محمد معمري
21-01-2009, 14:18
اليتيم 4
شد يوسف الرحال نحو القدر المجهول.. كلما بصر بيتا إلا وتيمه طارقا بابه دون أن يهتم بالفاتح، بصوت يثير الشفقة والحنان، صوت التعب والإرهاق..:
- إني جوعان، ظمآن..
أي بيت طرقه إلا وأطعمه أهله.. حين يشبع يشكر رب العالمين، وأهل البيت.. ولكن لم يسلم من اللوم والعتاب... يخطو خطوات فيجد نفسه في الطريق نحو المجهول.. لم يزده اللوم سوى عذابا يدغدغ ذاكرته الفتية فتنزلق دمعات تتكور ببطء على سائل خديه وتتولد في نفسه معاني الإجابة:
«يا لائمي لا تلم.. لست تعلم كم أنا أتألم في هذا العالم بين الأنام على كل ناعم تنام وأنا بين الأرض والسماء أحلم.. لست أدري أأسير إلى النعيم أم إلى الجحيم.. أحمل بين أضلعي قلبي المكلوم.. ذاكرتي تحمل الظلم والآلام.. ولم أسلم من كلام لائمي.. لا من يسألني: يا يوسف هل أنت سليم أم سقيم مظلوم؟...».
وصل يوسف إلى مدينة كبيرة في ساعة متأخرة من الليل.. أبهرته الأضواء والبنايات والمتاجر والأرصفة... لم ير في حياته حياة المدينة.. أنسته المدينة هنيهة أحزانه العميقة...
نام يوسف في الشارع.. وفي الغد شرع في التسول.. يمشي بين الشوارع متسولا فينة، وفينة أخرى ينشغل بكل مشهد يراه أول مرة.. متى لم يجد من يتصدق عليه أو يطعمه، يقتات من القمامات ومقالب القمامات.. ينام مفترشا الأرض ملتحفا السماء مستأنسا بالكلاب الضالة...
http://www.arb-up.com/files/arb-up-2008-6/TUT50143.jpg
ظل يوسف على هذا الحال حتى تشرد تشردا لا مثيل له.. يمشي بين الشوارع وهو يردد شعرا حفظه عن أحد المتسكعين:
«رأيت نفسي أعبر الشوارع،
عاري الجسد
أغض طرفي خجلا من عورتي
ثم أمدها لأستجدي التفاتا عابرا،
نظرة إشفاق علي من أحد
فلم أجد!»..
http://www.arb-up.com/files/arb-up-2008-6/PLq50740.jpg
وكلما أشرقت عليه الشمس يقول:
«رويدك يا صبح! بم أشرقت علي اليوم؟ طلعت شمس التشرد ولست أدري إلى أين أمضي؟ سريري الأرض ولحافي النجوم، تؤنس وحشتي الكلاب الضالة والمتشردة مثلي، وحين أكابد لسع التسكع يعاودني شجوي فوق ما أثقل الزمان يتما ظلما قهرا تشردا وتسكعا...».
http://www.arb-up.com/files/arb-up-2008-6/4sK50172.jpg
مرة دهسته دراجة عادية وفر الداهس وتركه ملقى على الأرض مغمى عليه.. كان المكان بعيدا عن الأنظار قرب مقالب القمامة حيث كان يقتات بين الفينة والأخرى.. أفاق المسكين وبدأ يتألم.. لكنه تعود على الآلام، والبلوى، وصروف الدهر...
بقلم: محمد معمري
- تابع -
شد يوسف الرحال نحو القدر المجهول.. كلما بصر بيتا إلا وتيمه طارقا بابه دون أن يهتم بالفاتح، بصوت يثير الشفقة والحنان، صوت التعب والإرهاق..:
- إني جوعان، ظمآن..
أي بيت طرقه إلا وأطعمه أهله.. حين يشبع يشكر رب العالمين، وأهل البيت.. ولكن لم يسلم من اللوم والعتاب... يخطو خطوات فيجد نفسه في الطريق نحو المجهول.. لم يزده اللوم سوى عذابا يدغدغ ذاكرته الفتية فتنزلق دمعات تتكور ببطء على سائل خديه وتتولد في نفسه معاني الإجابة:
«يا لائمي لا تلم.. لست تعلم كم أنا أتألم في هذا العالم بين الأنام على كل ناعم تنام وأنا بين الأرض والسماء أحلم.. لست أدري أأسير إلى النعيم أم إلى الجحيم.. أحمل بين أضلعي قلبي المكلوم.. ذاكرتي تحمل الظلم والآلام.. ولم أسلم من كلام لائمي.. لا من يسألني: يا يوسف هل أنت سليم أم سقيم مظلوم؟...».
وصل يوسف إلى مدينة كبيرة في ساعة متأخرة من الليل.. أبهرته الأضواء والبنايات والمتاجر والأرصفة... لم ير في حياته حياة المدينة.. أنسته المدينة هنيهة أحزانه العميقة...
نام يوسف في الشارع.. وفي الغد شرع في التسول.. يمشي بين الشوارع متسولا فينة، وفينة أخرى ينشغل بكل مشهد يراه أول مرة.. متى لم يجد من يتصدق عليه أو يطعمه، يقتات من القمامات ومقالب القمامات.. ينام مفترشا الأرض ملتحفا السماء مستأنسا بالكلاب الضالة...
http://www.arb-up.com/files/arb-up-2008-6/TUT50143.jpg
ظل يوسف على هذا الحال حتى تشرد تشردا لا مثيل له.. يمشي بين الشوارع وهو يردد شعرا حفظه عن أحد المتسكعين:
«رأيت نفسي أعبر الشوارع،
عاري الجسد
أغض طرفي خجلا من عورتي
ثم أمدها لأستجدي التفاتا عابرا،
نظرة إشفاق علي من أحد
فلم أجد!»..
http://www.arb-up.com/files/arb-up-2008-6/PLq50740.jpg
وكلما أشرقت عليه الشمس يقول:
«رويدك يا صبح! بم أشرقت علي اليوم؟ طلعت شمس التشرد ولست أدري إلى أين أمضي؟ سريري الأرض ولحافي النجوم، تؤنس وحشتي الكلاب الضالة والمتشردة مثلي، وحين أكابد لسع التسكع يعاودني شجوي فوق ما أثقل الزمان يتما ظلما قهرا تشردا وتسكعا...».
http://www.arb-up.com/files/arb-up-2008-6/4sK50172.jpg
مرة دهسته دراجة عادية وفر الداهس وتركه ملقى على الأرض مغمى عليه.. كان المكان بعيدا عن الأنظار قرب مقالب القمامة حيث كان يقتات بين الفينة والأخرى.. أفاق المسكين وبدأ يتألم.. لكنه تعود على الآلام، والبلوى، وصروف الدهر...
بقلم: محمد معمري
- تابع -