تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : قصةقصيرة: الحافلة رقم....


عبدالكريم القيشوري
08-02-2009, 15:36
الحــــافلـــة 13

في انتظارها..الكل ينتظرها..ينتظر طلعتها..تكوم الناس بغير نظام فوق رصيفها، البعض يلغي ويلغط ، والبعض الآخر يعاكس.
وآخرون يتناولون حبات حمص كمون.. فوضى تبدو من هنالك وكأنك تشهد وقفة احتجاجية أو إعلانا عن إضراب..وعندما تدنو ، تجد الكل في انتظارها. هاهي تبدو قادمة ، السائق استثاره منظر الجمع الحاشد فرمل رويدا ، ثم ضغط على الدواس زيادة في السرعة. فرمل مرة أخرى، وكأنه يعلن انطلاق سباق المارطون،أمواج البقر، عفوا البشر تتزاحم ، تتكدس خلف بابي الحافلة، السائق من الواجهة الزجاجية يأمرهم بالتريث لنزول ركاب محتجزين..صعيق، زعيق و صفير..شبان يحملون أدوات إيقاع- طبل وبنادير- يبدو أنهم كانوا يشجعون إحدى فرقهم الرياضية.. نساء يتعال أنينهن بفرط الضغط على ظهورهن..فوضى تعم المكان، وليس أي مكان ؟.
إنه محطة حافلات العاصمة الإدارية. يفتح السائق البابين معلنا انطلاقة مسابقة الثيران التي اشتهرت بها المدينة الكاتالونية الإسبانية كموعد سنوي للإحتفال في الشارع العام. المحتجزون بالداخل يصارعون من تطأ أقدامهم درج الحافلة للنزول، الصاعدون في سباق عدو نحو المقاعد.- لقد اخترقت القاعدة القانونية الخاصة بالنزول والصعود- الباب الأمامي للنزول ،والخلفي للصعود. أصبحت كل الأبواب تؤدي إلى الجوف.
القوي يضغط على الضعيف بمنكبيه، والضعيف يقاوم عسف الأقوى، والنساء تولولن من جراء الدفع وأشياء أخرى..الأزواج يبلون البلاء الحسن في المحافظة على مؤخرات زوجاتهم، والأطفال يصرخون مما أصابهم من انتهاكات حقوقهم..الموظفون والعاملون والمثقفون والمرضى والعاجزون و..و.. يراقبون الوضع من بعيــــــــد. السائق والجابية يتابعان من أعلى ما يجري بكل استهزاء..والمارة يعلقون على ما يرون كل حسب ثقافته وتكوينه ووسطه وتربيته وبيئته.
هدأت العاصفة، استقلت شابة الحافلة ،لا زالت بعض المقاعد شاغرة..أخذت مقعدها بعدما تم انسحاب البعض..المكلفون بمراقبة الحافلة، والساهرين على أمن ركابها في غياب تام. جاورت الشابة النافذة ، بجانبها جلس رجل تجاوز الأربعين، نحيل البنية، قصير القامة، يتأبط محفظة وكأنه بائع < كريمات ذهنية> مستوردة من الصين..
امتلأت الحافلة عنآخرها، استل صاحب المحفظة سيجارة رخيصة من علبته، أشعلها وسط ذلك الزخم..علت الإحتجاجات..طف..طف..لكارو..أهيا..لحمـ...؟. وضع حدا لها بعدما < قجها> بدأ يهمهم بكلام مبهم، فاحت على إثره رائحة كحول الإشتعال. فتح محفظته، اعتقد من يراقبه بأنه يود إخراج كتاب أو مجلة أو صحيفة..فإذا بالمحفظة تتضمن قنينة خضراء وخبزة. أخرج الخبزة، مزق قطعة منها بطريقة بوهيمية، ألقاها في جوفه، وبدأ يلوك قطعة الخبز الحافي في فم لا يتوفر على طقم أسنان.مد للشابة المجاورة له قطعة منه، أبت بلطف شاكرة..الجابية تخترق القامات لتوزيع التذاكر، وهي تقترب منه طلب من الشابة المجاورة له بأن تمده بثمن تذكرته، طمأنته بأنها ستؤدي عنه، رفض لأنه يود ثمن التذكرة، أما من حيث التأدية فهو يتوفر على بطاقة ذات خطوط حمراء وخضراء تسمح له بالركوب بالمجان. رفضت مطلبه، وعندما أوشكت الجابية منها مدتها بثمن تذكرتها، أما هو فتحاشت عنه الجابية..بعد ذلك بدأ يتفوه بكلام سفيه وبذيء كان سببا في إصابته بلكمة في وجهه من أحد الركاب كان يجلس أمامه رفقة زوجته. وكأن اللكمة التي أصابته زر مذياع تم الضغط عليه ليتدفق شريط متنوع من السباب والشتم. أرادصاحب اللكمة أن يعيد الكرة، لكنه جوبه بالرفض..
ارتفعت همهمات الركاب فمن قائل: يجب أن يقذف بهذا الزنديق من النافذة. ومن قائل: يجب تحويل الحافلة إلى أقرب مخفر للشرطة. ومن قائل: الحافلة ديال سيدي موسى هي هذه؟. الشبان يواصلون عزف الإيقاعات المختلفة الشعبية والكناويةو..بالأمام تقدم مسرحية صاحب المحفظة..، وبالمؤخرة حفل موسيقي للأغنية الشعبية..وبين هذاوذاك مزيج كورالي بين الإيقاع والإحتجاج، واللغط والضحك تحط الحافلة على إثره الرحال بمحطة باب الخميس.
قذفت الحافلة من جوفها من أنهوا المسير. امتطاها آخرون. طالبت الجابية المراقبين المتواجدين بهذه المحطة الصعود لمحاسبة الشبان غير الراغبين في أخذ تذاكرهم. لبوا النداء ثلاثتهم. أراد الشبان أخذ تذاكرهم بعدما تأكدوا من صعود المراقبين. رفضت الجابية لكونها طلبت منهم ذلك من قبل. أدوا الثمن مضاعفا بعد التهديد والعويل. توقف ضجيج الإيقاعات الطبلية والبنديرية بانسحاب الشبان في محطة موالية.
انتهزت الشابة فرصة تواجد المراقبين، فطلبت منهم إبعاد صاحب المحفظة عنها لفذاحة الرائحة الكحولية التي تنبعث من فيه. لبوا طلبها بعدما رفض صاحبنا تغيير موضعه، وبدأ يرغد ويزبد ، ويتفوه بكلام بذيء، نقل على إثره طائرا إلى مؤخرة الحافلة. بعدها بدأ يطالب بمحفظة خبزه وقنينته..مدوه بالمحفظة. طالب بالخبزة. طمأنوه بأنهم سيمدونه بثمنها فور وصوله إلى مكان نزوله..توقفت الحافلة، فتح بابها الخلفي، نزل صاحب المحفظة مطالبا بثمن الخبزة، دلوه على البقال..أقفل الباب وتابعت الحافلة المسير. فيالمحطة الموالية نط المراقبون الثلاثة بعدما قاموا بواجبهم.. بعدها أخذت الحافلة وضعها الطبيعي..وبدأ الإحساس بهواء نقي يخترق نوافذها منظفا جوفها..وتنفس باقي الركاب الصعداء بعد التخلص من ضجيج شباب متهور.. ومتناول لكحول اشتعال كان سيؤدي بحافلة عمومية إلى الهلاك.

الزبير
08-02-2009, 16:31
شكرا على المساهمة
وصف دقيق لمحال الحافلات المغربية

عبدالكريم القيشوري
08-02-2009, 18:37
مشكور الأخ الزبير لمرورك. تحياتي.

الحواط
08-02-2009, 19:16
الاخ عبد الكريم

موضوع مشوق ووصف دقيق ومركز

نقلني الى التواجد داخل الحافلة المغربية

المتميزة بما ذكرت