nasser
11-03-2026, 00:55
فوضى الصفقات بمليارات السنتيمات تعيد وزارة برادة إلى قلب الجدل البرلماني
الثلاثاء 10 مارس 2026
عاد مشروع “مدارس الريادة” إلى واجهة الجدل السياسي والبرلماني في المغرب، بعدما أثيرت تساؤلات جديدة حول تدبير صفقات مالية بمليارات السنتيمات مرتبطة بعملية تقييم هذا الورش التربوي الذي تقدمه وزارة التربية الوطنية باعتباره أحد أهم ركائز إصلاح المدرسة العمومية.
فبعد أن رُوّج للمشروع منذ إطلاقه باعتباره خطوة استراتيجية لإرساء نموذج تعليمي جديد يركز على تحسين جودة التعلمات وتطوير طرق التدريس وتعزيز الحكامة داخل المؤسسات التعليمية، بدأت أصوات تربوية وبرلمانية تحذر من اختلالات محتملة في تدبيره، معتبرة أن بعض الجوانب المرتبطة بتنزيله تثير تساؤلات جدية حول الشفافية ونجاعة الإنفاق العمومي.
وقد تحول هذا الملف في الأشهر الأخيرة إلى موضوع نقاش متكرر في الفضاء العمومي، خاصة في ظل تزايد الانتقادات المرتبطة بعدد من الإشكالات التي رافقت تنزيل المشروع ميدانياً.
فمن جهة، أثيرت تساؤلات حول تدبير الصفقات المرتبطة بعملية التقييم، ومن جهة أخرى برزت إشكالات تنظيمية خلال بعض مراحل الموسم الدراسي داخل المؤسسات المعنية بالمشروع، من قبيل نقص المقررات الدراسية في بداية السنة الدراسية وظهور سوق سوداء للكتب المدرسية، فضلاً عن اختلالات تنظيمية صاحبت إجراء بعض فروض المراقبة المستمرة وامتحانات الدورة الأولى في عدد من المؤسسات التي تعتمد نموذج “مدارس الريادة”.
وفي خضم هذا الجدل، دخل البرلمان على خط النقاش بعدما وجه النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية عبد الله بوانو سؤالاً كتابياً إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، طالب فيه بتوضيحات حول لجوء الوزارة إلى إسناد مهمة تقييم “مدارس الريادة” إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وهي خطوة اعتبرها البرلماني مثيرة للاستغراب بالنظر إلى أن عملية التقييم، بحسب رأيه، تندرج ضمن اختصاصات الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.
وأشار السؤال البرلماني إلى أن المرصد الوطني للتنمية البشرية تحول، في سياق هذا الملف، إلى ما يشبه قناة لإبرام صفقات بمبالغ مالية مهمة لفائدة مكاتب دراسات خاصة، وهو ما اعتبره بوانو مؤشراً على سحب الثقة من المؤسسات الدستورية المختصة ومن الفاعلين التربويين أنفسهم.
كما تساءل عن مدى مشروعية إعداد المرصد لدفاتر تحملات في مجال بعيد عن اختصاصه الأصلي، قبل أن يعمد إلى تفويت إنجاز هذه المهام لمكاتب دراسات، وهو ما يطرح، بحسبه، إشكالاً مؤسساتياً يتعلق بتداخل الاختصاصات واحترام الأدوار المحددة قانوناً بين الهيئات المعنية بتقييم السياسات العمومية في مجال التعليم.
وتعززت حدة النقاش بعد تداول معطيات إعلامية، حسب ما أكدها النائب البرلماني، تحدثت عن تخصيص اعتمادات مالية مهمة لعمليات مرتبطة بتقييم المشروع، من بينها ما يقارب 2.2 مليار سنتيم للتحقق من مفعول العطل البينية على التحصيل الدراسي، إضافة إلى حوالي 1.6 مليار سنتيم لجمع المعطيات الميدانية وقياس مدى مطابقة المؤسسات لمعايير منح “شارة الريادة”.
كما جرى الحديث، حسب السؤال البرلماني عن تخصيص مبلغ إضافي يناهز 2.2 مليار سنتيم من أجل التحقق من نتائج التقييمات وتصحيح الاختبارات عبر شبكة من المصححين يصل عددهم إلى نحو 200 مصحح، وهي أرقام اعتبرها منتقدون دليلاً على ما وصفوه بهدر محتمل للمال العام، خاصة في ظل وجود مؤسسات وطنية مختصة بالتقييم التربوي تتوفر على الخبرة والموارد البشرية اللازمة لإنجاز مثل هذه المهام.
ويرى منتقدو هذه المقاربة أن اللجوء إلى مكاتب دراسات خاصة، بما في ذلك مؤسسات أجنبية في بعض الحالات، قد يفتح الباب أمام منح “شهادات علمية” لمشروع الإصلاح خارج الإطار المؤسساتي الوطني، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى هذه الاختيارات في ظل توفر بنية مؤسساتية قائمة يفترض أن تضطلع بمثل هذه المهام.
كما يحذر بعض الفاعلين التربويين من أن تعدد المتدخلين في تقييم المشروع قد يؤدي إلى إضعاف الانسجام في عملية التتبع والتقويم، ويجعل من الصعب بناء صورة دقيقة عن مدى تأثير المشروع على جودة التعلمات داخل الفصول الدراسية.
وفي سياق متصل، يرى عدد من المتابعين أن الجدل الدائر حول “مدارس الريادة” يعكس في جوهره إشكالية أعمق تتعلق بحكامة السياسات التعليمية وطبيعة الإصلاحات التي يتم اعتمادها داخل المنظومة التربوية.
فبينما تؤكد الوزارة أن المشروع يستند إلى مقاربات تربوية حديثة ويهدف إلى إحداث تحول نوعي في أداء المدرسة العمومية، يعتقد منتقدون أن بعض جوانب تنزيله اتسمت بطابع فوقي لم يفسح المجال بما يكفي لإشراك الفاعلين التربويين في بلورة التصورات وتنفيذها ميدانياً.
وكان وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة قد أعلن في وقت سابق عن عزم الوزارة مواصلة تطوير هذا البرنامج، خاصة من خلال تسريع وتيرة التحول الرقمي داخل المؤسسات التعليمية.
وفي هذا الإطار، تحدث الوزير عن خطة لتجهيز ما يقارب 34 ألف حجرة دراسية في المؤسسات المعنية بالمشروع بمعدات رقمية حديثة، إلى جانب العمل على ربط جميع المؤسسات التعليمية بشبكة الإنترنت، بما يتيح توسيع استعمال الموارد الرقمية في العملية التعليمية.
كما أشار المسؤول الحكومي إلى إطلاق منصات رقمية مجانية موجهة لتعلم اللغات العربية والأمازيغية واللغات الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تعزيز دعم التلاميذ وتمكينهم من أدوات تعليمية إضافية خارج الفضاء التقليدي للفصل الدراسي. وتندرج هذه المبادرات، بحسب الوزارة، ضمن رؤية تروم تطوير أساليب التدريس وتحسين ظروف التعلم بما يتماشى مع التحولات الرقمية المتسارعة.
وأكد الوزير أيضاً أن الوزارة تعتزم توسيع نطاق مشروع “مؤسسات الريادة” خلال السنوات المقبلة، من خلال إدماج حوالي ألفي مدرسة ابتدائية إضافية، إلى جانب نحو 500 مؤسسة بالسلك الثانوي الإعدادي.
ويهدف هذا التوسع، وفق المعطيات الرسمية، إلى تعميم التجربة تدريجياً داخل المنظومة التربوية، مع مواصلة تنفيذ أوراش موازية تستهدف الحد من الهدر المدرسي وتعزيز الدعم التربوي والاجتماعي للتلاميذ، خاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة اجتماعية.
غير أن استمرار الجدل حول الجوانب المرتبطة بالحكامة والتقييم يضع المشروع أمام تحديات حقيقية تتطلب مقاربة أكثر انفتاحاً على مختلف الفاعلين في الحقل التربوي.
الجريدة 24 : الكاتب : انس شريد
https://aljarida24.ma/content/uploads/2026/03/35-768x432-1.jpg
=======
الثلاثاء 10 مارس 2026
عاد مشروع “مدارس الريادة” إلى واجهة الجدل السياسي والبرلماني في المغرب، بعدما أثيرت تساؤلات جديدة حول تدبير صفقات مالية بمليارات السنتيمات مرتبطة بعملية تقييم هذا الورش التربوي الذي تقدمه وزارة التربية الوطنية باعتباره أحد أهم ركائز إصلاح المدرسة العمومية.
فبعد أن رُوّج للمشروع منذ إطلاقه باعتباره خطوة استراتيجية لإرساء نموذج تعليمي جديد يركز على تحسين جودة التعلمات وتطوير طرق التدريس وتعزيز الحكامة داخل المؤسسات التعليمية، بدأت أصوات تربوية وبرلمانية تحذر من اختلالات محتملة في تدبيره، معتبرة أن بعض الجوانب المرتبطة بتنزيله تثير تساؤلات جدية حول الشفافية ونجاعة الإنفاق العمومي.
وقد تحول هذا الملف في الأشهر الأخيرة إلى موضوع نقاش متكرر في الفضاء العمومي، خاصة في ظل تزايد الانتقادات المرتبطة بعدد من الإشكالات التي رافقت تنزيل المشروع ميدانياً.
فمن جهة، أثيرت تساؤلات حول تدبير الصفقات المرتبطة بعملية التقييم، ومن جهة أخرى برزت إشكالات تنظيمية خلال بعض مراحل الموسم الدراسي داخل المؤسسات المعنية بالمشروع، من قبيل نقص المقررات الدراسية في بداية السنة الدراسية وظهور سوق سوداء للكتب المدرسية، فضلاً عن اختلالات تنظيمية صاحبت إجراء بعض فروض المراقبة المستمرة وامتحانات الدورة الأولى في عدد من المؤسسات التي تعتمد نموذج “مدارس الريادة”.
وفي خضم هذا الجدل، دخل البرلمان على خط النقاش بعدما وجه النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية عبد الله بوانو سؤالاً كتابياً إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، طالب فيه بتوضيحات حول لجوء الوزارة إلى إسناد مهمة تقييم “مدارس الريادة” إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وهي خطوة اعتبرها البرلماني مثيرة للاستغراب بالنظر إلى أن عملية التقييم، بحسب رأيه، تندرج ضمن اختصاصات الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.
وأشار السؤال البرلماني إلى أن المرصد الوطني للتنمية البشرية تحول، في سياق هذا الملف، إلى ما يشبه قناة لإبرام صفقات بمبالغ مالية مهمة لفائدة مكاتب دراسات خاصة، وهو ما اعتبره بوانو مؤشراً على سحب الثقة من المؤسسات الدستورية المختصة ومن الفاعلين التربويين أنفسهم.
كما تساءل عن مدى مشروعية إعداد المرصد لدفاتر تحملات في مجال بعيد عن اختصاصه الأصلي، قبل أن يعمد إلى تفويت إنجاز هذه المهام لمكاتب دراسات، وهو ما يطرح، بحسبه، إشكالاً مؤسساتياً يتعلق بتداخل الاختصاصات واحترام الأدوار المحددة قانوناً بين الهيئات المعنية بتقييم السياسات العمومية في مجال التعليم.
وتعززت حدة النقاش بعد تداول معطيات إعلامية، حسب ما أكدها النائب البرلماني، تحدثت عن تخصيص اعتمادات مالية مهمة لعمليات مرتبطة بتقييم المشروع، من بينها ما يقارب 2.2 مليار سنتيم للتحقق من مفعول العطل البينية على التحصيل الدراسي، إضافة إلى حوالي 1.6 مليار سنتيم لجمع المعطيات الميدانية وقياس مدى مطابقة المؤسسات لمعايير منح “شارة الريادة”.
كما جرى الحديث، حسب السؤال البرلماني عن تخصيص مبلغ إضافي يناهز 2.2 مليار سنتيم من أجل التحقق من نتائج التقييمات وتصحيح الاختبارات عبر شبكة من المصححين يصل عددهم إلى نحو 200 مصحح، وهي أرقام اعتبرها منتقدون دليلاً على ما وصفوه بهدر محتمل للمال العام، خاصة في ظل وجود مؤسسات وطنية مختصة بالتقييم التربوي تتوفر على الخبرة والموارد البشرية اللازمة لإنجاز مثل هذه المهام.
ويرى منتقدو هذه المقاربة أن اللجوء إلى مكاتب دراسات خاصة، بما في ذلك مؤسسات أجنبية في بعض الحالات، قد يفتح الباب أمام منح “شهادات علمية” لمشروع الإصلاح خارج الإطار المؤسساتي الوطني، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى هذه الاختيارات في ظل توفر بنية مؤسساتية قائمة يفترض أن تضطلع بمثل هذه المهام.
كما يحذر بعض الفاعلين التربويين من أن تعدد المتدخلين في تقييم المشروع قد يؤدي إلى إضعاف الانسجام في عملية التتبع والتقويم، ويجعل من الصعب بناء صورة دقيقة عن مدى تأثير المشروع على جودة التعلمات داخل الفصول الدراسية.
وفي سياق متصل، يرى عدد من المتابعين أن الجدل الدائر حول “مدارس الريادة” يعكس في جوهره إشكالية أعمق تتعلق بحكامة السياسات التعليمية وطبيعة الإصلاحات التي يتم اعتمادها داخل المنظومة التربوية.
فبينما تؤكد الوزارة أن المشروع يستند إلى مقاربات تربوية حديثة ويهدف إلى إحداث تحول نوعي في أداء المدرسة العمومية، يعتقد منتقدون أن بعض جوانب تنزيله اتسمت بطابع فوقي لم يفسح المجال بما يكفي لإشراك الفاعلين التربويين في بلورة التصورات وتنفيذها ميدانياً.
وكان وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة قد أعلن في وقت سابق عن عزم الوزارة مواصلة تطوير هذا البرنامج، خاصة من خلال تسريع وتيرة التحول الرقمي داخل المؤسسات التعليمية.
وفي هذا الإطار، تحدث الوزير عن خطة لتجهيز ما يقارب 34 ألف حجرة دراسية في المؤسسات المعنية بالمشروع بمعدات رقمية حديثة، إلى جانب العمل على ربط جميع المؤسسات التعليمية بشبكة الإنترنت، بما يتيح توسيع استعمال الموارد الرقمية في العملية التعليمية.
كما أشار المسؤول الحكومي إلى إطلاق منصات رقمية مجانية موجهة لتعلم اللغات العربية والأمازيغية واللغات الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تعزيز دعم التلاميذ وتمكينهم من أدوات تعليمية إضافية خارج الفضاء التقليدي للفصل الدراسي. وتندرج هذه المبادرات، بحسب الوزارة، ضمن رؤية تروم تطوير أساليب التدريس وتحسين ظروف التعلم بما يتماشى مع التحولات الرقمية المتسارعة.
وأكد الوزير أيضاً أن الوزارة تعتزم توسيع نطاق مشروع “مؤسسات الريادة” خلال السنوات المقبلة، من خلال إدماج حوالي ألفي مدرسة ابتدائية إضافية، إلى جانب نحو 500 مؤسسة بالسلك الثانوي الإعدادي.
ويهدف هذا التوسع، وفق المعطيات الرسمية، إلى تعميم التجربة تدريجياً داخل المنظومة التربوية، مع مواصلة تنفيذ أوراش موازية تستهدف الحد من الهدر المدرسي وتعزيز الدعم التربوي والاجتماعي للتلاميذ، خاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة اجتماعية.
غير أن استمرار الجدل حول الجوانب المرتبطة بالحكامة والتقييم يضع المشروع أمام تحديات حقيقية تتطلب مقاربة أكثر انفتاحاً على مختلف الفاعلين في الحقل التربوي.
الجريدة 24 : الكاتب : انس شريد
https://aljarida24.ma/content/uploads/2026/03/35-768x432-1.jpg
=======