المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قيمة المدرس ببلادنا !


صخرة سيزيف
16-03-2009, 07:52
د. عزيز بوستا

يُلاحِظ أيُّ مُتَتَبِّع لقضايا التعليم ببلادنا، تنامي "ظاهرة" الانْتِقاص من قيمة المُدَرِّس والمدرسة، ليس فقط في أوساط عامة الناس، بل حتى لدى كثير من أُطُر التعليم أنفسهم.

ومن أغرب المفارقات التي تعيشها بلادنا في العقدين الأخيرين؛ هي أنه بقدر ما تَنْحَصِر فُرص الولوج للوظيفة العمومية، بقدر ما يتزايد هذا الشعور بالنقص تُجاهها، بحيث أصبحت تُمثِّل الحدّ الأدنى من المطالب التي يتوق لها طلبتُنا بالنظر إلى طموحاتهم، كما تُمثِّل في نفس الوقت الحدّ الأعلى بالنظر إلى الإمكانيات الشحيحة للواقع. فلماذا تراجعت قيمة المُدرِّس في مجتمعنا؟

أعتقد أن التراجع الملحوظ لقيمة المُدرِّس (سواء كان معلما أو أستاذا)، مرتبط بتراجع المستوى المعيشي للطبقة الوسطى ببلادنا، وما رافقه من تراجع الاهتمام بكل ما هو ثقافي وعلمي، وذلك للأسباب التالي:

1-تكاثر أعداد العاطلين من الطلبة الحاملين للشواهد العليا، مما جعل عموم الناس يتساءلون عن مدى جدوى تعليم أبنائهم إنْ كان مآلهم في النهاية هو البطالة‍. ممّا جعل الكثيرين منهم يتعاملون مع المؤسسات التعليمية –وخاصة في المستوى الابتدائي- كمُجَرّد مؤسسات لِمحْوِ الأمية الأبجدية...

2-بُرُوز فئة من الناس إلى واجهة المجتمع، راكمتْ ثروات طائلة في أزمنة قياسية وبِطرُق غير مشروعة، كالاتجار في الممنوعات أو استغلال النفوذ، دون أن تمتلك الحدّ الأدنى من التكوين الثقافي والعلمي، مِمَّا جعلها "قُدْوَة" سيئة لفئة عريضة من أجيالنا الصاعدة، التي أصبحت تحتقِر –شعوريا أو لاشعوريا- أيّ عمل ثقافي هادِف، كما تزْدري كلّ الوظائف العمومية، وفي مقدمتها وظيفة المُدرِّس، إلى درجة أصبح معها بعض المُدَرِّسين –المُنْساقين وراء هذه الموجة- يخْجَلون من إعلان انتمائهم لهذه المهنة الشريفة التي –في نظرهم- لا تُغني ولا تُسمِن من جوع.

3-تَحوُّلُ مجتمعنا –بفعل تأثير اقتصاد السوق وسيادة النموذج الاستهلاكي الغربي عبر الانتشار السريع لأحدث تقنيات التواصل والإعلام- إلى مجتمع استهلاكي، يُفضِّل فيه الفردُ شِراء أتْفه منتوج استهلاكي على اقتناء مجلة ثقافية أو كتاب، إنْ توفرت له إمكانية ذلك.

4-تدهوُر أحوال أغلب مؤسساتنا التعليمية في الوسطين الحضري والقروي من حيث التجهيز والصيانة، وقلّة أو انعدام بعض المرافق الحيوية للمدرِّس، كالسكن اللائق والطرق المعبَّدة والمواصلات...الخ. ممّا يجعل المُدرِّس غير راضٍ عن وضعه المعيشي والمهني.

وإنّ المراجعة الشاملة التي تخضع لها منظومتنا التعليمية في هذه السنوات الأخيرة، تدعونا أكثر من أيّ وقت مضى إلى الانخراط في حمأة هذه العملية الإصلاحية بِروح وطنية، وبعيداً عن كلّ الحساسيات الضيِّقة من أجل ردِّ الاعتبار لرجل التعليم (وامرأة التعليم) وحفزه على بذل كل ما في وُسْعه من أجل نهضة هذا القطاع الذي يمثِّل ركيزة أية تنمية حقيقية في بلادنا.

أعتقد أنّ الصعوبات الجمّة التي يعاني منها المُدرِّس –والتي أشرتُ إلى بعضِها-، لا يَجِبُ أنْ تُشعِره بأيِّ عُقدة نقص تُجاه مهنته، وذلك لأن قيمة الشخص المعنوية لا تُعادِلُ ممتلكاته المادية أو قيمة راتِبِه الشهري –عكس ما تُرَوِّج لذلك بعض الأمثال الشعبية الرديئة-. فتعاليمنا الدينية السمحاء تحُثُّنا على الإِعْلاء من قيمة العلم والتَّعلُّم والتعليم، كما تعتبرُ العمل عبادة، وتدعونا إلى إتقانه وعدم التهاون في أدائه...

وإنّ الفوائد النفسية والعملية التي يجنيها المدرِّس من التَّزوُّد بروح معنويّة عالية والاقتناع بأهمية وقيمة مهنته لا تُقدَّرُ بثمن؛ بحيث يدفعه هذا الإحساس إلى أن يَجِدَ ذاتهُ في العمل التروي/التعليمي ويجتهد فيه، بل ويسْتَمْتِعَ بِه، ممّا يُمكِّنُه من امتلاك القدْرة على مواجهة العديد من الصعوبات التي تعترضه... أمّا الانطلاق –عكس ذلك- في العمل بِروح معنويّة منكسِرة، ومن احتقار المهنة، فإِنه غالبا ما يُؤدِّي إلى احتقارٍ للذّات ومُزاولة العمل بنوع من الإِكْراه والاشمئزاز وانعدام الرّغبة مما يجعلُ المُدرِّس غير قادر على مُواجهة أبسط الصعوبات التي تعترض طريقه...

وإنّ الدعوة إلى التحلّي بروح معنويّة عالية في ممارسة مهنة التعليم، لا تعني تكريس الأمْر الواقع والقول بأنه ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن في مجالنا التعليمي! بل بالعكس من ذلك، علينا أن نقوم بمهامِّنا أحسن قيام، ونحن مرْفوعي الرأْس، كما علينا أن نُساهِم ونُطالب بتحسين أوضاعنا المهنية في نفس الآن. فالمطالبة بالحُقوق لا يَجب أن تُنسينا أهمية القيام بالواجبات، خاصّة وأنّ المُتَضرِّرين الأوائل من إخلالنا بواجباتنا هم أطفال أبرياء لا يَد لهم فيما نُعانيه من مشاكل مادية ومهنية. ولعلَّ هذا الخلط بين هذين المستويين (الواجبات والحقوق) قد ساهم بِقسط لايستهان به في تدنِّي مستوى الأداء التربوي للمدرِّس، حيث سادت لديه مقولة:<<الاشتغال بِقدْرِ المقابل النقدي>>، مِمَّا برّر لكثيرين سُلوك التهاوُن والغِشّ في العمل.

وإن ما يؤكدُ تَهافتَ هذه المبرِّرات التي تقيسُ ظاهرة "التهاون والغشّ" في العمل بالمقياس المادّي الصّرْف، هو تفشّي نفس الظاهِرة وبِشكل أكثر استفحالا وخطورة لدى بعض المهنيين الذين يتقاضون رواتب وتعويضات خيالية، مثل كثير من الأطباء المختصين ذوي العيادات والمستشفيات الخاصة... مما يدلّ على أن الضمير المهني الحيّ لا يجب أن يُقاس بالمال، كما أن الوازع الأخلاقي والتنشئة الاجتماعية المبنية على زرع روح المُواطنة في ناشِئتنا ونشر الوعي بواجبات الإنسان بالموازاة مع الوعي بحقوق الإنسان ؛ هذه كلها أمور لابدّ من التركيز عليها للنهوض بمستوى كُلِّ مرافقنا العمومية وفي مقدّمتها المُؤسسة التعليمية.

صخرة سيزيف
16-03-2009, 08:00
مرجع المقال أعلاه:مجلة المدرس الالكترونية

asadi
16-03-2009, 10:14
merci infiniment

baba01
16-03-2009, 10:17
مشكور أخي الكريم على هذا المجهود القيم

عمران1
16-03-2009, 10:45
ششششششششششششششششششكرا علي الموضوع

عمران1
16-03-2009, 10:59
مند بداية 80 و وسائل الاعلام الوطنية تعمل جاهدة لانتاج كثير من الاعمال وحتي الاخبار المصطنعة لتمميع مكانة المدرس .كثير منها يخجلك من نفسك كمدرس فمابالك بعامة الناس الدين يتلقون الاخبار من التلفزة كما تلقي الرسل الوحي من الله عز وجل.فهده حرب نهجها الاولون نتمني ان لا يواصلها الحداثيون.

غريب الأهل و الدار
16-03-2009, 11:07
مصيبة و رب الكعبة
أن تغيب القدوة
و يصير اراذل الناس و رعاعهم
هم قدوة شبابنا و فلذات أكبادنا
و يصير الشريف ذليلا
و الورع متزمتا
و الجشع ذكيا
و السارق صفيا
فيا حسرة على البلاد و العباد
و يا حسرة على غرباء الاهل و الدار
تحيتي و مودتي

ritchi
16-03-2009, 11:41
Thanks brother!it's very intresting

learn-teach
16-03-2009, 13:34
شكرا لك أخي الكريم على الموضوع

hakinya
16-03-2009, 14:00
شكرا لك على الموضوع

اسلام2009
16-03-2009, 16:36
تخلطات ولا بغات تصفى ولعب خزها فوق ماهـــا
رياس على غير مرتبــة هما سبــــــــــــاب خلاها

الزبير
16-03-2009, 16:51
شكرا على المساهمة

الباحث
16-03-2009, 17:48
مشكور أخي على الموضوع.

salma ghali
16-03-2009, 18:09
شكرا على الموضوع ..ارى ان قيمة المدرس زادت في الانحطاط لسبب اساسي
مثمتل في تطور الوسائل التكنولوجية..والمعلوماتية...بمعنى انتصار التقنية والعلم على الايديولوجيا والفكر عموما ..من جهة ومن جهة اخرى افتقادنا الى فلسفة تربوية وطنية ...لها السيادة...والسيادة الوطنية اخدة هي بدورها في التلاشى فى عصر العولمة الكاسحة ... لدلك فالمربي عليه اخد هده التحولات بعين الحسبان ..ويبحث عن قيمة اضافية له فى هدا الزمن الدي لايرحم ....

el ouafi
16-03-2009, 18:51
ومع كل ذلك، نقول مع الشاعر وبكل فخر :

قم للمعلم وفه التبجيلا *** كاد المعلم أن يكون رسولا