تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : حكايات الألف و الألف


الحسين نوحي
05-02-2009, 11:44
يبدأ الليل من منتصفه, تغفو كائنات الصباح سابحة في بحر من الدجى الحالك, و تتشح المدينة حينها بألوان التبرج و الخلاعة و بعض الغنج و الدلال, و تتحول مصابيحها إلى شموع تذرف ندى الليل الكسيح.
ترى أسراب خفافيش الليل و دبابيرها أمواجا تشق طريقها نحو الحدائق الخلفية تنشد سويعات من النشوة قبل أن تتلاشى في بياض الفجر المتربص.
تسقط الحواجز وسط العتمة و تختلط الأرجل و تتحول إشارات المرور إلى ألوان خضراء, يظنها الرائي غابة نمت أشجارها بين ليلة و ضحاها, في هذا المشهد المثير تتسلل المدينة في ثياب نومها إلى ردهات التاريخ لتستعيد من فصوله ليلة من ليالي الألف و الألف.
بعيدا عن الأضواء و الصخب, تبدو الضاحية هادئة, منازلها كأشباح تسبح في ظلام دامس, لا يعكر صفوه إلا ضوء شاحب متراقص, ينبعث من نافدة بيت يعكس نوره حركات منتظمة لشبح فارع الطول يكاد يصطدم بسقف الغرفة الخشبي, سرعان ما تعرف أنها ليلى العنترية إن كنت طبعا من قاطني دوار فطومة, هذه الآنسة أو السيدة لطالما سمعت حكايات متناسلة كالجراد عنها, آخرها على لسان إمام المسجد الذي يزعم أنه غالبا ما يراها وسط حطام ليل راحل تتعثر الخطى مترنحة ورائحة السكر المزمن تنبعث من شفتيها الرقيقتين, لكن الحق يقال هي حكايات تدور في السر فقط و لا يجرؤ أحد على التلفظ بها في اللقاءات العامة, يقولون أنها من عائلة شخص نافذ في دواليب الدولة و هو ذو كلمة مسموعة فيها و يعرف لدى أصحاب القرار بعنتر, ربما منه استمدت نسبتها, و يزعم البعض أنها حفيدة قائد في عهد الاستعمار له صولات و جولات على حقوق المساكين.
تضع حفيدته ليلى أحمر الشفاه في حركة أخيرة متوجة لسلسلة من بروتوكولات التجميل و ما إن تدق الساعة اللندنية حتى تضع مفاتيح البيت في يد بائع السجائر عبودة.
وفي الجهة المقابلة للحي ينبت حي آخر يسمى حي النفوذ, حينما تتجول فيه لا يقابلك إلا كلب حراسة برفقة حارسه, أو بستاني عائد لتوه, أو صاحب حانة يوشك أن يفتح الباب الآخر المخصص للقمار, الكل هنا أيضا يعرف حكاية أحلام و زوجها نجمي بل صارت موضع تندر المقامرين و صعاليك الأغنياء,و تبدأ حكايتهما حينما يرن هاتفها المحمول في وقت معين بات حارس المجمع يحفظه."ألو, ليلى؟ نعم سأنزل حالا" تنظر أحلام في وجه زوجها لتجد وجهه مغمض العينين غارقا في نومه العميق, تمشي على أطراف أصابعها وما إن يصفع الباب حتى يشيح الغطاء عن جسده و يفتح الباب الخلفي لبائع السجائر عبود.
الساعة منتصف الليل و بعض الدقائق, الشارع خال و الطريق أمام الحي الجامعي أصبح أكثر نشاطا من ذي قبل, وفي الرصيف المقابل للحي تقف لوامع الطالبة بشعبة التاريخ و الجغرافيا, بشعرها الأشقر و قسماتها الهادئة حينما تنظر إليها
و كأنك تقف أمام بدر في ليلته الأخيرة.
تمضي سيارة الأجرة في طريقها المعهود, لتصل إلى بيت منعزل في أحد الأحياء الجانبية البعيدة عن أضواء المدن الكاشفة, ينزل الثلاثي و يصعدن درجا ملتويا يؤدي إلى طابق أغلب الظن أنه الرابع, هناك تبدأ فعليا فصول جديدة من حكايات الألف و الألف دون أن يشعرن بمعنى الزمن
و المكان.
بعد مدة من الزمن أفاقت لوامع من وطأة السكر, فالتفتت يمنة ويسرة فوجدت نفسها وسط طائرة الشبح تحلق عاليا في الأجواء, أحست بذعر شديد, فأخذت توقظ ليلى و أحلام لكنهما مازالتا تحت تأثير مخدر بليغ التأثير. و هي تنظر بعينين مرتابتين إلى لوحة صغيرة مكتوب عليها: "مهمة في إسرائيل"
_________________

hlilou
05-02-2009, 15:23
بداية قصة مشوقة اخي
ارجو ان يكون هناك اجزاء اخرى
تحياتي و تقديري

الزبير
05-02-2009, 15:54
شكرا على المساهمة
ننتظر المزيد

أبو حسام الهواري
05-02-2009, 16:35
.... تغفو كائنات الصباح سابحة في بحر من الدجى الحالك, و تتشح المدينة حينها بألوان التبرج و الخلاعة و بعض الغنج و الدلال, و تتحول مصابيحها إلى شموع تذرف ندى الليل الكسيح.
ترى أسراب خفافيش الليل و دبابيرها أمواجا تشق طريقها نحو الحدائق الخلفية تنشد سويعات من النشوة قبل أن تتلاشى في بياض الفجر المتربص.
تسقط الحواجز وسط العتمة و تختلط الأرجل و تتحول إشارات المرور إلى ألوان خضراء, يظنها الرائي غابة نمت أشجارها بين ليلة و ضحاها....
رائع ... رائع ... رائع أخي الحسين ... اسلوب شاعري ... و انت تقرأ القصة / القصيدة ، تأسرك بلفظها و صورها الشعرية و ديناميتها السريعة... و لا تطلق سراحك حتى تنتهي منها

نورالدين شكردة
05-02-2009, 19:35
المتألق المتدفق الشاعر القاص المبدع الحسين النوحي...
لقد رقنت فأجدت وأبدعت...
بدءا أجدد ترحابي بقدومك الزاهي الباهي وبلغتك الشاعرة العالمة...
قرأتك منتشيا متمتعا مستزيدا مستفيدا من لغتك ومن تمكنك من ادوات الحكي وتقنياته...
لي عودة بإذن الله لحكايات الالف والباء والتاء وصولا إلى الياء...
لك الشكر والتقدير والإعجاب بأدبك المتميز

الحسين نوحي
06-02-2009, 08:43
بداية قصة مشوقة اخي
ارجو ان يكون هناك اجزاء اخرى
تحياتي و تقديري

أختي حليلو مرورك الطيب هذا كان بشذى الريحان و الياسمين الصباحية تيسعدني تتبعك و تواصلك أختي.
دمت بألف خير.
الحسين نوحي

الحسين نوحي
06-02-2009, 08:45
شكرا على المساهمة


ننتظر المزيد


العفو أخي المشرف الزبير و أنا أنتظر منكم كذلك متابعة لا تتوقف.
لكم مني فائق التقدير و الاحترام.
الحسين نوحي

Fouad.M
06-02-2009, 17:09
أجدد الترحيب بك أخي الحسين النوحي في منتدانا........وأقول لك....انني لن أستخدم معك القضاء النقدي أو ما يصطلح على تسميته بالاسلحة النقدية....بل سأكتفي بما اسميه بالقراء المارة او العابرة......أتعرف لماذا ؟ لأن خطك يا أخي أجحظ عيني واتعبهما لصغره....فحبذا لو كبرته حتى ننتشي بما تكتب......
وما استنبطته من قرائتي العابرة هي الاسلوب الذي وظفته.....فقد أبهرني بعذوبته.....واستهوتني بعض الصور الفنية التي اكسبت قصتك مسحة جمالية.......
شكرا ايها الصديق الغالي على المساهمة المتميزة.....
تقبل مروري وتقديري.....

الحسين نوحي
19-02-2009, 22:51
أجدد الترحيب بك أخي الحسين النوحي في منتدانا........وأقول لك....انني لن أستخدم معك القضاء النقدي أو ما يصطلح على تسميته بالاسلحة النقدية....بل سأكتفي بما اسميه بالقراء المارة او العابرة......أتعرف لماذا ؟ لأن خطك يا أخي أجحظ عيني واتعبهما لصغره....فحبذا لو كبرته حتى ننتشي بما تكتب......

وما استنبطته من قرائتي العابرة هي الاسلوب الذي وظفته.....فقد أبهرني بعذوبته.....واستهوتني بعض الصور الفنية التي اكسبت قصتك مسحة جمالية.......
شكرا ايها الصديق الغالي على المساهمة المتميزة.....
تقبل مروري وتقديري.....



أخي و صديقي العزيو فؤاد سعيد بمروك ووقوفك المطول عند نصي و أعتذر منك لتأخري في الرد فأنت تعلم مشاغل الواقع لا تترك لك فسحة لتنشغل بعالم مفترض استرقت هذه السويعة لألقي نظرة على منتدياتنا الغالية.
أعدك في المرة المقبلة أني سأحرص على استعمال خط أكبر من هذا الحجم و سامحني إن أجهدتك أخي و مرحبا بنقدك البناء أخي و هو أكيد سيكون إضافة و شحنة لي و تشجيعا فأنا أحبذ النقد الصادق و الصريح و البعيد عن المجاملات فمرحبا بنقدك أخي و سأكون سعيد به حتما كيما كان.
لك مني كل المودة الصادقة.
الحسين نوحي

أم ايمان
22-02-2009, 16:11
هناك بعض الاعضاء ...ليسوا كثر للاسف ....اقف مبهورة امام جمال تعابيرهم و دقة وصفهم و سلاسة اسلوبهم و اندهش لقدراتهم الحكائية ....و اتمنى لنفسي القليل القليل من مواهبهم ....و اتمنى ايضا لهم المزيد من التوفيق ....تاكد يا اخي انك من هؤلاء البعض

tijani
24-02-2009, 18:33
الاديب الحسين يا ابن الجنوب
لقد استمتعت بهذه القصة الجيدة والمشوقة
تحليل بليغ لزمن المسخ والعفن
تعبير فني في المستوى الرفيع
دمت مبدعا سيدي

تحياتي العطرة

الحسين نوحي
26-02-2009, 09:55
بداية قصة مشوقة اخي
ارجو ان يكون هناك اجزاء اخرى
تحياتي و تقديري

شكرا أخي حيللو على هذا المرور الطيب و أعدك بحكايات و حكايات إنشاء الله.
لك مني كل المودة و التقدير.
الحسين نوحي

الحسين نوحي
26-02-2009, 10:01
شكرا على المساهمة


ننتظر المزيد


لا شكر على واجب أخي الزبير و أنا في انتظار زياراتك القادمة.
لك مني كل المودة
الحسين نوحي

الحسين نوحي
26-02-2009, 10:04
رائع ... رائع ... رائع أخي الحسين ... اسلوب شاعري ... و انت تقرأ القصة / القصيدة ، تأسرك بلفظها و صورها الشعرية و ديناميتها السريعة... و لا تطلق سراحك حتى تنتهي منها
أبو حسام أسعد الله صباحك بالخير و البركة جميل أن أجد بصمتك هنا و أن أقرأ كلماتك الدافئة التي تضع أمامي المزيد من التحديات نحو تقديم الأفضل.
لك مني كل المودة و التقدير.
الحسين نوحي

الحسين نوحي
26-02-2009, 10:13
المتألق المتدفق الشاعر القاص المبدع الحسين النوحي...
لقد رقنت فأجدت وأبدعت...
بدءا أجدد ترحابي بقدومك الزاهي الباهي وبلغتك الشاعرة العالمة...
قرأتك منتشيا متمتعا مستزيدا مستفيدا من لغتك ومن تمكنك من ادوات الحكي وتقنياته...
لي عودة بإذن الله لحكايات الالف والباء والتاء وصولا إلى الياء...
لك الشكر والتقدير والإعجاب بأدبك المتميز
أخي و صديقي المبدع و الأديب العزيز نور الدين إنما هي عصارة ما استفدته من تجربتك الغنية و ما تراه هو غيض من فيضك ووقوفك عند هذا العمل هو بذاته قلادة ذهبية و كيف يكون أمره و أنت قد علقت ببديع كلماتك.
لك مني كل التقدير و المحبة الخالصة
الحسين نوحي

mahdar
27-02-2009, 16:22
الحسين صوت قصصي قادم فنصوصه تجمع بين تقنية السرد وشاعرية الاسلوب ما يجعل المتلقي منبهرا ويصعب عليه الالمام والامساك بلحظات النص ..كما هو الحال بالنسبة للنص الذي بين ايدينا فهناك بذخ في الصياغة وفسيفساء من الاحداث التي تجمع بين المتناقضات وتشرح واقع يصعب احتوائه لانه يتحول تدريجيا الي عالم فنتازي مثير...هناك صور متعدد يجمعها خيط واحد ..فالمدينة والاحياء او الاماكن وكذا الشخوص تتوطأ مع بعضها لتصنع صراعا غريبا يحيل على تأويلات شتى.............شكرا اخي

tadlaouia
28-02-2009, 17:07
اعجبني جدا النمط الروائي العالي المستوى لك اخي الحسين نوحي .

وسلاستك في التعبير والوصف الجميل ..اعطيا للقصة جمالا ايما جمال ..

كانت وثيرتك في القصة جد ممتازة ..

وارجو ان تتقبل مني نقطة ظهرت لي من أو ل قراءة للقصة :

استمرت الوثيرة في القصة منسابة رقراقة لكن فجاة وفي نهاية القصة ..وبعد استيقاظ لوامع غيرت سيرورة القصة وسرعتها.. هذا ما بدا لي ..ثم ايضا قلت بأنها اكتشفت بانها متن طائرة *الشبح * رغم أنها بداخل الطائرة ..لا يمكنها التعرف على نوعها ..أليس كذلك اخي ؟؟..خصوصا انها كانت للتو في غيبوبة ..

أرجو أن لا اكون قد اثقلت عليك اخي النوحي بتعليقي هذا

وطبعا هذا لاينقص من القيمة الادبية للقصة ...فلك قلم جيد جدا ومثير في الكتابة .

أدام الله عليك فضله ..وأدام الله عليك إبداعك ..

تقبل تحيتي و تقديري

soulama
28-02-2009, 19:14
السلام عليكم ....
لعلهامدة لم أدخل هنا.... لهذا الرونق القصصي.. لكن ولوجي كاناعجابا بما تخطه أناملك ..اخي الحسين نوحي.. تقنية السرد وشاعرية الاسلوب...بالإضافة نمط روائي عالي المستوى...تقبل أخي احترامي.. وتقديري...