المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدرّسو الأمراء….تاريخ مهنة إعداد الملوك لقرون من الزمن


nasser
01-06-2026, 13:40
مدرّسو الأمراء….تاريخ مهنة إعداد الملوك لقرون من الزمن

الاثنين 01 يونيو 2026

https://www.alakhbar.press.ma/wp-content/uploads/2022/09/alakhbar-logo.jpg «سواء تعلق الأمر بفقهاء مغاربة سجلوا أسماءهم في حقل العلوم مثل الفلك والرياضيات والتاريخ، أو الفقهاء ممن لقبوا بـ«الحرس القديم».. فإن مهمة تدريس أبناء سلاطين وملوك المغرب كانت دائما تحكمها تقاليد مرعية ضاربة في القدم..

من الشيخ اليوسي مرورا بالسباعي وأبي شعيب الدكالي وآخرين.. وصولا إلى عبد الهادي بوطالب وباحنيني، أو المهدي بن بركة الذي أدخلته «ثورة» محمد الخامس التعليمية إلى المدرسة المولوية، كانت مهمة تدريس الأمراء استمرارا لتقليد مخزني يعود إلى قرون خلت».

المدرسة المولوية.. نخب المغرب تدرس ملك المستقبل

في سنة 1942 أطلق السلطان سيدي محمد بن يوسف اسم «المدرسة المولوية» على المؤسسة المشرفة على تعليم الأمراء والأميرات داخل القصر الملكي.

أراد السلطان الراحل أن تصبح العملية التعليمية، وتكوين الملك المستقبلي عصرية، ليخرجها من ظل المخزن المحافظ.

كان الجيل الأول للمدرسين يتكون من: عبد الهادي بوطالب، خريج القرويين، والمهدي بن بركة، أستاذ الرياضيات اليساري و«دينامو» حزب الاستقلال وخريج المدرسة الفرنسية العصرية، ومحمد الفاسي، مثال المُدرس المتشبع بالثقافتين المغربية والقومية أيضا..

هذا الجيل كان يجمع ما تفرق في الساحة المغربية. وإلى جانب تفوق عبد الهادي بوطالب في القرويين، وانفتاحه على الثقافة الشرقية، فقد كان أيضا متعطشا للانفتاح على الثقافة الغربية وتعلم اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

أما المهدي بن بركة، فقد كان مثال خريج المدارس الفرنسية، واستقدمه السلطان محمد بن يوسف لإضافة بصمة علمية عصرية على لائحة مُدرسي ولي العهد والأميرات. بينما مثّل باحنيني مثال استمرار «الحرس القديم» من رجال المخزن في مهمة التدريس.. فقد كان باحنيني، أحد أقدم مدرسي المدرسة المولوية، وبقي مزاولا لمهامه خلف أسوارها لأكثر من ثلاثة عقود .

ينضاف إلى هؤلاء الفقيه عبد الرحمن بن موسى، وهو أحد العلماء الذين أحاطهم السلطان بتقدير خاص، واختاره بنفسه لكي ينضم إلى فريق تعليم ولي العهد والأميرات في المعهد.

كانت فكرة المدرسة المولوية ثورية بكل المقاييس في ذلك الوقت. فقد كان المغرب في سياق أربعينيات القرن الماضي، يعيش على إيقاع تجارب المدارس الفرنسية العصرية في عدد من المدن المغربية. بل إن أبناء الأعيان المغاربة التحقوا بها فعليا، في مقابل ما يشبه «الجمود» في ما يخص المدارس المغربية العتيقة.

جاءت فكرة المدرسة المولوية لتحدث ثورة في التعليم المغربي، وسرعان ما أسس رواد الحركة الوطنية مدارس مغربية على شاكلة المدرسة المولوية، نافست بقوة على استقطاب أبناء المغاربة، وإبعادهم عن المدارس الفرنسية.

ظلت ذكريات وتفاصيل حياة الأمراء في المدرسة المولوية بعيدة عن الأضواء، رغم أن الصحافة الفرنسية اهتمت بمعرفة يوميات ولي العهد ومساره الدراسي.. وعندما تحدث الوزير والدبلوماسي والمستشار الملكي الراحل عبد الهادي بوطالب عن ذكرياته في المدرسة المولوية، بعد أكثر من ستين سنة على مزاولته مهمة التدريس خلف أسوارها، استقبل المغاربة روايته بتعطش كبير، لمعرفة تفاصيل دراسة الملك الراحل الحسن الثاني. وبدا واضحا من خلال «بوح» عبد الهادي بوطالب في مذكراته «نصف قرن في السياسة»، والتي صدرت قبل وفاته سنة 2009، أن مهمة التدريس في المدرسة المولوية كانت سابقة في تاريخ تعليم الملوك والأمراء.

يقول بوطالب إن السلطان سيدي محمد بن يوسف كان يزور المدرسة بانتظام ويتابع بنفسه مسار أبنائه وتحصيلهم الدراسي، بل ويسأل المدرسين عن مستوى الأمراء والأميرات، ولم تكن مهام الحكم تحول بينه وبين متابعة كل ما يتعلق بالمدرسة المولوية واحتياجات المدرسين.

إطلاق المدرسة المولوية سنة 1942 كان تتويجا لمسار تعليمي استمر لقرون منذ عهد المولى إسماعيل الذي حكم المغرب ما بين 1672 و1727، عندما كلف الفقهاء ومستشاريه من العلماء بتدريس أبنائه، وصولا إلى عهد الملك الراحل محمد الخامس الذي أدخل التعليم العصري على تربية الأمراء والأميرات.



تقاليد مرعية تحكم مهنة إعداد الملوك

يبقى عبد الرحمن بن زيدان، مؤرخ المملكة، أحد أهم من وثقوا لتقاليد القصور الملكية وجوانب من الحياة اليومية لسكان القصر.

وإذا كان هذا المؤرخ قد سجل برنامج «يوم السلطان وليلته»، فإنه أولى حيزا مهما من هذا التوثيق لجانب التعليم والدراسة في حياة سلاطين المغرب، منذ قيام الدولة العلوية إلى عهد الملك الراحل الحسن الثاني.

ابن زيدان الذي عاصر إطلاق المدرسة المولوية، لم يفته أن يسجل اهتمام سلاطين الدولة العلوية السابقين بتعليم أبنائهم الأمراء، في مختلف المراحل التاريخية التي مر بها المغرب.

فالسلطان المغربي سيدي محمد بن عبد الله، محمد الثالث، كان مثال السلطان الذي حظي بتعليم جيد. إذ صنف العلماء اسمه كواحد من أبرز علماء المغرب، رغم أن مهامه في السلطة كانت جسيمة، إلا أنها لم تثنه عن مواصلة تعليمه، بل وتفرغه للتأليف، حتى أن فترة 1757 و1790، وهي الفترة التي زاول فيها الحكم إلى أن توفي، كانت الأبرز في مساره العلمي، وألف فيها عددا من المؤلفات في العلوم الشرعية.. كان محمد الثالث محظوظا، لأن أباه المولى عبد الله بن المولى إسماعيل، وفر له فريقا من العلماء، من خيرة علماء القرويين وقضاتها، بل إن رئيس العدلية الذي كان يترأس مجلس العلماء ومستشاري السلطان، كان من بين أفراد فريق تدريس الأمير محمد، قبل أن يخلف والده في السلطة.

كان تعليم أبناء السلطان مهمة يشرف عليها السلطان شخصيا، ورغم أن مستشاريه يشاركون في عملية اقتراح العلماء والفقهاء المعنيين، إلا أن السلاطين كثيرا ما كانوا يختارون من يرتاحون لهم من الفقهاء لكي يعهدوا إليهم بتربية أبنائهم. وهو ما وقع في عهد السلطان سيدي محمد بن يوسف، في بداية ثلاثينيات القرن الماضي. فقد حافظ على التقاليد المرعية، وكلف من يرتاح إليهم من الفقهاء لكي يشرفوا على تدريس الأميرات والأمراء، قبل أن يفكر في إنشاء المدرسة المولوية التي اعتبرت ثورة في التعليم خلف أسوار القصر الملكي بالرباط.

المولى الحسن الأول، كان سباقا إلى اعتماد علماء يزاولون مهام رسمية في الدولة، لكي يشرفوا على تربية أبنائه، في وقت كانت العادة أن يشرف فقهاء يتم اختيارهم بعناية، على تدريس أبناء السلطان.

لم يُسجل أن أحد سلاطين المغرب قد اعتمد علماء من الشرق لتدريس أبنائه.. والسبب أن مهمة تربية أبناء السلطان كانت دائما تحكمها التقاليد المخزنية المرعية.. وهذه التقاليد كانت دائما تركز على الفقهاء الذين يختارهم السلطان، من جلساته الخاصة، أو اجتماعاته مع مستشاريه.

يسجل التاريخ المغربي أيضا أن السلاطين كانوا يعهدون بمهمة تدريس أبنائهم إلى العلماء والفقهاء مباشرة دون وساطة سياسية من الوزراء.. حرصا على أن يبقى موضوع تعليم أبناء السلطان غير مسيس. وهكذا فإن الاختيار كان دائما حصرا على السلطان، ليحدد من يعرفهم من العلماء والفقهاء والوزراء أيضا، المشهود لهم بالكفاءة، لكي يشرفوا على واحدة من أكثر المهام حساسية داخل القصور الملكية، وهي تعليم الأمراء.



اليوسي.. أستاذ المولى إسماعيل بالمُراسلة

تبقى سيرة العالم المغربي الكبير، الفقيه الحسن اليوسي، واحدة من أكثر سير العلماء المغاربة إثارة.. فقد عاش في زمن المولى إسماعيل، المؤسس الفعلي لسلطة الدولة العلوية، وعاصر المؤسس التاريخي مولاي علي الشريف، وفضل أن يبقى بعيدا عن مغريات المناصب. واشتهر بمراسلاته مع المولى إسماعيل، والتي بلغت حد السجال.

رغم الكتابات الكثيرة التي تناولت حياة السلطان المولى إسماعيل، إلا أن فترة دراسته بقيت في منطقة الظل.

ومن الحقائق المثيرة أن المولى إسماعيل درس في تافيلالت، على يد كوكبة من كبار علماء المغرب في عهد والده، خلال السنوات الأولى لتأسيس الدولة العلوية، ثم درس على يد علماء سوس. وعندما استقر في مكناس، ظل مواظبا على مواصلة التعليم حتى مع بداية انشغاله بأمور السلطة. وقرّب منه ثلة من العلماء، من بينهم بن أحمد ميارة، والعالم أبو سالم العياشي، وهما معا من أبرز علماء المغرب.

وبحكم التقدير الكبير الذي أولاه المولى إسماعيل لليوسي، فقد عهد إليه بالإشراف على تدريس أبنائه الأمراء، وهي المهمة التي اعتذر عنها اليوسي في البداية، بحكم انشغاله بالتأليف، لكنه فور عودته شكر السلطان على التشريف، وباشر مهمته، لتنطلق فترة المراسلات الشهيرة بينه وبين السلطان المولى إسماعيل.. وهي المراسلات التي تضمنت نصائح استشارية لم تخل من انتقادات، وسجالات دون أن يخرج فيها اليوسي عن حدود اللياقة والتقدير الواجب للسلطان.

كان المولى إسماعيل مشرفا على تدريس أبنائه شخصيا، وعهد بالمهمة إلى تلامذة الشيخ اليوسي، بل وكان يجتمع بهم مرة في الأسبوع، مباشرة بعد انتهائه من اجتماعه مع وزرائه، ويتابع معهم مستوى أبنائه في دراسة العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية. وكان أبرز من حضروا تلك الاجتماعات، الشيخ محمد المجاضي، وهو أحد المشايخ الذين عهد إليهم المولى إسماعيل بمهمة تدريس أبنائه الأمراء، وكان من بينهم أميران على الأقل، تعاقبا على حكم المغرب بعد 1727.

من الحقائق المنسية المتعلقة بالشيخ اليوسي، أنه كان مشرفا على لجنة الأساتذة والعلماء المكلفين بتدريس أبناء المولى إسماعيل، وهي المهمة التي كلفه بها السلطان، ولم يتردد في الاضطلاع بها، بل ووجه رسائل خاصة إلى السلطان بشأنها، حيث كان يرفع إليه ما يشبه «تقارير» دورية، بخصوص ما يجب أن يتعلمه الأمراء الذين كانوا وقتها مشاريع سلاطين مستقبليين للمغرب..

كان اليوسي إذن يقف وراء أبرز تعيينات الأساتذة المكلفين بتدريس أبناء المولى إسماعيل في القصر الملكي بمكناس، ويستحق لقب مهندس تدريس أمراء الدولة العلوية، على اعتبار أن المولى إسماعيل سبق له أن درس في تافيلالت على يد فقهائها المحليين، بينما أبناؤه الأمراء درسوا على يد نخبة علماء المغرب، وخصص لهم مجالس ونظام تدريس صارم تابعه شخصيا.



أبو شعيب الدكالي مهندس تعليم الأمراء قبل زمن «المدرسة المولوية»

عندما عاد الفقيه، شيخ الإسلام أبي شعيب الدكالي، إلى المغرب سنة 1908، قادما من الحجاز، بعد أن كان إماما للحرم المكي وعلى رأس تمثيلية العلماء في الشرق من خريجي الأزهر الشريف.. عهد إليه المولى عبد الحفيظ بمهام في الدولة، وعينه على رأس جهاز القضاء، وزيرا للعدلية وقاضي القضاة.

راج في بعض المراجع أن أبا شعيب الدكالي سبق له أن أشرف على تدريس أبناء المولى الحسن الأول، لكن هذه الرواية تبقى ضعيفة، بحكم أن الرجل كان صغير السن عندما التقى المولى الحسن الأول لأول مرة، ولم يكن عمره يتجاوز 13 سنة فقط، وأرسله السلطان على نفقته لكي يدرس في جامع القرويين بفاس، ثم في جامع الأزهر بمصر، ومنها مباشرة إلى الحجاز إماما للحرم المكي، بعد أن تفوق على الأزهريين.. وهكذا، فإن فرضية قضاءه فترة في تدريس أبناء المولى الحسن الأول تبقى ضعيفة، خصوصا وأنه عاد إلى المغرب بعد وفاة السلطان بسنوات..

والمثير أن بعض المصادر تحدثت عن تتلمذ المولى عبد العزيز على يد أبي شعيب الدكالي في صغره، لكن هذه الفرضية تتداعى سريعا أمام حقيقة تاريخية مفادها أن السلطان المولى عبد العزيز وُلد في السنة نفسها التي ولد فيها أبو شعيب الدكالي أيضا -سنة 1878-، وبالتالي فإن تتلمذ الأمير على يد الشيخ مستحيل. لكن صداقة متينة جمعت بين السلطان المعزول المولى عبد العزيز وأبي شعيب الدكالي بعد 1908، وتبادلا الرسائل..

لكن المؤكد أن أبا شعيب الدكالي تحمل مسؤولية تدريس الأمراء أبناء المولى يوسف، أي بعد 1912.

إذ إن سمعة أبي شعيب الدكالي كانت تسبقه، وفور جلوس المولى يوسف على العرش استدعاه، بحكم أنه كان قاضي القضاة، وعينه مدرسا لأبنائه الأمراء، خصوصا سيدي محمد ومولاي علي.. وفعلا اضطلع أبو شعيب الدكالي بهذه المهمة، ووضع أسس منهج التدريس الخاص بالأمراء، وخُصص له جناح في القصر الملكي في الرباط.. وحتى عندما كان أبناء السلطان يذهبون إلى مكناس لقضاء العطل الدينية، فقد كان أبا شعيب الدكالي يرافقهم في كثير من المناسبات لمواصلة مهمة التدريس وتحفيظ القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية لأبناء المولى يوسف.

تقوت الانشغالات الرسمية في وزارة العدلية على أبي شعيب الدكالي في عز انشغاله بتدريس الأمراء.. ولم يكن أمامه ما يكفي من الوقت لتأسيس مدرسة نموذجية في قلب القصر الملكي، وهو المشروع الذي كان يحلم به، ولم يتوقف حتى مع وفاة السلطان المولى يوسف سنة 1927. فالدكالي بقي مقربا جدا من السلطان سيدي محمد بن يوسف، وبقي السلطان الشاب وفيا لأستاذه الشيخ الدكالي.. لكن مع بلوغ أبناء السلطان سيدي محمد بن يوسف، الأمير مولاي الحسن ومولاي عبد الله والأميرات سن التمدرس، كان أبا شعيب الدكالي قد اشتد عليه المرض، ثم توفي سنة 1937، ليسجل اسمه في التاريخ كواحد من الأساتذة القلائل الذين أشرفوا على تدريس الأمراء لسنوات طويلة سُجلت فيها أحداث مفصلية في تاريخ المغرب.



محمد المعمري.. من قرية «نايت ميمون» إلى تدريس محمد الخامس

الفقيه المعمري نموذج نادر ومثال للفقيه المحافظ الذي كان في الوقت نفسه متحدثا باللغة الفرنسية. جاء إلى المغرب سنة 1908، وسكن في مدينة فاس، قادما إليها من منطقة «القبائل» الجزائرية، وبالضبط من قرية «تاوريرت نايت ميمون»، وكان حلمه أن يحظى بوظيفة مخزنية، خصوصا وأنه كان يفهم اللغة الفرنسية ويتحدثها، فالرجل فتح عينيه في بلاد تحتلها فرنسا.

الوظيفة المخزنية أدخلت محمد المعمري إلى القصر الملكي، في عهد المولى عبد الحفيظ في فاس، ومع انتقال السلطة إلى الرباط، نقله المولى يوسف وأصبحت مهمته الإدارية في القصر الملكي بوابة صداقة متينة جمعته بسيدي محمد بن يوسف. إذ إن المولى يوسف ألحق المعمري بفريق تدريس الأمراء، وهنا توطدت علاقته بالأمير سيدي محمد بن يوسف. كانت مهمة المعمري في التدريس واضحة، تعليم الأمير أصول المعاملات الإدارية، والمهام المكتبية، ولغة المراسلات، واستمر في مهمته لما يقارب عشر سنوات.. الذين زاولوا هذه المهمة كانوا يُسمون «المؤدبين»..

لكن سنة 1927 كانت مفصلية في حياة المعمري، إذ إن السلطان سيدي محمد بن يوسف قربه منه وجعله مرافقا له، وأحد أعضاء ديوانه الرئيسيين، ثم أصبح مديرا للديوان، وكبير مستشاري السلطان سيدي محمد بن يوسف.

اعتبر الجزائريون أن وجود محمد المعمري في القصر الملكي بفاس ما كان ليتحقق لولا وجود مستشار قوي هو قدور بن غبريط، ذو الأصول الجزائرية. لكن الحقيقة أن العمري استطاع أن يرسم لنفسه مسارا في السلطة، بعيدا عن تشويش بن غبريط. فقد كان ينتمي إلى جيل الشباب الذين أبانوا عن علو كعب في مزاولة المهام الإدارية. والمصادر الجزائرية ذاتها تقول إن ولوج المعمري مهمة التدريس، كان بإيعاز من المستشار قدور بن غبريط.

سرعان ما نزع «المعمري» رداء المُدرّس ليصبح مرافقا دائما للملك محمد الخامس في سنوات حكمه الأولى. وبدا واضحا أن علاقة قوية ربطته بالملك الحسن الثاني أيضا في طفولته، عندما كان يرافق والده في الاستقبالات الرسمية.

فرنسيون كثر، أشاروا في بعض كتاباتهم إلى المعمري بصفته واحدا من أكثر رجال المحيط الملكي هدوءا وأكثرهم قربا من القرار، رغم أنه بدأ مساره في السلطة مُدرّسا للسلطان محمد بن يوسف.

لم يظهر يوما ببذلة رسمية. كان يرتدي الجلباب المغربي، ولم يظهر في أي صورة من الصور التي التقطت له بزي جزائري. «تمغرب» المعمري، كما وصفه «ت. دو لاكروا»، أحد موظفي فرنسا في الإقامة العامة بالرباط سنة 1939، عندما تحدث معه على انفراد في أحد الاستقبالات الرسمية، ولاحظ أن فرنسيته سليمة، ليخبره المعمري أن أصوله جزائرية، رغم أنه صار مغربي الهوى.

قصة المعمري تستحق أن تُروى، لأنه غادر الساحة بهدوء ولم يعد يظهر له أي أثر خلال فترة نفي الملك محمد الخامس سنة 1953. اختار أن يقضي آخر أيامه الأخيرة بعيدا عن عالم القصور، سيما وأن بعض أفراد محيط الملك الراحل محمد الخامس كانوا يتفقدون وجوه السلطة القديمة، ليجدو أن المُدرّس السابق للملك محمد الخامس لم يعد يفضل الظهور، نظرا إلى حالته الصحية المتردية في آخر أيامه. بالإضافة إلى أنه بقي وفيا للعائلة الملكية، وجاء على رأس المهنئين في نونبر 1955 بعودة السلطان سيدي محمد بن يوسف إلى عرشه.

تقاعد المعمري مبتعدا عن عالم السلطة بعد الاستقلال، وأشيع أنه عاد إلى الجزائر، في ما تحدثت مصادر أخرى عن رحيله إلى فرنسا للعلاج.. لكن المؤكد أن المعمري كان يحظى بتقدير خاص، فقد كان دائما جزءا من الصورة الرسمية في المغرب لقرابة نصف قرن حافل بالأحداث.



الحسن اليمني.. اغتيل أستاذه وعوّضه ليصبح مدرس السلاطين

الحسن بن الطيب اليمني، تلميذ للشيخ السباعي. وهذا الأخير كان أستاذا لأبناء المولى الحسن الأول، ومشرفا على فريق التدريس المكلف بتحفيظ أبناء السلطان القرآن الكريم والمتون وقواعد اللغة العربية.

اقترح السباعي أن يلتحق تلميذه الحسن اليمني بفريق التدريس في مدينة فاس، وهو ما تم فعلا. لكن في صيف سنة 1894، مباشرة بعد وفاة السلطان الحسن الأول ونقل جثمانه إلى قصره بفاس، حتى اندلعت الحرب حول السلطة، وراح ضحيتها الفقيه السباعي الذي كان في قلب هذا الصراع، وقد أشيع أن الوزير باحماد كان وراء اغتيال الفقيه السباعي، بل وإحراق مكتبته التي احتفظ اليمني ببعض كُتبها في غفلة من الوزير باحماد.

وهكذا بقي الأستاذ اليمني وحيدا، لكنه واصل مهمة التدريس في القصر الملكي.

لكن التلميذ اليمني، صاحب الكتاب الشهير «التنبيه المعرب»، كان أوفر حظا من أستاذه وبصم على مسار حافل داخل القصر الملكي، فقد أشرف على تدريس المولى يوسف، ثم أبناء المولى يوسف، وأعاد الاعتبار نسبيا لأستاذه، عندما خصص له بعض السطور في مؤلفه ليتحدث عن المكانة الكبيرة التي احتلها في دولة الحسن الأول، وكيف كان يعهد له بمهمات جليلة، خصوصا وأنه كان من بين الذين يتحكمون في القضاء، وتوزيع القضاة على الأقاليم.

محمد اليمني، أدرك الملك محمد الخامس، في سن مبكرة جدا، وكان معروفا أنه كان على علاقة وطيدة بوزراء المولى يوسف، ويروي بعض المهتمين بحياته أنه كان يجالس المولى يوسف في بعض المناسبات ليتحدث معه عن ذكريات طفولته، وحكى له عن أستاذه السباعي الذي راح ضحية للمكائد والصراعات حول الحكم، وكيف أن ضياع مكتبته كان نكبة حقيقية للأسرة العلمية في المغرب.

بقي الملك الراحل محمد الخامس يتذكر محمد اليمني، وأوصى بإعادة طباعة بعض مؤلفاته، سيما وأن اسم محمد اليمني كان يُذكر الملك محمد الخامس بطفولته وأولى سنوات شبابه في فاس، قبل أن يتحول إلى الاستقرار في الرباط. لذلك كان الملك مهتما بمعرفة بعض تفاصيل حياة محمد اليمني، حتى أنه سأله مرة بشكل مباشر، أن يحكي له عن ذكرياته مع أستاذ والده، وكان يقصد محمد السباعي، وبدا عليه تأثر واضح وهو يسمع أن مكتبة السباعي ضاعت بعد أن نُكّل به في عقر داره، بسبب الصراع حول المناصب، ويأمر محمد الخامس شخصيا، في السنوات الأولى لحكمه، بأن يحاول بعض العلماء جمع سيرة أستاذ والده المولى يوسف، إلا أن الأمر لم يتحقق.

بين السباعي واليمني إذن صلة وصل لم يكسرها موت الأول، ولا قرب الأخير من السلطة، خصوصا وأنه حظي بتقدير خاص من الملك الراحل محمد الخامس في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث أوصى الملك الراحل محمد الخامس بطبع مؤلفات اليمني، اعترافا بمجهوده الكبير في تدريس أبناء المولى يوسف.

مرافعات اليمني دفاعا عن سيرة أستاذه السباعي الذي اغتيل في ظروف تاريخية مؤسفة، كانت حالة نادرة في تاريخ الفقهاء الذين تكلفوا بمهام رسمية في البلاط، قبل زمن «المدرسة المولوية».. فقد كان التشريف بتدريس أبناء السلطان يعني ضمنيا، تقديرا شخصيا للمشرفين على تكوين ملوك المستقبل.

الأخبار
https://www.alakhbar.press.ma/wp-content/uploads/2026/06/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%B3-%D9%85%D8%B9-%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B0%D9%87-%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D9%86%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%84%D9%88%D9%8A%D8%A9.j pg

==============================================

nasser
01-06-2026, 13:40
https://scontent.ffez1-1.fna.fbcdn.net/v/t39.30808-6/710598470_1340573058173772_5597210014631108340_n.j pg?_nc_cat=109&ccb=1-7&_nc_sid=127cfc&_nc_ohc=0SObJiY1Ru8Q7kNvwFIGmVD&_nc_oc=Adrtzvh8wtHOCIySzLcaOfiyIONMJnXYXmZfqf3ejXl W1aHj2lHiGthDaDtLlH0Lw2g&_nc_zt=23&_nc_ht=scontent.ffez1-1.fna&_nc_gid=eH7oKi0MXyz-QR_0fz81KA&_nc_ss=7f2a8&oh=00_Af-qntcC5pQe_N8wruwHXRatJA80ZYttZocc75IyjxANXA&oe=6A234B3F