الحسين نوحي
07-03-2009, 08:55
الجزء الثاني و الثالث
صخرة الانتظار
اعتاد أن يجلس على الصخرة المطلة على الجبل كل يوم يراقب الوجوه الوافدة على الجبل عسى أن يكون واحدا منها من ينتظره منذ مدة, حتى أنه أضحى جزءا مكونا لهذه الصخرة السوداء, إلى حد أنها نسبت له و تسمت باسمه, يظل طول النهار يرمي بالحجارة المتناثرة قربه فيتناهى إلى سمعه صوت تدحرجها حتى تبلغ سفح الجبل, ثم يعاود الكرة من جديد, كان قليل الكلام ضعيف البنية, طويل القامة, كث الشعر, أسمر اللون, أسود العينين, ترصع خذه الأيمن خالة سوداء صغيرة, عادته منذ أن هجره الأصحاب أن يجلس هكذا متربعا عرش صديقته, ينظر إلى ذلك الأفق عساه أن يلد له من يؤنسه و يخفف من وحدته, تمنى أن يكون كآدم فيسلط عليه النوم لتخرج من ضلعه الأيمن أنثاه التي سيسكن إليها طول العمر و تحول جحيمه إلى جنة يانعة ملؤها السعادة و السكينة, لكن هيهات أن يتحول الجحيم إلى جنة, فقدره أن يعيش هكذا غريبا و ربما يموت غريبا, ليس بيده أن يغير مصيره بنفسه, نظر إلى الشمس فوجدها تتلألأ متوهجة في كبد السماء, غير آبه بحر لظاها, فقد اعتادها كجندي أبي مرابط بالحدود. لا يدري لما يحس اليوم بشعور غريب يدغدغ وجدانه يلامسها كنسيم بحري سرعان ما يتحول إلى قطرات الندى الباردة التي ترطب بشرة الوجه في صباح صيفي باكر, أحس و كأن الجبل نفسه يعيد أهازيج رقصة "الهرمة"و "الركبة"التي لطالما أثارت حماسته و هيجت عواطفه, تخيل وكأن أشواك الطلح تزغرد فرحا لشيء لم يستطع تبين حقيقته, فأخذ يفتش أرشيفه عساه يجد في هذا اليوم ذكرى من ذكريات إنجازاته أو حدثا مؤثرا في حياته فلم يجد ما يطابق ذلك, رمى بنظره كما كان يفعل قبل أن يغادر مكانه إلى سفح الجبل فرأى هذه المرة صورة رجل ترقص على نغمات حر الهجير و هو يمتطي صهوة دابته و في ردفه شيء ما, لكن ما عساه يكون؟ فخامره شك صحبه توتر شديد سرعان ما تلاشى بين أمواج اليأس و الرجاء
العائلة بعد الفراق
هناك في طنجة يجلس الأب كعادته خلف عربته الصغيرة أمام المقهى، لا يذهب إلى المنزل إلا بعد الزوال و لا يعود إليه في المساء إلا بعد صلاة المغرب عندما ينقطع الصبية عن الشارع, فكره الآن منشغل بأمر ابنته، آه لولا ضيق الحال و العوز وقلة المعاش الهزيل و متطلبات الحياة الكثيرة لما سمح لها بالذهاب إلى المجهول, أما في المنزل فالأم ما إن تدخل غرفة ابنتها أو تسمع اسمها حتى تجهش بالبكاء و تقصد الدولاب لتبحث عن ملابسها المستعملة لتشتم رائحتها، تجد به جلبابا قديما تدخل فيه خيشومها ثم تستنشقه عميقا و الدمع واكف من عينيها مخاطبة نفسها: " آه يا ابنتي أنا السبب, لولا هذا المرض اللعين الذي يتطلب مالا كثيرا لتصفية الدم ما سمحت لك باقتحام المجهول، خذني يا ربي و أرح الجميع مني إنني أحيا على حساب سعادة الآخرين, فما ذنب ابنتي حتى تكون كبش الفداء " ثم دخلت إلى المطبخ لتشرب كوبا من الماء بعدما أحست بألم في القلب, أما الابن فينعزل دامعا في زاوية الغرفة فاقدا نشاطه كلية إذ يبدو مكتئبا و قسمات الحزن بادية على وجهه، أسند رأسه على الحائط يتأمل غرابة هذه الحياة، طرق الأب الباب فأسرعت زينب إلى فتحه و هي تنادي " إنها أختي لقد عادت " فتحت الباب فلم تجد إلا الأب المتعب الذي أحس بالغربة, أحس وكأنه يدخل منزلا غير منزله، رؤوس منحنية كالقنافذ، سحب من الكآبة و الحزن، تخيم على البيت الذي لطالما كان مفعما بالحيوية و النشاط، وليس في ذلك من الغرابة شيء، فغياب أحد أعز أفراده و أكثرهم مرحا و نشاطا أفقده حيويته، طرحت الأم الأكل على المائدة،لكن أحدا لم يستطع أن يقترب منه, فقد فقدوا شهيتهم خصوصا و أن العزيزة هي من كانت تعد الأكل بيدها و تنادي كل واحد باسمه ثم تظل واقفة عند الباب هنيهة تنتظر أباها باشة مرحة، لم تتذمر يوما واحدا أحست و كأنها تؤدي واجبا وطنيا كبيرا, عادت الطفلة الصغيرة زينب إلى النحيب بعدما أتعبها الصراخ و لم تجد معها الحيل لإسكاتها, دموع ساخنة كذلك على خذي الأخ المشاكس بالأمس، والأم مطأطأة رأسها تقبض عليه بكلتي يدها و كأنها تخاف أن ينشق و قد احمرت عيناها من البكاء, لم يطق الأب هذا المشهد المؤثر، أراد هو أيضا أن يصرخ كالأطفال، أن يولول كالنساء، لكن رجولته منعته من ذلك، غالب نفسه حتى كاد ينفجر، ففر إلى غرفته و أحكم إغلاقها عليه ثم أطلق العنان لدموعه دون أن يخجل من أحد.
صخرة الانتظار
اعتاد أن يجلس على الصخرة المطلة على الجبل كل يوم يراقب الوجوه الوافدة على الجبل عسى أن يكون واحدا منها من ينتظره منذ مدة, حتى أنه أضحى جزءا مكونا لهذه الصخرة السوداء, إلى حد أنها نسبت له و تسمت باسمه, يظل طول النهار يرمي بالحجارة المتناثرة قربه فيتناهى إلى سمعه صوت تدحرجها حتى تبلغ سفح الجبل, ثم يعاود الكرة من جديد, كان قليل الكلام ضعيف البنية, طويل القامة, كث الشعر, أسمر اللون, أسود العينين, ترصع خذه الأيمن خالة سوداء صغيرة, عادته منذ أن هجره الأصحاب أن يجلس هكذا متربعا عرش صديقته, ينظر إلى ذلك الأفق عساه أن يلد له من يؤنسه و يخفف من وحدته, تمنى أن يكون كآدم فيسلط عليه النوم لتخرج من ضلعه الأيمن أنثاه التي سيسكن إليها طول العمر و تحول جحيمه إلى جنة يانعة ملؤها السعادة و السكينة, لكن هيهات أن يتحول الجحيم إلى جنة, فقدره أن يعيش هكذا غريبا و ربما يموت غريبا, ليس بيده أن يغير مصيره بنفسه, نظر إلى الشمس فوجدها تتلألأ متوهجة في كبد السماء, غير آبه بحر لظاها, فقد اعتادها كجندي أبي مرابط بالحدود. لا يدري لما يحس اليوم بشعور غريب يدغدغ وجدانه يلامسها كنسيم بحري سرعان ما يتحول إلى قطرات الندى الباردة التي ترطب بشرة الوجه في صباح صيفي باكر, أحس و كأن الجبل نفسه يعيد أهازيج رقصة "الهرمة"و "الركبة"التي لطالما أثارت حماسته و هيجت عواطفه, تخيل وكأن أشواك الطلح تزغرد فرحا لشيء لم يستطع تبين حقيقته, فأخذ يفتش أرشيفه عساه يجد في هذا اليوم ذكرى من ذكريات إنجازاته أو حدثا مؤثرا في حياته فلم يجد ما يطابق ذلك, رمى بنظره كما كان يفعل قبل أن يغادر مكانه إلى سفح الجبل فرأى هذه المرة صورة رجل ترقص على نغمات حر الهجير و هو يمتطي صهوة دابته و في ردفه شيء ما, لكن ما عساه يكون؟ فخامره شك صحبه توتر شديد سرعان ما تلاشى بين أمواج اليأس و الرجاء
العائلة بعد الفراق
هناك في طنجة يجلس الأب كعادته خلف عربته الصغيرة أمام المقهى، لا يذهب إلى المنزل إلا بعد الزوال و لا يعود إليه في المساء إلا بعد صلاة المغرب عندما ينقطع الصبية عن الشارع, فكره الآن منشغل بأمر ابنته، آه لولا ضيق الحال و العوز وقلة المعاش الهزيل و متطلبات الحياة الكثيرة لما سمح لها بالذهاب إلى المجهول, أما في المنزل فالأم ما إن تدخل غرفة ابنتها أو تسمع اسمها حتى تجهش بالبكاء و تقصد الدولاب لتبحث عن ملابسها المستعملة لتشتم رائحتها، تجد به جلبابا قديما تدخل فيه خيشومها ثم تستنشقه عميقا و الدمع واكف من عينيها مخاطبة نفسها: " آه يا ابنتي أنا السبب, لولا هذا المرض اللعين الذي يتطلب مالا كثيرا لتصفية الدم ما سمحت لك باقتحام المجهول، خذني يا ربي و أرح الجميع مني إنني أحيا على حساب سعادة الآخرين, فما ذنب ابنتي حتى تكون كبش الفداء " ثم دخلت إلى المطبخ لتشرب كوبا من الماء بعدما أحست بألم في القلب, أما الابن فينعزل دامعا في زاوية الغرفة فاقدا نشاطه كلية إذ يبدو مكتئبا و قسمات الحزن بادية على وجهه، أسند رأسه على الحائط يتأمل غرابة هذه الحياة، طرق الأب الباب فأسرعت زينب إلى فتحه و هي تنادي " إنها أختي لقد عادت " فتحت الباب فلم تجد إلا الأب المتعب الذي أحس بالغربة, أحس وكأنه يدخل منزلا غير منزله، رؤوس منحنية كالقنافذ، سحب من الكآبة و الحزن، تخيم على البيت الذي لطالما كان مفعما بالحيوية و النشاط، وليس في ذلك من الغرابة شيء، فغياب أحد أعز أفراده و أكثرهم مرحا و نشاطا أفقده حيويته، طرحت الأم الأكل على المائدة،لكن أحدا لم يستطع أن يقترب منه, فقد فقدوا شهيتهم خصوصا و أن العزيزة هي من كانت تعد الأكل بيدها و تنادي كل واحد باسمه ثم تظل واقفة عند الباب هنيهة تنتظر أباها باشة مرحة، لم تتذمر يوما واحدا أحست و كأنها تؤدي واجبا وطنيا كبيرا, عادت الطفلة الصغيرة زينب إلى النحيب بعدما أتعبها الصراخ و لم تجد معها الحيل لإسكاتها, دموع ساخنة كذلك على خذي الأخ المشاكس بالأمس، والأم مطأطأة رأسها تقبض عليه بكلتي يدها و كأنها تخاف أن ينشق و قد احمرت عيناها من البكاء, لم يطق الأب هذا المشهد المؤثر، أراد هو أيضا أن يصرخ كالأطفال، أن يولول كالنساء، لكن رجولته منعته من ذلك، غالب نفسه حتى كاد ينفجر، ففر إلى غرفته و أحكم إغلاقها عليه ثم أطلق العنان لدموعه دون أن يخجل من أحد.