المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضرائب على العاطلين… الوجه الخفي لنظام “المقاول الذاتي” ( تحقيق)


nasser
28-02-2026, 00:35
ضرائب على العاطلين… الوجه الخفي لنظام “المقاول الذاتي” ( تحقيق)

الجمعة 27 فبراير 2026

https://nichan.ma/wp-content/smush-webp/2023/11/[email protected] لم يكن محمد، وهو شاب من ضواحي الدار البيضاء، يتخيل أن تلك البطاقة الرمادية التي تسلمها قبل سنوات ستصبح مصدر قلق يومي. يومها، كان عاطلاً عن العمل، يبحث عن أي فرصة للخروج من دائرة البطالة، فاقترح عليه أحد معارفه التسجيل في نظام “المقاول الذاتي”، باعتباره مدخلاً إلى سوق الشغل، وبوابة قانونية تتيح له العمل دون تعقيدات. لم ينجح محمد في إطلاق أي نشاط، ولم يحقق درهما واحدًا من رقم المعاملات، لكنه فوجئ، بعد فترة، بإشعارات رسمية تطالبه بتسوية وضعيته المرتبطة بالمساهمات الاجتماعية. يقول بنبرة تختزل حجم المفارقة: “أنا عاطل، ومع ذلك يطالبونني بالأداء”.

قصة محمد تتكرر بصيغ مختلفة في أحياء شعبية وهوامش المدن الكبرى، حيث وجد آلاف الشباب أنفسهم داخل منظومة التزامات مالية وإدارية لم تكن واضحة لهم عند التسجيل. فالنظام الذي قدمته الدولة منذ 2015 كآلية لتشجيع التشغيل الذاتي وإدماج الأنشطة غير المهيكلة في الاقتصاد الرسمي، انتهى، بالنسبة لشريحة واسعة، إلى وضعية قانونية تجعلهم ملزمين بمقتضيات إدارية رغم غياب أي نشاط فعلي.

وتشير معطيات رسمية صادرة عن الوكالة الوطنية للنهوض بالمقاولات الصغرى والمتوسطة إلى أن عدد المسجلين في نظام المقاول الذاتي تجاوز 450 ألف شخص بحلول سنة 2024، وهو رقم يعكس نجاحًا كميًا من حيث الإقبال. غير أن مصادر مهنية تؤكد، في المقابل، أن نسبة مهمة من هذه الحسابات ظلت دون نشاط فعلي، فيما تتحدث المعطيات عن معدلات خمول تتجاوز نصف المسجلين، وهو ما يعني أن عشرات الآلاف يوجدون في وضعية قانونية “نشطة” على الورق فقط.

وبحسب مصادر مطلعة تحدثت لـ “نيشان”، فإن تعميم التغطية الصحية الإجبارية، الذي دخل حيز التنفيذ في إطار ورش الحماية الاجتماعية، أفرز وضعيات معقدة بالنسبة للمقاولين الذاتيين غير النشطين. فبمجرد التسجيل، يصبح صاحب البطاقة ضمن الفئات المعنية بالمساهمة في هذا النظام، ما لم يبادر إلى تسوية وضعيته أو التشطيب على صفته القانونية.
وتوضح المصادر أن عدداً من المعنيين لم يكونوا على دراية بهذه الالتزامات، خصوصًا في ظل غياب حملات تحسيس كافية تشرح الآثار القانونية طويلة الأمد للتسجيل.

في القنيطرة، يروي عبد الرحيم، وهو تقني كهرباء، أنه سجل نفسه سنة 2019 بدافع الأمل في الحصول على فرص عمل. لم ينجح المشروع، وتوقف النشاط بعد أشهر قليلة. غير أن ذلك لم ينهِ وضعه القانوني. “ظننت أن عدم الاشتغال يعني أن الملف انتهى تلقائيا، لكنني اكتشفت أن اسمي ما زال مسجلاً، وأن وضعيتي تتطلب إجراءات لم أكن أعرفها”، يقول.

لأكثر غرابة أن بعض المعنيين باشروا فعلياً مسطرة التشطيب، بل حصلوا على شهادات رسمية تثبت إنهاء صفتهم كمقاولين ذاتيين، ومع ذلك استمرت في الوصول إليهم إشعارات من المصالح الضريبية تطالبهم بـ“تسوية الوضعية” تحت طائلة تفعيل مسطرة الفرض التلقائي للضريبة. وبحسب شهادات متطابقة، فإن المعنيين، عند توجههم إلى المصالح المختصة للاستفسار، يُفاجؤون بإجابات متناقضة؛ إذ يُؤكد لهم من جهة أن التشطيب قد تم فعلاً، لكن يُطلب منهم، في المقابل، توجيه مراسلة تفسيرية إلى مفتش الضرائب رداً على الإشعار، يوضحون فيها أنهم لم يعودوا خاضعين لنظام المقاول الذاتي.

وتزداد معاناة هذه الفئة حين يتعلق الأمر بأشخاص غيروا محل إقامتهم أو انتقلوا إلى مدن أخرى، إذ يجدون أنفسهم مضطرين للتنقل مراراً إلى المدينة التي سجلوا فيها نشاطهم لأول مرة، فقط لتوضيح وضعية يفترض أنها سُوّيت إدارياً. هذا التنقل المتكرر يترتب عنه عبء مالي إضافي على أشخاص يوجدون أصلاً في وضعية هشاشة أو بطالة.

الأكثر من ذلك، أن بعض المعنيين يؤكدون أنهم استجابوا للمراسلات المطلوبة ووجهوا الردود التفسيرية إلى المصالح الضريبية، لكنهم فوجئوا، رغم ذلك، بإحالة ملفاتهم على المسطرة القضائية. “عبد السلام”، وهو رجل خمسيني عاطل عن العمل، يقول إنه اعتقد أن حصوله على شهادة التشطيب أنهى علاقته نهائياً بالنظام، قبل أن يُفاجأ بإجراءات قانونية لم يكن يتوقعها. ويضيف: “قمت بكل ما طلبوه مني، ومع ذلك وجدت نفسي مطالباً بالدفاع عن وضعيتي، رغم أنني لم أزاول أي نشاط منذ سنوات”.

هذه الوضعيات تطرح، وفق خبراء في المالية العمومية، إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الانتقال من الاقتصاد غير المهيكل إلى الاقتصاد الرسمي. فالتسجيل يمنح صفة قانونية تترتب عنها حقوق، مثل الاستفادة من التغطية الصحية، لكنه يرتب أيضا التزامات، حتى في الحالات التي لا يحقق فيها صاحب الصفة دخلاً منتظما. ويؤكد خبير في السياسات الاجتماعية تحدث لـ “نيشان” أن “الإشكال لا يتعلق فقط بالنصوص القانونية، بل بطريقة تنزيلها، خصوصا حين يتعلق الأمر بفئات هشة لم تتمكن أصلاً من إطلاق نشاط اقتصادي مستقر”.

وتشير المصادر إلى أن مسطرة التشطيب، التي يفترض أن تنهي الوضعية القانونية للمقاول الذاتي غير النشط، لا تزال غير معروفة بشكل كافٍ لدى فئات واسعة، وهو ما يؤدي إلى استمرار تسجيلهم ضمن النظام، وبالتالي استمرار ارتباطهم بالتزامات مرتبطة بالحماية الاجتماعية أو التصريحات الإدارية.

في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن نظام المقاول الذاتي يشكل إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجية إدماج الاقتصاد غير المهيكل، وأنه مكّن مئات الآلاف من المغاربة من الولوج إلى وضع قانوني، والاستفادة من حقوق اجتماعية لم تكن متاحة لهم في السابق، وعلى رأسها التغطية الصحية. كما تؤكد أن الإصلاحات المرتبطة بورش الحماية الاجتماعية تهدف إلى تعميم الاستفادة تدريجيا، بما يضمن العدالة الاجتماعية وتوسيع قاعدة المستفيدين.

غير أن التباين بين الأهداف المعلنة والواقع الميداني يظل واضحًا. ففي الوقت الذي نجح فيه النظام في استقطاب أعداد كبيرة من المسجلين، يواجه جزء منهم صعوبات مرتبطة بضعف النشاط الاقتصادي، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وغياب المواكبة الفعلية. وهو ما يطرح، بحسب المصادر، سؤالاً مركزيا حول فعالية السياسات العمومية حين تتحول الصفة القانونية، بالنسبة للبعض، من فرصة للاندماج الاقتصادي إلى عبء إداري ومالي غير متوقع.

وبينما تواصل الدولة توسيع ورش الحماية الاجتماعية وتعزيز إدماج الأنشطة غير المهيكلة، يجد عدد من الشباب أنفسهم في منطقة رمادية، لا هم تمكنوا من إطلاق مشاريع تدر دخلاً، ولا هم خارج المنظومة التي تسجلهم كفاعلين اقتصاديين. بالنسبة لهؤلاء، لم تعد البطاقة مجرد وثيقة إدارية، بل أصبحت رمزا لمفارقة عميقة، وهو أن تتحول محاولة الخروج من البطالة إلى وضع قانوني يفرض التزامات، حتى في غياب أي دخل.

نيشان : بـقلم تقي الدين تـاجي

https://nichan.ma/wp-content/smush-webp/2026/02/321vbrbez-1024x576.jpg.webp




===========

nasser
28-02-2026, 00:35
https://scontent.frba2-2.fna.fbcdn.net/v/t39.30808-6/644314722_122245552406149881_7319150511094348470_n .jpg?_nc_cat=103&ccb=1-7&_nc_sid=13d280&_nc_ohc=lzRE9E3EGRgQ7kNvwGei0a3&_nc_oc=AdnXgmdnm5vhoOfXFTXpiD3BRtI5BBABUWjRKoFuMfm-hNYP_5_SI7sJz_wtVVpiyfM&_nc_zt=23&_nc_ht=scontent.frba2-2.fna&_nc_gid=jl9CqRAX5VGzX6-0qyV0aA&_nc_ss=8&oh=00_AfsYBv8CAjIBfzXiWKBTpVYyrRuktUkm4arW0fTbqYxu RA&oe=69A7FF24