المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكريات أستاذ في الجبال


أبو أحمد بوركع
14-09-2016, 14:25
ذكريات أستاذ في الجبال
الذكرى الأولى :
حينما تم تعييني سنة 2004 في مديرية ورزازات و بعد مهاتفتي لأكاديمية سوس-ماسة-درعة آنذاك تم إعطائي رقم هاتف مديرية مدينة السينما....و ظنا مني أن كل موظفي الوزارة بشوشون ، اتصلت بهم عبر الهاتف الذي رن طويلا قبل أن يجيبني صوت خشن بارد يوحي بأن صاحبه مستاء من الإجابة :
- '' آلووو.....''
- '' السلام عليكم آسيدي ''
- '' سلام.....نعام ؟''
- '' واش النيابة د ورزازات هاذي ؟''
- '' شخاصك ؟''
- '' بغيت نعرف عافاك إيمتا يمكن لينا نعمرو الجماعات ''
- '' من غدا.....''
- '' أنا آسيدي عاد جبت خبار النتائج واش ممكن نكلس حتا لجمعة و نجي نعمر ؟؟ ''
- '' جلس نتا حتا ثنين كاع و يلا ما بغيتي تجي كاع لا تجي .....'' طيط طيط طيط........
- '' آلوووو ......آلووووو......'' يتبع
محمد بوركع خريج كلميم 2004

أبو أحمد بوركع
14-09-2016, 14:26
الذكرى الثانية :
بعد علمنا بصدور نتائج المؤسسات بمديرية ورزازات ، قمنا بحزم حقائبنا الكبيرة المملؤة بالأواني و الفراش ، كنا 9 أساتذة من نفس المركز ، أربعة منا عُينوا بزاكورة و كان لزاما علينا امتطاء نفس الحافلة التي تربط كلميم بورزازات '' نقل بوكافر transport bougafr '' ....انطلقت الحافلة من كلميم على الساعة السادسة و الربع مساء نحو مجهول ينتظرنا ، لم نكن نعرف حينها أماكن تعييننا و رغم تخوفنا كنا نشيطين في الحافلة ، نتبادل المستملحات ولم نكن ندري حينها أنها آخر ليلة سنجتمع فيها....بعد مرور الحافلة من قرية أساكي حيث تناولنا العشاء على الساعة الواحدة صباحا ، بدأ الركاب ينامون شيئا فشيئا فلم نعد نسمع في الحافلة سوى همسات ثنائية أو ثلاثية بيننا أو صوت موسيقى خافت للمرحوم رويشة التي اكتشفت فيما بعد أنها أنيس السائق موحا كل ليلة . بعد مرورنا من تازناخت ، تفاجأنا بصياح زميل لنا اسمه خالد : '' آفيقوووو آدراري .....آباباباب.....شوفو شوفو ضواو فين لاصقين فجبال......و هاذشي باقي ما وصلنا الفرعية .....غدا تفرحو ....... آباباباباب......'' انفجرنا بالضحك رغم أن الخوف بدأ يسري فينا..... وصلنا إلى ورزازات على الساعة الخامسة صباحا و جلسنا في مقهى في شارع الحزام قرب المحطة ، أربعة منا سافروا نحو زاكورة و بقينا نحن نتبادل أطراف الحديث في انتظار موظفي النيابة الذين لم يلتحقوا آنذاك قبل التاسعة صباحا ، توصلنا بتعييناتنا الخمس ، أنا و زميلي سعيد تم تعييننا في نفس المؤسسة '' م.م أمزري '' و أتذكر جيدا رئيس مصلحة الموارد البشرية الذي تعامل معنا كالغنم ، فتارة يصيح في وجه أستاذ ، و أخرى يهدد قائلا '' يلاه سيرو لمقرات العمل ديالكم راه الخدمة من ليوم محسوبة ......اش تادير نتا هنا ؟؟ خديتي التعيين ايوا خرج .......'' و الذين اشتغلوا في نيابة ورزازات يعرفون جيدا عن من أتحدث....خرجت و زميلي خارج النيابة فوجدنا أساتذة سألناهم عن م/م أمزري ، نظر إلينا أحدهم مليا ثم قال : '' الله يحسن عوانكم ....نجيكم من لخَّرْ.... وياكم من فرعية سميتها إشباكن .....سيرو لسكورة راه اليوم السوق و غا تلقاو اللي يديكم .....''
يتبع محمد بوركع خريج كلميم 2004

أبو أحمد بوركع
14-09-2016, 14:26
الذكرى الثالثة :
توجهنا أنا و زميلي سعيد نحو محطة ورزازات ، و قد كنا في شهر رمضان ، نبحث عن سيارات النقل في اتجاه سكورة ، المحطة كانت مليئة بمجموعة كبيرة من الشابات و الشبان في مقتبل العمر ، براعم و زهرات لم تكن تُدرك حينها أنها ستذبل بمجرد وصولها مقر العمل.....نصف ساعة كانت كافية للوصول لسكورة ، و هناك بدأنا نكتشف أننا مقبلون على توديع الحضارة ، ....سألنا عن دوار أمزري فوجدنا وسيلة نقلنا كأنها تنتظرنا ، إنها ال 207 و ما أدراك ما ال 207، تعرفنا حينها على أستاذين قديمين في نفس المجموعة المدرسية لن أنساهما ما حييت لأن أحدهما طيب و الآخر شارك صاحب السيارة في استغلالنا ، فبدل نقلنا ب 30 درهم المتعارف عليها ، طلب منا السائق ( الذي شاءت الأقدار أن يحتاجني يوما ) 80 درهما للفرد !!! و كل هذا أمام أنظار الأستاذ الذي اكتشفنا فيما بعد انتهازيته.......امتطينا ال 207 ، زميلي سعيد كان محظوظا حيث وجد مقعدا في حين جلست فوق أكياس الدقيق رفقة قرويين كثر لا أفقه في كلامهم سوى آغروم ....أحدهم يتقن الدارجة ، تجاذبنا أطراف الحديث :
- '' منين أنتوما ؟ ''
- '' أنا من كلميم و صاحبي من بويزكارن ''
- '' الناس ديال تماك الله يعمرها دار .....''
- '' شحال اسيدي ديال الطريق تابعانا ؟ ''
- '' واحد ساعتين ، ولا ساعتين و ربع ... ''
أحسست ببعض الارتياح مردفا : '' هي قريب الحال ؟؟؟ ''
- '' ما بعيدش بزاف ، الوالدين باقي حيين ؟؟ ''
- '' شحال من كيلومتر ؟؟ ''
- '' تكون واحد 4 كيلومتر ''
بعد هذا الجواب ، التزمت الصمت لأنني أدركت حينها أن مخاطبي يجيب دون علم ....وصلنا قرية اسمها توندوت ( إمغران) ، كانت مليئة بسيارات 207 أغلبها أبيض اللون ، لكل واحدة اتجاهها .....خلال سفرنا هذا مررنا بدواوير عديدة و كل مرة أطلب الله أن يكون هو الدوار المقصود...بعد ولوجنا الطريق غير المعبدة ، بدأ اليأس يدب في نفسي و ضاق صدري بعد رؤيتي للجبال الحمراء التي ولجناها كأننا داخلون لقلب وحش كبير ، و قد اكتشفت فيما بعد أن اسم الجماعة هو إمي نولاون أي '' فم القلوب '' ....وصلنا نصف الطريق بعد ساعتين من الزمن ، توقفنا عند عين جبلية يسيل منها ماء بارد و نقي لم نستطع شربه لأننا كنا صائمين....أخرجت هاتفي لأتصل بالأهل من أجل إخبارهم أن تعييني في الجبال ، لكني اكتشفت أنني ارتكبت أكبر خطأ........
يتبع
محمد بوركع خريج كلميم 2004
https://www.facebook.com/medox.bourguaa

أبو أحمد بوركع
14-09-2016, 14:27
الذكرى الرابعة :
أكبر خطأ ارتكبت يوم سفري نحو مقر العمل هو عدم الاتصال بأهلي قبل ولوج إمي نولاون لأنني لم أظن يوما أن في المغرب منطقة بدون تغطية هاتفية ، سألت شيخا كان جالسا بجانبي و على وجهه تجاعيد تؤرخ لكدح طويل في سبيل لقمة العيش فأجابني بجملة : '' والو الريزو ، والو الضو ولايني إيلا آمان ''.....بعد صعودنا قمة '' تيزي نولاون '' ، تنفس محرك السيارة الصعداء و زاد خوفنا من المجهول... ظهر لي دوار بعيد جدا، إنه أمزري الذي وصلناه بعد أربع ساعات من سكورة . منازل طينية متناسقة، بناية حمراء اللون وسط الدوار كأنها عروس بين صديقاتها، إنها المركزية....اقترب آذان المغرب ونحن متوجهان نحو المؤسسة بعدما اكتشفنا أننا آخر من التحق و هي وضعية لا يعرفها سوى الضالعون في شؤون العالم القروي ، وجدنا السيد المدير أمام المؤسسة يعد الدقائق و الثواني في انتظار ساعة الفطور ، تفاجأ بوجودنا و أخبرنا أن زملاء لنا يوجدون هنا في منزل اكتروه و أننا سنشتغل في فرعية '' إشباكن '' ، أبعد فرعية و أشهرها قساوة في ورزازات ، و أن زميلا لنا ينتظرنا للتوجه نحو الوحدة المدرسية. توجهنا نحو مسكنهم فوجدنا شبابا لا زالت آثار الصدمة بادية على وجوههم. أغلبهم قادم من بني ملال....تبادلنا التساؤلات و الأجوبة حولنا و حول مصيرنا بهذه الأرض التي شاءت الأقدار أن نشتغل فيها....اشتركنا فطورا و سحورا بسيطين ممزوجين بالحزن و الألم خصوصا نحن الثلاثة الذين لا زالت امامنا مسافة طويلة سيرا على الأقدام ....استيقظنا في اليوم الموالي باكرا لنجد المدير ينتظرنا بسجلات الغياب و الطباشير ، بحثنا عن وسيلة نقل لأمتعتنا فلم نجد سوى بغلا و حمارا أغرق صاحبهما ظهريهما بالحقائب . انطلقنا نحو المجهول مرة أخرى لكن هذه المرة سيرا على الأقدام بمحاداة وادي تساوت النابع من جبال تاركديدت في اتجاه الحدود بين ورزازات و أزيلال ، 10 كيلومترات قطعناها في مدة ساعتين قضيتها في تخيل ما ينتظرنا....وصلنا '' إشباكن '' قرية معلقة بين الجبال ، منازلها متلاصقة بسبب ضيق الأرض المستوية ...سمعت صوت طفل صغير يصيح من الأعلى :'' ها لموعليم يوشكاد .....'' ثم صوت آخر : '' كْرادْ آيلان ''...فجأة، ظهرت لنا مجموعة من الأطفال قادمة نحونا في تسابق لمعرفة الوافدين عليهم، صاحب الدواب أخبرهم أننا المعلمون الجدد...أول شخص راشد وجدناه هو '' السي الحسين '' الذي قال لنا بعدما علم أن اثنان منا لا يتقنان الأمازيغية:'' وقتما خاصكم شي حاجة انا موجود ، قريو لينا غي ولادنا .....'' كلام حمل في طياته الكثير من الأسرار التي اكتشفناها فيما بعد .... توجهنا نحو المدرسة، ثلاث قاعات بدون سور...دققنا النظر بحثا عن السكن الوظيفي فلم نجده، سألنا عن منازل الكراء و هنا كانت الصدمة قوية لتبدأ معاناة جديدة ......
يتبع محمد بوركع خريج كلميم 2004
https://www.facebook.com/medox.bourguaa

أبو أحمد بوركع
14-09-2016, 14:28
الذكرى الخامسة :
أكبر مشكل يمكن لأستاذ جديد أن يواجهه هو السكن و هذا ما وقع لنا نحن الثلاثة القادمون من المدينة نحو جبال '' إشباكن '' ....لم يكن هناك سكن وظيفي و لا منزل للكراء ، فسكان الدوار كانوا يرفضون حينها أن يقطن أي غريب بينهم و السبب هم أساتذة شوهوا سمعة القطاع بتصرفات لا مسؤولة جعلت الساكنة تكره كل من له علاقة بالمعلمين....كنا في شهر رمضان الكريم. اتخذنا قرارا بأن نقطن قاعة لا زلت أذكر رسومات حائطية كبيرة لحيوانات أليفة و أطفال عندما يحين وقت النوم كنت أتخيلها تتحرك ....افترشنا حصيرا يائسا فوق أرضية مليئة بحفر كبيرة ، كان نصف القاعة للمعيشة و النصف الآخر للدروس ....لا كهرباء، لا تغطية هاتفية و لا مرافق صحية...لقضاء حاجتنا كان الخلاء ملجأنا في الليل ، و أي خلاء فأينما حللت هناك عيون تراقب ....كنا نصوم النهار و نفطر على تمرات يابسات و حساء ليس كحساء أمي....بدل الخبز نأكل كعكا جلبناه......الحصص الأولى مع التلاميذ كانت كافية لمعرفة ما سيصعب مهمتنا. كنت أدرس اللغة الفرنسية لقسمين مشتركين ( 3+4) و ( 5+6) ، ظننت في البداية أن للتلاميذ مكتسبات سابقة فطرحت السؤال على كل تلميذ من المستويين الخامس و السادس : Comment tu t’appelles ? فكانت الإجابات نظرات بائسة و ابتسامة خجل أطفأت حماسي ... زميلي سعيد كان يدرس اللغة العربية لم يكن أوفر حظا مني....خيبات أمل متتالية...
سكنا القسم لأسبوع كامل ...بدأ سكان الدوار يتقربون إلينا، استغربنا في البداية لكن '' عندما ظهر السبب ، بطل العجب '' ، فتلاميذ المؤسسة حكوا لآبائهم عنا و عن عملنا و تعاملنا معهم .....لانت قلوبهم ، فأصبح الخبز و البيض يأتينا من حيث لا ندري... بحثوا لنا عن منزل لنكتريه ، لم نجد سوى منزلا قديما لم يرد صاحبه كراءه إلا بعد تدخل من '' السي الحسين '' الذي ذكرته في الحلقة الرابعة ، كبير الدوار و كلمته مسموعة ...كان مسكنا من الطوب يتكون من غرفتين صالحتين و ثالثة مخيفة اتخذناها مطبخا....كانت فرحتنا لا توصف و نمنا في الليلة الأولى نوما عميقا كأننا مساجين تذوقوا طعم الحرية.....
اقترب عيد الفطر و اقتربت معه عطلته ، سألنا عن كيفية تنقلنا نحو ورزازات فأخبرنا السكان أن أفضل طريق لنا هو السفر نحو " دمنات " لأنهم كانوا يَتسوَّقون هناك كل سبت و أحد...و كانت في الدوار سيارة 207 وحيدة لا مناص لنا منها.... يوما قبل سفرنا ، تفاجأنا بحضور أساتذة المركزية الذين جاؤوا سيرا على أقدامهم .....كانوا 5 أساتذة....أتينا ليلتها على الأخضر و اليابس من بقايا الطعام، لا زلت أتذكر قِدْرا متوسط الحجم ملأناه عن آخره بالثريد، و لا زلنا اليوم نتذكر جميعا مصطلح " الكدرة lguedra " بسبب ذلك.....كنا في غمرة فرحنا ، تذكرت حينها قول أستاذ مكون في مركز كلميم : " للمعلم فرحتان ، فرحة عند العطلة و أخرى عند مسك الماهية " ...ضحكنا لم يدم طويلا ، صوت مرعب كان كافيا ليخيم الحزن مرة أخرى و تلك قصة أخرى ....
يتبع
محمد بوركع خريج كلميم 2004
https://www.facebook.com/medox.bourguaa

أبو أحمد بوركع
14-09-2016, 14:29
الذكرى السادسة :
من بين مخاوف كل أستاذ في العالم القروي ، ضياع ثانية واحدة من عطلته...كنا نحزم حقائبنا الظهرية و فرحتنا لا توصف و لا يعرف حلاوتها سوى الذين عاشوا نفس الظروف، كيف لا و نحن غائبون عن أهلنا لأول مرة لم نسمع منهم و لا عنهم و قد علمت فيما بعد أن والدتي لم تكن تنام الليل و لا النهار لأن أخباري انقطعت عنها لمدة 18 يوما رغما أن زميلا لي أخبرها أنني أشتغل في منطقة جبلية نائية وسط جبال ورزازات.....فجأة، انفجرت السماء رعدا و برقا ، لأول مرة أسمع صوته قريبا من رأسي كأن الرصاص ينفجر قرب أذني....سرعان ما هطل مطر قطراته أسمن و أثقل مما ألفته ، بَرَدٌ أكبر من بيض الحمام يتساقط محدثا صوتا قويا كأنه نداء استغاثة من أشجار الجوز الكثيفة ، أحجار تتساقط وسط الشُعب اختلط علينا صوتها مع هزيم الرعد...استمرت الحالة لمدة ساعة تقريبا....ظننا أنها سحابة عابرة لكننا لم ندرك حينها أن الطريق غير المعبدة التي تفصل '' إشباكن '' عن الطريق الجهوية بين دمنات و ورزازات تلاشت ملامح مقاطع منها بحكم تواجدها محادية لواد تساوت دائم الجريان...أخبرنا '' عبد الله '' صاحب السيارة الكبيرة 207 أن نستعد رغم ذلك ...لم ننم ليلتها ، كنا نعد الدقائق و الثواني في انتظار وجبة السحور التي لم تكن سوى كعكا و شايا. بعد صلاة الفجر ، توجهنا نحو السيارة فإذا بالراكبين معنا يحملون فؤوسا و معاول ليُصلحوا ما دمرته السيول. سألنا عن طول الطريق غير المعبدة فقيل لنا أنها لا تتعدى 12 كيلومترا...جواب قد يظنه المرء مريحا لكن أصحاب التجارب يدركون جيدا ما يعنيه فقد قطعنا تلك المسافة في ظرف 10 ساعات تقريبا...كرهنا خلالها اليوم الذي ترشحنا فيه لمباراة ولوج مركز تكوين المعلمين و المعلمات...مررنا بدواوير مخيفة ( أيت حمزة ، إغرم فاخور ، أيت علي ن إيطو ، إيفولو ) لنصل إلى الطريق المعبدة ، و كم كنا مسرورين عندما شاهدنا أول مظهر لها قنطرة أيت علا ( توفغين )....لا زالت أمامنا 80 كيلومترا أخرى كلها مسالك جبلية وعرة.......غربت الشمس و حان وقت الإفطار لحظة ولوجنا دوارا '' أيت تامليل '' الذي توجد به دكاكين مغلقة و أهله أوصدوا أبوابهم مستمتعين بما لذ و طاب ، أخرج السائق '' السي عبد الله '' كيسا صغيرا به تمرات يابسات وزعها علينا طالبا منا الصبر إلى حين وصولنا '' دمنات ''....خيرُ ما فعلته ، النوم لأنه أفضل وسيلة للنسيان...سمعت صوت زميل لي يوقظني بعد ساعتين . فتحت عيني لأجد كل الزملاء منهمكين في تشغيل هواتفهم التي لم تكن ذكية آنذاك...شغلته بدوري لأهاتف أهلي و كم كانت فرحتهم كبيرة بسماعي صوتي ...'' دمنات '' أقدم من '' مراكش '' لكنها لم تكن تحمل من مقومات المدينة سوى الكهرباء و الطرق المعبدة القليلة غير أن مطاعمها التقليدية تقدم أشهى و أروع الأطباق، و فيها فندق '' الزيتون'' معروف برواده الأساتذة و صاحبه '' السي حسن '' كان ظريفا جدا يتعامل معهم كأنهم إخوته ، الذين اشتغلوا بدواوير دمنات التابعة لمديرية أزيلال خلال الفترة 2004 – 2009 سيعرفونه....إفطارنا كان شهيا، كان كل شيء يُسيل لعابنا. المحطة الطرقية خالية من الحافلات...بحثنا عن سيارة أجرة قلتنا نحو المدينة الحمراء '' مراكش '' ، وهنا أحسست براحة عجيبة نسيت معها معاناة ذلك اليوم....
يتبع
محمد بوركع خريج كلميم 2004
https://www.facebook.com/medox.bourguaa

أبو أحمد بوركع
14-09-2016, 14:29
الذكرى السابعة : العودة بعد أول عطلة
شعور أستاذ العالم القروي خلال آخر يوم من أيام العطلة لا يعرفه غير الذين عانوا أو يعانون في الجبال و الفيافي....حزمت حقائبي و سافرت نحو '' دمنات '' رفقة زميلي من '' بويزكارن''. هناك التقينا بزملائنا العاملين بالمركزية...بعد أربع ساعات من الانتظار قضيناها في التسوق و التجول لأننا نعلم جيدا أننا سنفارق المجال الحضري لمدة طويلة فاليوم الواحد في الجبال يمر كأنه أسبوع... أتذكر لائحة أعددتها تتضمن أسماء اللوازم و المواد التي يجب اقتناؤها حافظت عليها لمدة طويلة كمرجع لنا بعد كل عودة من العطلة ، ففي '' إشباكن '' لم يكن هناك سوى دكان وحيد ليس فيه من مواد التغذية سوى الشاي و السكر...بعد تناول وجبة الغذاء بمطعم شعبي ،امتطينا المرسيديس 207 في اتجاه مقر العمل....أصبحت السيارة كمخدع هاتفي ، كلنا اتصلنا بأهالينا لنودعهم لأن أخبارنا ستنقطع في ذلك اليوم....مررنا بمغارة '' إمي نيفري '' العجيبة لنلج جبال الأطلس الكبير ، كلما وصلنا دوارا أدقق النظر بحثا عن المدرسة ، أغلب المؤسسات بدون سور ، وهناك من توجد وسط شعب خطيرة......وصلنا '' توفغين '' مفترق الطريق المعبدة و أخرى غير معبدة اتخذناها سبيلا نحو الفرعية بمحاذاة واد '' تساوت '' ...أصبحنا نسير عكس التيار كأننا نبحث عن منبع الواد....عشرون كيلومترا من '' لابيست'' المرعب بضيقه و ووعورته....فالسيارة تزحف كالسلحفاة على صوت غناء '' حماد و طالب لمزوضي '' و ربابه اللذين أحببتهما رغم أنني لم أكن أفهم حينها من الأمازيغية سوى ''آشكيد '' و '' ما تعنيت ؟''....نفعني كثيرا زميلي سعيد الذي كان يتقنها فقد كان لي معلما و مترجما خلال السنة الأولى .... بعد ساعتين كاملتين من ولوجنا '' لابيست '' تراءت لي من بعيد منازل الدوار المعلقة و ظهر تلاميذنا يجرون متسابقين نحو المرسيدس لمعرفة القادمين، و كان أول شيء سمعته بعد توقفنا صوت طفل يقول: '' ها آفرانسيس يوشكاد...'' ثم آخر يقول '' أُلاَ بوتعرابت ...'' شرح لنا زميلي كلامهم فانفجرنا بالضحك... براءة أبناء الأطلس خففت عني الكثير من المعاناة التي دامت عشر سنوات سأسردها في الحلقات القادمة على شكل طرائف حقيقية و أحداث خطيرة متناثرة فيها عبر لكل الذين لحقونا......
يتبع
محمد بوركع خريج كلميم 2004
https://www.facebook.com/medox.bourguaa

أبو أحمد بوركع
14-09-2016, 14:31
الذكرى الثامنة : تيليست و الخبز الدافئ
=====================================
خلال سنتي تكويني بمركز كلميم ، كانوا يحثوننا على ضرورة محاولة '' التكيف '' مع ظروف العمل و الانفتاح على المجتمع المحيط بنا...توجيهات أغلى من الذهب نفعتني كثيرا....كنت أدرس اللغة الفرنسية و الرياضيات لقسمين مشتركين ( 3+4 ) و ( 6+5 ) و كنت أجد صعوبة كبيرة في التواصل لكني تعلمت الكثير من المصطلحات الأمازيغية..أتذكر أنني أحيانا كنت أنادي زميلي لترجمة ما يقوله تلميذ ما ، استطعت أن أحفظ قدرا لا يستهان به من الكلمات و المفردات لكني لم أُوفق لحد الساعة في تعلم الصرف و التحويل... شهران كاملان مرا كقرنين من الزمن كسبنا خلالهما ثقة السكان و بنينا جسور تواصل هدمت كل المواقف السلبية التي كانت لديهم...أصبح الكل يحبنا و خيرات البلاد كانت تتقاطر علينا ، فلا يمر يوم دون أن يجلب لنا التلاميذ و التلميذات الخبز الساخن و احيانا كثيرة البيض ، البطاطس ، اللوز ، الجوز ، اللبن.....في البداية كنا نرفض ذلك لكن بعد علم السكان ، أرسلوا لنا الفقيه '' السي عبد العزيز '' الذي عاتبنا قائلا ( بالدارجة لأنه كان يحترم عدم إلمامي الكبير بالأمازيغية ) :'' الناس ديال إشباكن فرحانين بيكم و ولادهم تايعاودو ليهم كل شي عليكم..و الخير ايلا جاكم خوذوه...'' فكرنا نحن الثلاثة في رد الجميل فاقترحنا على السكان أن نقوم بمحو الأمية بدون مقابل لكن أغلبهم لم يتحمس للفكرة نظرا لعدة إكراهات...هنا تذكرت كلام الحاج '' الحسين '' : " وقتما خاصكم شي حاجة انا موجود ، قريو لينا غي ولادنا .....'' وقد علمنا بعدها أنه هو الذي حث السكان على الجود و الكرم في التعامل معنا و هناك شخص آخر قام بنفس الأمر ، السي '' عبد الله جداح '' الذي كان أطيب شخص عرفناه حينها....
انفتحنا على مجتمع '' اشباكن '' و أصبحنا نتجول وسط الدوار كأننا أبناؤه ، نرسم الابتسامة في وجه الكل و نحترم الجميع...كان دورنا لا يقتصر على التدريس...أحيانا يطرق أحدهم باب منزلنا يبتغي معرفة مدة صلاحية دواء ما أو في ماذا ينفع ، و أحيانا أخرى يجلب استدعاء من عند القائد يريد معرفة تاريخها....
اقتربت نهاية سنة 2004 و اقتربت معها المعاناة الحقيقية التي لم نكن ندركها ، يوم 30 دجنبر كان استثنائيا ، استيقظنا في الصباح الباكر كعادتنا ، أحسسنا ببرد شديد و رغبة جامحة في البقاء في الفراش...ظننا في البداية أنه البرد القارس فقط ، فتحت إحدى النوافذ فإذا بالجبال تلحفت لحافا أبيضا ناصعا، خرجنا نشاهد المنظر الجميل...لأول مرة في حياتي أشاهد الثلوج مباشرة....كانت تتساقط كالريش من السماء و لا أثر لبشر سوانا ، توجهنا نحو المدرسة التي كانت تبعد عنا بنصف كيلومتر تقريبا....انتظرنا داخل أقسامنا الباردة لمدة نصف ساعة لم نسمع فيها صوت بشر...عدنا للمنزل طالبين الدفء ، حضرنا شايا مركزا من النوع الجيد الذي دائما أجلبه معي من الصحراء...احتسيناه و نحن نشاهد من خلال النوافذ تساقط الثلج الذي سألت صديقي عن اسمه بالأمازيغية فقال لي لا علم له باسم غير '' الثلج '' ، لكن الجواب سرعان ما جاء بعدما سمعنا طرقات قوية ...فتحنا باب المنزل فوجدنا تلميذا يلبس جلبابا صوفيا أسودا تناثرت عليه ريشات الثلج ، و في يديه منديل كبير أخذ شكلا دائريا أحسست بعدما وضعه في يدي بدفء قطع الخبز ، شكرناه كثيرا و سألناه عن الاسم الذي يطلقونه على الثلج فأجاب :'' تيليست آ ستاذ '' ..... ومع '' تيليست '' حكايات و حكايات لا تنتهي .....
يتبع
محمد بوركع خريج كلميم 2004
https://www.facebook.com/medox.bourguaa

أبو أحمد بوركع
14-09-2016, 14:31
الذكرى التاسعة : رجل الثلج و المِجمر
=====================================
عندما يلمس الراشد الثلج بأنامله لأول مرة في حياته ، يُصبح كالطفل الصغير... هذا ما وقع لنا في أول يوم نشهد فيه تساقطات كثيفة للثلوج....فبعد توقفها و انقشاع الغيوم ، خرجنا كالطيور من أوكارها....جلسنا قرب باب المنزل على كراسي بئيسة نمتع بصرنا بالمنظر الخلاب الذي أبهرنا....صحيح أننا كنا نعاني من قساوة الظروف لكن كانت هناك لحظات تُضفي السعادة على قلوبنا ، من بينها الطبيعة و صدق أحد السياح الفرنسيين الذي زارنا يوما في الفرعية عندما قال لنا C’est un joli prison ....تلك السعادة جعلتنا ننسى أننا غرباء عن الدوار فأخذنا نلعب بالثلج ، نتراشق به كأطفال فرحين فتارة أحس بكرة على الوجه و أخرى أسمع صوت ارتطام كرتي على رأس أحدهما...صنعنا رجل ثلج كبير أمام الدار و في لحظة وجدنا بعض تلاميذنا متحلقين حولنا يُشاهدون في تعجب التمثال الثلجي...طلبوا منا تعليمهم فكان لهم ذلك ....كان زميلنا محمد السعدني الفنان الذي قام بذلك و أتذكر موقفا مضحكا حينما أراد أن يجلب جزرة من المطبخ لوضعها كأنف لرجل الثلج فقلت له مازحا : '' خلي عليك خيزو آ صاحبي راه غاتكون تقطعات الطريق و الخيزو ما تلقاه و لو كان فيه دواك .....'' لم أكن أدرك حينها أن ما قلته هو فعلا ما يقع في مثل تلك الدواوير....بينما نحن نلهو لم ننتبه لما يفعله السكان، فبعد توقفنا رأينا مشهدا غريبا....فوق كل منزل يوجد شخص أو شخصان أغلبهم نساء و في أيديهم مجارف كبيرة مصنوعة من الخشب يدفعون بها الثلوج عن سطوح المنازل...مسكننا تكلف به صاحبه و أزاح عنه الثلج...اشترينا في ذلك اليوم أحذية بلاستيكية طويلة ( البوط ) تبعا لنصيحة السكان و يا ليتني لم أشتريه...فحذائي كان سببا في انزلاقي مرارا في اليوم الموالي حيث تكون الجليد في مناطق متفرقة من الطريق نحو المدرسة لا تصلها الشمس...حل المساء فأصبحت أجسادنا تبرد شيئا فشيئا رغم ارتدائنا لملابس شتوية ، تحت الجوارب قم بلف القرطاس من أجل تدفئة أقدامنا التي كانت آخر عضو وصله الدفء....صدقوني إن قلت لكم أن البرد القارس يجعلك أحيانا تفقد التركيز....قررنا إشعال الفحم أنا وزميلي سعيد الذي كنت أشترك معه نفس الغرفة ، وضعنا المِجمر وسطها و أغلقنا الباب دون أن ننتبه إلى أن النوافذ محكمة الإغلاق...تحلقنا حوله مقربين أيدينا طلبا للدفء الذي استمتعنا بحلاوته التي لا يعرفها غير الذين عاشوا نفس اللحظات...تجاذبنا أطراف الحديث بيننا نحتسي شايا...بعد مدة تفطنا أننا قمنا بخطأ ، قمت بسرعة مخرجا المِجمر نحو المطبخ و رأسي ثقيل جدا ، أحسست بالدوار بعد رجوعي فوجدت زميلي ساقطا فوق فراشه يئن...سقطت قرب إحدى النوافذ التي مددت يدي لأفتحها ، دخل الهواء البارد الغرفة...زميلي كان أكثر تأثرا مني...يحرك شفاهه فقط قائلا لي أنه يحس بالرغبة في القيء....زحفت نحو المطبخ ، نعم زحفت على يدي و ركبتي لأجلب له كيسا...لحسن الحظ كانت قنينة من الماء في الغرفة...زميلنا في الغرفة الأخرى كان نائما و لم أفكر حينها في إيقاظه...استرجعت قواي و طلبت من زميلي النهوض ، لكنه كلما وقف يسقط فاختار النوم بعدما أعطيته قرصا مسكنا لألم الرأس....ليلتها تدثرنا بأربعة أغطية غليظة لكل واحد منا لأننا تركنا إحدى النوافذ الصغيرة مفتوحة خوفا من الموت.....
يتبع
محمد بوركع خريج كلميم 2004
https://www.facebook.com/medox.bourguaa

mbark ana
14-09-2016, 23:39
والله يا أخي أقرأ ما كتبت وعيني تدمع لما يعاني منه إخواننا من أساتذة التعليم الابتدائي في المناطق النائية والصعبة
فهؤلاء هم خدام الدولة حقا ولكن ويا للأسف ماذا قدمت لهم الدولة

nasser
15-09-2016, 20:38
http://img.el-wlid.com/imgcache/2014/10/890273.gif يوميات معلم في جبال ” إمي نولاون ” – الحلقة الرابعة : الطريق الى فرعية ‘إشباكن’ https://scontent-mrs1-1.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/13962723_10202024777736758_8204654865316812479_n.j pg?oh=73e6191527a7d58866dd325fcc20f1a6&oe=58734AB8http://img.el-wlid.com/imgcache/2014/10/890272.gif

أبو أحمد بوركع
12-10-2016, 15:19
ذكريات أستاذ في الجبال
الذكرى العاشرة : سبع صنايع
=====================================
خلال سنتي تكويننا بمركز تكوين المعلمين و المعلمات بكلميم ، كنا ندرس علوم التربية ، الديداكتيك ، التسيير التربوي و التشريع الإداري لكننا لم نتعلم الأهم و هو '' الحِرف ''...نعم صدقوني إن قلت لكم أن تكوين أستاذ الابتدائي ينقصه تعلم '' التكيف '' و لا أقصد هنا ما قد يخطر على البال فلولا بحثنا عن طرق السعادة في الجبل ما وجدناها....من المهم جدا تعلم العيش في الجبال ، الصحاري و الفيافي.....الأستاذ يجب أن يكون كهربائي ، مُلم بالأجهزة خاصة جهاز الاستقبال و الهاتف المحمول ، قارئ لنشرات الأدوية ، مبتدئ في النجارة ، فقيه عارف لشروط و كيفية الإمامة ...إلخ ، تجربتي في جبال ورزازات المتاخمة لأيت بوولي أزيلال علمتني الكثير من خلال وقائع طريفة سأحكي لكم أولها :
في أحد الأيام كنا أنا و زميلي الذي عُين معي نشتغل في المدرسة التي لم تكن آنذاك تتوفر على سور ، و في الحقيقة المؤسسة كانت دائما مفتوحة و منفتحة على المجتمع مع القليل من الصبر على تصرفات سكان أميين نواياهم حسنة ، جاء رجل من ساكنة الدوار و طلب من زميلي ، بحكم أنه ملتزم و يُصلي دائما مع الجماعة ، أن يؤمهم في صلاة الجنازة لأن فقيه الدوار كان غائبا يومها و الميت فتاة صغيرة جدا قتلتها الحُمى . صديقي رفض و لكي يُخرج نفسه من المشكل أرسلهم إلي و كنت ملقبا انذاك ب '' أفرنسيس '' لأنني كنت أدرس اللغة الفرنسية ، فقال لي الرجل : '' إيربي اسي أفرنسيس .........'' رفضت في البداية ، لكنني استسلمت لإلحاحه و لزميلي الذي أقنعني بحجة أنني شجاع ....فقلت للرجل : الان أنا في عمل لكن بعد 10 صباحا سنلتقي في المقبرة .
ذهب الرجل فسألت صديقي تذكيري بما يٌقرأ في صلاة الجنازة ، فعلمني جزاه الله خيرا ....توضأت ثم توجهت نحو المقبرة و لما وضعوا الميتة الصغيرة مكفنة أمامي ، أصابني الهلع ، لأول مرة أرى كفنا صغيرا أمامي ، و نسيت كل ما علمه لي صديقي ......نظرت مليا للكفن.....يا إلهي ماذا سأفعل ؟؟؟ فلم يكن ساعتها هاتف لأتدارك الموقف ، استعذت بالله من الشيطان الرجيم و استجمعت قواي و في لحظة تذكرت كل ما نسيته .......بعد الصلاة قاموا بدفنها .....قمت بالدعاء باللغة العربية بسرعة كبيرة ثم توجهت نحو منزلي لأحكي لزميلي ما وقع فانفجر ضاحكا قائلا : حْمَد الله الميت بنت ، لو كان دَرِّي يعيطو ليك تغسلو .....
يتبع

أبو أحمد بوركع
26-10-2016, 15:46
ذكريات أستاذ في الجبال
الذكرى الحادية عشرة : سفر في الثلج (1 )
=====================================
عقد من الزمن قضيته في جبال إمي نولاون، بحلوها و مرها...صعدنا الجبال و تسلقنا القمم من أجل لقمة العيش تلبية لنداء الواجب و لم نعرف ابدا خلالها دفء المكيفات الهوائية الذي يتمتع به أناس سمان لم يعرفوا من أداء الواجب سوى التوقيعات و الخطابات الرنانة.... شهر يناير 2009 يعتبر تاريخيا بالنسبة لي و للذين شاركوني مغامرة تدمع عيناي كلما ذكرتها....
الذين اشتغلوا في جبال الأطلسين الكبير و المتوسط قد يتذكرون ما ميز تلك السنة السوداء و بالضبط أواخر يناير حيث ستبدأ عطلة نهاية الدورة الأولى ...إنها الثلوج الكثيفة جدا و غير المسبوقة...كانت سنتي الثانية في فرعيتي الثانية '' تسكيوالت '' بعد قضائي لثلاث سنوات في '' إشباكن '' ...استيقظت باكرا من أجل الالتحاق بأساتذة المركزية ، التي تبعد بكيلومترين فقط ألفت قطعهما مرارا و تكرارا...كان موعدنا ذلك اليوم ، و كعادتنا كل عطلة ، مع صاحب المرسيدس 207 لنقلنا نحو '' سكورة '' ...لكن الصدمة كانت قوية. تساقطات ثلجية خفيفة زرعت فينا الرعب لأننا ندرك جيدا معنى ذلك....أسرعت الخطى نحو المركزية لأجد زملائي محيطين بصاحب السيارة لإقناعه بمسارعة التساقطات الثلجية قبل أن تمتلئ نقطة جبلية سوداء في الطريق بين '' أيت علا '' و '' سكورة '' على حدود '' غسات '' ، إنها '' تيزي ن لفدغات '' ...فعلا ركبنا السيارة و أسرع السائق '' أكنيض '' في طريق غير معبدة محادية لواد '' تساوت '' طولها 30 كيلومترا ، و كانت التساقطات الثلجية تتزايد تارة و تخف تارة أخرى....الكل كان صامتا من هول الصدمة خوفا من المجهول وزاده انفجار إطار غيرناه بسرعة كبيرة...كنا أستاذين و ست أستاذات...في طريقنا وجدنا أستاذات تابعات لمديرية أزيلال في فرعية '' إغرم فاخور '' رفضن ، لحسن حظهن ، الذهاب معنا لأنهن متوجهات نحو شمال المغرب و ظنن أن الثلوج ستنقطع....بعد وصولنا الطريق المعبد ة في منطقة '' أيت علا '' ، ازدادت كثافة التساقطات الثلجية كأن الغيوم تسكب ريش الدجاج الأبيض و لا زالت أمامنا مسافة كبيرة لتجاوز منطقة الخطر...اسرع السائق لكنه لم يفلح ،ففج '' تيزي ن لفدغات '' كان لنا بالمرصاد و ووجدنا أنفسنا محاصرين وسط البياض في منطقة لا منزل فيها...صاحب السيارة كان ذكيا و أصر على رجوعنا نحو دوار '' توفغين '' ، بداية الطريق المعبدة ، لأن بها '' مأوى مرحلي gîte d’étape '' و كل دقيقة تمر يزداد سمك الثلوج فوق الطريق ....عكسنا اتجاهنا رجوعا نحو المجهول ... الكل حزين ... الأستاذات مصدومات ، زميلي عبد الرزاق يُصبرهن في حين كنت أفكر في الحل....طلبت من صاحب السائق أن لا يسرع و في لحظة من اللحظات توقف الزمن و أُصبت بالرعب بعدما صاحت الزميلة '' عائشة '' صيحة أدركت سببها بسرعة البرق......
يتبع

أبو أحمد بوركع
11-11-2016, 22:09
ذكريات أستاذ في الجبال
الذكرى الثانية عشر : سفر في الثلج (2 )
=====================================
'' تيزي ن لفدغات '' فج كان يرعبنا ذكر اسمه لأنه أخطر بالنسبة لنا من '' تيزي ن تيشكا '' ، كان سبب الكارثة التي كادت أن تودي بحياة عشرة أشخاص...بعد احساسنا بخطر الثلوج المتساقطة ، قررنا العودة نحو مأوى مرحلي '' توفغين '' .....كنا بين مطرقة سُمك الثلوج الذي يتزايد كلما أبطأنا و خطر انزلاق السيارة كلما أسرعت في المنعرجات الوعرة.....صدمتنا ألجمت ألسنتنا و علامات الشحوب على وجوهنا خصوصا الأستاذات اللواتي لم يتعرضن أبدا لتلك الظروف ، و لم يجدن قط ، مثلنا ، حرفا واحدا في مقرر التكوين بالمركز يتحدث عن كيفية مواجهة هذا النوع من الأخطار...فجأة، أحسست بأقوى رعب شعرت به في حياتي .....ففي رمشة عين انزلقت ال 207 لتدور بنا دورتين كاملتين ، صاحت زميلتنا '' عائشة'' صيحة قوية فأغمضت عيني مرددا الشهادتين في انتظار المصير....لحسن حظنا كنا فوق قنطرة قرب سفح جبل استقرت السيارة، بفضل الله ، عند حافتها....انهمرت دموع الأستاذة '' سناء '' فبدأت الست الأخريات في العويل ، و منهن من ندمت حينها على اليوم الذي فكرت فيه في اختيار المهنة....ظهر لنا ضوء سيارة قادمة نحونا ، كانت سيارة سياحة أي بيتا متنقلا على عجلات CARAVANE يمتطيها سائح وزوجته متجهين نحو ورزازات ، و شاءت الأقدار أن نلتقي بهما... أخبرناهما بأن سمك الثلوج في القمة لا يسمح لأي مركبة بالعبور و أننا تركنا شاحنة قنينات الغاز مٌغلِقة منعطفا بعد انزلاقها هناك و نجاة السائق الذي رافقنا في طريق العودة، عكس السائحان اتجاههما لنتبعهم بالسيارة مستغلين الأخاديد التي تتركها عربتهم التي حسدناهما عليها حينها.....سرعتنا المتوسطة لم تتعد 20 كيلومترا في الساعة....بعد نصف ساعة وصلنا دوار '' ايت علا''، توقفنا عند المأوى المرحلي le gîte d’étape الذي ، لحسن حظنا يملكه شخص سبق لي أن تعرفت عليه في دوار '' اشباكن '' هو و بعض السياح ، إنه السيد '' محمد الذهبي '' الذي لا يخفى على كل سائح مغربي سبق له زيارة تلك المنطقة و كل أستاذ اشتغل بمجموعة مدارس توفغين التابعة لمديرية أزيلال....استقبلنا ذلك الرجل استقبالا حارا و فتح لنا أبواب فندقه الجميل الذي أحسسنا بحلاوة دفئه و هو شعور لن يفهمه غير الذي عاشوا تلك الظروف القاسية....قدم لنا الكثير من الأغطية لأننا كنا نرتعش من البرد القارس و منحنا كؤوس شاي ساخن و قهوة لذيذة ، زوجته حضرت لنا و جبة الغداء بعد ذبحه لديك كان يملكه.... كل همنا كان هو توقف التساقطات الثلجية التي استمرت لمدة يومين كاملين أتينا فيها على الأخضر و اليابس و قد وصل سمك الثلوج في اليوم الثاني ، حسب صاحب الفندق ، 75 سنتيمترا فوق سطح منزله.....كنا في موقف لا يحسد عليه ، أُصبنا بالحرج و أحسست شخصيا أننا أثقلنا كاهل السي '' محمد الذهبي '' فطلبت من الزملاء دفع مبالغ مالية له و هو ما تم رغم أنه رفض ذلك لكننا ألححنا عليه طالبين منه ان يقدر ظروفنا....تمر أمام عيني الآن ذكريات جميلة قضيناها خلال يومي الحصار، ضحكنا كثيرا ، غنينا أغاني عديدة باستعمال دفوف كانت في الفندق كل هذا من أجل نسيان معاناتنا في انتظار الفرج....اليوم الثالث كان مشمسا، لكن الجبال كلها مكسوة بالثلوج الكثيفة و الطريق اختفت معالمها كأننا نَمْل على ظهر دب قطبي...استيقظنا باكرا ظنا منا أن وزارة التجهيز و النقل قد ترسل كاسحات الثلوج باكرا ، مرت أربع ساعات و لم يظهر أثر للآليات و قد كان أحد السكان صادقا معنا عندما أخبرنا أننا سنضطر للانتظار يومين آخرين من أجل فتح الطريق ، معلومة نزلت كالصاعقة على رؤوس الأستاذات، كنا أستاذين و خمس أستاذات تشاورنا حول حل لهذا المأزق ، أخبرتهم أن الحل الوحيد هو الطوبيس رقم 11 ، المشي في الثلوج في اتجاه ورزازات لمسافة قد تتعدى 30 كيلومترا ، رفضت الأستاذات الأمر في حين قبله زميلي المناضل '' عبد الرزاق '' ....فجأة تراءى لنا من بعيد أشخاص قادمون من اتجاه واد تساوت ، أي طريقنا نحو مقرات العمل ، ظننا في البداية أنهم أساتذة فرعية '' إفولو '' القريبة من الفندق و لما وصلوا كانت المفاجأة ، أربعة من زملائنا من فرعية أخرى تركناهم وراءنا يوم انطلاقنا....قطعوا 24 كيلومترا في الثلوج و قد كانوا سبب تشجع ثلاث أستاذات ليخترن الحل الذي اقترحت عليهن......أوصانا صاحب السيارة بالتسلح بالتمر و الحلويات و هو ما فعلناه بعدما فتح تاجر أبواب دكانه.... كانت الساعة 12 زوالا عندما انطلقنا نحن التسعة في اتجاه المجهول الذي له قصة أخرى .......
يتبع

abdo-amadagh
23-11-2016, 22:57
شكرا على مشاركتنا لدكرياتك.

أبو أحمد بوركع
06-12-2016, 13:27
ذكريات أستاذ في الجبال
الذكرى الثالثة عشر : سفر في الثلج (3 )
=====================================
كانت الساعة 12 زوالا عندما انطلقنا من '' توفغين '' مشيا على الأقدام في اتجاه ورزازات....سمك الثلوج تعدى يومها 60 سنتيمترا....كنا 9 أساتذة حُفرت أسماؤهم في ذاكرتي القديمة التي حفظت أسوأ لحظات تاريخية مررت بها خلال مدة اشتغالي بجبال إمي نولاون المحادية لمنبع واد تساوت...محمد، عبد الرزاق ، مصطفى ، لحسن ، الحندق ، سناء ، عائشة ، الإدريسي و مليكة كلهم أشخاص عاشوا خلال ذلك اليوم '' أكفس ساعات في حياتهم ''....لم نكن نعلم حينها المسافة التي سنقطعها للخروج من الثلوج الكثيفة لكن ما كنا ندركه جيدا هو أن فج '' تيزي ن لفدغات '' سيكون لنا بالمرصاد....سلاحنا كان الصبر و الإيمان ثم تمرات يابسات و قطع بسكويت....البداية كانت متعثرة ، فبعد قطعنا مسافة قصيرة ترددت أستاذتان و أرادتا العودة نحو المأوى المرحلي لكننا ذكرناهما باليومين اللذين قضيناهما هناك في الانتظار القاتل و بحادث انزلاق السيارة الذي كاد أن يودي بحياتنا جميعا لولا لطف الله بنا...مشيُنا لم يكن خاليا من النكت و الضحك رغبة في نسيان الألم الذي يعتصر قلوبنا بعدما نال البرد من أقدامنا التي قمنا بلفها بالقراطيس قبل لبس الأحذية...الجميل فينا آنذاك هو التعاون بيننا من خلال انتظار كل متعثر في مشيه خصوصا الإناث ، فأحيانا كنا نضطر للتوقف من أجل إخراج أحدنا بعدما علقت رجله في الثلوج التي تصل أحيانا إلى ما فوق الركبة...الأخطار كانت محيطة بنا من كل جانب، على اليسار خطر الحافة و على اليمين خطر انزلاق الأحجار من الجبل بسبب انصهار الثلوج و كم صخرة حمراء سقطت يومها لتتجه نحونا...مررنا بدواوير تتراءى لنا من أعلى الجبل و أهلها يراقبوننا من بعيد كأن لسان حالهم يتساءل عن من نحن و كيف لأشخاص أن يقوموا بمثل هاته المجازفة ؟؟؟
بعد ساعتين مرتا كعقدين من الزمن، وصلنا قنطرة على وادي صغير ، كانت مليئة بالثلوج و الوادي كان متجمدا كأنه حلبة تزحلق على الجليد...هنا وقع لي موقف لا يُنسى...اخترت المشي على الجليد للوصول للضفة الأخرى...وضعت قدمي اليمنى بحذر رغبة في التأكد من صلابته ثم وضعت الثانية ، خطوت خطوتين فوجدت نفسي وسط الماء البارد الذي تعدى ركبتي فابتلت ملابسي و جورباي الوحيدان اللذان أملك....انفجر زملائي ضاحكين بعدما أنقدني الأستاذ عبد الرزاق لنصل الضفة الأخرى مبتلين و أطراف أصابعنا تصلبت....الآخرون اختاروا القنطرة للعبور لكن على أكتاف بعضهم البعض....هنا لن أنسى أبدا رد فعل الأستاذة مليكة التي منحتني سروالا قطنيا وجوارب كانت بحوزتها....أكملنا طريقنا لنصعد فج '' تيزي ن لفدغات '' في ظرف 4 ساعات كاملات تتخللها مواقف لا نُحسد عليها، فبين صياح و عويل هناك مشاداة ، و بين بكاء و نحيب هناك مواساة....اجتزنا المنطقة المليئة بالثلوج قبل غروب الشمس بنصف ساعة ، لكن لا سيارة هناك تقلنا و لا تغطية هاتفية تمكننا من مهاتفة أحدهم...تابعنا المسير ليتراءى لنا دوار '' تامزريت '' من بعيد ، تشاورنا بيننا في ما سنفعله فقررنا إتمام مسيرنا نحو '' غسات '' ، نفذت قُوَّتُنا و نفذ معها صبر بعضنا خصوصا الإناث منا ، فمن أستاذة طلبت منا الذهاب و تركها هناك إلى أخرى سقطت على الطريق المعبدة صائحة برغبتها في حضن أمها و أخرى تركت العنان لدموعها.... وعدناهن بأن لا يصيبهن مكروه و بأن يبقين وسطنا ، أستاذين في الأمام و ثلاثة وراء الجماعة....مرت 4 ساعات أخرى ، فجأة ظهرت لنا أضواء '' غسات '' و نحن في قمة الجبل ، تفقدنا هواتفنا فاكتشفنا أن هناك تغطية هاتفية...
أول من هاتفناه هو مدير المؤسسة الذي كان يتنعم بدفء منزله ، حكينا له ما نحن فيه من معاناة و طلبنا منه أن يُرسل لنا سيارتي أجرة ، أتدرون ما كان جوابه ؟؟؟ قال : '' أنْهُوا مسيرتكم نحو غسات و اقضوا ليلتكم هناك ''....و لكم أن تتخيلوا رد فعلنا حينها ....صديقنا عبد الرزاق أجرى مكالمة لأحد أصدقاءه الذي ظن في البداية أنها '' كاميرا خفية '' و شك في كلام زميلنا ، بحكم أنه كثير المزاح ، فأقنعناه بمشقة الأنفس ليذهب إلى محطة ورزازات و يجلب لنا سيارتين وصلتا بعد 40 دقيقة...فرحتنا كانت كبيرة لدرجة أنها أنستنا ابتزاز السائقين لنا..بعد وصولنا محطة ورزازات ، أتينا على الأخضر و اليابس في إحدى المقاهي الصغيرة لنفترق بامتطائنا الحافلات نحو أهلنا....بعد وصولي كلميم ، قضيت 3 أيام لا أستطيع فيها المشي مستقيما ....
تتساءلون و تظنون أننا تهورنا ، لكن رغبتنا بالخروج من ذلك الجحيم لا يعرفها سوى العاملين منكم الآن وسط ثلوج الأطلسين الكبير و المتوسط ثم إن قصتنا ليست سوى قطعة قش في كومة برسيم ذلك اليوم ، فبعد شهر سمعنا عن قصص وقعت في نفس اليوم في الخط الفاصل بين سكورة و دمنات المليء بجيش من الأساتذة...
يتبع