكية لا يمكن إلا أن تكون، في إطار تراتبية القوانين ، مقيدة بكل المصادر الشرعية : الشريعة الإسلامية، الدستور، المعاهدات والاتفاقيات الدولية، القوانين والمراسيم التنظيمية والمبادئ العامة للقانون ؛ وإذا تضرر مرتفق من أعمال الإدارة خطأ، فالخطأ محتمل، كما يقول الفقه، وقد يرد أحيانا، عكس الظلم أو الشطط في استعمال السلطة الذي لا يحتمل، والخطأ يستدرك، وما اجتمعت أمتي على خطأ كما يقول الحديث شريف، أخطأ عمر وأصابت امرأة (عمر ابن الخطاب )، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل (عمر ابن الخطاب )؛ والقانون المغربي لا يعرف مبدأ عصمة الحاكم ولا حصانته ولا عدم مسؤوليته، إنما الحاكم مواطنا تربطه بالشعب رابطة البيعة ويخضع إلى رقابة الجماعة باستمرار • وأخيرا، ﺇن موقف المجلس الأعلى في كل القضايا سالفة الذكر الذي يؤكد فيه على أن الظهائر أو القرارات المطعون فيها غير صادرة عن سلطة إدارية، ونفس الشيء بالنسبة لحكم مزرعة عبد العزيز والذي جاء فيه بأن المقررات الصادرة عن الملك لا يمكن التماس إعادة النظر فيها إلا بلجوء صاحب الشأن إلى الملك على سبيل الاستعطاف طالما لم يفوض الدستور صراحة أمر البث في ذلك لغيره، يظل في النهاية مجرد تأويل خاضع لظروف تاريخية وسياسية معينة أكثر منه لشيء آخر ؛ يقول الماوردي في الأحكام السلطانية، في ولاية القضاء، وفي شروط القاضي، أن يكون عالما بأصول الشريعة الأربعة حتى يكون من أهل الاجتهاد وجاز له أن يفتي وأن يقضي وأن يستفتي ويستقضي وﺇن أخل بهذه الأصول أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد فلم يجز أن يفتي ولا أن يقضي
جلالي شبيه، أستاذ التعليم العالي، جامعة القاضي عياض، مراكش
http://www.idaranews.com/wp-content/uploads/2015/04/D.jilalichabih.jpg
- إني على وعي بأن هناك مصطلحات أخرى أشمل يمكن استعمالها عوض الظهائر، مثل القرارات أو الأعمال الملكية، لكن، في هذه الحالة، الظهائر الملكية أصح، لماذا ؟ لأن في جميع القضايا كان الأمر يتعلق بظهائر ملكية سواء كانت ذات صبغة تنظيمية أو فردية، باستثناء قضية مزرعة عبد العزيز (20 مارس 1970) حيث كان الطعن موجها ضد مرسوم ملكي موقع من طرف الوزير الأول بناء على تفويض التوقيع اتخذ أثناء حالة الاستثناء• لكن هذا لا يعني أني لا أستعمل خلال هذه الدراسة كلمة القرارات أو الأعمال الملكية •-إذن كل القضايا تقريبا موضوع الطعن كانت ضد أعمال ملكية متخذة في شكل ظهير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فان الظهائر الملكية تتميز بخصوصيتها في النظام القانوني المغربي • في الواقع، ﺇن مسألة الطبيعة القانونية للظهائر الملكية قد أثارت نقاشا فقهيا منذ منتصف الأربعينات بعد قضية جماعة تامسكلفت بتاريخ 4 ماي 1944 مع دولوبدير في مقاله ﺇصلاحات السلطات العمومية بالمغرب في 1948 ومع راسين في مقاله التدابير التشريعية والتنظيمية المتخذة من طرف السلطات الحاكمة بالمغرب في 1952 ومحمد لحبابي في كتابه الحكومة المغربية في فجر القرن العشرين سنة 1957 وألفيي رونار في كتابه التجربة المغربية حول وحدة المحاكم وثنائية المنازعات سنة 1964 ومع مشال روسي في مقاله تأملات في الاختصاصات الإدارية للملك من خلال الدستور المغربي لسنة 1962 وديكرو في مقاله ملك المغرب، مشرع، سنة 1967 ؛ وقد واصل النقاش فيما بعد بكل اهتمام وﺇفادة عدد من المفكرين المغاربة والأجانب المختصين في المادة الإدارية من أمثال روسي نفسه وبنجلون وبن صالح وأحمد العلمي والعنتري وبن عبد الله ومرغني و نجاسي وبن حلمة وسرحان وآخرون •
سأحاول إذن الاحاطة وبالتالي معالجة هذا الموضوع من خلال المحاور التالية : الوضعية الدستورية للملك واختصاصاته، موقف القضاء وموقف الفقه من الظهائر الملكية•
1)- المحور الأول : الوضعية الدستورية للملك واختصاصاته
ﺇن جميع الدساتير المغربية - منذ دستور 1962 إلى الدستور الحالي 2011 مرورا بدساتير 1970 و 72 و 92 و 96 - تضع المؤسسة الملكية في قمة الهرم السياسي والقضائي والإداري، فهو يسود ويحكم ويظل على هذا الأساس مبدأ فصل السلط مبدءا نسبيا؛ كما يعتبر الملك من الناحية الدستورية المدافع الأسمى عن مصالح الأمة والصائن لحقوق المواطنين أفرادا وجماعات وهيئات• تتجلى هذه الوضعية من خلال ﺇمارة المؤمنين، رئاسة الدولة، رئاسة المجلس الوزاري، القيادة الأعلى للقوات المسلحة، سواء في الحالة الاعتيادية أو في الحالة الاستثنائية، سواء على الصعيد الوطني أو على الصعيد الدولي• وعلى مستوى الاختصاصات، فالدستور يخول للملك صلاحيات هامة ومتنوعة كذلك في الحالة الاعتيادية وفي الحالة الاستثنائية، في المجال التشريعي وفي المجال التنفيذي، في المجال القضائي وفي المجال الإداري• وإذا اقتصرنا على الجانب الإداري فالدستور يخول للملك حق ممارسة الاختصاصات التي تخولها له رئاسة المجلس الوزاري كالتعيين في الوظائف المدنية السامية مثل تعيين والي بنك المغرب، والسفراء والولاة والعمال والمسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي والمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية• وحسب الدستور فالملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وله حق التعيين في الوظائف العسكرية كما له أن يفوض لغيره ممارسة هذا الحق؛ وله كذلك حق تعيين أعضاء ورئيس المحكمة الدستورية أو المجلس الدستوري سابقا، تعيين رؤساء الجامعات والعمداء والقضاة• كذلك يخول الدستور للملك صلاحية اتخاذ الإجراءات اللازمة وممارسة السلطات الاستثنائية التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية• وحتى وﺇن كان ﺇسناد السلطة التنظيمية إلى الوزير الأول بمقتضى دساتير 1962 و 1972 و 92 و 96 و 2011 – الفصل 90 منه- يظل مع ذلك مجال نشاط الظهائر الملكية، سواء ذات الصبغة التنظيمية أو الفردية، مجالا شاسعا يهم في إطار التعيين ثلاثة مجالات: التعيين بمقتضى الدستور، التعيين بمقتضى نصوص عامة والتعيين بموجب نصوص خاصة ؛ ونجد في كل هذه المجالات تعيين السفراء والولاة والعمال والقضاة وكتاب ومفتشون ومديرون عامون ومهندسون معماريون وأطباء مفتشون وبياطرة مفتشون ورؤساء الجامعات وعمداء وباشاوات وقياد ورؤساء دوائر، وحتى رئيس المجلس الجماعي
لجماعة المشور يعين بظهير وكذلك رؤساء المجالس الجماعية بعد انتخابهم بصفة نهائية يتسلمون ظهائر التقه وهي تعتبر بمثابة ظهائر تزكية ••• أما بشأن القضايا التي رفض فيها القضاء وخصوصا المجلس الأعلى الطعن على أساس المعيار الشكلي أو العضوي واعتبر مصدر الطعن – أساسا الظهائر واستثناءا مرسوم ملكي – غير صادرة عن سلطة إدارية هي كالتالي : قضية عبد الحميد روندا بتاريخ 18 يونيو 1960 ؛ قضية السيدة ماضلين بتاريخ 18 ماي 1961؛ قضية عبد الله بنسودة بتاريخ 15 يوليوز 1963 ؛ قضية رزق التجاني في 15 يوليوز 1963 ؛ قضية مزرعة عبد العزيز في 20 مارس 1970 ؛ قضية التباري بن خديم في 8 يناير 1971 ؛ قضية البهالي العمراني بتاريخ 16 فبراير 1973 ؛ قضية عبد العزيز الازموري في 6 ماي 1977 ؛ قضية أفقير مصطفى بتاريخ 26 أكتوبر 1979 ؛ قضية الحسين مصلي بتاريخ 7 دجنبر 1995 ؛ في كل هذه القضايا كان الطعن موجها ضد ظهائر ملكية، باستثناء قضية مزرعة عبد العزيز التي كان الطعن فيها موجها ضد مرسوم ملكي أثناء حالة الاستثناء ، وفي كل هذه القضايا كان دائما المجلس الأعلى يصرح بعدم اختصاصه، أو يرفض تشبيه الظهائر الملكية بالقرارات الإدارية، أو يبين أن الظهير المطعون فيه غير صادر عن سلطة إدارية •
المحور الثاني : موقف القضاء، خصوصا المجلس الأعلى، لأن الفترة موضوع الدراسة كانت الهيئة القضائية هي المجلس الأعلى وليس محكمة النقض كما جاء في دستور 2011
ميز القضاء في عهد الحماية، بكل وضوح، قبل إنشاء المجلس الأعلى بتاريخ 27 شتنبر 1957 وبالتالي قبل ظهور دعوى الإلغاء في إطار الدفع بعدم الشرعية لأن المحاكم آنذاك لم تكن لها الصلاحية في إلغاء الأعمال الإدارية، وذلك في قضية جماعة تامسكلفت، محكمة الاستئناف بالرباط، في 4 ماي 1944 أولا ، ثم في قضية أرملة كازيس ضد الدولة المغربية، محكمة النقض، الغرفة المدنية، في 3 يوليوز 1956 ثانيا، بين الظهائر القوانين ذات الصبغة التشريعية والتي تدخل في مجال دستورية القوانين والظهائر المراسيم ذات الصبغة الإدارية والتي تخضع لشرعية القوانين وبالتالي يمكن الطعن فيها أمام القضاء ؛ لكن سرعان ما عاد قضاء الاستقلال بمجرد تأسيس المجلس الأعلى إلى وحدة الظهائر وأدان – كما فعل من قبله مجلس الدولة الفرنسي – في حكم له بتاريخ 18 يونيو 1960 قضية عبد الحميد روندا نظرية التمييز بين الظهائر القوانين والظهائر المراسيم وأصبحت كل الظهائر منذ 1960 غير قابلة للطعن سواء كانت ذات صبغة تشريعية أو ﺇدارية، تنظيمية أو فردية• والغرفة الدستورية للمجلس الأعلى نفسها لم تحدد الطبيعة القانونية للظهائر الملكية واكتفت بالقول في قرار لها بتاريخ 17 أكتوبر 1980 بأن صلاحيات الملك لا تخضع لا للمجال التشريعي و لا للمجال التنظيمي •
رفض المجلس الأعلى تشبيه الظهائر الملكية بالقرارات الإدارية العادية وذلك في العديد من القضايا ورفض ﺇخضاعها لرقابة القضاء سواء بدعوى الإلغاء للشطط في استعمال السلطة (روندا، بنسودة، التجاني، الاتباري•••) أو بدعوى
التعويض، قضية الحاج كسوس بتاريخ 8 أبريل 1966 وقضية رابطة القضاة بتاريخ 25 نونبر 1980 • ومنذ دستور 1972 إلى الآن، دستور2011، أصبحت السلطة التنظيمية من اختصاص الوزير الأول أو رئيس الحكومة لكن مع ذلك فالتدابير الفردية ذات الطبيعة الإدارية أو التدابير التنظيمية الملكية تظل جد مهمة كما حددتها الدساتير المغربية، وتظل غير خاضعة لنظام الأعمال الادارية وبالتالي تخرج عن نطاق رقابة القضاء كليا سواء كانت صادرة مباشرة من الملك أو عن طريق التفويض وسواء تعلق الأمر بدعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة أو بدعوى التعويض أو بالدفع بعدم الشرعية، أي فحص شرعية القرارات الإدارية ، كيفما كانت سواء في إطار المادة الإدارية (قضية بورومي المجلس الأعلى بتاريخ 13 أبريل 1961 ؛ قضية مبارك بن إبراهيم نفس المحكمة في 21 دجنبر 1961) أو المادة المدنية أو المادة الجنائية ، وعلى هذا الاساس أصبحت القرارات الملكية تتبع نفس المسار الذي سارت عليه أعمال الحكومة• والغريب في الأمر أن أعمال الحكومة وهي في الواقع أعمال الإدارة والتي يعترف القضاء الإداري والعادي بعدم اختصاصه فيها تهم أساسا العلاقات بين الحكومة والبرلمان أو العلاقات الدبلوماسية للحكومة مع الدول الأجانب• وقد لجأ القضاء منذ 1943 إلى أعمال الحكومة في قضية منع الصيد في حالة الحصار، محكمة الرباط بتاريخ 17 فبراير 1943 وقضية ورثة فيلمان، الموظف الذي حرم من طرف الإدارة من الاستفادة من علاوة مالية قدمتها له الدولة الإسبانية، محكمة الاستئناف بالرباط، في 20 يوليوز 1953 ؛ ثم لجأ القضاء مؤخرا إلى نفس المبرر وبنى حكمه على هذا الأساس خصوصا قضية بلواد المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 8 مارس 2001 • ونجد كذلك في نفس السياق وبطريقة غير صريحة حالة أخرى من أعمال الحكومة في قضية الاتحاد الوطني لنقابات الناقلين الطرقيين بتاريخ 30 أبريل 1959 • ومجلس الدولة الفرنسي حسم في الموضوع منذ 1962 في قضية روبان دو سيرفانس عندما قال أن قرار رئيس الجمهورية بتحريك الفصل 16 في حالة الاستثناء له طابع عمل الحكومة والتدابير الرئاسية المتخذة في الحالة العادية في المجال التشريعي تعتبر من طبيعة تشريعية وتخرج عن نطاق الرقابة القضائية، أما التدابير المتخذة في المجال التنظيمي فهي من طبيعة إدارية وخاضعة للطعن أمام القضاء ؛ وحكم المجلس الأعلى الفرنسي ينطبق تماما على الفصل 35 في الدساتير المغربية السابقة، المتعلق بحالة الاستثناء• وجاء في تعليق رئيس المجلس الأعلى أحمد بحنيني أن الحصانة واجبة للظهائر الملكية ولكل مقرر ملكي سواء كان ذا صبغة تنظيمية أو فردية ( مجموعة قضاء المجلس الأعلى العدد 18 أكتوبر 1970 ومجلة المحاكم المغربية العدد 10 في 1971)• وكانت الحصانة بذلك المعنى تشمل دعوى الإلغاء ودعوى التعويض وﺇن كان الاجتهاد القضائي في أغلب الأحيان مقتصرا على مجال دعوى الإلغاء•
المحور الثالث : موقف الفقه بخصوص الطبيعة القانونية للظهائر الملكية ي الحقيقة، لقد انقسم الفقه الإداري بشأن موقف المجلس الأعلى في تحديد الطبيعة القانونية للقرارات الملكية المتخذة في المجال الإداري إلى ثلاثة أقسام : قسم معارض بكل وضوح يمثله الفقهاء ديكرو، روسي والطماوي، يرفض هذا التيار أحكام المجلس الأعلى في كل هذه القضايا السالفة الذكر بدليل أن كل قرار ذا طبيعة إدارية يكون من اختصاص القضاء الإداري والسلطة التي أصدرته سلطة إدارية •
يؤكد الأستاذ سليمان الطماوي في كتابه السلطات الثلاث أن القاضي في الأنظمة السياسية الإسلامية لا يستمد اختصاصاته من الامام أو الخليفة إلا من حيث الترسيم أو التعيين الشكلي؛ وقسم مؤيد بوضوح يمثله أحمد بحنيني، ليس كقاضي ولكن كفقيه، في رده على الفقهاء المنتقدين للحكم، بحيث نميز هنا بين حكم القاضي ورأي الفقيه؛ يقول المثل الفرنسي :
La plume est serve mais la parole est libre.
وهذا يعني أنه ممكن للقاضي أن يتحرر من منطوق الحكم في رأيه الشخصي إذا كانت هناك ضغوطات تجعله يحكم في هذا الاتجاه أو ذلك؛ غير أن بحنيني لم يتحفظ ولم يدحض ما قيل في الحكم، بل كان منطوق حكمه ينطبق مع رأيه الشخصي، نجد كذلك من بين مؤيدي موقف المجلس الأعلى الأستاذ أحمد العلمي في بحث له في المادة الإدارية يقول فيه : »وإذا كان هذا الاجتهاد يأخذ بعين الاعتبار التقاليد والأعراف المغربية فان بعض أساتذة القانون الإداري ينتقدون هذا الاجتهاد بعلة عدم تلاؤمه مع مبدأ فصل السلطات » يبدو أنه يقصد الأستاذ ميشال روسي • وقسم ثالث يؤيد الاجتهاد القضائي عندما يذهب في تأسيس حكمه على أحكام الشريعة الإسلامية ويعارضه بحجة أن القرارات الملكية إذا صدرت في المادة الإدارية تعتبر إدارية والسلطة التي أصدرتها سلطة إدارية؛ ومن ممثلي هذا الرأي نجد خصوصا عبد العزيز بنجلون، دروس في القانون الإداري، 1978 والقانون الإداري، فرنسية، الرباط، 1992، ص 68 وما بعدها؛ محمد مرغني، المبادئ العامة للقانون الإداري، الرباط، 1982، ص 126 وما بعدها؛ عبد القادر باينة، التنظيم الإداري بالمغرب، الدار البيضاء، 1991، ص 18 وما بعدها؛ مليكة الصروخ، القانون الإداري، دراسة مقارنة، الدار البيضاء، 2010، ص 88 وما بعدها•
- لكن، في اعتقادي، وبالرجوع إلى بعض المعطيات الموضوعية يمكن الخروج من هذه المواقف المتعددة بنتيجة واضحة ومعقولة تتلخص فيما يلي: يقضي الفصل الأول من ظهير 27 شتنبر 1957 المنظم للمجلس الأعلى باختصاصات المجلس بالنظر في القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية (بدون استثناء)؛ وفي رأي بحنيني (الرئيس الأول للمجلس الأعلى آنذلك) ﺇن السلطة الملكية بما اشتملت عليه من مهام الحكم كالتشريع والقضاء والإدارة وحدة لا تتجزأ ( يؤكد هنا الرأي بكل وضوح على أن الملك سلطة إدارية) ؛ من الجانب الموضوعي للأعمال الصادرة عن الملك في شكل ظهائر (مراسيم تنظيمية، قرارات فردية) فجميع الدساتير المغربية منذ 1962 و 70 و 72 و 92 و 96 و 2011 حاليا، أعطت للملك اختصاصات بطبيعتها إدارية، سواء في الحالة العادية أوفي الحالة الاستثنائية : السلطة التنظيمية في مجال الدفاع الوطني، التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية، السلطة التأديبية تجاه هؤلاء الموظفين، الرئيس المباشر للإدارة في حالة الاستثناء، بعد غياب الوزير الأول وبالتالي حتى الاختصاصات التنظيمية في المجال الإداري تنتقل إلى الملك والتي هي في الحالة الاعتيادية من اختصاص الوزير الأول؛ وحسب الفصل 353 من قانون المسطرة المدنية يبث المجلس الأعلى ما لم يصدر نص صريح بخلاف ذلك في ••• الطعون الرامية إلى إلغاء المقررات الصادرة عن السلطات الإدارية للشطط في استعمال السلطة؛ وحسب المادة 11 من قانون المحاكم الإدارية تختص محكمة الرباط الإدارية بالنظر في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للأشخاص المعينين بظهير أو بمرسوم؛ وحسب الفصل 118 من الدستور الحالي، وﺇن كان قد جاء بعد مدة، كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية المختصة؛ ﺇن هذا الفصل واضح لالبس فيه؛ وجاء في الفقه الاسلامي أنه لا يجوز أن يقلد القضاء إلا من تكاملت فيه شروطه، وشروط الاقضاء سبعة : أن يكون رجلا، وقال أبو حنيفة وابن
جرير الطبري يجوز للمرأة أن تقضي، والشرط الثاني وهو مجمع عليه أن يكون عاقلا صحيح التمييز والفطنة، والشرط الثالث أن يكون حرا، والعبد يجوز له إذا عتق أن يقضي، أن يكون مسلما وقال أبو حنيفة يجوز لغير المسلم تقليده القضاء بين أهل دينه، والشرط الخامس (وهو من الأهمية بمكان) أن يكون عادلا صادق اللهجة ظاهر الأمانة، والشرط السادس أن يكون سالم السمع والبصر وقال مالك (وهنا أنقل الماوردي) يجوز للضرير أن يقضي، والشرط السابع (وهو كذاك مجمع عليه) أن يكون عالما بالأحكام الشرعية، وأصول الأحكام في الشرع أربعة : علمه بالكتاب وبالسنة وبتأويل السلف فيما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه ليتبع الاجماع ويجتهد برأيه في الاختلاف، وعلمه بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها حتى يجد طريقا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل •
تقول القاعدة في القانون المقارن لا يمكن للملك أن يمس أحدا بسوء
Le roi ne peut mal faire
وفي نفس الاتجاه ينص الفصل 42 من الدستور الملك••• يسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات؛ وهذا إذا دل على شيء فإنما يدل على أن الظهائر الملكية لا يمكن إلا أن تكون، في إطار تراتبية القوانين ، مقيدة بكل المصادر الشرعية : الشريعة الإسلامية، الدستور، المعاهدات والاتفاقيات الدولية، القوانين والمراسيم التنظيمية والمبادئ العامة للقانون ؛ وإذا تضرر مرتفق من أعمال الإدارة خطأ، فالخطأ محتمل، كما يقول الفقه، وقد يرد أحيانا، عكس الظلم أو الشطط في استعمال السلطة الذي لا يحتمل، والخطأ يستدرك، وما اجتمعت أمتي على خطأ كما يقول الحديث شريف، أخطأ عمر وأصابت امرأة (عمر ابن الخطاب )، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل (عمر ابن الخطاب )؛ والقانون المغربي لا يعرف مبدأ عصمة الحاكم ولا حصانته ولا عدم مسؤوليته، إنما الحاكم مواطنا تربطه بالشعب رابطة البيعة ويخضع إلى رقابة الجماعة باستمرار • وأخيرا، ﺇن موقف المجلس الأعلى في كل القضايا سالفة الذكر الذي يؤكد فيه على أن الظهائر أو القرارات المطعون فيها غير صادرة عن سلطة إدارية، ونفس الشيء بالنسبة لحكم مزرعة عبد العزيز والذي جاء فيه بأن المقررات الصادرة عن الملك لا يمكن التماس إعادة النظر فيها إلا بلجوء صاحب الشأن إلى الملك على سبيل الاستعطاف طالما لم يفوض الدستور صراحة أمر البث في ذلك لغيره، يظل في النهاية مجرد تأويل خاضع لظروف تاريخية وسياسية معينة أكثر منه لشيء آخر ؛ يقول الماوردي في الأحكام السلطانية، في ولاية القضاء، وفي شروط القاضي، أن يكون عالما بأصول الشريعة الأربعة حتى يكون من أهل الاجتهاد وجاز له أن يفتي وأن يقضي وأن يستفتي ويستقضي وﺇن أخل بهذه الأصول أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد فلم يجز أن يفتي ولا أن يقضي
جلالي شبيه، أستاذ التعليم العالي، جامعة القاضي عياض، مراكش