المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بــــــين جــــــدران الكـــــوخ


الحواط
29-01-2009, 23:42
على فراش المرض بكوخها الصغير ، خطف الأرق النوم من مقلتيها في ليلة ممطرة ظلماء ، فأخذت كعادتها تئن تارة وتصيح أخرى . تشعر بآلام ضعفت عن مقاومتها .
تنتابها بأنحاء عديدة من جسدها .
حتى الطبيب مل زياراتها المتعددة شفقة عليها .
أخذ يصف لها الدواء قبل فحصها .
حفظ عن ظهر قلب صيغ توجعاتها .
بدوره تيقن من صعوبة شفائها ، فأخذ يكتفي بنصحها بمهدئات تخفف حدة الصداع ، وتساعد على تواري الألم إلى حين .
وهل لعاهاتها المزمنة ...
وهي على عتبة العقد التاسع من دواء ؟
تعيش وحيدة بكوخ المرحومين والديها .

كثيرا ما كانت أمها تردد مع نفسها وعلى مسامعها :
ضيعك والدك ...
ظلمك وجار عليك ...
كان عنيدا ، أنانيا ...
استمرأ أجرك منذ صباك ، بعد أن زج بك خادمة في البيوت . تجاهل مصيرك ومستقبلك .
ورفض كل من تقدم لخطبتك ، دون أن يستشيرنا أو يخبرنا . وكلما حاولت كسر وتمزيق السياج الذي طوقك به ، خاصمني وبالغ في تعنيفي ...
وما هدأ ولا اطمأن حتى عتا السن على رشاقتك ،
وعصفت الصروف بنظارتك .

نسيت آلامها ، وتسلل إلى ذهنها شريط الذكريات :
فتذكرت شقيقها الذي عاش بينهم مدللا تنفق عليه الأسرة مماكانت تدره خادمة البيوت من عرق جبينها ، رغم أنفها وعلى حساب حرمانها وحرمان كل من بالبيت من أبسط مشتهيات النفس من مأكل وملبس وإيواء .أكمل الفتى دراسته ، وانخرط في أسلاك الوظيفة مع الدولة .
وقبل وفاة والده انقطع خبره مع نبا زواجه ثم انتقاله إلى حيث لا يدرون .

تناولت جرعات من دوائها . وجذبت زفرات نفس عميقة ورددت :
ليتني تعلمت بدوري القراءة والكتابة ، لكنت الآن - على الأقل - قادرة على أداء فروضي الدينية بأكملها .
استلت عصاها من تحت سريرها وتوكأت وخطت نحو الماء . صبته على وجهها ورجليها وتذكرت أن الحاجة أم إحدى مشغلاتها كانت عند الوضوء تردد كلمات غير مسموعة .
فما هي ياترى ؟
تجاوزتها ...
وقامت إلى الصلاة تؤدي الحركات على غير هدى .
متأكدة أن أداءها مجرد عمل شبيه بالوضوء والصلاة .
ولكنها توطن نفسها وتتعود ، ريثما تلتقي من يصحح لها طريقة أداء واجباتها الدينية .

لم يخطر ببال أبيها أنه يؤسس بتصرفه لتشريد ذريته من بعده ، وضياع ابنه وابنته ، ابنته الضحية التي أفنت زهرة شبابها في توفير لقمة العيش ، ووضعها في أفواه من لا يستحقها .
كما لم ينتبه أحد من مشغليها إلى تعليمها ، وتلقينها مبادئ القيم الدينية وتعويدها على أداء فروضه .

بعد فتور حدة أوجاعها ، غلقت منافذ الكوخ وفنائه ، وآوت إلى فراشها راغبة في الدفء والهدوء .
أخذتها سنة فرأت أنها في أبهى حلة تزف رويدا إلى مائدة ضخمة تضم ما لذ وطاب من الأطعمة والأشربة والفواكه .
فرغت فاها ومدت يدها واستعدت .
إلا أنها تجرعت ما كانت تتوقعه وتخشاه ...

كتبها : محمد الطيب الحواط

الغِلاَق
29-01-2009, 23:51
أخي محمد الحواط

استمتعت بقراءة نصك القصصي .ولقد أثر في فعلا،لأنني معاناة الشيخوخة تثيرني كثيرا ، وأرثى لحال من هم في مثل صفات العجوز التي وصفتها لنا بدقة شديدة، وسرد رائع .
شكرا لك أيها المبدع.أتمنى أن أقرأ لك المزيد.
تقبل مروري.

نورالدين شكردة
29-01-2009, 23:57
أهلا أخي محمد الطيب الحواط ذكرتني نهاية قصتك بنهاية قصة بائعة الكبريت..الفرق في السن لا غير بطلتك تسعينية وبائعة الكبريت طفلة صبية...نصك جيد على العموم على الرغم من إقحامك قسرا لبعض الجمل التقريرية التي كان بإمكانها تجنبها من قبيل ** فتذكرت شقيقها الذي عاش بينهم مدللا تنفق عليه الأسرة مماكانت تدره خادمة البيوت من عرق جبينها ،/ رغم أنفها وعلى حساب حرمانها وحرمان كل من بالبيت من أبسط مشتهيات النفس من مأكل وملبس وإيواء/...
غير أن اللمسة الأدبية كانت حاضرة والحبكة أيضا والأدوات كذلك...
نترقب جديدك...

sesan
30-01-2009, 11:27
شكرا لك و جزاك الله خير

الحواط
31-01-2009, 14:25
الاخ الفاضل

alghilak

مشكور على الاهتمام

والتتبع والارتسامات

الحواط
31-01-2009, 14:27
الاخ الفاضل

نور الدين

تحيتي وتبجيلي على المشاركة

والارتسامات والتقييم والتوجيه

الحواط
31-01-2009, 14:28
الاخ الفاضل

sesan

مشكور على المرور

والاهتمام

الزبير
31-01-2009, 16:09
شكرا بارك الله فيك

الحواط
31-01-2009, 20:39
الاخ الفاضل

الزبير

تحيتي وتبجيلي على

الاهتمام والمشاركة

والارتسامات

أم علاء
02-02-2009, 17:55
قصة مؤثرة و معبرة
حكي جميل استمتعنا بقراءته
تحياتي و تقديري

الحواط
06-02-2009, 22:02
أم علاء

مشكورة على الاهتمام

والتتبع والارتسامات

تقبل تحيتي

أبو الخير
07-02-2009, 09:49
السلام عليكم .
مشاركة طيبة من انسان طيب يحمل اسم محمد الطيب الحواط .

الحواط
07-02-2009, 23:49
ابو الخير

مشكور على الاهتمام

والتتبع والارتسامات

مقدر على المشاركة

وإبداء الرأي

أبو المعاني
08-02-2009, 14:32
مشاركة جميلة جدا منك أخي الكريم.
تقبل تحياتي

الحواط
08-02-2009, 18:40
الاخ الفاضل

ابو المعاني

سعيد باهتمامك وتتبعك

ممتن لتقييمك وثنائك

تقبل تحيتي