المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهاتف - قصة قصيرة -


tijani
31-01-2009, 22:55
" الهاتف قصّة : محمد باقي محمد



- أستاذ.. أريدك عندي في المكتبي!
كفأس سقطت ببرودة على الرأس فاجأه الخبر عبر الجهاز المعدنيّ المُحايد، فتهاوى على كرسيه كغصن منخور في شجرة، وأسلم أحاسيسه للدهشة، فيما أخذ المكان يغوص في سكون ذاهل، أشبه بذاك الذي يسبق العاصفة!
" والآن.. ماذا ستفعل!؟ "
تساءل مُحاولاً أن يُمركز أفكاره التي تبعثرت خارج السياق بفعل المُباغتة..
- من!؟
جاءه صوت زوجته المُتسائل من المطبخ، وسقط الهاتف من يده، فانتبه..
" ماذا ستقول لها!؟"
- لاشيء مُهم!
" هل تُخبرها!؟ "
وخوفاً من تقصّف الأعصاب التي عرتها هشاشة مُفاجئة خرج، ومن نافذة العربة السيّارة راحت المناظر ترهو
من غير أن تستقرّ!
" كلّ شيء يلوح كسراب! "
كسطور كتابة تعاقبت الذكريات نافرة من شقوق النسيان مُغافلة قانونها، لتُسطّر أسئلتها جارحة وحادة ومُداهمة، بعد أن كانت قابعة في الأعماق بحكم التعوّد والكبت الذاتيّ والاجتماعيّ، يُراكمها الركون إلى حالة الرخاء، وإيثار السلامة..
" ابنك أحمد! غير معقول! ولكن متى وكيف!؟ أحمد! هذا الشاب الذي لم يتغيّر صوته إلاّ منذ فترة وجيزة! عجيب! أحمد يقوم بتوزيع المنشورات! أين كنتَ إذن!؟ وكيف لم تنتبه إلى ما يجري من حولك!؟ لقد كنتَ تُراقب أولادك عن كثب بمقدار ما يسمح به وقتك الضيّق، فمن أين تسرّبت إلى أحمد مثل هذه الأفكار!؟ "
زفر بقوّة، ومن بعيد بدا هلال المسجد مُضوّأ بضوء الشمس..
" يبدو أنّ فقرات العمر تُفثأ وتتشظّى، وإمّا حاولنا الإمساك بالأشياء طالعنا وجهها فاجعيّاً مُرمضاً وناقصاً "
نفث دخان لفافته، والصوت الأجشّ ما ينفكّ يزنّ في أذنه..
- أستاذ ،.. أريدك عندي في المكتب!
" مرّة أخرى لعنة السياسة! ولكنّ الأمور تمّت هذه المرّة من وراء ظهرك، أو تحت أنفك كما يُقال! فقط لو
تعرف كيف أفلِت الخيط، وتناثرت الحبّات! أوأين كان الخلل يختبىء! "
أخذ رأسه يمور بالأفكار كقرية نمل، والأمور تُقلّب في مُحاولة للتمحيص، فيبدو لها أكثر من وجه لم يره من قبل! عبر الزجاج كانت دار المحكمة تنهض، وعلى مسار السور ارتسم ميزان العدالة محفوراً على الحائط!
" هوذا غصن أخر مُزهر في الأعماق يَيْبَس! كنتَ تُهدّىء مُحيطك وتُنظّمه، وبضع سنوات كانت كافية لتخلق منك مُحاميّاً ناجحاً! صحيح أنّ العمل توالجَ في نسيج عمرك توالج اللحمة في السدى، فانسربتَ في دروب الحياة ناهداً مُرتفعاتها، لكنّ الصحيح - أيضاً - أنّك جنيتَ أتعابك بسخاء، انعكس في بيتك الفاخر، ومظهرك الأنيق، والمكانة الاجتماعيّة التي أخذتَ تحتلّها بين الناس! ولكن أي فائدة تُرتجى، إذْ ها هو ابنك! نعم ابنك، ولا أحد غيره يضعك في مُواجهة هذا الصوت الرتيب والبارد.."
تصعّدت آهة سخون، ومُضمّداً أحاسيسه وضع رأسه على حافة الزجاج..
" مرّة ثانية ذاك المكان! كدتَ أن تنسى وجوده! مرّة واحدة كنتَ قد استُدعِيتَ إليه، حينها كنتَ طالباً! عجيب! أبنك - أيضاً - طالب! ترى أهي الفصول ذاتها تتكرّر، أم هو الزمن يُؤكّد أنّه المُنتصر في المعارك كلّها!؟ آنئذٍ دخلتََ المكان مُهتزّاً كقصبة في مُواجهَة الريح، يسفّك التوقّع، وبتماسك عضويّ هشّ كنتَ مُستتراً! "
ارتهجت الكوامن الهاجعة في قرارة الذاكرة، وأنشأتْ تستعيد مُفردات الحدث..
" ألف سؤال كان يتمرسح فوق بقاع النفس! ألف هاجس هاجَسَها، ومسكوناً بحسّ الانخطاف راح المكان غير المألوف يرسم إيقاعاً وئيداً للزمن والانتظار، فعن الجدران كان الطلاء قد سقط في أكثر من مكان، وأظهرت المقاعد حشيتها، فيما كان سكون مُتوجّس يرين في الجوّ مُنذراً بالانفجار قي أيّ لحظة، يُضخّمه انشغال المُقبلين والمُدبرين، ثمّ هذا الانتظار الذي يهتك الأعصاب، وينهب أمان المشاعر! فقط عندما دلفتَ إلى غرفة الرئيس تغيّر كلّ شيء، وفاجأك ذوق فاره مُنبعث من المُكيّف، والمكتب الخشبيّ الأنيق، والمقاعد الوثيرة، والنعومة غير المُتوقّعة في المُعاملة.. قهوة، وسيجارة، وأحاديث مُتناثرة ليس لها صلة بما يدور في ذهنك من توقّعات ، لتنزاح الصخرة الثقيلة عن الصدر غبّ اليد المُصافحة المُودّعة، زارعة مكانها السؤال..
ترى ماذا يُخبىء هذا الاستدعاء في طيّاته!؟
في الخارج كانت الشمس تتلألأ في رأد الضحى! تنفّستَ بعمق، في مُحاولة لإبعاد شعور غريب بأنّك أمضيتَ وقتاً طويلاً - هناك - في الداخل، خارج الواقعيّ من الزمن، فأسرعتَ مُبتعداً! إيه! لكم تبدو الحادثة بعيدة اليوم، لا شكّ بأنّ خطو الذاكرة سها عن الكثير من التفاصيل، إلاّ أنّك لم تنسَ أبداً ذلك الإحساس الضاغط بالاضطراب في دورة المُحيط، ولا ذلك السلوك التجنّبي الذي ركبك بعدها! "
دارت العربة نحو اليمين، فلاح المدخل على اليسار، كان قد ألغى هذا الشارع من حياته في حالة تحاش لا إراديّة، تروم أمانها الفرديّ بفعل الخوف المُتراكم! توقّفَ، ومن حوله تكثّف الزمن حول نقطة غامضة لا يُعرَفُ ما بعدها، اقترب من المحرس طالباً مُقابلة الرئيس، بعد أن قدّمَ نفسه، وبإهمال قال الشاب الواقف في المحرس:
- لو تنتظر في هذه الغرفة أستاذ!
ولم تغب عنه لهجة الأمر المُواربَة في طيّات الرجاء الظاهريّ، دخل الغرفة، بينما الجرْس الغريب لكلمة "
أستاذ " في أذنه يتردّد ما يزال!
" أستاذ! في المحكمة أيضاً كانوا يُنادونه بهذه الكلمة! بيد أنّه شتان بين هذه وتلك! هناك الموظّفون ورؤساء الدواوين كانوا يستقبلونك ببشاشة، طبعاً الأمور ما كانت كذلك منذ البداية، لكنّها اختلفت في ما بعد، العشرة والتعوّد والخبرة والزمن، كلّها أسهمت في الوصول إلى أغلبهم، قضاة وإداريَين وكُتاب قوس، ومَنْ بقي مُغلقاً في وجهك، وجدتَ أكثر من طريقة للوصول إليه، على الرغم من الصعوبة التي شعرتَ بها في البداية، تحت ضغط الجذر التربويّ أو الدينيّ المُختبىء خلف التناسي! أمّا هنا فالوضع مُختلف.. مُبهَم.. ولا أحد يعرف ما الذي سيحدث بعد قليل! هنا الانتظار يُشتّت الأحاسيس، ويعتسفها وجل مُتأبّ على الرحيل، يتواصل بلحمة فجيعة مُنتظرَة، مُستمدّة من الصوت الغامض القادم عبر أسلاك الهاتف، أن أستاذ نحن نريدك في المكتب! "
كانت الغرفة خاوية، توحي بخصوصيّة المكان، والجدران العارية تُكمل لوحة الانقباض المُنيخ، بينما ارتمى مقعد طويل مُعرّق في الزاوية يرمق الذين مرّوا بالمكان، والذين سيمرّون به، وبدأ الوقت يتصرّم بما يتركه في الأعصاب من تلفٍ..
" ما الذي يحدث من حولك!؟ لقد تركتّ السياسة بغير رجعة، حدث ذلك في لحظة التاثت فيها الدورة الدمويّة، وانقسم الخضاب أو تلوّثَ، فأدرتَ ظهرك للعالم مُحبطاً، أو هذا ما خلته بدءاً، إلاّ أنّك عرفتَ - في ما بعد - أنّ التشقّق كان قد تسرّب من قبل، ومن غير أن تشعر! وأنّ الهزيمة كانت قد وقعت منذ أمد، بيد أنّها لم تكشف النقاب عن وجهها! جوهر المُشكلات ما عاد واضح الجذور، فتباعدت الآراء، تناقضتْ، وراحت الموجودات تترنّح وتموج، ومن كلّ شيء طفقت العفونة تطفو، وما عاد في الإمكان إيقاف الانهيار! كلّ شيء كان يخرج عن مناخ القبول، ليلبس سواده الخاص، فانكفأتَ ، ابتعدتَ عن رفاق الأمس المُتناحرين تُكفكف صدمتك، والتفتّ إلى أسرتك مُغالياً في تلبية حاجاتها، ناسياً كلّ ما عداها، حتى جاءك هذا الهاتف الغريب:
أستاذ،، أريدك في..
ليضعك في مُواجهَة السؤال الصاعق: ترى ما الذي أغفلته من أمرهم!؟ "
تلفّت حوله في الصمت المُدوّي باحثاً عن جواب، فطالعته الجدران بوحشتها الهتّاكة..
" في أيّ قاع غابت الحقائق، وثوت هناك!؟ لا بدّ أنّ النخر كان يحفر في الصرح ويُقوّضه من غير أن تدري! فأنّى كان هذا النخر يكمن!؟ بشتّى الوسائل حاولتَ أن تطرد الهزائم التي مُنيتَ بها من درب الأولاد، أن تُكثّف لهم تجربتك، وتُجنّبهم خيبات الأمل، ومع ذلك كان ثمّة قصور يُثقب المسام كماء آسن ينشع عبر الشقوق! لو استطعتَ أن تعزلهم عن المُحيط لفعلتَ! ثمّ أنّ أحمد ولد، ولا يُدرك مغبّة ما أقدمَ عليه، فكيف يقبضون عليه هكذا!؟ إنّه طفل ما يزال! "
غضب خفيّ بدأ يُصرّح عن نفسه، لم يكن - في الحقيقة - غضباً يستهدف الآخرين، بقدر ما كان مُنصبّاً على النفس العزلاء، لحظة إحساسها بضآلتها وصَغَارها.. بعجزها عن فعل شيء، أيّ شيء! ومع الغضب الذي ما انفكّ يسوط الأعصاب ويُفتتها، انتُضّ السؤال رهيفاً كحدّ مدية:
" حقاً! لماذا تركتَ السياسة!؟ ما الذي تغيّر في النسيج العام حتى رتّبتَ عالمك، وكأنّك مُنقطع عمّا قبلك وما بعدك، خارج عن المكان والزمان الموضوعيّيْن!؟ أيام الجامعة كنتَ مُمتلئاً بالحماس كريح عاتية، تُريد أن تمسح عن الزمن الصدأ، وتتطامن باحثاًُ عن ظلّك، لم تكن قادراً على كبح جماح الشغف لاكتناه القوانين في مُبتدئها، وقتها كم كنتَ مُنحازاً لأفكارك، لحقّ الإنسان في الحياة، في العمل والأمان، وكم تراءت لك هذه الكلمات أفراساً رائعة مُحمحمة! فمتى انقلبتَ إلى مُحام ضئيل، ينحصر همّه في إيجاد مخرج لمُوكّله، وانحسرتَ عن القضايا العامة إلى الهامشيّة منها، المُهملة والمُؤجّلة دوماً، فيما المُوكّل يتمسّك بك كحبل خلاص!؟ الانهيارات كانت تتمّ في رابعة النهار، وأنت تتعامى عنها! "
كان حجم الصدع كبيراً، وإذْ تبيّن أنّه كان قد تحوّل بالتدريج، ومن غير أن يدري إلى ثعلب، إلى مُجرّد شخص يصوغ معلوماته لتراوغ في الوصول إلى غاياتها، شخص يعرف ثغرات القانون، مداخله ومخارجه، داهمه الاكتشاف كأسلاك شائكة تمور في الجوف وتُؤلم، فانكمشت العضويّة في حالة دفاع لا إراديّة ضدّ عدوان مجهول، وأنشأ السؤال يرشق نفسه سهاماً لا تُنتزَع:
" لماذا هكذا بلا مُقدّمات يتداعى الإنسان وينهار!؟ هذا المخلوق الذي يبدو في لحظة أخرى صلباً مُتماسكاً أين يكمن عطبه!؟ العطب الذي دعاك ليس لترك تنظيمك فحسب ، بل لتكثيف حسّك بالفوات في لحظة مرّيرة مشحونة بالسخط، حتى لكأنّك الخاسر الوحيد، لتُبرّر من بعدها إسقاط تجربتك على الأولاد، على أمل أن تُجنّبهم الانشطار الوالغ في صلب العمر، مُتناسياً أنّهم يذهبون إلى المدارس، ويقيمون مع أترابهم صلات شتى، ينظرون إلى التلفاز، ويستمعون إلى نشرة الأخبار، يتفاعلون مع المُحيط، وينفعلون به، ينمون داخل الإطار وليس خارجه! كيف لم يعنّ لك أنّ التاريخ يحمل مُؤشّره الخاص، وأنّ تاريخك الشخصيّ لا ينفصل عن التاريخ العام!؟ نجحتَ في عملك بالمعنى السائد، حسناً! وكثير من مشاكلك لم يعد لها وجود، نعم! ولكن لماذا حسبتَ خلاصك الفرديّ خلاصاً للجميع!؟ ما الذي تغيّر في البناء العام حتى تضخّم إحساسك بمشاكلك الشخصيّة، وحاول إيقاف الحياة عند نقطة مُعيّنة!؟ ثمّ كلّ هذا الخوف من أين جاء!؟ وكيف تعاظم بهذا الشكل!؟ هل كان - يوماً - خوفاً طبيعيّاً، إنسانيّاً!؟ وجاء انفصالك عن تنظيمك - بعدها - ليُشعرك بأنّك وحيد ومخذول، مغبون، وأنّ يداً واحدة لا تُصفّق، فتضاعف خوفك، وتغلغل في الأعماق ليسكنها!؟ لا.. لا.. مُسلسل الخوف كان مُندغماً بفقرات العمر بدءأً بالأب المُتسلّط، فالمُعلّم القاسي، الشرطيّ، الخوف من العراء والليل، الجنّ والعفاريت، الله والشيطان والنار الآخرة! الباقي جاء في ما بعد ليسمَ حياتك كلّها، ويُسمّمها بحساب العواقب ألف مرّة! أمّا حين جاء الأولاد، ونجحتَ في العمل، فقد وُلدَ خوف من نوع جديد، شيء ما اسمه احتمال الربح والخسارة، أو مسؤوليّة آخرين كنت وراء مجيئهم إلى الحياة، فراكمَ توتّراً جديداً، حتى أصبحتَ والخوف وجهَيْن لعملة واحدة، وأشبه ما تكون بجرذ أضحيتَ، مُجرّد جرذ تتقلّص ساحته كلّ يوم، حتى كاد أن يكفّ عن الوجود، ويكفيه هاتف غامض، أنّ أستاذ نحن نـُ... ليهزّ كيانه، ويضعه على أعتاب الهذيان! فأيّ انحدار، وماذا يتبقّى للمرء حين تكفّ ذاته عن الوجود! كنتَ على الطريق، وحسبتَ بأنّك تصعد، بيد أنّ الطريق ذاتها كانت صعوداًً للصاعدين، وانحداراً في الجانب الآخر! وأنت كنتَ تنحدر بسرعة عجيبة! وإلاّ فمن هم أصدقاء ابنك!؟ أنت لا تعرفهم، ولم تتواشج بينك وبين الولد علاقة حميمة تقوم على الثقة! أبداً كان بينكما حاجز من الرهبة والانشغال والحياء، وما استطعتَ يوماً الوصول إلى أعماق الشاب! عجيب! كيف نسيتَ مُعاملة أبيك القاسية!؟ لطالما شعرتَ بالكراهيّة تغشى أحاسيسك نحوه! يا الله! هل كان أحمد يكرهك!؟ ( أخافته الفكرة المُباغتة، فحرّك يده مُحاولاً التخلّص منها ) حتماً لا! وأنت! ألم تكن تُحبّهم يشكل كاف!؟ لقد كان حبّك لهم قويّاً ، ولكن هل يُعطينا الحبّ الحقّ في استلاب الآخرين، أو التفكير عنهم!؟ وها نجلك بعيد! ناء! حتى زوجتك التي شاركتك البدايات الصعبة؛ لم تجد أمامها سوى الانزواء التدريجيّ! فالتفتتْ إلى مطبخها حيناً، ثمّ أنهكتها الوحدة، فهربت إلى جنون الأزياء، ومجاراة لداتها، لتتلاشى الأحاديث الشائقة التي ما كانت تنتهي، وتختفي المُناقشات الجادة - المُحتدمة في هدأة من الليل - حول مشاكل البيت أو الأولاد، ويحلّ الصمت يحفر المسافة بينكما فتّتسع! وهل كان أمامها غبر هذا السبيل لمُواجهة إغراقك في السهر خارج المنزل! ما نفع المال إن لم يجلب معه السكينة والسعادة!؟ سنوات طويلة وأنت تركض! والكلّ من حولك يركض! حتى لكأنّ الشيطان في إثرهم، ولا أحد يسأل نفسه إلى أين، ولا أحد يدري أهي الحمّى أم أنّه الوباء العميم! كيف حسبتَ أنّ نمط تفكيرك يحلّ المشاكل جميعها!؟ بل كيف نسيتَ طفولتك البائسة!؟ "
وفي الذاكرة عربدت صور مُتداخلة لطفل مُشاكس، تتبعه أسماله؛ مُهيّجة حنيناً مُبهماً..
" أستاذ.. نحن... 1 هل كنتَ بحاجة إلى مثل هذا الهاتف لتسقط في الرجعى، وترى ما لم تكن تراه من قبل!؟ أما كان في الإمكان أن تُزيل عن عالمك الطحالب إلاّ عندما ألقي القبض على ابنك!؟ أين كان إحساسك كأب إذن!؟ "
الآن فقط عرف أنّ نظرة واحدة في عيني الشاب كانت تكفي ليعرف بأنّه كان رهين إعصار داخليّ في طريقه إلى التفجّر! نهض عن المقعد، وأخذ يذرع الغرفة الضيّقة؛ هرباً من الشعور بالاختناق، اختطف نظرة إلى الساعة.. وقت طويل مضى! زفر بقوّة..
" أليس لهذا الانتظار المُمرض نهاية!؟ انتظار.. انتظار.. وما ينتظره المرء غالباً لا يأتي، أو يأتي بعد فوات الأوان! ثمّ أنّك لستَ طفلاً حتى يتجاهلوك بهذا الشكل المُهين! كم مرّة قالوا لك بأنهم في خدمتك، وها هي الساعة تأزف، فلِمَ هذا كلّه!؟ اللعنة عليك يا أحمد! إنّه هو! هو الذي زرعك في هذا المأزق ولا أحد غيره! لا بأس، هذا ليس وقت العتاب، يجب أن تُخرج ابنك من هنا أوّلاً.. نعم، هذا أهمّ من أن تُحمّل نفسك أخطاء الآخرين، وتهدم ما بنيته خلال سنين طويلة مقابل تصرّفات مُراهق! ولكن هل ستخرجان!؟ هذا المكان ليس كدار المحكمة! والمعرفة - هنا - قد لا تُجدي، وابنك قد لا...! "
وهرباً من المثقب الذي راح يدور في الدماغ ويحفر، وضع رأسه بين يديه الضاغطتَيْن، وأغلق عينيْه بشدّة!


محمد باقي محمد / قاص وروائي سوري

أبو المعاني
01-02-2009, 14:20
شكرا لك أخي زايد على منقولك المختار بعنايتك المعهودة.
لك خالص مودتي.

tayf lmaghrib
01-02-2009, 15:38
اذا كانت هذه قصة قصيرة و بهذا الخط الصغير فكيف ستكون القصة الطويلة
أفدنا أفادك الله أيها القاص التيجاني :evil_lol::evil_lol:
تحيات و سلام
طيف المغرب
http://airssforum.com/images/smilies/543443.gif