hanimos
01-03-2009, 15:07
:005:
ذهبت إلى الوكالة البنكية صباحا ظنا مني أنني سأكون أول من سيصافح فرسها الأحمر، و يستقبل بابتسامة عريضة أخبارا سارة عن زيادة في الأجرة أو حتى عن تعويضات رتبة تعود للأزمنة الغابرة... عند وصولي وجدت طابورا من رجال شاحبة وجوههم مصطفين أمام الشباك الأوتوماتيكي يعرقلون حركة سير الراجلين و السيارات، بدا لي أنهم رجال تربية و تعليم، تربوا و يُربون على روح المواطنة، لكن الزمان علمهم أن كل شيء في هذا البلد استعجال و ارتجال و أقوال بلا أفعال.
أخدت مكاني وراء آخرهم أنتظر دوري و أنا متأكد أن هناك خطبا ما. كل من وقف أمام الشباك يحدث نفسه بصوت خافت كمن يقرأ أذكار الصباح لدرء شياطين الإنس و الجن أو ربما الشياطين الوزارية و الأوتوماتيكية, و حينما ينتهي من عملية السحب يمزق التذكرة البنكية في غضب....يسب و يشتم...يلقي نظرة محتشمة على الآخرين ثم يحني رأسه و ينصرف.
تكرر المشهد عدة مرات، تأكدت أن الأمر يتعلق بسرقات أموال الموظفين، لكني لم أقو على سؤال أحد المتضررين المتأففين خوفا من ردة فعل قوية، و حتى لا يصُب أحدهم غضبه علي و أقوم مقام اللص في هده المحنة.
أمضيت نصف اليوم كله أبحث عن أجرتي الهزيلة، الكل واقف ينتظر دوره و علامات استفهام غليظة، طويلة و عريضة تشغل بالنا جميعا، نتبادل نظرات حزينة ممزوجة بشيء من الغضب. فجأة سمعت أحدهم يكسر هذا الصمت المزعج بصوت عال و يقول:
" أنا لم أضرب...لم أتغيب قط...فكيف يكافئوني باقتطاع من راتبي...!!!"
تبعه آخر يقول :
" أنا أيضا لم أضرب و لم أتغيب فكيف سرقوا مني أجرتي؟؟؟...هم يعرفون أنني كائن شهري يعول أسرة كبيرة و لا تكفيه حتى أجرته كلها فكيف بربعها؟؟؟!!!...حسبي الله و نعم الوكيل..حسبي الله و نعم الوكيل"
و آخر يسحب و ينسحب في هدوء و الفرح باد على وجهه.
وصل دوري أخيرا، تقدمت بخطى متأنية نحو الشباك...فضولي يستبق الأحداث عن المبلغ المسروق من أجرتي... علمت أن الهدف من عملية الإقتطاع هو إرباك الموظفين و الضرب على أيدي كل من سولت له نفسه المطالبة بحقوقه غير المشروعة. حاولت الاستعداد و المقاومة كمحارب قهره زمان الفاشية، حتى لا أتلقى ضربة قاضية... قمت بحسابات ذهنية مبالغ فيها استعدادا للأسوأ...أدخلت البطاقة ثم القن و فوجئت برسالة تقول: نأسف لتوقف الخدمة بالشباك.
غضب المنتظرون و أنا أيضا، تجمعوا يتحدثون عن هذه التطورات و يناقشونها في حلقية ذكرتني بأيام الجامعة حين كنت اقضي اليوم أتنقل في دوامة بين الحلقات المفرغة. بدأ الحديث عن التفييء و تقسيم الحاضرين إلى أساتذة الابتدائي، الإعدادي و الثانوي، إلى من أضربوا و من لم يضربوا، إلى الانتماءات الحزبية و النقابية، و أقترح أحد الحاضرين المشهود له بالنضال النقابي بأن يتم التقسيم أيضا حسب العالم القروي و الحضري، متزوج أم أعزب، منخرط في التعاضدية أم لا، المادة المدرسة و عدد الساعات، حب الوطن و كره المهنة، الانسجام مع الزوج أو الزوجة، السن و الجنس وقال حبدا لو أضفنا إلى الأخير الخنثى إضافة إلى العديد من المعايير التي اقترحها لتنظيم الحوار و المناقشة.
رُفعت شعارات تدعو إلى مزيد من التفرقة حتى يتم انتزاع الحقوق كاملة غير منقوصة، تأكدت حينها أننا حقا كائنات كلامية..من حسن حظي أنني أحمل دائما دفتر الشيكات حتى إدا اقترضت من أحد لا يثق بي مبلغا أخترق القانون و أعطيه الشيك ضمانة. دخلت إلى الوكالة البنكية...بالكاد وجد المستخدم بقايا راتبي، ضُربت كل استعدادتي عرض الحائط،- الصدمة كانت قوية- كانت أجرتي في حال يرثى لها و أسوأ مما توقعت، تعرفت عليها بصعوبة كخروفه هزيلة افترستها الذئاب و الكلاب...نظر إلي المستخدم نظرة تعزية و مواساة، ابتسم و بادلته ابتسامة لم أعد أتذكر لونها، حضنت هيكل أجرتي و عظامها المهشمة ثم غادرت المكان.
تزايدت أعداد الغاضبين بالخارج و معها أعداد الحلقيات و الفئات، لكن في النهاية فهموا أن الانقسام لن يأتي بنتيجة و قرر أحد المؤطرين المفروضين على الشغيلة جمع الشمل و دعا الكل إلى الانضمام إلى حلقيتين، الأولى تضم اللذين استفادوا من الزيادة و الثانية تخص اللذين اكتووا بنار الاقتطاع .نظموا أنفسهم جيدا.. بدأت الشعارات تهز أطراف الأرض و السماء، تبعتها الملاسنات بين الفئتين و انتهى الأمر بالركل والشجار.
حاولت التسلل حين خروجي من الوكالة كي أبحث عن دائن أدفن عنده جثة أجرتي المشوهة، لكني لم أمُر لا أنا و لا أجرتي بسلام وسط الأعداد الغفيرة المتناحرة...تلقيت ضربات و ركلات قوية في كل أعضاء جسدي حيث ظنني المغضوب عليهم أحد المنعم عليهم بالزيادة...سقطت مني بقايا أجرتي..تركتها ممدة على الأرض..هرولت و 'سلكت بجلدي'... خرجت من هده المحنة بسلام حيث لم يكسر أي طرف من أعضائي عدا زرقة تكسو كل أطرافي لحمي لأيام، حمدت الله على النجاة ...تذكرت عظام أجرتي البارزة لكني فرحت لأنني لم أشارك الكلاب الضالة بقاياها و أنا مقتنع أنني سأُضرب و سأضرب و سأضرب...
بقلم: مصطفى
ميدلت
ذهبت إلى الوكالة البنكية صباحا ظنا مني أنني سأكون أول من سيصافح فرسها الأحمر، و يستقبل بابتسامة عريضة أخبارا سارة عن زيادة في الأجرة أو حتى عن تعويضات رتبة تعود للأزمنة الغابرة... عند وصولي وجدت طابورا من رجال شاحبة وجوههم مصطفين أمام الشباك الأوتوماتيكي يعرقلون حركة سير الراجلين و السيارات، بدا لي أنهم رجال تربية و تعليم، تربوا و يُربون على روح المواطنة، لكن الزمان علمهم أن كل شيء في هذا البلد استعجال و ارتجال و أقوال بلا أفعال.
أخدت مكاني وراء آخرهم أنتظر دوري و أنا متأكد أن هناك خطبا ما. كل من وقف أمام الشباك يحدث نفسه بصوت خافت كمن يقرأ أذكار الصباح لدرء شياطين الإنس و الجن أو ربما الشياطين الوزارية و الأوتوماتيكية, و حينما ينتهي من عملية السحب يمزق التذكرة البنكية في غضب....يسب و يشتم...يلقي نظرة محتشمة على الآخرين ثم يحني رأسه و ينصرف.
تكرر المشهد عدة مرات، تأكدت أن الأمر يتعلق بسرقات أموال الموظفين، لكني لم أقو على سؤال أحد المتضررين المتأففين خوفا من ردة فعل قوية، و حتى لا يصُب أحدهم غضبه علي و أقوم مقام اللص في هده المحنة.
أمضيت نصف اليوم كله أبحث عن أجرتي الهزيلة، الكل واقف ينتظر دوره و علامات استفهام غليظة، طويلة و عريضة تشغل بالنا جميعا، نتبادل نظرات حزينة ممزوجة بشيء من الغضب. فجأة سمعت أحدهم يكسر هذا الصمت المزعج بصوت عال و يقول:
" أنا لم أضرب...لم أتغيب قط...فكيف يكافئوني باقتطاع من راتبي...!!!"
تبعه آخر يقول :
" أنا أيضا لم أضرب و لم أتغيب فكيف سرقوا مني أجرتي؟؟؟...هم يعرفون أنني كائن شهري يعول أسرة كبيرة و لا تكفيه حتى أجرته كلها فكيف بربعها؟؟؟!!!...حسبي الله و نعم الوكيل..حسبي الله و نعم الوكيل"
و آخر يسحب و ينسحب في هدوء و الفرح باد على وجهه.
وصل دوري أخيرا، تقدمت بخطى متأنية نحو الشباك...فضولي يستبق الأحداث عن المبلغ المسروق من أجرتي... علمت أن الهدف من عملية الإقتطاع هو إرباك الموظفين و الضرب على أيدي كل من سولت له نفسه المطالبة بحقوقه غير المشروعة. حاولت الاستعداد و المقاومة كمحارب قهره زمان الفاشية، حتى لا أتلقى ضربة قاضية... قمت بحسابات ذهنية مبالغ فيها استعدادا للأسوأ...أدخلت البطاقة ثم القن و فوجئت برسالة تقول: نأسف لتوقف الخدمة بالشباك.
غضب المنتظرون و أنا أيضا، تجمعوا يتحدثون عن هذه التطورات و يناقشونها في حلقية ذكرتني بأيام الجامعة حين كنت اقضي اليوم أتنقل في دوامة بين الحلقات المفرغة. بدأ الحديث عن التفييء و تقسيم الحاضرين إلى أساتذة الابتدائي، الإعدادي و الثانوي، إلى من أضربوا و من لم يضربوا، إلى الانتماءات الحزبية و النقابية، و أقترح أحد الحاضرين المشهود له بالنضال النقابي بأن يتم التقسيم أيضا حسب العالم القروي و الحضري، متزوج أم أعزب، منخرط في التعاضدية أم لا، المادة المدرسة و عدد الساعات، حب الوطن و كره المهنة، الانسجام مع الزوج أو الزوجة، السن و الجنس وقال حبدا لو أضفنا إلى الأخير الخنثى إضافة إلى العديد من المعايير التي اقترحها لتنظيم الحوار و المناقشة.
رُفعت شعارات تدعو إلى مزيد من التفرقة حتى يتم انتزاع الحقوق كاملة غير منقوصة، تأكدت حينها أننا حقا كائنات كلامية..من حسن حظي أنني أحمل دائما دفتر الشيكات حتى إدا اقترضت من أحد لا يثق بي مبلغا أخترق القانون و أعطيه الشيك ضمانة. دخلت إلى الوكالة البنكية...بالكاد وجد المستخدم بقايا راتبي، ضُربت كل استعدادتي عرض الحائط،- الصدمة كانت قوية- كانت أجرتي في حال يرثى لها و أسوأ مما توقعت، تعرفت عليها بصعوبة كخروفه هزيلة افترستها الذئاب و الكلاب...نظر إلي المستخدم نظرة تعزية و مواساة، ابتسم و بادلته ابتسامة لم أعد أتذكر لونها، حضنت هيكل أجرتي و عظامها المهشمة ثم غادرت المكان.
تزايدت أعداد الغاضبين بالخارج و معها أعداد الحلقيات و الفئات، لكن في النهاية فهموا أن الانقسام لن يأتي بنتيجة و قرر أحد المؤطرين المفروضين على الشغيلة جمع الشمل و دعا الكل إلى الانضمام إلى حلقيتين، الأولى تضم اللذين استفادوا من الزيادة و الثانية تخص اللذين اكتووا بنار الاقتطاع .نظموا أنفسهم جيدا.. بدأت الشعارات تهز أطراف الأرض و السماء، تبعتها الملاسنات بين الفئتين و انتهى الأمر بالركل والشجار.
حاولت التسلل حين خروجي من الوكالة كي أبحث عن دائن أدفن عنده جثة أجرتي المشوهة، لكني لم أمُر لا أنا و لا أجرتي بسلام وسط الأعداد الغفيرة المتناحرة...تلقيت ضربات و ركلات قوية في كل أعضاء جسدي حيث ظنني المغضوب عليهم أحد المنعم عليهم بالزيادة...سقطت مني بقايا أجرتي..تركتها ممدة على الأرض..هرولت و 'سلكت بجلدي'... خرجت من هده المحنة بسلام حيث لم يكسر أي طرف من أعضائي عدا زرقة تكسو كل أطرافي لحمي لأيام، حمدت الله على النجاة ...تذكرت عظام أجرتي البارزة لكني فرحت لأنني لم أشارك الكلاب الضالة بقاياها و أنا مقتنع أنني سأُضرب و سأضرب و سأضرب...
بقلم: مصطفى
ميدلت