المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفاهيم أدبية ونقدية


أبو فراس
17-12-2008, 09:53
يتبع:
الانزياح باختصار هو خرق نظام النحو ونظام الدلالة لخلق لغة شعرية ..
فخرق نظام النحو مثلاً : تقديم ما حقه التأخير والعكس .. وحذف ما حقه الذكر والعكس .. مثل قوله تعالى (وجعلوا لله شركاء الجنَّ وخلقهم ...) والنظام النحوي يحتفظ بالرتب فيكون معنى الآية : وجعلوا لله الجن شركاء .. وتقديم (شركاء) أعطى فائدة وخصوصية لن تتأتى بتأخيرها .. فالمولى سبحانه يستنكر الشرك برمته .. نفهم ذلك من (وجعلوا لله شركاء) وجاءت (الجن) لتوضيح ما كان أمر شرك أولئك القوم .. ولو ظلت الرتب المحفوظة كما هي لما أدت هذا الغرض .. فمثلاا : وجعلوا لله الجن شركاء .. يفيدنا بأن الله جل جلاله يستنكر على هؤلاء القوم اتخاذهم الجن شركاء وهذا لا يعني بالضرورة أنه يستنكر الشرك بغير الجن .. ومن ثم جاء التقديم لبيان الغرض وهو استنكار الشرك برمته . وبسبب هذا الخرق النحوي كان وجود خلق لغة (شعرية) إن جاز التعبير في النص القرآني .. أو نسميها هنا لغة بيانية راقية بسبب الانزياح .. (ومن أحسن من الله قيلا) .

وأما الانزياح الدلالي فهو إعطاء اللفظ دلالة مجازية كإضافة ما ليس له إليه .. مثل : يد القدر ؛ فاليد تتعلق بكائن حي كالإنسان وإضافتها إلى القدر أعطت معنى مجازيا يتمثل في خلع صفات الحياة على الأشياء والظواهر من حولنا .. وهذا يجعلنا نشعر بأن الكون الذي يسبح بحمد الله مأنوس وصديق ودود وأننا إن سبحنا الله نمشي معه دون تصادم ..
ويدخل في باب الانزياح الدلالي كل أنواع التشبيه والمجاز ..
وقد يشترك الانزياحان معاً (النحوي والدلالي) في جملة واحدة .. كقوله تعالى (واشتعل الرأس شيباً) فتقديم (الرأس) أعطى فائدة الشمول وكأن الشيب شمل كل جوانب رأسه .. وهذه الفائدة لن تتأتى لو ظلت الجملة على أصلها : واشتعل شيب الرأس .. وأما الخرق الدلالي هنا فيتمثل في إضافة الاشتعال إلى ما ليس له فالاشتعال يكون للنار .. وهذا الخرق أعطى إيحاء وحركة وصورة فنية ..
يتبع

أبو فراس
17-12-2008, 09:55
الانحراف الدلالي، وبنية النمط الشعوري

د: علاء الدين رمضان
قَرَّ في النقد الأدبي، منذ أن أبرز الشكليون الروس الفروق الجوهريّة بين لغتي النثر والشعر، أن هذه اللغة الثانية – لغة الشعر - تتشكَّل على السطح الأملس المحايد للغة النثر، وتمارس فوقه تنظيم نسيجها ورسومها وخواصها التعبيريّة والتصويريّة المتميزة. ومنذ أن طرح هؤلاء الشكليون مفهوم الانتظام بوصفه خصيصة أساسية لِلُغَة الشعر، ثم طوّره "رومان ياكوبسن" مفهوم الأنساق باعتباره؛ أولاً: خصيصة للغة الشعر. وثانياً: الآليّة الرئيسية لخلق ما سماه "ريان موكار وفسكي": التأريض الأمامي Foregrounding، حاولت دراسات متعدّدة اكتناه التجليات المختلفة، المُحتملة، للأنساق. وقد جَسَّد المحدثون هذه المفاهيم والفروق التي تُمَيِّز لغة الشعر بمصطلح الانحراف الذي يعني أن شعريّة اللغة تقتضي خروجها الفاضح على العُرف النثري المعتاد، وكسر قواعد الأداء المألوفة لابتداع وسائلها الخاصة في التعبير عمَّا لا يستطيع النثر تحقيقه من قيم جمالية(1)، فبينما يُقَدِّم النثر (المعنى)، يُقَدِّم الشعر "معنى المعنى".‏
والانحراف في معناه الواسع، هو كل خروج –غير مُبَرَّر- على أصول قاعديّة مُتَعَارَفٍ عليها، ويمكن حصر الانحرافات الشعريّة بالوقوف على الأشكال البلاغيّة والأسلوبية التي يطرحها علم النص، والتي تعتمد بالدرجة الأولى على حصر الانحرافات الشعرية، وهو يَتِمُّ، أولاً، طبقاً للمستويات الصوتية والدلاليّة، ثم يتم طبقاً للوظائف التقابليّة بأنماطها الإسنادية والتحديديّة والتراكمية، الأمر الذي يسمح مثلاً بالتمييز بين عامل إسنادي، وهو الاستعارة، وعامل تحديدي وهو الوصف، وآخر تركيبي وهو عدم الترابط(2).‏
وفكرة الانحراف deflection تعتبر خرقاً منظّماً لشفرة اللغة، يحاول بناء نمط شعوري آخر بنظام جديد، وجملة الأمر أن تجاوز نمطية اللغة أصبح من أهم المرتكزات الأساسية المحدثة في الخطاب الشعري المعاصر، الذي يتغيَّا استحداث لغة شعرية جديدة تتمرّد على القوالب الجامدة، فالألفاظ هي أوّل ما يلقانا في نصوص الشعر، لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أنّ "اللغة إنما تحدّدت ألفاظها بالقياس إلى عالم الأشياء الحسي، أمّا عالم النفس المعنوي فلا تزال ألفاظ اللغة قاصرة عن أن تحدّد معانيه، ولا تزال تضرب في تيهٍ من ماهيّاته، وهي ماهيّات غير متناهية، وما لا تناهي له لا يدرك إدراكاً دقيقاً بحيث يوضع لفظ محدّد بإزائه"(3) ومن ثمَّ فلا قياس لنسب الانحراف في حقل النفس المعنوي، بل إن اللغة بعدئذ قادرة على استيعاب أقصى درجات الانحراف مهما كانت، لأن اللغة ليست هي القاهرة عن التعبير عمّا في النفس المعنوي، وإنما الوعي الاجتماعي والعرف، هذا هو موطن القصور الذي تعالجه اللغة الشعرية التي هي إحساس ووعي مقصود لذاته، إنها تفرض نفسها باعتبارها أداة فوق الرسالة التي تتضمنها، وأعلى منها، وتعلن عن نفسها بشكل سافر، كما أنها تشدّد بانتظام على صفاتها اللغوية، ومن ثَمّ فلا تصبح الألفاظ مجرّد وسائل لنقل الأفكار، بل أشياء مطلوبة لذواتها، وكيانات مادّية مستقلة بنفسها، وعلى هذا تتحول الكلمات من دوال إلى مدلولات(4).‏

يقول الشاعر محمد فوزي العِنْتيل (1924-1981م):‏
أطيفك هذا الذي يرتمي على وحدتي‏
كنخلات قريتنا الوادعة‏
تُغطي الحقول بأحلامها في ليالي القمرْ‏
وتحتضن الطيرَ حين يَمُرُّ‏
بِجِيدٍ تَهَدّل منه الثمر!(5)‏
فالألفاظ هنا لا تؤدّي معاني لغويّة واضحة أو غامضة فحسب. بل هي تؤدي كذلك معاني بيانية؛ فنحن ههنا –إذن- لسنا إزاء ألفاظ دقيقة، لها دلالات دقيقة، وإنما نحن إزاء رموز قاصرة يستعينون على قصورها بالخيال والموسيقا؛ ولكن قصورها لا يغادرها مغادرة تامة، بل تظلّ تسبح في ضبابٍ قليلٍ أو كثير، وهذا ما يجعلها واسعة الدلالة، حتى الألفاظ الحِسِّية، مثل (الجيد/ الثمر... الخ) تحسّ فيها اتساعاً شديداً وخروجاً عن مألوف الاستخدام اللغوي، فلا يَتَهَدَّل من جيد الحبيبةِ إلاّ ثدياها، كما يَتَهدَّل من "جيد" النخلة "البلح /الثمر"... فالشاعر هنا يحاول نقل أحاسيسه ومشاعره التي لا تستطيع ألفاظ اللغة القاصرة أداءها، ومثال آخر من مرحلة أقرب، يقول الشاعر(6):‏
ما الذي يَتبَقى للجريحِ.....‏
سوى طعنةٍ....‏
يدخلها غاضِباً...،‏
يُبَعْثِرُ فيها أغانيه...‏
في هذه البِنْيَة الاستفهامية، التي تتضمَّن في تضاعيفها إجابةً غير قاطعة، إجابة استفهامية، والانحراف أو الانزياح، تكمن قيمته، هنا، وقمّة عمله في لفظة "يدخلها" بإسناد فعل الدخول إلى الجريح، لا إلى نصل الخنجر مثلاً، فهذا المقطع وسابقه يفسحان المجال لوفرة من الاحتمالات، وفرق تفوق ما لنا أن نعرفه وندركه، ومرجع ذلك إلى أنّ حركات النفس الباطنة ومشاعرها وظلالها لا حصر لها.‏
والانحراف الدلالي في النص السابق يتجلى للمتلقين بفضل علامات البِنْية التي تتضَمَّنه والسياق القائم فيه، ومن هنا فإنّ الانحراف مهما بلغت درجته فإنه قابل للتحديد، فدرجة الانحراف هي التي تحدّد مستوى التشكيل الفني ذاته داخل النص، وتنوعه، إذ هي دائماً قابلة للتحديد، وفكرة "القاعدة اللغوية" هي التي يمكنها طرح تصوّر مناسب لحدود الانحراف، لم تعد –هذه- تعتمد على الاستعمال بتنوعه الشديد، وإنما أخذت ترتكز على مجموعة من القواعد الإجرائية المحدّدة الثابتة/ ومن هنا فإن الانحراف -باعتباره عدواناً منظّماً على القاعدة –وما اقترح من اعتباره الخاصيّة المميزة للشعرية البلاغية، وقد اكتسب بالتالي دلالة منطقيّة، فالانحراف اللغوي والانحراف المنطقي –الدلالي- ينحوان هكذا إلى الامتزاج. وانطلاقاً من ذلك أصبح من الممكن بناء نظريّة نموذج منطقي لأشكال اللغة الشعريّة(7).‏
ومن نماذج الانحراف الدلالي قول الشاعر عبد الكريم الناعم :‏
وأمي عتيقة الهموم تشتري براءتي بالعُمر، تَنْتَحِبْ.‏
تبكي عليَّ، فابنها جنازة تَفِرُّ من أحداثها،‏
نَعْش على أكتاف وَهْمِهِ يُسَاقْ.‏
وقِصَّة عتيقة ميناؤها الرياح...(8).‏
ولنبدأ بِحَلّ شفرة هذا المقطع بتحويله إلى نثر،أي محاولة تقديم مقاربة دلالية له :‏
*"أُمُّهُ عتيقة الهموم تشتري براءته بالعُمُر(؟). تَنْتَحِبْ... تَبْكي عَلَيْه.‏
فابنها 0[التِفَات]- جنازة تَفِرّ من أحداقها (؟).‏
- [ وابنها]- نَعْشٌ على أكْتافِ وَهْمِهِ (؟).‏
- [ وهم النعش]- يُسَاقْ".‏
إلى هنا ينتهي حقل التشكيل الإزاحي عند الشاعر، في هذا المقطع، ومن نثره نوجز ثلاث مناطق للانحراف:‏
(1)العمر –بلا تحديد.‏
(2)الجنازة التي تَفِر من أحداق أمِّهِ.‏
(3)نعش على أكتاف وهمه –وهم النعش- يُسَاق.‏
في المنطقة الأولى تستبدل براءته بِعُمْر لم تُحَدِّد مدلوله، وهو في نفس الوقت ليس عمرها؛ لأنها بعد تلك العملية تقوم بفعل؛ وتُقارب، بالمنطقة الثانية، مفتاحاً للأولى، حيث إنّ الثانية فِعل تقوم به أمّه. أمّا المنطقة الثالثة فهي ذروة الفعل الفنّي، وإن ماسَّتْ منطقة الغموض، فالنعش على أكتاف وهمه يُسَاق. فما هو وَهْمُ النعش؟ وماهي أكتاف هذا الوهم؟ مع الأخذ في الاعتبار "أنّ يُسَاق" فعل مبني للمجهول، أي تكريس المفعوليّة في مقابل تغيب الفاعل تماماً؛ ونخلص من ذلك إلى سؤال ثالث؛ من الذي يسوق النعش؟.‏
الشاعر هنا يسلك مسلكاً أسلوبياً معروفاً؛ إذ يُقدّم اعتقاداً ثم يَسْتَدِلُّ لصواب هذا الاعتقاد(9). فأمّه اشترت براءته /(قيمة الجوهر)، بعمره /(الهيكل العرضي)؛ بعد أن ذاب في الكأس عمرُه... لقد اتجهت الأم في الجوهر مدفوعة من نداء الغريزة التي تطمح إلى الكشف،... إلى المخبوء، والنفوس المثاليّة تتطلّع للسمو والتنزّه عن قصور البشريّين، وقد استعمل الشاعر الجَمَاد هنا. النعش –ليتداخل معه في حالات شعوريّة متساوقة بينهما بفرض تكافُئِهِمَا، وهو نوع مُتَقَدِمٌ من الإزاحة باعتبار الانزياح آلية لتقويض البناء التَعَقّلي بالإغراق فيه، في محاولة للوصول إلى الاتجاه الغريزي الذي ينزع نحو التسامي؛ فجمال الشعر وقيمته يكمنان في كونه منطقة وسطى بين العقل والغريزة، فلا هو معرفة نجرّدة، ولا هو اتجاه غريزي بَحْت. والنمط نفسه يتكرَّر في قصيدته "آتيك عَالماً فأَوْرِقي"، إذ يقول عبد الكريم الناعم:‏
وحينما لم تبق في الشفاه أغنية‏
مَدَدّتُ مقلتي‏
عبرت فوقها،‏
وصرت قُبّة في عالم بلا فلك‏
لقد احتفظت لغة الشعر –على مَرّ العصور- بمقوّمات فَنّية مازالت تنمو بفضل عباقرة الشعراء والنقاد في مختلف الآداب، وانتهت إلى العصر الحديث فأثّرت في أدبه من حيث صياغته ومعانيه. ولا ينال هذا التأثّر –في شيء- من اللغة ألفاظها وقواعدها؛ فهذا ما لم يَقُلْ به أَحَدٌ من المجدّدين الذين يُعْتَدّ بهم، في أدبنا العربي أو في الآداب العالميّة الأخرى، ولم يدر في خلد هؤلاء المجدّدين أن ينالوا من اللغة أو يُهَوِّنوا من شأنها أو من شأن المعرفة الدقيقة لأساليبها ومعانيها(10).‏
ومحصّلة الأمر أن هذه الظاهرة تتشعب إلى نوعين:‏
1 - مُرُود قاعدي ruletic deviation.‏
2 - انحراف مضموني، انزياح displacement.‏
أولهما مرذول لأنه يُعتبر من أوجه القصور التي تصيب أدوات الشاعر. أما الثاني يُعَدّ بُعْداً جمالياً إذا لم يحاول الشاعر الإغراق فيه والالتزام بمدلول شعري قادر على تفجير الطاقة التواصلية للغة بين الشاعر والمتلقين.‏
***إحالات :‏
(1) انظر؛ د. صلاح فضل: إنتاج الدلالية الأدبية، هيئة قصور الثقافة المصرية (ص: 240).‏
(2) د.صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص، المجلس الوطني للثقافة، عالم المعرفة –الكويت (ص: 58) ؛ وانظر؛ مناقشة رولان بارت لهذا المصطلح في:‏
-Roland Barthes, "Style and its Image" in; "The Literary Style; Asymposium" ed. Schaman Oxford univ. press, 1961 (p7). Tzvetan Tod- orov, The place of stylen in the structure of the text. In; The Literary style, Ibid (p. 77-88).‏

(3) شوقي ضيف: في النقد الأدبي، دار المعارف، (ص: 129).‏
(4)- -Trence Hawkes; structuralism and semiotics, (p. 63) univ. of California press 1977.‏
(5) فوزي العنتيل: رحلة في أعماق الكلمات، دار المعارف (ص 54 ).
(6) علاء الدين رمضان، المتواليات. الهيئة المصرية العامة للكتاب (ص: 63).‏
(7) فضل؛ بلاغة الخطاب (ص: 200). ‏
(8) عبد الكريم الناعم: الرحيل والصوت البدوي، مؤسسات ابن عبد الله بتونس (ص: 15). ‏
(9) راجع: تلخيص كتاب الشعر، مؤلفات ابن رشد، هيئة الكتاب، (ص: 69-70).‏
(10) د.محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث، ط دار نهضة مصر، (ص: 386).‏

talibato l3ilm
23-12-2008, 10:29
بوركت اخي و جزاك الله خيرا

أبو فراس
26-12-2008, 19:00
العفو أخي
من واجب طالب العلم أن يتعاون مع أخيه، فأقبح من كل قبيح؛ طالب علم شحيح.
... لا تبخل علينا بمساهماتك

haaaakim
27-01-2009, 09:18
مشاركة مهمة ، شكرا لك