محمد بن عمر
10-01-2009, 13:14
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عقيدة اهل السنة و الجماعة: "َتحريم الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّة المسلمين وَوُلَاةِ أُمُورِهم وَإِنْ جَارُوا".
قال الامام الطحاوي رحمه الله.:
"وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ - عز وجل - فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ."
قال الشارح ابن ابي العز رحمه الله تعالى:
فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ والسنة على وُجُوبِ طَاعَة أُولِي الْأَمْرِ، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَة،
فَتَأَمَّلْ قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} - كَيْفَ قَالَ:"وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ"، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ؟ لِأَنَّ أُولِي الْأَمْرِ لَا يُفْرَدُونَ بِالطَّاعَة، بَلْ يُطَاعُونَ فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله.
وَأَعَادَ الْفِعْلَ مَعَ الرَّسُولِ [ للدلالة على أن مَنْ أطِاعِ الرَّسُولَ ] فَقَدْ أَطَاعَ الله، فَإِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم لَا يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله، بَلْ هُوَ مَعْصُومٌ في ذَلِكَ،
وَأَمَّا وَلِي الْأَمْرِ فَقَدْ يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله، فَلَا يُطَاعُ إِلَّا فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله.
وَأَمَّا لُزُومُ طَاعَتِهِمْ وَإِنْ جَارُوا، فلأنه يَتَرَتَّبُ على الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِهِمْ مِنَ الْمَفَاسِدِ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ جَوْرِهِمْ،
بَلْ في الصَّبْرِ على جَوْرِهِمْ تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ وَمُضَاعَفَة الْأُجُورِ، فَإِنَّ الله تعالى مَا سَلَّطَهُمْ عَلَيْنَا إِلَّا لِفَسَادِ أَعْمَالِنَا، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ،
فَعَلَيْنَا الِاجْتِهَادُ بالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَة وَإِصْلَاحِ الْعَمَلِ. قَالَ تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}
وَقَالَ تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}
وَقَالَ تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}.
{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
فَإِذَا أَرَادَ الرَّعِيَّة أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ ظُلْمِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ، فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ.
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ: أنه جَاءَ في بَعْضِ كُتُبِ الله:"أَنَا الله مَالِكُ الْمُلْكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ بِيَدِي، فَمَنْ أَطَاعَنِي جَعَلْتُهُمْ عليه رحمة، وَمَنْ عَصَانِي جَعَلْتُهُمْ عليه نِقْمَة، فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِسَبِّ الْمُلُوكِ، لَكِنْ تُوبُوا أعطفهُمْ عَلَيْكُمْ".
و قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:
قال الطحاوي رحمه الله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا).
هذه الجملة يذكر فيها العقيدة التي أجمع عليها أئمة السلف الصالح ودوَّنُوهَا في عقائدهم وجعلوا من خالفها مُخالِفَاً للسّنة وللجماعة بأنّا (لَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا)؛
يعني الخروج بالسيف بالبغي عليهم أو بتشتيت الاجتماع وتفريق الكلمة، أو باعتقاد الخروج، أو باعتقاد جوازه أو ذهاب مذهب من أجازه-كما سيأتي-.
فقوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ)،
(وَلَا نَرَى) يعني أهل السنة والجماعة المُتَّبِعِينَ للأثر ولهدي السلف ولما كان عليه الصحابة ولِما دلَّتْ عليه الأدلة،
هؤلاء لا يَرَوْن الخروج على الأئمة وولاة الأمر حتى ولو كان عندهم جور وطغيان وظلم، فإنه يجب أن يُطاعوا؛ لأن طاعتهم فريضة، .
ثم ذكر الشيخ صالح مسائل و قال في الثالثة و الرابعة منها:
" الخروج على ولاة الأمور وعلى من انْعَقَدَتْ له بَيْعَةْ هو مذهب طوائف ، منهم الخوارج والمعتزلة ، وبعض شواذ قليلين من التابعين وتبع التابعين، وبعض الفقهاء المتأخرين ممن تأثروا بمذهب المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والذي عليه الصحابة جميعاً وعامة التابعين وهكذا أئمة الإسلام من أنَّ الخروج على ولي الأمر مُحَرَّمٌ وكبيرة من الكبائر، ومن خرج على ولي الأمر فليس من الله في شيء.
والأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة متعدّدة، احتجّ بها الأئمة ورأوا أنَّ من خالفها ممن تأول مِنَ السلف أنهم خالفوا فيه الدليل الواضح البَيِّنْ المتواتر تواتراً معنوياً، كما سيأتي ذكر الأدلة إن شاء الله.
فإذاً أهل السنة والجماعة لما رَأَوْا ما أحْدَثَتْهُ اجتهادات بعض الناس ممن اتُّبِعُوا فخرجوا على ولاة الأمر من بني أمية، أو خَرَجُوا على ولي الأمر، على بعض ولاة الأمر من بني العباس، أو قبل ذلك ممن خرجوا على علي رضي الله عنه؛ بل قبل ذلك على عثمان وإن لم يكونوا من المنتسبين للسنة في الجملة، ذَكَرُوا هذا في عقائدهم ودَوَّنُوهْ، وجعلوا أنَّ الخروج بدعة لمخالفته للأدلة.
وتلخيص ذلك أنَّ اجتهاد من اجتهد في مسألة الخروج على ولي الأمر المسلم كان اجتهاداً في مقابلة الأدلة الكثيرة المتواترة تواتراً معنوياً مِنْ أنَّ ولي الأمر والأمير تجب طاعته وتَحْرُمُ مخالفته إلا إذا أمر بمعصية فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله.
هذا الأصل الذي قرَّرَهُ الطحاوي رحمه الله دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة:
أمّا القرآن فمنه قول الله - عز وجل - {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[النساء:80]
ووجه الدلالة منه أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال «من يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني».
وقال الله - عز وجل - أيضا في سورة النساء {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:59]،
قال ابن القيم رحمه الله وقاله غيره أيضاً: لفظ {أَطِيعُوا} جاء في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛
يعني الأمر بالفعل {أَطِيعُوا} ثُمَّ لَّما ذَكَرَ وُلَاةْ الأمور لم يُكَرِّرْ الفعل {أَطِيعُوا}، فقال {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}
قالوا: وفي هذا مناسبة أنَّ طاعة ولي الأمر المسلم لا تكون إلا في غير مخالفة طاعة الله وطاعة رسوله، أما إذا كانت طاعته فيها مخالفة لطاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ يعني أَمَرَ بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلم يُكَرِّرْ الفعل لأنَّ طاعة الله تجب استقلالاً؛
ولأنَّ طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم تجب استقلالاً،
وأما طاعة ولي الأمر فإنها تجب تَبَعَاً لا استقلالاً.
لهذا الرجل الذي أمَّرَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على سرية وقال لهم «أطيعوه» فأجَّجَ ناراً وأمر الناس أن يقتحموها،
فأَبَوا وقالوا: إنَّما فررنا من النار،يعني بالإيمان والإسلام،
فأخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال «أَمَا لو أنهم أطاعوه لم يخرجوا منها»؛ لأنهم أطاعوه في معصية الله - عز وجل -، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن الأدلة قول الله - عز وجل - {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[ص:26] الآية،
ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله - عز وجل - أَمَرَ داوود، وفي أَمْرِهِ أَمْر للأنبياء أَمْر لمن وَلِيَ الأمر أن يحكم بين الناس بالحق وأن لا يتّبع الهوى، وهذا مقصد والوسائل لها أحكام المقاصد،
فطاعة ولي الأمر فيما فيه تحقيق الحق وتكثير الخير وتقليل الشر وإبعاد الهوى، هذه لها حكم المقصد فتكون واجبة وجوب المقاصد؛ لأنها وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد.
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم
«من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني».
وأيضاً ثَبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».
وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال «إنما الطاعة في المعروف» يعني طاعة ولي الأمر في المعروف.
وأيضاً ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال
«من رأى من أميره شيئا يكرهه فليَكْرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعَنَّ يداً من طاعة».
وأيضاً صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
«من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».
وأيضاً في الباب الحديث الذي ذكرت لكم أنه صلى الله عليه وسلم قال «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم»، ثم سئل صلى الله عليه وسلم فقيل له: أفلا نقاتلهم؟ يعني هؤلاء الذين نُبْغِضُهُمْ ويُبْغِضُونَنَا ونلعنهم ويلعنوننا، قال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنّ يدا من طاعة».
وأيضاً صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
«من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر».
والأدلة على كثيرة في السنة كثيرة جداً وأُفْرِدَتْ بالتأليف، وحَرِيٌ بطالب العلم أن يتتبعها في هذا الموضوع المهم الذي تكثر فيه الأهواء، وأصل الاتباع أن يَتَخَلَّصْ المرء من هواه، فقد كثر التأويل من القديم من عهد الصحابة، التأويل والتبرير في هذه المسائل، والواجب على المرء أن يموت على الطريقة الأولى بغير تغيير ولا تبديل.
وهذه المسائل من المسائل التي كثر فيها التغيير والتبديل إمَّا عملاً وإما اعتقاداً -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة.
انتهى نقل المقصود.
نسال الله عز و جل ان يحفظ بلادنا من دعاة الفتنة و الثورات .
كما نساله جل في علاه ان يحفظ امير المؤمنين و حامي حمى الملة و الدين محمد السادس .
و ان يعم بلادنا و سائر بلاد المسلمين بالامن و الرخاء و العزة.
و الله و لي التوفيق.
من عقيدة اهل السنة و الجماعة: "َتحريم الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّة المسلمين وَوُلَاةِ أُمُورِهم وَإِنْ جَارُوا".
قال الامام الطحاوي رحمه الله.:
"وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ - عز وجل - فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ."
قال الشارح ابن ابي العز رحمه الله تعالى:
فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ والسنة على وُجُوبِ طَاعَة أُولِي الْأَمْرِ، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَة،
فَتَأَمَّلْ قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} - كَيْفَ قَالَ:"وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ"، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ؟ لِأَنَّ أُولِي الْأَمْرِ لَا يُفْرَدُونَ بِالطَّاعَة، بَلْ يُطَاعُونَ فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله.
وَأَعَادَ الْفِعْلَ مَعَ الرَّسُولِ [ للدلالة على أن مَنْ أطِاعِ الرَّسُولَ ] فَقَدْ أَطَاعَ الله، فَإِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم لَا يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله، بَلْ هُوَ مَعْصُومٌ في ذَلِكَ،
وَأَمَّا وَلِي الْأَمْرِ فَقَدْ يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله، فَلَا يُطَاعُ إِلَّا فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله.
وَأَمَّا لُزُومُ طَاعَتِهِمْ وَإِنْ جَارُوا، فلأنه يَتَرَتَّبُ على الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِهِمْ مِنَ الْمَفَاسِدِ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ جَوْرِهِمْ،
بَلْ في الصَّبْرِ على جَوْرِهِمْ تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ وَمُضَاعَفَة الْأُجُورِ، فَإِنَّ الله تعالى مَا سَلَّطَهُمْ عَلَيْنَا إِلَّا لِفَسَادِ أَعْمَالِنَا، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ،
فَعَلَيْنَا الِاجْتِهَادُ بالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَة وَإِصْلَاحِ الْعَمَلِ. قَالَ تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}
وَقَالَ تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}
وَقَالَ تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}.
{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
فَإِذَا أَرَادَ الرَّعِيَّة أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ ظُلْمِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ، فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ.
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ: أنه جَاءَ في بَعْضِ كُتُبِ الله:"أَنَا الله مَالِكُ الْمُلْكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ بِيَدِي، فَمَنْ أَطَاعَنِي جَعَلْتُهُمْ عليه رحمة، وَمَنْ عَصَانِي جَعَلْتُهُمْ عليه نِقْمَة، فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِسَبِّ الْمُلُوكِ، لَكِنْ تُوبُوا أعطفهُمْ عَلَيْكُمْ".
و قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:
قال الطحاوي رحمه الله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا).
هذه الجملة يذكر فيها العقيدة التي أجمع عليها أئمة السلف الصالح ودوَّنُوهَا في عقائدهم وجعلوا من خالفها مُخالِفَاً للسّنة وللجماعة بأنّا (لَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا)؛
يعني الخروج بالسيف بالبغي عليهم أو بتشتيت الاجتماع وتفريق الكلمة، أو باعتقاد الخروج، أو باعتقاد جوازه أو ذهاب مذهب من أجازه-كما سيأتي-.
فقوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ)،
(وَلَا نَرَى) يعني أهل السنة والجماعة المُتَّبِعِينَ للأثر ولهدي السلف ولما كان عليه الصحابة ولِما دلَّتْ عليه الأدلة،
هؤلاء لا يَرَوْن الخروج على الأئمة وولاة الأمر حتى ولو كان عندهم جور وطغيان وظلم، فإنه يجب أن يُطاعوا؛ لأن طاعتهم فريضة، .
ثم ذكر الشيخ صالح مسائل و قال في الثالثة و الرابعة منها:
" الخروج على ولاة الأمور وعلى من انْعَقَدَتْ له بَيْعَةْ هو مذهب طوائف ، منهم الخوارج والمعتزلة ، وبعض شواذ قليلين من التابعين وتبع التابعين، وبعض الفقهاء المتأخرين ممن تأثروا بمذهب المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والذي عليه الصحابة جميعاً وعامة التابعين وهكذا أئمة الإسلام من أنَّ الخروج على ولي الأمر مُحَرَّمٌ وكبيرة من الكبائر، ومن خرج على ولي الأمر فليس من الله في شيء.
والأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة متعدّدة، احتجّ بها الأئمة ورأوا أنَّ من خالفها ممن تأول مِنَ السلف أنهم خالفوا فيه الدليل الواضح البَيِّنْ المتواتر تواتراً معنوياً، كما سيأتي ذكر الأدلة إن شاء الله.
فإذاً أهل السنة والجماعة لما رَأَوْا ما أحْدَثَتْهُ اجتهادات بعض الناس ممن اتُّبِعُوا فخرجوا على ولاة الأمر من بني أمية، أو خَرَجُوا على ولي الأمر، على بعض ولاة الأمر من بني العباس، أو قبل ذلك ممن خرجوا على علي رضي الله عنه؛ بل قبل ذلك على عثمان وإن لم يكونوا من المنتسبين للسنة في الجملة، ذَكَرُوا هذا في عقائدهم ودَوَّنُوهْ، وجعلوا أنَّ الخروج بدعة لمخالفته للأدلة.
وتلخيص ذلك أنَّ اجتهاد من اجتهد في مسألة الخروج على ولي الأمر المسلم كان اجتهاداً في مقابلة الأدلة الكثيرة المتواترة تواتراً معنوياً مِنْ أنَّ ولي الأمر والأمير تجب طاعته وتَحْرُمُ مخالفته إلا إذا أمر بمعصية فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله.
هذا الأصل الذي قرَّرَهُ الطحاوي رحمه الله دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة:
أمّا القرآن فمنه قول الله - عز وجل - {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[النساء:80]
ووجه الدلالة منه أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال «من يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني».
وقال الله - عز وجل - أيضا في سورة النساء {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:59]،
قال ابن القيم رحمه الله وقاله غيره أيضاً: لفظ {أَطِيعُوا} جاء في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛
يعني الأمر بالفعل {أَطِيعُوا} ثُمَّ لَّما ذَكَرَ وُلَاةْ الأمور لم يُكَرِّرْ الفعل {أَطِيعُوا}، فقال {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}
قالوا: وفي هذا مناسبة أنَّ طاعة ولي الأمر المسلم لا تكون إلا في غير مخالفة طاعة الله وطاعة رسوله، أما إذا كانت طاعته فيها مخالفة لطاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ يعني أَمَرَ بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلم يُكَرِّرْ الفعل لأنَّ طاعة الله تجب استقلالاً؛
ولأنَّ طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم تجب استقلالاً،
وأما طاعة ولي الأمر فإنها تجب تَبَعَاً لا استقلالاً.
لهذا الرجل الذي أمَّرَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على سرية وقال لهم «أطيعوه» فأجَّجَ ناراً وأمر الناس أن يقتحموها،
فأَبَوا وقالوا: إنَّما فررنا من النار،يعني بالإيمان والإسلام،
فأخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال «أَمَا لو أنهم أطاعوه لم يخرجوا منها»؛ لأنهم أطاعوه في معصية الله - عز وجل -، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن الأدلة قول الله - عز وجل - {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[ص:26] الآية،
ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله - عز وجل - أَمَرَ داوود، وفي أَمْرِهِ أَمْر للأنبياء أَمْر لمن وَلِيَ الأمر أن يحكم بين الناس بالحق وأن لا يتّبع الهوى، وهذا مقصد والوسائل لها أحكام المقاصد،
فطاعة ولي الأمر فيما فيه تحقيق الحق وتكثير الخير وتقليل الشر وإبعاد الهوى، هذه لها حكم المقصد فتكون واجبة وجوب المقاصد؛ لأنها وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد.
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم
«من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني».
وأيضاً ثَبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».
وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال «إنما الطاعة في المعروف» يعني طاعة ولي الأمر في المعروف.
وأيضاً ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال
«من رأى من أميره شيئا يكرهه فليَكْرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعَنَّ يداً من طاعة».
وأيضاً صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
«من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».
وأيضاً في الباب الحديث الذي ذكرت لكم أنه صلى الله عليه وسلم قال «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم»، ثم سئل صلى الله عليه وسلم فقيل له: أفلا نقاتلهم؟ يعني هؤلاء الذين نُبْغِضُهُمْ ويُبْغِضُونَنَا ونلعنهم ويلعنوننا، قال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنّ يدا من طاعة».
وأيضاً صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
«من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر».
والأدلة على كثيرة في السنة كثيرة جداً وأُفْرِدَتْ بالتأليف، وحَرِيٌ بطالب العلم أن يتتبعها في هذا الموضوع المهم الذي تكثر فيه الأهواء، وأصل الاتباع أن يَتَخَلَّصْ المرء من هواه، فقد كثر التأويل من القديم من عهد الصحابة، التأويل والتبرير في هذه المسائل، والواجب على المرء أن يموت على الطريقة الأولى بغير تغيير ولا تبديل.
وهذه المسائل من المسائل التي كثر فيها التغيير والتبديل إمَّا عملاً وإما اعتقاداً -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة.
انتهى نقل المقصود.
نسال الله عز و جل ان يحفظ بلادنا من دعاة الفتنة و الثورات .
كما نساله جل في علاه ان يحفظ امير المؤمنين و حامي حمى الملة و الدين محمد السادس .
و ان يعم بلادنا و سائر بلاد المسلمين بالامن و الرخاء و العزة.
و الله و لي التوفيق.