الحواط
24-11-2008, 18:24
اليتيــــــــمة الحسناء
قست ظروف العيش بالقرية على خديجة فساقتها للعمل عند إحدى الأسر الثرية بالمدينة .
لاحظ أهل البيت صفاء محياها الذي تنبعث منه ابتسامات وضاءة تزيدها جادبية وجمالا .
توجست مشغلتها وظنت الظنون .
فضاقت رحابة البيت وشساعته بوجودهما معا .
استعرضت في مخيلتها ما سيحل ببيتها بوصول هاته الخادمة .
خادمة جميلة في مقتبل العمر ،
وزوج لا زال غير ثابت ولا متزن .
لم يستطع - كعادته - إخفاء المبالغة باهتمامه بالوافدة الجديدة .
كشفته حركاته ونظراته ،
وأفصحت عن نواياه مجاملاته وعباراته .
ورددت مع نفسها :
أعرف عن سلوكاته المارقة الشيئ الكثير .
والآن تيقنت من شروعه في الانزلاق عن مساري الجد والرزانة مرة أخرى .
لكني لا أقوى على الإفصاح عن هواجسي ، مخافة أن أتهم بالغيرة ... والحسد ،
سألجأ إلى وسائل أخرى .
طوقت بعناية كل تصرفاته ،
وأحاطته بالمزيد من الحرص والتتبع ، إلى أن حل موعد سفره المعتاد لتدبير تجارته بأسواق بعيدة عن مدينته.
كما منعت الخادمة من لباسها وأعطتها أطمارا تليق بالخادمة في نظرها ،
وحذرتها من التواصل والاحتكاك بكل أفراد الأسرة ذكورها وإناثها ،
تجلس منفردة
وتأكل وحدها
وتستقر دائما بالقبو داخل المطبخ ،
وتشتغل ليل نهار .
لم تأبه الخادمة بكل ذلك .
تعمل بحيوية ونشاط ،
لا تهتم إلا بنفسها وواجباتها في البيت .
استغربت المشغلة أمرها ، وازداد ضعفها وخوفها أمام صلابة الخادمة وتحديها ،
فأخذت تختلق أسبابا لشتمها وإهانتها .
ثم طورت أسلوبها إلى الحرمان من الراحة والأكل .
تحملت خديجة الجوع مدة إلى أن فرغت ذاتها ولازمتها أمغاص المعدة و الأمعاء .
ومع الأيام فقدت الصبر والتحمل .
إنها تتضور جوعا .
أرهقها التعب وأفنتها القسوة والحرمان .
اضطرت مرارا إلى البحث في كل أرجاء البيت عن بقايا طعام تسد به رمقها ، ولكن بدون جدوى .
شعرت أخيرا بجهد وعياء غريبين ، فآوت إلى أحد أركان المطبخ ،
ضغطت على أمعائها بدراعيها وأخذت تصغي إلى ترانيم غليانها .
لف المكان صمت رهيب ،
امتزجت فيه أنفاسها بنبضات قلب يصارع من أجل البقاء .
تتناهى إلى سمعها دقات بطيئة وغائرة ، كدقات طبول الجيوش المستعدة للمعركة .
اشتدت عليها الآلام فأخذت تصيح مستغيثة بصوت منهك مبحوح إلى أن أغمي عليها
لم تدر ماذا جرى .
لما أفاقت وجدت نفسها على سرير بالمستشفى .
أشفق الطبيب المعالج من حالها ، وخاصة لما عرف أنها يتيمة الأب والأم ، تتمتع بنصيب وافر من الحسن والفطنة والذكاء .
وسألها :
لقد مكثت يابنيتي بالمستشفى أزيد من شهر ، ولم يسأل عنك أهل ولا أقارب .
وحان موعد مغادرتك للمصحة .
هل تقبلين العيش ببيتي مع أهلي ؟
في صمت مطبق ،هزت رأسها معبرة عن القبول .
حملها لتعيش مع أبنائه .
رحبت بمقدمها الأسرة الجديدة .
فأخذت تقرأ وتتعلم ، وتساعد جهد المستطاع في أشغال البيت .
تشبعت وسط هذه الأسرة ، بمقومات سلوكهم القويم ، وأخلاقهم الفاضلة .وعاشت بينهم أسعد أيامها ، إلى أن زفت إلى بيتها بعد أن تزوجها أحد أصدقاء الطبيب رب الأسرة .
بقلم : محمدالطيب
قست ظروف العيش بالقرية على خديجة فساقتها للعمل عند إحدى الأسر الثرية بالمدينة .
لاحظ أهل البيت صفاء محياها الذي تنبعث منه ابتسامات وضاءة تزيدها جادبية وجمالا .
توجست مشغلتها وظنت الظنون .
فضاقت رحابة البيت وشساعته بوجودهما معا .
استعرضت في مخيلتها ما سيحل ببيتها بوصول هاته الخادمة .
خادمة جميلة في مقتبل العمر ،
وزوج لا زال غير ثابت ولا متزن .
لم يستطع - كعادته - إخفاء المبالغة باهتمامه بالوافدة الجديدة .
كشفته حركاته ونظراته ،
وأفصحت عن نواياه مجاملاته وعباراته .
ورددت مع نفسها :
أعرف عن سلوكاته المارقة الشيئ الكثير .
والآن تيقنت من شروعه في الانزلاق عن مساري الجد والرزانة مرة أخرى .
لكني لا أقوى على الإفصاح عن هواجسي ، مخافة أن أتهم بالغيرة ... والحسد ،
سألجأ إلى وسائل أخرى .
طوقت بعناية كل تصرفاته ،
وأحاطته بالمزيد من الحرص والتتبع ، إلى أن حل موعد سفره المعتاد لتدبير تجارته بأسواق بعيدة عن مدينته.
كما منعت الخادمة من لباسها وأعطتها أطمارا تليق بالخادمة في نظرها ،
وحذرتها من التواصل والاحتكاك بكل أفراد الأسرة ذكورها وإناثها ،
تجلس منفردة
وتأكل وحدها
وتستقر دائما بالقبو داخل المطبخ ،
وتشتغل ليل نهار .
لم تأبه الخادمة بكل ذلك .
تعمل بحيوية ونشاط ،
لا تهتم إلا بنفسها وواجباتها في البيت .
استغربت المشغلة أمرها ، وازداد ضعفها وخوفها أمام صلابة الخادمة وتحديها ،
فأخذت تختلق أسبابا لشتمها وإهانتها .
ثم طورت أسلوبها إلى الحرمان من الراحة والأكل .
تحملت خديجة الجوع مدة إلى أن فرغت ذاتها ولازمتها أمغاص المعدة و الأمعاء .
ومع الأيام فقدت الصبر والتحمل .
إنها تتضور جوعا .
أرهقها التعب وأفنتها القسوة والحرمان .
اضطرت مرارا إلى البحث في كل أرجاء البيت عن بقايا طعام تسد به رمقها ، ولكن بدون جدوى .
شعرت أخيرا بجهد وعياء غريبين ، فآوت إلى أحد أركان المطبخ ،
ضغطت على أمعائها بدراعيها وأخذت تصغي إلى ترانيم غليانها .
لف المكان صمت رهيب ،
امتزجت فيه أنفاسها بنبضات قلب يصارع من أجل البقاء .
تتناهى إلى سمعها دقات بطيئة وغائرة ، كدقات طبول الجيوش المستعدة للمعركة .
اشتدت عليها الآلام فأخذت تصيح مستغيثة بصوت منهك مبحوح إلى أن أغمي عليها
لم تدر ماذا جرى .
لما أفاقت وجدت نفسها على سرير بالمستشفى .
أشفق الطبيب المعالج من حالها ، وخاصة لما عرف أنها يتيمة الأب والأم ، تتمتع بنصيب وافر من الحسن والفطنة والذكاء .
وسألها :
لقد مكثت يابنيتي بالمستشفى أزيد من شهر ، ولم يسأل عنك أهل ولا أقارب .
وحان موعد مغادرتك للمصحة .
هل تقبلين العيش ببيتي مع أهلي ؟
في صمت مطبق ،هزت رأسها معبرة عن القبول .
حملها لتعيش مع أبنائه .
رحبت بمقدمها الأسرة الجديدة .
فأخذت تقرأ وتتعلم ، وتساعد جهد المستطاع في أشغال البيت .
تشبعت وسط هذه الأسرة ، بمقومات سلوكهم القويم ، وأخلاقهم الفاضلة .وعاشت بينهم أسعد أيامها ، إلى أن زفت إلى بيتها بعد أن تزوجها أحد أصدقاء الطبيب رب الأسرة .
بقلم : محمدالطيب