المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عجز الصناديق وضغط الميزانية يعيدان ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى الواجهة


nasser
29-01-2026, 22:26
عجز الصناديق وضغط الميزانية يعيدان ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى الواجهة

الخميس 29 يناير 2026

https://aljarida24.ma/content/themes/aljarida24/dist/images/brand.png عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب ليتصدر واجهة النقاش العمومي بقوة، مدفوعا بتحذيرات متزايدة من اختلالات بنيوية تهدد استدامة الصناديق وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مئات الآلاف من المتقاعدين الحاليين والمستقبليين.

ويأتي هذا الجدل في ظرفية اجتماعية واقتصادية دقيقة، تتسم بتصاعد كلفة المعيشة وتزايد الضغوط على المالية العمومية، ما يجعل هذا الورش من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا ضمن الأجندة الحكومية.


وتعززت حدة النقاش بعد المعطيات التي كشف عنها المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي برسم 2024-2025، حيث أكد أن ميزانية سنة 2024 عرفت ضغطًا ملحوظًا على مستوى النفقات، ما استدعى فتح اعتمادات إضافية بقيمة 14 مليار درهم.

وأشار المجلس إلى أن هذه الضغوط مرشحة للتزايد في ظل التحديات الاجتماعية والمناخية، إلى جانب المشاريع والأوراش الكبرى الجارية والمبرمجة، وهو ما يضع المالية العمومية أمام اختبارات متزايدة خلال السنوات المقبلة.


وعلى مستوى الموارد، أبرز التقرير تحسن العائدات الضريبية بنسبة 14,5 في المائة، إضافة إلى اللجوء إلى التمويلات المبتكرة التي سجلت ارتفاعًا بنحو 10 مليارات درهم مقارنة بسنة 2023.

غير أن المجلس شدد في المقابل على ضرورة إرفاق هذه الآليات بدراسات جدوى دقيقة، من أجل رصد المخاطر المالية المحتملة وضمان مردودية الاستثمارات التي يتم توجيه هذه الموارد نحوها، تفاديًا لأي انعكاسات سلبية على التوازنات المالية على المدى المتوسط والبعيد.

كما سجل التقرير مفارقة لافتة تتعلق بعلاقة الدولة بالمؤسسات والمقاولات العمومية، حيث بلغت الموارد المتأتية منها حوالي 16,6 مليار درهم خلال سنة 2024، مقابل تحويلات مالية لفائدتها ناهزت 41,6 مليار درهم.


واعتبر المجلس أن هذا الفارق يفرض العمل على تقليص الهوة بين مساهمات هذه المؤسسات في ميزانية الدولة وبين حجم الدعم العمومي الذي تستفيد منه، خاصة في سياق يتسم بندرة الموارد وتنامي الحاجيات الاجتماعية.

وفي صلب هذا السياق المالي الضاغط، حذر المجلس الأعلى للحسابات من التأخر في إصلاح منظومة التقاعد، معتبرًا أن تسريع وتيرة الإصلاح بات ضرورة ملحة لتفادي انعكاسات سلبية على ديمومة الصناديق وعلى المالية العمومية.

وأشار إلى أن نظام المعاشات المدنية يسجل عجزًا تقنيًا بلغ 7,2 مليار درهم مع متم سنة 2024، مع مخاطر حقيقية بنفاد احتياطاته في أفق 2030، وذلك رغم التحسن النسبي في مساهمات المنخرطين الناتج عن الزيادات في أجور موظفي القطاع العام سنتي 2024 و2025.


وتتزامن هذه التحذيرات مع تصاعد مطالب المركزيات النقابية وفعاليات برلمانية ومكونات من المجتمع المدني، التي تدعو إلى التعجيل بإصلاح شامل وعادل يضمن ديمومة أنظمة التقاعد دون المساس بحقوق المنخرطين أو تقويض المكتسبات الاجتماعية المتراكمة.

وفي هذا الإطار، جددت نقابة الاتحاد المغربي للشغل رفضها لما وصفته بالنهج الحكومي الأحادي في التعاطي مع هذا الملف، معبرة عن استيائها مما اعتبرته تعطيلًا متعمدًا للحوار الاجتماعي وعدم وفاء الحكومة بالتزاماتها السابقة، وعلى رأسها عقد جولة شتنبر 2025 من الحوار الاجتماعي المركزي.


وخلال اجتماع للأمانة العامة للنقابة، عبّر الاتحاد المغربي للشغل عن قلقه من تجميد قنوات التفاوض، معتبرًا أن الدخول الاجتماعي الحالي جاء بلا مضمون حقيقي ومخيبًا لآمال وانتظارات الشغيلة المغربية.

كما أدانت النقابة ما وصفته بالتخاذل الحكومي في تدبير الحوار الاجتماعي، معتبرة أن تغييب التشاور الجاد والمسؤول حول الملفات الاجتماعية الكبرى، وفي مقدمتها التقاعد، يعكس غياب رؤية تشاركية حقيقية ويعمق منسوب الاحتقان داخل الأوساط العمالية.

في المقابل، تؤكد الحكومة على حتمية الإصلاح في ظل المعطيات الديمغرافية والمالية الراهنة.


وفي هذا الصدد، سبق أن انتقدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، في عدة جلسات برلمانية، ما وصفته بلغة التخويف والتضخيم التي تعتمدها بعض المركزيات النقابية في توصيف وضعية أنظمة التقاعد.

وشددت على أن هذه الصناديق بلغت مرحلة دقيقة لم يعد معها مقبولًا الاستمرار في إنكار وجود أزمة حقيقية تهدد استمراريتها.

وأكدت المسؤولة الحكومية أن الحكومة تتوفر على الإرادة السياسية اللازمة لمباشرة هذا الورش، مبرزة أن آخر جولة من الحوار الاجتماعي المركزي أفضت إلى توافق مبدئي بين مختلف الشركاء الاجتماعيين حول ضرورة تحمل المسؤولية الجماعية في إصلاح أنظمة التقاعد.


كما أوضحت أن رئيس الحكومة أعاد تفعيل اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد بعد سنوات من الجمود، مع تفويض الاشتغال التقني للجنة مختصة تضم ممثلين عن الحكومة والنقابات ومختلف المتدخلين.

وشددت الوزيرة على أن أي حل مرتقب لن يُفرض بشكل أحادي، مؤكدة التزام رئيس الحكومة بعدم اتخاذ أي قرار يهم صناديق التقاعد دون توافق واسع بين الفرقاء الاجتماعيين، بالنظر إلى أن هذا الملف يمس بشكل مباشر حقوق ومصالح ما يقارب خمسة ملايين مواطن مغربي.

وبين إصرار الحكومة على حتمية الإصلاح، وتمسك النقابات بضرورة ضمان العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية للأجراء والمتقاعدين، يبدو أن ملف إصلاح أنظمة التقاعد مرشح لمزيد من التجاذب خلال الأشهر المقبلة، في انتظار بلورة تصور توافقي قادر على التوفيق بين متطلبات الاستدامة المالية وصيانة الحقوق الاجتماعية.
الكاتب : انس شريد : الجريدة 24

https://aljarida24.ma/content/uploads/2026/01/Screenshot_20260129_182739_Chrome.jpg



================