المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محمد حصاد والعثور على “العلبة السوداء” في قطاع التعليم


nasser
19-04-2017, 22:21
http://www.press24.ma/wp-content/uploads/2017/04/hasad.jpg عبد الكريم بلعزيز الأربعاء 19 أبريل 2017
http://www.press24.ma/wp-content/uploads/2016/07/logo.png
تصدر موضوع “تفويت عقارات مخصصة لقطاع التعليم” الصفحة الأولى من عدد جريدة “المساء”، الصادر يومه الأربعاء 19 أبريل 2017.

فتحت عنوان بالبنط العريض كتبت الصحيفة البيضاوية: (فضيحة “خدام دولة” جديدة تلاحق المفتش العام للتعليم وتكشف ريعا خطيرا بالقطاع). وتحته عنوان فرعي صغير: (إختفاء عشرات المدارس بعد تفويت عقارات بمئات المليارات لمحظوظين من بينهم نجل مسؤول بارز). وأشارت اليومية المذكورة في موضوعها الرئيسي أن “فضيحة جديدة تهز قطاع التعليم ستوضع على طاولة حصاد، بعد أن اتضح أن عقارات بالمليارات انتزعت تحت غطاء رفع اليد من الغرض الذي رصدت له في تصاميم التهيئة كمدارس لتعليم أبناء المغربة، لتفوت بسعر جد بخس لعدد من المحظوظين اللذين قاموا باستغلالها في مشاريع خاصة تدر عليهم عائدات ضخمة، وذلك بتزكية من المفتش العام للوزارة الحسين أقوضاض حين توليه منصب مدير الممتلكات. وأعلنت الشبكة المغربية لحماية المال العام أنها ستراسل كلا من وزير التربية الوطنية، محمد حصاد، ورئيس المجلس الأعلى للحسابات، ووزير العدل، من أجل بسط المعلومات اللخطيرة التي انتهت إليها بخصوص جرائم فعلية ارتكبت في حق التعليم العمومي، من خلال استنزاف الرصيد العقاري المخصص له، والتصرف فيه كملكية خاصة قابلة للتفويت، حيث سلمت عشرات القطع الأرضية التي تتجاوز مساحتها في بعض الأحيان 8000 متر مربع، وتوجد بمواقع استراتيجية بمدن كبرى مثل مراكش والبيضاء وفاس وطنجة والرباط، كهدية على حساب بناء مدارس عمومية للمغاربة).

وتجدر الإشارة إلى أن “المساء” سبق لها أن نشرت، قبل نهاية السنة الماضية، حوارا مطولا على صفحتين كاملتين مع المفتش العام لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني السيد الحسين أقوضاض، مرفقتين بصور كبيرة له، ومهدت لذلك الحوار “الإعلامي” بحملة دعائية سبقت نشره بأيام، (“المساء” تفتح “العلبة السوداء” لصفقات البرنامج الاستعجالي و”فضائح” العمولات التي هزت الوزارة /24، 25 ديسمبر 2016).

وهو ما دفع بعض المتتبعين إلى وصف ذلك الحوار ب”الخدمة الإعلانية” وب”صحافة العلاقات العامة المؤدى عنها”. إذ كان الصحفي الذي أجرى الحوار المشار إليه يمرر الكرة “على طبق من ذهب” ليسجلها “المهاجم” أقوضاض، وليدافع عن قراراته وموقعه والأسلوب الذي يدبر به المفتشية العامة للتعليم، نافيا كل الانتقادات التي توجه إليه، سواء من قبل الرأي العام التعليمي، أو من الصحافة. بالرغم مما هو مشاع عنه داخل الأوساط التعليمية بكونه “رجل قاسٍ” يعامل المتضررين من قراراته وإعفاءاته، غير الواضحة الأسباب في أغلب الأحيان، وغير المبررة، بكثير من عدم الاحترام ولا يمنحهم حق الرد. http://www.press24.ma/wp-content/uploads/2017/04/akodad-hocine-300x225.jpgومن الصدف الماكرة، أن الصحفي صاحب الحوار المطول (مصطفى الحجري)، هو نفسه موقع مقال “فضيحة” اليوم في “المساء”. وهو نفس الاسم الذي دائما يسبق المقالات التي تتناول ما يسمى ب”قضية البرنامج الاستعجالي” في قطاع التعليم، والتي يوقعها كصاحب اختصاص في المجال.

لكن السؤال الذي يطرح اليوم ونحن بصدد “اكتشاف” هذه الفضيحة الكبيرة والخطيرة هو توقيت الإعلان عنها، وهو توقيت واضح ولا يخفى على أحد إقرانه وربطه بتعيين وزير جديد على رأس القطاع (محمد حصاد)، وزير أحيط وصوله بضجة كبرى، ينتظر أن تخلف رجة وزلزالا كبيرا في القطاع الذي يشكو من أمراض وعلل قاتلة، من شأن استشرائها واستفحالها أن تودي بالانهيار والموت. وما تعيين وزير بخلفية أمنية قادم توا من مكاتب وزارة الداخلية، إلا إشارة واضحة وضمنية في آن، إلى الإرادة العالية والحازمة لوضع حد للفساد والفوضى والاختلالات التي تفشت داخل المنظومة التعليمية برمتها.

لسنا هنا بصدد الدفاع عن الحسين أقوضاض، الذي فجأة قام “المدرب” بتغيير موقعه، في رقعة الميدان، من مُهاجِم إلى مُدافع، عليه رد الهجمات المباغثة (بلغة كرة القدم). بل إننا كنا دائما من السباقين الذي أشرنا بوضوح إلى مواضع الخلل والمخاطر التي تهدد قطاع التربية الوطنية في بلادنا وتكاد تعصف بمصير الأجيال والأمة، وذلك في أكثر من مرة.

إن الواجب يحتم علينا قراءة الموضوع والتوقيت بكل ما يلزم من التريث وبشيء من التأمل على الأقل، وطرح الأسئلة والبحث عن اليد الخفية، التي تكاد تلمع التعرجات الدقيقة لبصمات أصابعها العريضة، وهي تدير من خلف الستار، وبقسوة بالغة، خيوط لعبة قاتلة، بغاية التعويم والتضليل والمزيد من التمويه، وإغراق السفينة بجمبع راكبيها (علي وعلى أعدائي).

إن إثارة “فضيحة عقارات التعليم” اليوم لا يجب أن تلهينا عن النظر إلى المشهد التعليمي في شموليته، بقدر ما لا يجب أن تتم مرواغتنا من خلال تقديم بعض القرابين وأكباش الفداء أو الضحايا، من دون وضع حد جذري للفساد وقطع دابره في التعليم .

وأمل الجميع، من مدرسين وموظفين، وعاملين في القطاع، ومن التلاميذ والأولياء وعموم المواطنين، في أن يكون تعيين الوزير الجديد للتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي في الحكومة الحالية، بمثابة الفرصة الأخيرة للإنقاذ. خصوصا وأن السيد محمد حصاد معروف بنزاهته وخبرته وقدراته الإدارية والاستراتيجية.

إن إصلاح التعليم أضحى مطلبا وطنيا محل إجماع الأطياف والأطراف السياسية كافة. وهو ليس معركة بين فرقاء سياسيين وحزبيين، بل هو معركة مصيرية بين استمرار الوطن في فشل التعليم وبين نجاحه. فإن اختلف الناس على مضمون الإصلاح، فإنه لا يجوز أن يختلفوا على ضرورته، انطلاقا من رؤية شمولية وطنية علمية.

إصلاح التعليم لم يعد خيارا، بل هو ضرورة وطنية وحاجة ملحة، والبداية من الأطر التي تتولى تدبير القطاع وتسييره. وعلى الوزير حصاد أن ينصت ويصغي لجميع الأطراف المتدخلة والفاعلة في العملية التسييرية والتدبيرية والتأطيرية في القطاع، وأن يظل باب مكتبه مفتوحا لكل طارق من شأن شكايته، أو تظلمه أو معاينته ورأيه، المساعدة على العثور على الأسرار الدقيقة ل “العلبة السوداء” للتعليم، التي ستوفر بعض الإجابات عن سبب انحطاط التعليم في المغرب.