المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اشكالية مفهوم المجتمع المدني


سهاد56
03-04-2009, 18:25
حول إشكاليات مفهوم المجتمع المدني
مداخلة حول ندوة المجتمع المدني، بيروت تشرين أول 2004
بقلم جميل هلال



الخلاف حول مضمون المجتمع المدني ووظائفه (http://www.boell-meo.org/ar/web/ioEditor.asp?EltGuid=A7380C4FE4BF49C0B2EE15F0653ED 90F&BackAsp=/reddot5/ioRD.asp%3FAction%3DEditElement%26GUID%3DA7380C4FE 4BF49C0B2EE15F0653ED90F%26ExtendedInfo%3D0%26FontS ize%3D1%26FontFace%3DArial%2CGeneva%2CHelvetica%2C sans-serif%26FontColor%3D%23003300%26OpenerIsRedDot%3D1 %26Dummy*******Time%3D1101989479415&CancelAsp=/reddot5/ioRD.asp%3FAction%3DRedDot%26Mode%3D2%26PageGuid%3 DF14A4B27BA16495FAEB60DDA401D629A%26EditPageGuid%3 DF14A4B27BA16495FAEB60DDA401D629A&FlatStyle=yes&HideSave=yes&EditorFlags=33554432&FontFace=Arial%2CGeneva%2CHelvetica%2Csans-serif&FontSize=1&FontColor=%23003300#الخلاف حول مضمون المجتمع المدني)
منظمات المجتمع المدني والتمايز عن الدولة والسوق (http://www.boell-meo.org/ar/web/ioEditor.asp?EltGuid=A7380C4FE4BF49C0B2EE15F0653ED 90F&BackAsp=/reddot5/ioRD.asp%3FAction%3DEditElement%26GUID%3DA7380C4FE 4BF49C0B2EE15F0653ED90F%26ExtendedInfo%3D0%26FontS ize%3D1%26FontFace%3DArial%2CGeneva%2CHelvetica%2C sans-serif%26FontColor%3D%23003300%26OpenerIsRedDot%3D1 %26Dummy*******Time%3D1101989479415&CancelAsp=/reddot5/ioRD.asp%3FAction%3DRedDot%26Mode%3D2%26PageGuid%3 DF14A4B27BA16495FAEB60DDA401D629A%26EditPageGuid%3 DF14A4B27BA16495FAEB60DDA401D629A&FlatStyle=yes&HideSave=yes&EditorFlags=33554432&FontFace=Arial%2CGeneva%2CHelvetica%2Csans-serif&FontSize=1&FontColor=%23003300#منظمات المجتمع المدني والتمايز عن الدولة)
"المجتمع المدني" في الفكر العربي: غياب الاقتصاد والسياسة (http://www.boell-meo.org/ar/web/ioEditor.asp?EltGuid=A7380C4FE4BF49C0B2EE15F0653ED 90F&BackAsp=/reddot5/ioRD.asp%3FAction%3DEditElement%26GUID%3DA7380C4FE 4BF49C0B2EE15F0653ED90F%26ExtendedInfo%3D0%26FontS ize%3D1%26FontFace%3DArial%2CGeneva%2CHelvetica%2C sans-serif%26FontColor%3D%23003300%26OpenerIsRedDot%3D1 %26Dummy*******Time%3D1101989479415&CancelAsp=/reddot5/ioRD.asp%3FAction%3DRedDot%26Mode%3D2%26PageGuid%3 DF14A4B27BA16495FAEB60DDA401D629A%26EditPageGuid%3 DF14A4B27BA16495FAEB60DDA401D629A&FlatStyle=yes&HideSave=yes&EditorFlags=33554432&FontFace=Arial%2CGeneva%2CHelvetica%2Csans-serif&FontSize=1&FontColor=%23003300#المجتمع المدني في الفكر العربي: غياب الاقتصاد)
المواطنة بين الدولة والمجتمع المدني (http://www.boell-meo.org/ar/web/ioEditor.asp?EltGuid=A7380C4FE4BF49C0B2EE15F0653ED 90F&BackAsp=/reddot5/ioRD.asp%3FAction%3DEditElement%26GUID%3DA7380C4FE 4BF49C0B2EE15F0653ED90F%26ExtendedInfo%3D0%26FontS ize%3D1%26FontFace%3DArial%2CGeneva%2CHelvetica%2C sans-serif%26FontColor%3D%23003300%26OpenerIsRedDot%3D1 %26Dummy*******Time%3D1101989479415&CancelAsp=/reddot5/ioRD.asp%3FAction%3DRedDot%26Mode%3D2%26PageGuid%3 DF14A4B27BA16495FAEB60DDA401D629A%26EditPageGuid%3 DF14A4B27BA16495FAEB60DDA401D629A&FlatStyle=yes&HideSave=yes&EditorFlags=33554432&FontFace=Arial%2CGeneva%2CHelvetica%2Csans-serif&FontSize=1&FontColor=%23003300#المواطنة بين الدولة والمجتمع)


ظهر مفهوم "المجتمع المدني" مع نشوء الدولة القومية ونمو الرأسمالية الحديثة، وتمحور، آنذاك، حول مفهوم "المجتمع البرجوازي" (كما عند هيجل وماركس). لكنه المفهوم اكتسب مدلولات جديدة مع تطور الدولة الحديثة، والتحولات في النظام الدولي، وتأثيرات العولمة الاقتصادية (الرأسمالية) والثورة في الاتصالات ونظم المعلومات. واكتسب المفهوم بعدا أيديولوجيا لربطه بالحركات التي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية، في عقد الثمانينات، والتي توجهت نحو تقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد والتشكيلات السياسية والحركات الاجتماعية والنقابات والاتحادات النقابية والمهنية.
وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفيتي منح المفهوم بعدا "تنمويا" من خلال منظمات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فقد باتت هذه تنظر إلى "المجتمع المدني" باعتباره المجال الذي يتيح إشراك المواطنين في "التنمية البشرية المستدامة" بعد أن فشلت التنمية في التحقق في معظم دول العالم الثالث. وكان الدافع وراء إعطاء موقع خاص للمجتمع المدني في عملية "التنمية البشرية" تبني سياسة الخصخصة و"التكييف الهيكلي" – في إطار سيادة اقتصاد السوق – باعتبارها الأنجع للتنمية الاقتصادية. ومنح هذا بعدا جديدا لمفهوم "المجتمع المدني". فهذه السياسية التي روجت لها المؤسسات المالية الدولية، وخطاب "اللبرالية الجديدة" ركزت على حصر دور الدولة في تهيئة بيئة قانونية وبنية تحتية ملائمة لنمو القطاع الخاص باعتباره أداة التنمية الأساسية، مع توفير حد أدنى، بالمشاركة والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني، من الرعاية الاجتماعية لأفقر الفقراء (ما يعرف بشبكات الحماية الاجتماعية). ودخلت لاحقا مفردات جديدة على خطاب التنمية خصت بالأساس منظمات المجتمع المدني كالمشاركة والتمكين. لقد منح المجتمع المدني وظيفة حماية الفرد من عسف الدولة وسطوتها. أي منح بعدا واقيا وحاميا للفرد من تدخلات الدولة وتجاوزاتها.
يمكن الإشارة هنا إلى أن الحماية التي توفرها التشكيلات الارثية سواء القرابية (الحمايل والعشائر ) أو الطائفية أو المحلية للفرد من سلطة الدولة، لا تأخذ شكلا واحدا، فهي تمنح للتشكيلات القرابية القوية قدرة أكبر على تجاوز القانون والتأثير على مؤسسات الدولة عبر الواسطة والضغط والتحالف من بعض أجهزتها. كما أن هذه "الحماية" التي قد توفرها هذه التشكيلات للفرد في وجه سطوة أجهزة الدولة أو تقلبات السوق تأتي في العادة على حساب فقدان الفرد لاستقلاليته كفرد له شخصيته الاعتبارية والقانونية المستقلة، وتتعاكس مع مفهوم المواطنة بما هي مجموعة واسعة من الحقوق والواجبات تخص الفرد كفرد ذات شخصية قانونية وإنسانية مستقلة.
يمنح المجتمع المدني في أدبيات مؤسسات التنمية تولي وظيفة باتت شاغرة بعد انسحاب الدولة عن مهمة تقديم خدمات أساسية للمواطنين، بحكم عمليات الخصخصة وسياسة "التكييف البنيوي" وأيديولوجية الليبرالية الجديدة. هذا هو مصدر الحرص على استقلالية "منظمات المجتمع المدني" عن الدولة وعن القطاع الخاص باعتبارها تشكيلات لا تقوم على مبدأ الربح. وهذا هو أساس التعاطي معها كآليات لتوزيع وتخصيص موارد في المجتمع مختلفة ومستقلة عن كل من الدولة ومؤسسات اقتصاد السوق. وهو سر التركيز على دعم المنظمات غير الحكومية التي تقدم خدمات (صحية، وزراعية، وتدريبية وما شابهها)، والاهتمام بالمنظمات الدعاوية المتوجهة إلى التثقيف بالديمقراطية وحقوق الإنسان, وهو سبب إغفال منظمات المجتمع المدني المهتمة بتنظيم الناس وتأطيرهم كالأحزاب السياسية، والنقابات والحركات الاجتماعية ذات الجذور. وهو وراء اختزال المجتمع المدني إلى منظمات غير حكومية.
دخل المجتمع المدني إلى الخطاب السياسي والفكري العربي من باب الحاجة للديمقراطية وحقوق الإنسان، أي من مدخل وضع المجتمع المدني في مواجهة الدولة (وخلق ثنائية المجتمع والدولة وعلاقة تنافر واستبعاد بينها)، وليس من مدخل إعادة تنظيم الدولة والمجتمع المدني باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للمواطنة، ولإرساء أسس الديمقراطية السياسية والاجتماعية. فإعادة تنظيم الدولة على أساس فصل السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وتشريع حرية الرأي والتنظيم والتظاهر على أساس دستور يضمن الحريات المدنية أمور ضرورية لترسيخ المواطنة بما هي حقوق وواجبات. كما أن توسيع دور المجتمع المدني بما هو، بالأساس، أحزاب ونقابات وحركات اجتماعية تستند الحرية المواطن في التنظيم والدفاع عن مصالح ورؤى وانتماءات، هو المدخل لتكريس الديمقراطية كتجسيد لتعددية المصالح والرؤى في المجتمع وحق الأحزاب والقوى المختلفة في التنافس السلمي على السلطة ومن أجل التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

الخلاف حول مضمون المجتمع المدني ووظائفه
لكن مفهوم "المجتمع المدني" - رغم ما بات يتمتع به من رواج في الخطاب الفكري والسياسي العربي– لا يزال يمتلك معاني ودلالات مختلفة من قبل مستخدميه. فالبعض يحدده بالمنظمات والمؤسسات والهيئات التي تقام على أساس طوعي بين المواطنين خارج أطر الدولة والعائلة وعلاقات القرابة (التشكيلات القرابية أو الإرثية أو التي يشير إليها البعض بالتقليدية)/ وما خارج علاقات السوق الرأسمالي. لكن هناك من يصر على وضع التشكيلات القرابية والمحلية (و "التقليدية" بشكل عام)، أو بعض تعبيراتها، ضمن منظمات المجتمع المدني لأنها توفر بعض أشكال الحماية للفرد من بطش السلطة ومن تقلبات وقسوة السوق الرأسمالي. لذا تستثني معظم تعاريف " المجتمع المدني" المؤسسات الاقتصادية القائمة على الربح والمتعلقة مباشرة بعمل وآليات السوق (المؤسسات الاقتصادية والمالية) من إطار المجتمع المدني خلافا للمفهوم الكلاسيكي الذي شمل العلاقات الاقتصادية ضمن المفهوم. هذا مع العلم أن المنظمات المدنية لا تستطيع أن تتجاهل اقتصاد السوق الرأسمالي ولا تأثيراته.
كما يستثني البعض الأحزاب السياسية من تشكيل المجتمع المدني لافتراض أنها تسعى للوصول إلى السلطة (الحكومة)، في حين يصر البعض الآخر على مركزية دورها في المجتمع المدني كونها لا تسعى إلى استلام السلطة فقط، بل لأنها تطرح برامج اجتماعية واقتصادية وتعليمية وغيرها، وبعضها أصغر من أن يأمل للوصول إلى السلطة بل يسعى إلى التأثير على سياسة الحكومة أو الدفاع عن مصالح وتطلعات أقليات قومية أو أثنية أو دينية أو فئات اجتماعية معينة. ولذا يستثني البعض الأحزاب الحاكمة من المجتمع المدني، ويعتبر أحزاب المعارضة من ضمنه. وربما يكون هذا وراء اختزال الدولة في الأدبيات العربية إلى الحكومة (أي إلى السلطة التنفيذية) وتجاهل، لاعتبارات عدة، السلطة التشريعية والسلطة القضائية، حتى عندما يكون لهذه وتلك درجة من الاستقلالية والتأثير.
كما ما زال جدل يدور حول ما إذا كانت التشكيلات القائمة على أساس الدين أو الطائفة أو الانتماء الأثني تشكل جزءا من المجتمع المدني أم ينبغي استثناؤها منه. فالبعض يرى أنها من صلب المجتمع المدني، باعتبارها، في أحيان كثيرة، تسعى إلى التغيير والدفاع عن حقوق وتطلعات فئات واسعة في المجتمع، وتضغط على مراكز القرار، وأحيانا توجه سهامها نحو لاإنسانية السوق الرأسمالي وعجزه عن التنمية الفعلية والعادلة والمتوازنة. في حين يرفض البعض عضويتها في المجتمع المدني بحكم القيود التي تضعها على الانتماء إليها، واقترابها، في هذا المجال، من المنظمات الإرثية، ولكونها تتناقض مع مبدأ المواطنة الذي لا يقوم على الدين أو الجنس أو العرق أو الانتماء الجهوي أو الأثني.
التباين والاختلاف في تحديد تخوم ومكونات المجتمع المدني يعود، في جانب منه، إلى اعتماد مفهوم ذي بعد واحد معزول عن سياق محدد تاريخيا ومجتمعيا. كما يعود إلى الخلط بين ما تقوم به مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني من وظائف مختلفة، وتباين هياكلها الداخلية (المتنوعة كذلك)، وبين شروط قيامها واستدامتها. ومن هنا فالتعريف القانوني الذي يصنف منظمات المجتمع المدني باعتبارها منظمات خيرية وتعمل للصالح العام قد يستثني تشكيلات هامة كالأحزاب السياسية التي تخضع في تكوينها وأهدافها وعضويتها، عادة، لاعتبارات وشروط معينة وقد تجد نفسها، في ظروف معينة، مضطرة للعمل السري. كما يستثني النقابات والاتحادات التي تخضع في أهدافها وشروط عضويتها لاعتبارات مختلفة عن الأحزاب وعن المنظمات الأهلية الخيرية والدعاوية والتنموية والثقافية والرياضية.
ويواجه التعريف الذي يركز فقط على الجانب الاختياري أو التطوعي في العضوية نفس الإشكالية. فمنظمات المجتمع المدني تتباين كثيرا من حيث درجة انفتاح عضويتها؛ فبعضها كالنوادي الخاصة يشترط رسوم اشتراك واهتمامات معينة، وبعضها كمؤسسات البحث والجامعات والمعاهد الأهلية يشترط مؤهلات أكاديمية وعلمية وتخصصية معينة، وتفرغ للعمل المدفوع الأجر. وتضع النقابات المهنية شروطا للعضوية وتحصرها في مجموعات وفئات مهنية. وتتطلب الأحزاب عادة الموافقة على برنامج الحزب ونظامه الداخلي. وهناك روابط كالجمعيات والروابط والمؤسسات الدينية أو الطائفية التي تعمل وفق رؤية دينية محددة في مجال التنمية وحقوق الإنسان، وهناك الجمعيات الخيرية والإغاثية التي تعتمد، إلى هذا الحد أو ذاك، على العمل التطوعي لكن تشمل عددا من المتفرغين والموظفين. باختصار ليست التطوعية غير المقيدة هي السمة الغالبة لعدد غير قليل من منظمات "المجتمع المدني" التي تضع شروطا على عضويتها. ومن هنا فإن التعاطي مع المجتمع المدني وكأنه جسم قائم بذاته أو مترابط أو موحد يقود إلى استنتاجات وتصورات خاطئة.
المجتمع المدني هو تشييد فكري يجمع بين تضامنيات شديدة التباين (من حيث الأهداف والقاعدة الاجتماعية وشكل التنظيم ومصادر التمويل) التي تقام خارج مؤسسات الدولة والسوق والروابط الإرثية. والسؤال هو هل هذا المفهوم يشكل أداة تحليلية مفيدة رغم الخلاف على ما يدخل في مكوناتها؟

منظمات المجتمع المدني والتمايز عن الدولة والسوق
هناك ما يميز منظمات المجتمع المدني عن مؤسسات الدولة أو مؤسسات اقتصاد السوق (شركات، مصانع، ورش، بنوك، مطاعم، مشاريع خدماتية مختلفة، وما شابه). ولعل أبرز ما يميز المنظمات المدنية عن الدولة والسوق يكمن في طبيعة العلاقة التي تقيمها مع جمهورها. وهي علاقة تفترض امتلاك هذه المنظمات ليس مجرد درجة عالية من الاستقلالية في إدارة شؤونها وفي صياغة خططها ونشاطاتها وفي محرك علاقتها مع الجمهور (فهذه الاستقلالية قد تكون متوفرة في مؤسسات القطاعين الخاص والعام)، بل تتمايز في شكل ومضمون العلاقة التي تقيمها مع جمهورها. ولا تتعامل معه من موقع العلاقة بين المؤسسة والفرد وفق إجراءات وقوانين وقواعد مقننة (كما يفترض أن تتعامل معه الدولة). بل تتعامل معه بالأساس كجمهور مكون من فئات متباينة المصالح والاهتمامات والاحتياجات والتكوين (من حيث الجنس والعمر)، من موقع تمثيل هذه المصالح ، ومن موقع الحرص على إشراك الجمهور في تنظيم نفسه وفي الدفاع عن حقوقه الجمهور ورعاية احتياجاته الخاصة..
ويشرّع استقلالية المنظمات المدنية في إدارة شؤونها الداخلية وصياغة برامجها وخطط عملها القوانين مشرّعة. وهذه القوانين تحددها موازين قوى اجتماعية وسياسية، وتتأثر بعوامل إقليمية ودولية. ويحدد مضمونها وتطبيقاتها كقوانين حامية للحريات العامة ديمقراطية النظام السياسي، والقوة التفاوضية لمنظمات المجتمع المدني الرئيسة، والتي تحددها فعالية واتساع القاعدة الجماهيرية لهذه المنظمات وطبيعة العلاقة التي تقيمها معها (قدرتها التعبوية). فبعض منظمات المجتمع المدني - في مجال العمل السياسي الحزبي، على سبيل المثال - قد يحظر عليه النشاط العلني. وفي هذه الحالة يتحدد تأثير مثل هذه المنظمات وفعاليتها بمدى تأييدها ودعمها من الجمهور، ودرجة القمع الذي تتعرض له من السلطة المركزية أو السلطة المهيمنة (وطنية كانت أم أجنبية). ومن الواضح أن قدرة منظمات المجتمع المدني على التواصل والتجدد مرتبطة، من بين عوامل أخرى، بقدرتها على تلبية حاجات وتطلعات اجتماعية وبقدرتها على تمثيل مصالح فئات اجتماعية ودورها التعبوي والتنظيمي.كما تتصل بقدرتها على حشد الموارد الضرورية لمواصلة وتوسيع نشاطها. ويمكن القول أن منظمات المجتمع المدني تستمد مبرر وجودها وشرعيتها، بالأساس،من علاقتها الخاصة بجمهورها وعلاقته بها، وشكل هذه العلاقة التي قد تستند إلى ما توفره من خدمات مادية أو تأهيلية، أو إلى قدراتها التنظيمية والتعبوية في الدفاع عن حقوق ومصالح هذا الجمهور، وإلى فعالية نشاطها السياسي أو الاجتماعي أو الفكري أو الثقافي.
من هنا يمكن القول أن ما يميز، وإن بشكل عام جدا، منظمات المجتمع المدني، بتنوعها الشديد، عن مؤسسات الدولة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) يتمحور حول طبيعة نشاطها، وما يفرزه من أنماط تنظيمية متنوعة. فالعلاقة بين المواطن والدولة الوطنية العصرية هي علاقة تعاقدية، مقننة، عادة، في دستور أو قوانين أساسية، تتجسد في واجبات محددة (دفع ضرائب، خدمة وطنية، احترام القانون…). كما تتجسد في حقوق (حق التنظيم والتعبير عن الرأي والمعتقد، والوصول إلى خدمات أساسية، الخ).
وتتمايز علاقات المنظمات المدنية مع الجمهور عن علاقته بالمؤسسات الاقتصادية والمالية المرتبطة بآليات السوق الرأسمالي والقائمة على الربح وإنتاج سلع وخدمات مختلفة موجهة للسوق، فهذه المؤسسات (مؤسسات القطاع الخاص) تتعامل معه كمستهلك أو كموظف أو أجير، أو في أحسن الأحوال كمستثمر. فمحرك عمل وهدف منظمات المجتمع المدني ليس الربح أو تطوير آليات السوق الرأسمالي. فهو محرك يتحدد وفق تنوع منظمات المجتمع المدني (عمل الخير، الإغاثة، التنمية، التأهيل، التنوير، الرعاية، التضامن الاجتماعي، التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي …). أي أن مجالات منظمات المجتمع المدني هي تلك المجالات التي لا تخضع لإدارة وتوجيه مؤسسات الدولة وتنظيمها، وتعتمد إدارات مستقلة يخضع دورها وأشخاصها وبرامجها وخططها، نظريا على الأقل، لموافقة وتوجهات ومساءلة الأعضاء والجمهور المعني. كما لا تخضع نشاطاتها لاعتبارات وآليات السوق، وإن كانت غير معزولة عنه. ولعل هذا الاعتبار كان وراء اعتبار المجتمع المدني، عند مفكرين مثل غرامشي، المجال الذي يجري فيه الصراع على الهيمنة القائمة على الاقتناع وليس على السيطرة.
يمكن النظر إلى منظمات المجتمع المدني (والأهلي) من منظور وظائفي. أي من حيث ما قد توفره من حماية إزاء تعسف أو تجاوزات السلطة المركزية، وكذلك إزاء ما تفرزه آليات السوق الرأسمالي من استثناء ولامساواة وتهميش. لكن من وظائف منظمات المجتمع المدني أن توفر الحماية للفرد ضد عسف أو قمع أو تجاوزات بعضها البعض بما في ذلك تعسف المنظمات الأرثية (العشائرية والطائفية والمحلية). وتجدر الإشارة هنا أن من وظائف الدولة الديمقراطية توفير الحماية للمواطن من تجاوزات لحقوقه قد تقوم بعض منظمات المجتمع المدني أو الأهلي.
برز الاهتمام بالمنظمات المدنية باعتبارها وسائط للتنمية في العقدين الأخيرين. وترافق ظهور هذه توجه المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية (البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ..) نحو الخصخصة، والتكييف الهيكلي وتقليص دور الدولة الاقتصادي في إطار تهيئة المناخ ا لنمو القطاع الخاص، وتقليص خدمات الدولة الاجتماعية للمواطنين. ومن هنا بات ينظر إلى المنظمات الأهلية كوسائط للتنمية المحلية وتولي وظائف "دولة الرعاية"في مجال توفير خدمات أساسية للمواطنين. وتم تسويغ هذا التوجه عبر مقولة أن حرية تشكيل منظمات مدنية هي صلب حقوق الإنسان. واعتبار أن هذا الحق يتجسد في تشكيل الروابط والمنظمات والمؤسسات الهادفة إلى تحسين مستويات المعيشة، والمطالبة بتنفيذ برامج وخطط وقوانين معينة، والدفاع عن مصالح وحقوق الفئات الاجتماعية المختلفة. ومن هنا فكرة مشاركة الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني ( القطاعات الثلاثة) في عمليات التنمية. ونجد في هذه التوجهات تفسير الاهتمام الدولي (الغربي الحكومي والمدني المحلي) في تشجيع وتمويل العديد من المنظمات غير الحكومية في دول العالم الثالث، بما فيها العالم العربي، باعتبارها أقل عرضة للفساد والهدر من المؤسسات الحكومية وأقدر على الضغط على هذه ومراقبتها. ويترتب على التمويل الخارجي لقطاع من المنظمات المدنية تساؤلات تتعلق بتأثير "أجندا" الجهات المانحة على برامج المنظمات المدنية المستقبلة، كما على قدرتها على إدامة نفسها، وعلى التمتع باستقلالية برنامجية ومالية.

"المجتمع المدني" في الفكر العربي: غياب الاقتصاد والسياسة (http://www.boell-meo.org/ar/web/219.html##)
يهيمن على الأدبيات العربية المتداولة حاليا، موقفا قوامه أن المجتمع المدني هو شرط قيام نظم ديمقراطية وضمانة ترسخ الحريات السياسية والحقوق المدنية وتجسيدها. لكن هذا الرأي ينضوي على تبسيط مضلل للعلاقة لكل من الدولة والمجتمع المدني. فهو يقفز عن حقيقة أن لا مضمون للمجتمع المدني بدون حضور الدولة. وهو يختزل الدولة إلى الحكومة (السلطة التنفيذية)، متجاهلا (غياب أو حضور) كل من السلطتين التشريعية والقضائية. كما ينظر للدولة كجسم متجانس وموحد دون توترات وصراعات وتباينات. كما ينظر إلى المجتمع كجسم موحد وتناسق الوظائف والمهام دون توترات وصراعات وانقسامات.
وهي رؤية تتجاهل التنوع الشديد في منظمات المجتمع المدني من حيث وظائفها والفئات الاجتماعية التي تتوجه إليها أو تسعى لتمثيلها أو لتنظيمها، ومن حيث مصادر تمويلها، وفلسفتها ، وبنيتها الداخلية، وظروف نشأتها. كما تميل هذه الرؤية إلى وضع المنظمات المدنية خارج المجتمع عبر النظر إليها كأجسام تقدم خدمات أو تتولى نشاطات تنموية أو خيرية أو تقوم بتنظيم وتأطير جمهور معين أو تمارس نشاطات دفاعية وإعلامية من فوق أو من جانب أو خلف المجتمع. أي أنها لا تنظر إلى المنظمات المدنية كجزء من تشكيلة مجتمعية بتكويناتها الاجتماعية السياسية والاقتصادية والثقافية، وباعتبار هذه التشكيلة تقييم في فضاءات سياسية-اقتصادية إقليمية ودولية لها استحقاقاتها وتفاعلاتها وتناقضاتها.
كما تميل مثل هذه الرؤية للمجتمع المدني إلى إختزال وتنميط علاقاته بالدولة. وهي علاقات تأخذ، في الواقع، أشكالا متنوعة ومتغيرة ومعقدة في معظم الأحيان. ويسري هذا الميل للتنميط التبسيطي على علاقة منظمات المجتمع المدني مع بعضها البعض. وهذه علاقات تتنوع في العادة لتشمل التنسيق أو التنافس أو الصراع وفق نشاطها وفلسفتها لدورها ومصادر تمويلها وتكوين وحجم قاعدتها الاجتماعية.
تختزل معالجة علاقة الدولة بمنظمات المجتمع المدني، إلى علاقاتها بما يعرّف بـ "المنظمات غير الحكومية"، مما يستثني، أو يساوي في الدور، منظمات "مجتمع مدني" أخرى ذات أهمية خاصة لمفهوم المواطنة كالأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات الشعبية والمهنية والحركات الاجتماعية الأخرى، بالإضافة إلى الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى والغرف التجارية والصناعية والجامعات والمعاهد العليا. أي أن منطلق بحث العلاقة يستدعي إدراك تنوع منظمات المجتمع المدني، وأبعاد هذا التنوع على العلاقة مع السلطة المركزية. كما يتطلب إدراك التغير الذي تدخله الدولة على الحقل السياسي الوطني في مجال المؤسسات الرسمية و الإدارات العامة والأجهزة الأمنية والعسكرية، والنظام القضائي والتشريعي. وما تفعله هذه من تحولات في البنية الاقتصادية للمجتمع، ليس فقط من حيث أنها (أي الدولة) تشغل نسب متفاوتة (وعالية في معظم الدول العربية)، من القوى العاملة، بل وكذلك من حيث فعلها في الاقتصاد الوطني وبنيته، من حيث حجم ودور وسمات القطاع الخاص. أي أن الدولة القومية أو الحديثة لها وقع تراكمي على تشكل البنية الطبقية والاجتماعية، ولهذه تأثيرها على تكوين المجتمع المدني (أحزاب، نقابات، غرف تجارية وصناعية، منظمات خيرية) وكثافته.
كما أن بنية الاقتصاد الوطني وموقعه في شبكة العلاقات الاقتصادية الإقليمية والدولية له تأثيراته القوية على منظمات المجتمع المدني وكثافة حضورها ومجالات هذا الحضور والمصالح التي تمثلها المنظمات المدنية ومراكز القوى التي تستند إليها وموازينها، وأشكال الصراع و التفاوض التي تجري بين هذه لتحديد قوانين اللعب في الحقل السياسي، وبالتالي شكل نظام الحكم. والعلاقة بين مراكز القوى في المجتمع وموازينها هي التي تحدد، في المحصلة، ديمقراطية أو لاديمقراطية النظام السياسي، وليس عدد المنظمات المدنية أو مجموع ما تقوم به من وظائف.

المواطنة بين الدولة والمجتمع المدني
من العبث البحث عن مفهوم واحد قادر على حصر تنوع منظمات "المجتمع المدني" في شكل أو وظيفة أو نمط واحد. فهذه تعمل في مجالات مختلفة وتحمل رؤى متباينة لدورها، وتعتمد وسائل عمل وعلاقات مع الجمهور (وهو جمهور متنوع من حيث المصالح والاحتياجات والمطامح والرؤى المجتمعية) وهيكليات ومصادر تمويل شديدة التنوع. ولذا فإن أية محاولة لاختزال منظمات المجتمع المدني لنمط واحد أو تلبيسها رؤية موحدة أو تصور أسلوب عمل واحد لها، سيكون مصيرها تبديد المكون الأساسي لما يُعرّف بالمجتمع المدني، باعتباره الحقل الذي تتمثل فيه وتنافس وتتعايش تعبيرات ورؤى اجتماعية وفكرية وسياسية متعددة ومتباينة، وأحيانا متناقضة أو متعارضة، بحكم التكوين المعقد والمركب والمتباين لتشكيلية الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية لأي مجتمع إنساني، بما فيها مجتمعاتنا العربية المتباينة في تكوين أنظمة الحكمة فيها وفي تركيبتها السياسية والاجتماعية، وبنيتها الاقتصادية وحجم ومصادر مواردها رغم ما هو مشترك على الصعيد الثقافي والتاريخي واللغوي.
أرى أن الهم المركزي عربيا ينبغي أن ينصب على دمقرطة بنية الدولة الوطنية بما يؤصل المواطنة (القائمة أساسا على سيادة القانون ومساواة الجميع أمامه). ومن هنا تصبح مساءلة مؤسسات "المجتمع المدني" – باعتبارها المجال الذي يعبر فيه المواطنين عن حقهم، بل ومسئوليتهم، في إقامة والانتماء إلى الروابط والتضامنيات والجمعيات والأحزاب والنقابات والاتحادات - تنصب على دورها في تجسيد المواطنة وتوسيعه ليشمل ليس الحقوق السياسية فقط بل والحقوق الاجتماعية. وهنا سنجد أن مؤسسات المجتمع المدني تتباين كثيرا فيعضها يسعى بعضها للتغيير الاجتماعي لصالح مجالات الحرية، وتوسيع وتكريس العدالة الاجتماعية والتضامن المجتمعي، يعمل بعضها الآخر لصالح إعادة النتاج نظم قائمة على سلب أسس المواطنة تحت مسميات مختلفة كالحفاظ على التراث والأصالة والخصوصية ولمواصلة التعامل مع المواطنين كرعايا أو كانتماءات عشائرية أو جهوية أو أثنية أو طائفية...
قد يكون الأجدى الاستغناء عن تعبير المجتمع المدني والعودة إلى المفاهيم الكلاسيكية في التحليل الاجتماعي عن أحزاب (حاكمة وأحزاب معارضة) واتحادات ونقابات وحركات اجتماعية ومنظمات مدنية حقوقية وخيرية وتنموية وعن بنى اجتماعية واقتصادية وثقافية وانقسامات طبقية وأثنية و حضرية-ريفية، الخ في المجتمع. وهذا يعني العودة إلى التحليل الملموس للواقع الملموس في كل مجتمع عربي دون الحديث العام المجرد.. وهذا ما يتيح فهم خصوصيات ديناميكيات كل مجتمع عربي، والديناميكات المشتركة بينها وأين تتجه...
فطبيعة التحديات التي تواجه المجتمع العراقي وقواه السياسية والمدنية ، والمجتمع الفلسطيني، تختلف عن تلك التي تواجه المجتمع السوداني، أو اللبناني أو السوري، والأخيرة تختلف عن ما يواجه المجتمع السعودي أو اليمني أو المغربي، وهكذا... إن العودة إلى المفاهيم الكلاسيكية والمجربة في التحليل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي قد يحرر هذا التحليل من القيود الفكرية والأيديولوجية والقيمية التي بات مفهوم المجتمع المدني مثقل بها في الحقل المفاهيمي العربي. ولعل من الملفت أن قليلة جدا هي الدراسات السوسيولوجية التي تحلل المجتمعات الأوروبية والمتقدمة اقتصاديا تستخدم مفهوم المجتمع المدني..
رام الله، تشرين أول/اكتوبر 200

منقول من:www.boell.meo.org d8sd8sd8s

نرجس2009
03-04-2009, 18:51
مفهوم المجتمع المدني في الغرب
احمد زهير (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=50376#)
الحوار المتمدن - العدد: 1377 - 2005 / 11 / 13 (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=50376#)
تهدف هذه الدراسة الى تحديد المراجع النظرية المحددة لمفهوم المجتمع المدني، كمفهوم ملتبس ، تتعدد تعاريفه بتعدد المجالات و الرؤى و المقصدية المؤطرة له، ويتخد دلالات متباينة و متنافرة - احيانا - تبعا للوعاء الايديولوجي و الحمولة المرجعية و الاهداف و الغايات الموظفة له..
فمفهوم المجتمع المدني اضحى احد المفاهيم الاكثر رواجا في الساحة العربية.. و يعكس في العمق الازمة البنيوية التي تسود المجتمع العربي..
في هذا الجزء الاول نحدد هذا المفهوم من خلال اسهامات مجموعة من المنظرين الفكريين « الغربيين / العالميين »، على امل ان نلاحق تمظهراته لدى المثقفين العرب لاحقا..
1 - مدرسة العقد الاجتماعي: جون لوك ، روسو، نموذجا.

تاسس مفهوم المجتمع المدني بصيغته الاصطلاحية السياسية في سياق نظرية العقد الاجتماعي، التي تعتبر ان المجتمع المدني مناف للمجتمع البدائي، الذي تسمه القوانين الفردية، يقول جون لوك: " فحيث يؤلف عدد من الناس جماعة واحدة، ويتخلى كل منهم عن سلطة تنفيد السنة الطبيعية التي تخصه، ويتنازل عنها المجتمع، ينشا عندنا حينذاك فقط مجتمع سياسي او مدني "
ويذهب منظرو نظرية العقد الاجتماعي الى ان المجتمع المدني مقترن بالمجال الدنيوي، وانه مناقض للمجال الديني، وذلك في محاولة منهم لتقويض دور الكنيسة التي تحكمت في مختلف مجالات الحياة، واصبحت نظرتها التقليدية حجرة عثرة امام التقدم والرقي..
فالدولة والقوانين الوضعية هما اساس المجتمع المدني ، واي تاثير لقوى خارج هذا المحيط يندرج ضمن المجتمع البدائي..
يقول الدكتور محمد زاهي المغربي في دراسته : المجتمع المدني و الدولة دلالات المفهوم و اشكاليات العلاقة، في تناص مع راي الاستاذ سعيد بنسعيد،" لقد كان جون لوك من أكثر مفكري مدرسة العقد الاجتماعي اهتماماً بمفهوم المجتمع المدني ، والذي قصد به وصف ذلك المجتمع الذي دخله الأفراد لضمان حقوقهم المتساوية التي تمتعوا بها في ظل القانون الطبيعي ، لكن غياب السلطة القادرة على الضبط في المجتمع الطبيعي كان يهدد ممارستهم لهذه الحقوق . لذلك اتفق هؤلاء الأفراد على تكوين ذلك المجتمع المدني ضماناً لهذه الحقوق ، ثم تخلوا عن حقهم في إدارة شؤونهم العامة لسلطة جديدة قامت برضائهم والتزمت بصيانة حقوقهم الأساسية في الحياة والحرية والتملك . والتزم أفراد ذلك المجتمع المدني بطاعة تلك السلطة طالما التزمت بعناصر ذلك الاتفاق معهم ، أما إذا خرجت عليه ، فإنها تفقد كل أسس طاعتهم لها ، ويصبح من حقهم أن يثوروا عليها ويحلوا محلها سلطة أخرى أكثر اتساقاً في احترامها لحقوقهم ( بنسعيد وآخرون ، ص 644 ) .
اما بالنسبة جان جاك روسو(1124هـ -1712م / 1192 هـ -1778م)، فالمجتمع المدني عنده نقيض المجتمع البدائي، والذي اخد ينزاح بفعل محاولة الانسان وضع نظام انساني بديل، يرتكز على انشاء نظام وضعي ينظم العلاقات داخل المجتمع الانساني / المدني، ويحدد الحقوق و الواجبات.. في اطار عقد اجتماعي.. فالعقد الاجتماعي عنده هو اساس و منطلق المجتمع المدني..
فالمجتمع المدني عند روسو كما حدده في كتابه الشهير " العقد الاجتماعي " (1176هـ -1762م)، هو نظام من صنع مجموعة بشرية ، حاولت الخروج من الحالة البدائية الى الحالة الانسانية المبنية على القوانين الوضعية المهيكلة للمجتمع، و بالتالي صار المجتمع منظما ولا دخل للطبيعة / البدائية فيه..وهو مبني على الحرية ، فالعقد الاجتماعي عقد طوعي اساسه الحرية، يقول في كتابه: "ولد الإنسان حراً طليقاً، ومع ذلك، فهو مثقل بالقيود في كل مكان. ولرب رجل يتوهم أنه سيد الآخرين، وهو لا يني يرسف في أغلال من العبودية هي أثقل من أغلالهم" (ص 11). (2 اخدا عن : في العقد الاجتماعي – نحو إعادة التفكير في الحداثة، للدكتور جاد الكريم الجباعي )، وتطرح على روسو اشكالية كبرى تتمثل في الكيفية التي يستطيع بها الفرد الاندماج في العقد الاجتماعي / من دون الاخلال بحريته، يؤكد روسو ان ذلك يمكن تجاوزه عن طريق " الاهتداء إلى شركة (أي إلى نوع من أنواع الاجتماع المدني) تدافع عن الشركاء، وتحمي، بجميع ما لها من القوة الجماعية، شخص كل مشترك وأمواله، شركة ينضم فيها كل مشترك إل شركائه ويتحد بهم، ولكنه، مع ذلك، لا يطيع إلا نفسه، ويظل متمتعاً بالحرية نفسها التي كانت له". هذه الشركة هي العقد الاجتماعي الذي مبدؤه الحرية والاستقلال، وقوامه الشراكة أو المشاركة وغايته النفع العام أو المصلحة العامة المشتركة بين الجميع. وشروط هذا العقد، أو هذه الشراكة، واحدة في كل مكان، تردُّ جميعُها إلى شرط واحد هو: "أن يبيع كل مشترك نفسه وجميع حقوقه إلى الشركة بأكملها بيعاً شاملاً كاملاً؛ وذلك أولاً، لأن كلاً من الشركاء قد وهب نفسه كلها، فتمت المساواة بين الجميع، وإذ إن الشرط يقيم المساواة بين الجميع، فليس لأحدهم من مصلحة في أن يجعله شديد الوطأة على الآخرين. أما وقد وقع البيع دون تحفظ، فإن الاتحاد يكون على أتم ما يمكن من الكمال، ولا يبقى لمشترك ما يطالب به؛ لأنه لو بقي لبعض الأفراد حقوق، ولم يكن للشركة رئيس عام يمكنه أن يفصل بينهم وبين الجمهور، فانتحل كل منهم صفة القاضي لنفسه، بل شيئاً فشيئاً للآخرين، لكان من نتيجة ذلك أن بقيت حالة الطبيعة قائمة، ولأصبحت الشركة طاغية أو باطلة بحكم الضرورة. وأما وكل فرد بهبته نفسه للجميع لم يهبها لأحد، وأما إذ ليس هناك من مشترك لا يكتسب الحق نفسه الذي قد نزل له عنه شركاؤه، فإنه بهذا يظفر بما يساوي جميع ما فقده، ويكسب فوق ذلك مزيداً من القوة لحفظ ما له. فإذا اطُّرح من الميثاق الاجتماعي ما ليس من جوهره حُصر هذا الميثاق في الكلمات الآتية: إن كلاً منا يضع شخصه وكل قوته شركةً تحت إدارة الإرادة العامة العليا، ونحن نقبل أيضاً كل عضو كجزء من كل غير قابل للانقسام. فعقد الشركة هذا يوجد في الحال بدلاً من شخصية الفرد الخاصة هيئة معنوية (اعتبارية) متضامنة تتألف من عدد من الأعضاء مناسب لعدد أصوات المجلس، وتستمد الهيئة من هذا العدد نفسه وحدتها وأناها أو شخصيتها المشتركة وحياتها وإرادتها، وهذه الشخصية العامة هي الجمهورية والشركاء هم الشعب والأفراد هم المواطنون المشتركون في سلطة السيادة والخاضعون في الوقت ذاته لقوانين الدولة (ص 26-27). المواطن والشعب والجمهورية ثلاثة اقانيم في الديمقراطية، إذا جاز استعمال هذا التعبير. (عن المرجع السابق). (لمزيد من الاطلاع : www.hem.bredband.net )
2 – هيغل: ( friedrick Hegel )
ينبني المجتمع المدني عند هيغل في ترابط مع نظريته « النظام الاخلاقي » والتي ترتكز على 3 مفاهيم وهي : الاسرة، المجتمع المدني، الدولة..
وسنقتصر على تحديداته للمجتمع المدني باعتباره المفهوم الذي يهمنا..
المجتمع المدني عند هيغل، بثكثيف شديد، ينبني على ثلاث مراحل:
1 نظام الحاجات
2 حماية الملكية من خلال ممارسة العدالة ( التشريع البرلماني، والهيئة القضائية )
3 الشرطة والنقابات.
1 نظام الحاجات:
وهو نظام يتماسس على العلاقات المتبادلة داخل المجتمع، وينبني على ثلاث عوامل: النظام المتبادل، العمل، والثروة الناتجة عن العاملين السابقين.
وداخل نظام الحاجات، ينقسم المجتمع الى طبقات، طبقة الزراع او الفلاحين، طبقة التجار او الصناع، الطبقة الكلية، وهي الطبقة الحاكمة، والتي تعتمد على العقل في تسيير الدولة.. وانتماء الفرد للطبقة يتحدد من خلال قدرته على انجاز وظائف الطبقة التي يرتبط بها..
2 التشريع البرلماني ، الهيئة القضائية:
القنون عند هيغل هو الكفيل بتنظيم العلاقات داخل المجتمع المدني، فافراده مرتبطون فيما بينهم بمجموعة من القوانين التي تنظم العلاقات ، وتحدد الواجبات والحقوق..
3 الشرطة: النقابات:
بما ان المجتمع المدني يقوم على نظام الحاجات، حيث يسعى كل فرد الى تحقيق رغباته الخاصة، فان الامر يحتاج الى حماية، حتى لا تقع تجاوزات، ومن ثمة، فان الشرطة ضرورية لتحقيق التوازن داخل المجتمع..
بالاضافة الى ذلك، فان المجتمع المدني في حاجة الى التنظيمات الاجتماعية ، لكي تحقق تطلعاته، وهي ما يطلق عليها هيغل اسم « النقابات »..
ولا يتم توازن المجتمع المدني الا بوجود الدولة، فهو مجرد عامل فيها، « والفارق الاساسي بين المجتمع المدني والدولة، هو ان الفرد في المجتمع المدني ينظر الى نفسه على انه غاية وحيدة لدرجة انه يصبح غاية جزئية ، في حين ان الدولة تعد غاية اعلى يوجد الفرد من اجلها، لدرجة ان غايته تصبح كلية ( 4 )
غرامشي:
عاود المفكر الماركسي اطونيو غرامشي ( antonio Gramsci) «1891 ـ 1937» طرح مفهوم المجتمع المدني ، بعد نهاية الحرب العالمية الثانبة، وذلك اثناء تحديده الاسباب التي جعلت الثورة تنتصر في روسيا، وتفشل في باقي الدول ، هكذا طرح غرامشي التساؤل التالي: « ما هي الشروط الاجتماعية التي مكنت الطبقة العاملة من الاستيلاء على السلطة في روسيا رغم خصوصيتها الاقتصادية و الاجتماعية المتميزة عن اوربا؟ ولقد اوضح غرامشي ان سبب النجاح يعود الى ان الدولة في روسيا كانت تمثل كل شيء مقابل هلامية وهشاشة وفقر المجتمع المدني، بينما نجد ان الدولة في الغرب تتميز بتلاحمها مع المجتمع المدني، من هنا فان الاستيلاء على السلطة في الغرب، يقتضي تطوير استراتيجية جديدة مخالفة لاستراتيجية البلاشفة، استراتيجية تقوم على استخدام الايديولوجيا في سبيل الهيمنة، أي استخدام المثقفين لانتاج راس مال رمزي بواسطة النقابات والمدارس لتحقيق الهيمنة..( 5 )
نستشف من هذا ان المجتمع المدني عند غرامشي، جزء من الدولة، فالدولة عنده تتكون من المجتمع السياسي + المجتمع المدني ، يقول في كتابه «الاميرالحديث» :« ينبغي الانتباه الى ان في مفهوم الدولة العام عناصر ينبغي ردها الى المجتمع المدني، اذ تعني الدولة : المجتمع السياسي زائد المجتمع المدني، أي الهيمنة المدرعة بالعنف ..» ( 6 )، فالدولة عن طريق المجتمع السياسي تمارس السيطرة، وعن طريق المجتمع المدني تمارس الهيمنة.. وهكذا : « لا ينبغي ان يفهم بكلمة «دولة» جهاز الحكم فحسب، بل جهاز الهيمنة «الخاص» او المجتمع المدني » ( 7 )
ومفهوم المجتمع المدني مرتبط باحد مفاهيمه الاساسية، وهو مفهوم الهيمنة، والذي يعني القيادة والسيطرة، فبالنسبة اليه، « تظهر سيادة مجموعة اجتماعية بطريقتين: بوصفهما سيطرة، وبوصفهما قيادة ثقافية فكرية..» ( 8 ).ويقول لوسيانو كرويي في تفسيره لهذا النص: « ويظهر في هذا النص ان مفهوم الهيمنة يعني القيادة والسيطرة، وتتمظهر الازمة الثورية بوصفها ازمة هيمنة عندما يفصل بين السيطرة و القيادة، غير ان الاستحواذ على السلطة من قبل الطبقة المعارضة يتطلب دفعة واحدة ان تستعمل قدرة قيادية ثقافية مثلما هي سياسية ..» ( 9 ) وهكذا « تقوم الطبقة المسيطرة ( الطبقة الراسمالية مثلا ) بادخال الايديولوجية الى الجماهير الشعبية، أي الى العمال والفلاحين، من منفد المدرسة والكنيسة ووسائل الاعلام والتكوين العسكري....الخ، ذلك ان الايديولوجية ، او بعض الموضوعات thémes الايديولوجية المتعددة الاصل، هي التي تسمح للطبقات المسيطرة ان تكتل حولها كتلة من القوى الاجتماعية المختلفة، و« الكتلة التاريخية » هي مجموع البنيات التحتية و البنيات الفوقية التي تشكل الايديولوجية اسمنتها..» ( 10 )




1- سعيد بنسعيد العلوي واخرون، المجتمع المدني في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص: 74.
2- اخدا عن : في العقد الاجتماعي – نحو إعادة التفكير في الحداثة، للدكتور جاد الكريم الجباعي
3- لمزيد من الاطلاع : www.hem.bredband.net
4- ولتر ستيس ـ فلسفة هيغل ـ المجلد الثاني فلسفة الروح ـ ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام ـ دار التنوير ـ بيروت ـ 1982 ـ ص98 .. اخدا عن: المجتمع المدني، ضرورة اجتماعية وطنية، لـ: شاهر احمد منصور، المنشور في : www.rezgar.com
5- سعيد بنسعيد واخرون ، ص: 79.
6- الامير الحديث، ص: 137.
7- نفسه، ص: 135.
8- من كتابه « دفاتر السجن » ص: 70 اخدا عن: لوسيانو كرويي، « مفهوم الهيمنة عند غرامشي » تعريب: عبد الجليل الازدي، مجلة الملتقى ، العدد 1 ، السنة 1. ص 20-21.
9- لوسيانو كرويي، « مفهوم الهيمنة عند غرامشي » المرجع السابق ص: 20
10- نفسه ، ص : 21.

نرجس2009
03-04-2009, 18:56
شكرا الاخ عبد الغني على الموضوع.....لكن ..ماذا ..عن السياسة المدنية عند بن خلدون..؟

أيوب بنجماعي
03-04-2009, 19:00
مشكورين إخوتي على المواضيع
مع تحياتي

سهاد56
03-04-2009, 19:57
امنحينى الاخت نايضة بعض الوقت ...شكرا على مرورك.........اريد ان يغني الاخوة هذا الموضوع بتدخلاتهم القيمة .....مشكوريــــــــــــن....

abou sarah
03-04-2009, 20:43
في المغرب ما زالت هناك اشواط وأشواط يجب قطعها للتأسيس لمجتمع مدني الذي من بين شروط قيامه هو تقليص الفجوة بين الحاكم والمحكوم وعدم التضييق على الإختيارات السياسية النابعة من الشعب وإحترام المؤسسات من سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية لجميع أبناء هذا الوطن بدون تمييز ـ على الأ قل بهذه الشروط يمكن وضع اللبنات الأولى لبناء مجتمع مدني بشكل تشاركي من طرف جميع الفعاليات أما المجتمع المدني الذي يتشدقون به في المغرب فلا يمكن أن نجد له أي موقع في المفاهيم والمقاربات الحديثة اللهم إذا رجعنا إلى الوراء سيكون مفهوم مجتمع مدني في المغرب يساوي تجمع بشري لا أقل ولا أكثر

سهاد56
03-04-2009, 21:33
في المغرب ما زالت هناك اشواط وأشواط يجب قطعها للتأسيس لمجتمع مدني الذي من بين شروط قيامه هو تقليص الفجوة بين الحاكم والمحكوم وعدم التضييق على الإختيارات السياسية النابعة من الشعب وإحترام المؤسسات من سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية لجميع أبناء هذا الوطن بدون تمييز ـ على الأ قل بهذه الشروط يمكن وضع اللبنات الأولى لبناء مجتمع مدني بشكل تشاركي من طرف جميع الفعاليات أما المجتمع المدني الذي يتشدقون به في المغرب فلا يمكن أن نجد له أي موقع في المفاهيم والمقاربات الحديثة اللهم إذا رجعنا إلى الوراء سيكون مفهوم مجتمع مدني في المغرب يساوي تجمع بشري لا أقل ولا أكثر

المجتمع المدني في المغرب كما هو الشان في باقي البلدان العربية والاسلامية محكوم بالعلاقة بين المجتمع والدولة....وليس بالحاكم والمحكوم... والمجتمع المغربي شانه شان باقي المجتمعات عرف تغييركبير في بنيات نسيجه الاجتماعي والسياسي....ودخل مرحلة حاسمة في تاريخه السوسيوسياسي...منذ التسعينات الانتقال /الديموقرطي/ والتوافق..او التناوب..فبدا هدا المفهوم يكتسح الحقل الثقافي والاجتماعي وباتت تتغير اسس العلاقة بين السلط والمجتمع....واخدت الدولة تتخلى تدريجيا عن السلوك السياسي السابق المتمثل في التهميش والاقصاء..تطويق المجتمع..المخزنة.. الخ...فظهرت الجمعيات والمنظمات غير الحكومية-تمثل المجتمع- التى تعمل على تكوين المواطن..والدفاع عن الحريات وحقه فى المواطنة..وتاصيل وعيه بها ....
المجتمع المدني هو اكثر من تجمع بشري بل هو الوعي بالمواطنة...وهدا ما تؤسسه الجمعيات والمنظمات المستقلة وغير الحكومية وهي تتراكم يوما عن يوم ........d8s

سهاد56
04-04-2009, 17:37
في نفس السياق ..مشكل وجود المجتمع المدنى او عدمه هو مشكل العقلية العربية المتكلسة الرافضة لاي تغييركيفما كان ومن اي جهة حل...لنقراء.؟
عزالدين اللواج (http://www.jamaliya.com/new/show_works.php?writer=عزالدين%20اللواج)
06/02/2009

أسئلة المجتمع المدني في ضوء أدبيات الفكر العربي المعاصر
عزالدين اللواج *
بتلقف الكتاب والباحثين العرب موضوعة المجتمع المدني انقسم أولئك الكتاب والباحثون إلى ثلاث اتجاهات موقفية هي:
أولاً: الاتجاه الذي يؤيد فرضية الإسراع في تفعيل مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية ويعتبر أن أيّ رأي مخالف لاتجاهه هو رأي يدعم القمع والاستبداد الذي تمارسه النظم التقليدية السلطوية على مواطنها البائس والمكلوم.
ثانياً: الاتجاه الذي يرفض الموضوعة بشكل مطلق ويعتبرها محاولة بائسة لإلهاء شعوب المنطقة عن قضاياها المصيرية وان الذين يتحدثون عن إحياء المجتمع المدني هم مجرد خياليين وواهمين وقعوا تحت تأثير مخدر الانبهار بالثقافة الغربية.
ثالثاً: الاتجاه الذي ينطلق من زاوية توفيقية مفادها انه إذا تمت صياغة موضوعة المجتمع المدني وفق منظور براغماتي يراعي خصوصية البيئة العربية وتجاربها الخاصة، وانه إذا ما تم منحها متسعاً من النقاش العلمي المثمر والبناء فإن موضوعة المجتمع المدني ستكون أداة فاعلة في مواجهة قهر وتجبر النظم السلطوية، ومع إن هذا الاتجاه الأخير والذي يمثل من وجهة نظر كاتب هذه السطور الاتجاه الأكثر نضجاً من الناحية التحليلية والفكرية يأخذ في عين الاعتبار ملاحظة سعد الدين إبراهيم التي نبه من خلالها إلى أن الحديث عن المجتمع المدني في المنطقة العربية لا يعني أننا نتحدث عن "كيان واحد متجانس ومنسّق، ويعبر عن نفسه بصوت واحد اتجاه الدولة" (!) فإن العديد من أنصار ذلك الاتجاه طرحوا بشكل معرفي حذِر جملة من الأسئلة التي ارتأوا أن حسم موضوعها سوف يسهم في بلورة نظرية تساعد على توظيف عملى إيجابي للموضوعة، فطرح موضوعة المجتمع المدني في الأدبيات الفكرية العربية ولّد أسئلة استفهامية عدة لعل أهمها ما يتعلق بالمحاور التالية: أولاً: محور سؤال الدولة: فلقد كان من الطبيعي أن يترتب على استنساخ فكرة المجتمع المدني من المجتمعات الغربية، أن تستنسخ أيضاً مجموعة الخصائص والسمات المكونة لمنظومة تفاعلها النظري والتطبيقي مع محاور تحليلية هامة مثل محور "الدولة"، حيث بدأت بعض الأقلام في هذا الصدد تتساءل عن مدى إمكانية خلق علائقية منسجمة بين المجتمع المدني والسلطة السياسية تكون مرتكزة على نفس الخصائص والسمات الموجودة في النظم الغربية التي تقوم فيها تلك العلاقة على اشتراطات عدة لعل أهمها مايلي (2):
1. استقلال السياسي عن الاجتماعي/ المدني وتمايزهما وظيفياً ومؤسسياً.
2. تكامل السياسي والاجتماعي/ المدني وتعايشيهما تفاعلياً.
3. الإختيار المجتمعي للسياسي على مستوى الأفكار والسياسات والأشخاص، وحقه في مراقبته ومحاسبته وتغييره سلمياً وشرعياً ودورياً.
4. رابعاً: مسؤولية السياسي عن تجسيد إرادة المجتمع وضمان تحقيق مصالحه وأهدافه

كما طرحت على نفس الصعيد أسئلة عدة حول علاقة موضوعة المجتمع المدني بالديمقراطية، وكذلك بالطبيعة التي يفترض إن تكون عليها علاقة المجتمع المدني بالدولة في المنطقة العربية، حيث أكد البعض على أن الديمقراطية تعد في الواقع إطاراً لانتعاش المجتمع المدني كما أن المجتمع المدني يعد ركيزة أساسية لترسيخ النظام الديمقراطي، وان قوة المجتمع المدني لا تعني بحال من الأحوال ضعف الدولة، فوجود دولة قوية وليس تسلطية ومجتمع مدني قوي هو الذي يكرس الشرعية والاستقرار السياسي أما إذا قويت الدولة وضعف المجتمع المدني، فإن ذلك يفتح الباب والمجال للفوضى وعدم الاستقرار(3).

أيضاً ظهرت دراسات بحثية أخرى تطرح سؤالاً هاماً يشكك في وجود كيان يجسد المعنى الموضوعي الصحيح لمفهوم الدولة وبالتالي طالما أن ذلك الكيان الذي يعد مرتكزاً أساسياً لموضوعة المجتمع المدني غير موجود فانه لا حاجة لنا إذاً نحن العرب بكل ذلك الإرث الجدلي حول موضوعة تفتقد في المنطقة العربية أحد أهم مرتكزاتها وتجلياتها التفاعلية، خاصة في ظل استخلاص ابستمولوجي يرى أن الدولة القطرية العربية قد قامت أصلاً على سد فراغ سياسي وسلطوي ومؤسساتي وإدارى وبيروقراطي، ولم تكن هناك غير الزعامات المحلية التقليدية المشخصنة، وبقايا التركة البيروقراطية العثمانية في بعض الحالات لتسد ذلك الفراغ، وبدون وجود ركائز تذكر لدولة فاعلة (ربما عدا دولة المخزن في المغرب والإدارة الحكومية القديمة في مصر)، لذلك فقد اهتمت الدولة القطْرية العربية بإقامة حكومتها وإدارتها وجيشها قبل أن تنتقل إلى ترسيخ مؤسسات الدولة الأخرى من مجالس وهيئات وتنظيمات، أي إنها بدأت بطبيعة الحال بالحكومة (السلطة) قبل مؤسسات الدولة والمجتمع (4).
وفي مقاربة متماهية مع الرؤية الآنفة يؤكد الدكتور صالح السنوسي أن "الفرد العربي لم يكن على معرفة سابقة بمثل هذه المؤسسة (الدولة) وما ينتج عنها من رموز ومعان وقيود مفروضة على الحركة والانتماء، لقد التقت طموحات بعض الفئات مع مصالح القوى الأجنبية فآوى ذلك إلى دولته القبائل والطوائف والمناطق (5). عموماً زاد من وطأة الاستفهام الدولتي الآنف وجود أنظمة عربية تعاني من أزمة حادة يمكن حصر أبرزها في النقاط التالية (6):
1. أنظمة انتقالية غير مستقرة ويفتقد معظمها لنموذج واضح لإقامة سلطتها السياسية ومؤسساتها.
2. أنظمة تابعة للقوى الأجنبية وخاضعة لسياساتها وبرامجها بصور متنوعة ومتدرجة من التبعية المباشرة وغير المباشرة.
3. أنظمة تسلطية تحتكر السلطة والثروة والقوة وتنتهك الحقوق والحريات السياسية والاجتماعية لمجتمعاتها.
4. أنظمة محدودة الفاعلية تعثرت في إنجاز مشاريعها وتحقيق رهاناتها الوطنية والقومية على حد سواء.
5. أنظمة غير شرعية تفتقر إلى الرضا والقبول المجتمعيين مما جعلها أنظمة تعسفية مستبدة.

لقد ترتب على المعطيات الآنفة أسئلة عدة حول المشكل الديمقراطي وعلاقته بموضوعة المجتمع المدني، خاصة أمام تموجات الرفض الدائرة حالياً حول التطبيقات النظامية الموجودة في المنطقة العربية، ففي الوقت الذي نبهت فيه الكاتبة بصحيفة الشرق الأوسط اللندنية ريم الصالح إلى أن التجربة في المنطقة العربية قد أثبتت أن الديمقراطية الشكلية وصناديق الاقتراع ليست إلا وسيلة لتكريس الجمود واللاعدالة وعرقلة التطور (7)، أكد العديد من الباحثين على انه حتى وقتنا هذا لا يوجد اتفاق حول شكل ومضمون الديمقراطية المطلوبة في منطقتنا العربية، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن مسالة الاتفاق في مجال الفكر السياسي والممارسة ليست واردة، وذلك لسبب مفاده أن الفكر السياسي العربي يمر في المرحلة الراهنة بعملية مراجعة ونقد ذاتي، بالإضافة لمجابهة شرسة مع طغيان دولة الثقب الأسود (8).
إن الواقع الديمقراطي في معظم الأنظمة السياسية العربية يشخصه سمير أمين بالقول: "وقد أخذت الحكومات العربية المعاصرة بمبدأ الاعتراف بالمواطن ذي الحقوق السياسية، ومنها أساساً حق الانتخاب في إطار دستوري يحدد قواعد وتكوين ممارسة السلطة، ولكن هذه المبادئ بقيت شكلية غير معمول بها جدياً" (9).
وفي إشارة للمشهديات السلبية المرافقة للتطبيق المبتسر عملياً للعملية النيابية والى انعدام التسامح الفكري المتبادل فيها يؤكد كمال المنوفي على أن ساحات المجالس النيابية باتت تشهد أحياناً مهاترات شخصية وتراشقاً بالألفاظ النابية، فمن "الملفت أن تجد حزباً يدافع بحرارة، وهو في صفوف المعارضة، عن اختلاف الآراء والتوجهات من منطلق أن ذلك ضروري لإثراء الديمقراطية ولكنك تجده يضرب بهذا عرض الحائط سواء في حياته الداخلية أو في تعامله مع الأحزاب الأخرى المعارضة، بل انه لا يتردد حينما يظفر بالسلطة، في تضييق الخناق أو التنكيل بالقوى والتيارات التي تختلف معه" (10).
إن السلبيات المظهرية الآنفة جعلت العديد من الكتابات العربية المختصة بشؤون موضوعة المجتمع المدني، تبدي تريثاً وتحفظاً وارفاً على الدعوات الرامية لاستنساخ التجربة الغربية في مجال المجتمع المدني، ومن ثم إسقاطها على المنطقة العربية، خاصة أن هناك مؤشرات منطقية عدة تعزز من تلك المخاوف وتثير العديد من الأسئلة الاستفهامية المحيرة.
ثانياً: سؤال الملمح الثقافي والاجتماعي: في الوقت الذي دعا فيه أنصار فكرة المجتمع المدني لضرورة الإسراع في بلورة تطبيقية وعملية عاجلة للفكرة في منطقتنا العربية، شكك باحثون آخرون في إمكانية وجود نمط الفرد العقلاني المستقل في تلك المنطقة، واعتبروا أن ثمة عقبات تعرقل عملية بناء ذلك النمط الفردي الذي اعتمدت عليه كثيراً بلورة فكرة المجتمع المدني في الغرب، وأن تمظهرات ثقافية عدة تحول دون التكون الناضج لشخصية الفرد العقلاني المستقل في منطقتنا العربية، ربما أن أهمها ما يلي:
1. أن الفرد العربي، إجمالا يجمع في تركيبه النفسي، وفي سلوكه الاجتماعي الذي يصدر عن هذا التركيب، اتجاهين متناقضين: النزعة الفردية والنزعة الجماعية، "فهو من جهة مدفوع بنزعة فردية عمياء تجعله يخرج عن المجتمع ويخالفه، وينعكس ذلك في تأكيد الذات أمام الآخرين، وبدافع الكرامة، والحساسية ضد النقد، ومن جهة أخرى، فهو مدفوع بنزعة جماعية تجعله عاجزاً عن العيش دون الالتصاق بالجماعة والاعتماد الكلي عليها، وينعكس ذلك في طاعة شعائر بعض المجموعات، بالرغم من كرهه إياها، وفي عدم القدرة على تأكيد استقلاليته" (11).
2. إشكالية الذهنية العربية المتسمة بخصائص وسمات سلبية عدة لعل أبرزها:
أ‌. إنها ذهنية عاجزة عن مواجهة الذات وعاجزة عن الاعتماد على الذات، لكنها موهوبة بالبكاء وتعليق مشاكلها على مشاجب الآخرين، تحتاج إلى الآخر وتعاديه في آن واحد، تحب وتكره بشيزوفرينيا ملفتة ومحيرة.
ب‌. ذهنية منكوبة، جنائزية، واقعة في أسر الإحساس بالنكبة، وغروب المجد الأندلسي الغابر، تنوح على ما ولّى وتتناسى إنها سلبت من الآخرين أشياء كثيرة، لكنها تكره الآخر الذي انتزع منها مجد الماضي فتحوله إلى شبه شيطان أكبر ومصدر دائم للشر والظلم، وبالتالي من الطبيعي جداً أن نراها غير قادرة على التخلص من العذابات والآلام التي تختلج في سريرتها, وغير قادرة في نفس الوقت على مواجهة ذلك الآخر، أو الاستغناء عنه (12). إنها ذهنية كما يقول (الكاتب الكويتي صلاح الساير)" مسحورة، عمياء، لا بصر لها، ولا بصيرة "، تلفيقية لا ثبات للمنطق فيها، تري ما تود أن تراه، لا ما يتراءى للعيان، وتبصره الأبصار، وتلمسه البصائر، ذهنية تذكرنا بالثري التركي الخامل الكسول والمتعجرف الذي فقد ماله وسلطته وهيبته الماضية، ورفض الاعتراف بالواقع الجديد، في الوقت الذي رفض فيه الجد والاجتهاد والعمل، وارتضى التسول على الطرقات، وهو يقول للمارة". "حسنة وأنا سيدك" (13).
3. ترتب على وجود النمط الذهنوي الآنف وبالأخص خصوصيته الماضوية إشكاليات عدة واجهت الفكر العربي الحديث والمعاصر، حيث تحول ذلك الفكر إلى فكر لا تاريخي يفتقد إلى الحد الأدنى من الموضوعية، ولذلك كانت قراءاته للتراث قراءة سلفية تنزه الماضي وتقدسه وتستمد منه الحلول الجاهزة لمشاكل الحاضر والمستقبل، الأمر الذي خلق مواطناً عربياً مؤطراً بتراثه، بمعنى أن التراث يحتويه احتواء يفقده استقلاله وحريته، لقد تلقى ذلك المواطن البائس ومازال تراثه منذ ميلاده كمحفوظات ومفاهيم، كلغة وتفكير، كحكايات وخرافات وخيال، كطريقة في التعامل مع الأشياء، كأسلوب في التفكير، كمعارف وحقائق، كل ذلك بدون نقد وبعيداً عن الروح النقدية، فهو عندما يفكر، يفكر بواسطته ومن خلاله، فيستمد منه رؤاه واستشرافاً ته مما يجعل التفكير هنا عبارة عن تذكر، إن جل الشعوب كما يقول الجابري تفكر بتراثها ولكن ثمة فرقاً شاسعاً بين من يفكر بتراث ممتد إلى الحاضر ويشكل الحاضر جزءاً منه، وبين من يفكر بتراث توقف عن النمو منذ قرون (14).
4. ترتب أيضا عليه سلبيات عدة امتدت إلى منظومة محددات الفعل الديمقراطي للمواطن العربي, وتتجسد تلك السلبيات بشكل جلي وواضح من خلال أزمة ثقافته السياسية أو أزمة عقله السياسي، التي تتضح خصائصها من خلال جملة العقبات الكؤود التالية:
أ‌. عدم وجود الاستعداد للمشاركة أو الممارسة السياسية.
ب‌. انعدام التسامح الفكري المتبادل.
ت‌. عدم توفر روح المبادرة، فالمواطن العربي يفكر دوماً بعقلية أبوية تتصور أن كل قرار وكل مبادرة ينبغي أن تكون من مستويات عليا وفوقية وليس من منطلق ذاتي وكينوني.
ث‌. اعتقاد المواطن العربي بان السلطة السياسية مودعة في أطر وآليات متوحدة مع شخص الفرد الحاكم والذي يجب أن لا يعامل كبشر معرض للوقوع في الخطأ.
ج‌. انعدام الثقة بين المواطن العربي والنظم السياسية التقليدية القائمة على حكم الفرد الطاغية أو الايجارشية المتنفذة.
ح‌. عدم الشعور بالاقتدار السياسي حيث يقول أحد الباحثين في نص يحمل دلالات ومؤشرات عدة اتضحت من دراستين ميدانيتين أجريتا على عينات من الحضر والريف في المجتمع المصري خلال عقد السبعينات من القرن المنصرم، أن أغلب المبحوثين لا يستطيعون مواجهة المسؤول بكلمة الحق والإعلان عن آرائهم بصراحة في حضرته خوفاً من احتمال التعرض لإيذاء جسدي أو لفظي، إضافة إلى الاقتناع بعدم جدوى الكلام حيث يفعل المسؤول ما يراه هو في النهاية (15)."
هذا عن أسئلة الملْمح الثقافي أما عن أسئلة الملمح الاجتماعي فهي عديدة وذات مستويات ومحاور تحليلية وارفة، لعل أكثرها جدلاً ما يتعلق بسؤال الثقافة العصبوية (القبلية- العشائرية - الطائفية) السائدة في المنطقة العربية، وما إذا كان بالإمكان أن يتبلور عملياً مجتمع مدني نموذجي ومثل ذلك النمط الثقفوي هو السائد والمهيمن على منظومة العقل السياسي العربي، فالمجتمع المدني قائم في الأساس على ثقافة التسامح التي تتطلب احترام الآخر المختلف معه وعدم التعصب والتحيز لجماعة اجتماعية معينة واستخدام ذلك ذريعة لإحداث التوترات والقلاقل في المجتمع واستعمال العنف والقمع المادي أو المعنوي ضد كل من يخرج عن الإطار الفكري لتلك الجماعة، هذا فضلاً عن أن "كيان الدولة العربية، من حيث وجودها كدولة - لا يزال لا يحتمل بقوة التعددية الديمقراطية لأن التعدديات العصائبية المترسبة لم تنصهر بعد في بوتقة تحدي الدولة الحديثة والمجتمع، وهذا النوع القديم من التعددية قد يغطي الديمقراطية ويحل محلها بشكل يتجاوزها إلى ما يشبه الفوضى والحرب الأهلية، بمعني آخر أن المسار الديمقراطي لم ينفذ بعد بوضوح إلى جذور البناء الاجتماعي، كما لم تبرز بوضوح فئات من المجتمع المدني تحمي المشروع الديمقراطي وتضمن استمراره" (16).
فالمجتمع المدني هو مجتمع تقوده أساساً نخبة مدينية" صنيعة الموروث الحضاري للمجتمع ككل، نخبة تفرض هيمنتها الاقتصادية والثقافية على المجتمع كله ومثل هذه النخبة غير موجودة في الوقت الراهن في أقطار العالم العربي، قد تكون هناك نخبة مدينية في هذا القطر العربي أو ذاك تصف نفسها بالمجتمع المدني ولكنها لا تمارس ما هو ضروري من الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للتحول فعلاً إلى مجتمع مدني قادر على القيام بدوره التاريخي كقاطرة للإصلاح والتغيير في المجتمع ككل، كما قد تكون هناك نخبة لها الهيمنة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية ولكنها بدوية في سلوكها وعقليتها وتطلعاتها، وبالتالي فهي لا تنتمي إلى المدينة التي هي الشرط المؤسس لمفهوم المجتمع المدني (17).
ثالثاً: سؤال الملمح الاقتصادي: من الصعب أن نقبض على جل خيوط الإشكالية الاقتصادية التي يرى البعض بأنها قد تعرقل سير عمل منظمات ومؤسسات المجتمع المدني في المنطقة وبالتالي إجهاض حلم إحياء المجتمع المدني الفاعل والمؤثر، لذلك سوف نختصر حديثناً على هواجس الاستفهام المتمحورة حول الإسقاطات والتداعيات السلبية التي قد تترتب على استفحال ظاهرة مثل ظاهرة الفساد على البناء الاجتماعي المهم لبلورة المجتمع المدني الفاعل والمؤثر، فمن المعروف أن دراسة الفساد ومسبباته وعواقبه لها تاريخ طويل في علم الاقتصاد، إذ ترجع جذورها إلى المساهمة المميزة التي قـدمها إلـى الأدبيات المتعلقة بالتكسب غير المشروع كــل من (بها جواتي 1982 م) (و كروجر 1974م )... وآخرون (18). إذ أفضت تلك الدراسات وغيرها إلى جملة من التعميمات الابستمولوجية المرتبطة بالبناء الاجتماعي وتحديداً بتمظهراته المتعلقة بظاهرة الفقر، وهي تعميمات يمكننا من خلال ربطها بالمنطقة العربية أن نقول بأن متغير مثل الفساد في النظم الاقتصادية العربية قد ساهم في خلق بناء اجتماعي مترهّل وفي تأزم وضعه الثقفوي الذي سبق وأن تحدثنا عن جانب منه، وعلى كل حال فانه وطبقاً لما أورده تقرير الفساد لعام 2005 م الذي يصدر عن منظمة الشفافية العالمية. فان أربعة عناصر رئيسية تلعب دوراً كبيراً في التأثير على البنية التحتية ومن ثم على تكلفة الخدمات بالنسبة للفقراء من خلال رفعه لتكلفة رأس المال وهذه العناصر تتمثل في التالي:- (19).
1. الفساد يؤخر ويقلص الإنفاق الاستثماري على البنية التحتية.
2. الفساد يقلص النمو الذي يتم تخليقه عبر الإنفاق على الاستثمارات في البنية التحتية.
3. يرفع الفساد تكلفة تشغيل المستوى المتوافر من خدمات البنية التحتية.
4. تقليل الفساد من نوعية ومستوى خدمات البنية التحتية، وتقليص القدرة على الاستفادة منها خصوصاً للفقراء.
هذا عن الفساد وتأثيره على جدلية الفقر بشكل عام أما عن الفساد وتأثيره على موضوعة المجتمع المدني في المنطقة، فأن ذلك يتلخص في متغيرات عدة لعل من بينها التداعيات السلبية المرتبطة بتنامي ظاهرة البيروقراطية التي تعمل على تسويغ الفقر واستفحال أمره من خلال آليات منهجية يقوم باستخدامها ثلة من المفسدين المتنفذين (20) . والذين تكمن خطورتهم من وجهة نظر كاتب هذه السطور في إقدامهم على صناعة أنماط ثقافية تعمل على توظيف أهدافهم الرامية لتعزيز ظاهرة الفقرقراطية ولعل من بين أهم تلك الأنماط ما يلي:
أ. ثقافة كاتم الصوت: وهي ثقافة صمت يسعى الفقرقراطيون إلى تفعيلها في المجتمع بوسائل وأدوات عدة و هدف هذه الثقافة على كل حال هو خلق مواطن عربي يتسم بالاهتزاز وفقدان الثقة في النفس ومن ثم تحويله إلى كائن متخشب لا يجيد إلا تطبيق شعار واحد هو شعار "نعم سيدي".
ب. ثقافة الخوف: وهي ثقافة اجتماعية تصب في مصلحة الإستراتيجية الفقرقراطية وتقوم على منطق استبدادي يحدده جورج اورويل في روايته (1984 م) بالقول بأنه: "أن تعرف ولا تعرف، وأن تعي حقيقة صادقة كل الصدق وتٌري بدلاً منها كذبات موضوعة بعناية، وان يكون لديك في نفس اللحظة وجهتا نظر متباينتان وان تعتقد وتؤمن فيهما كليهما، وان تستخدم المنطق ضد المنطق، وان تنكر الفناء بينما تدعيه، وان تعتقد بان الديمقراطية غير ممكنة وفي نفس الوقت تنادي بان الحزب الحاكم هو حامي للديمقراطية، وان تنسى ما تدعو الضرورة لان تنساه ثم تستعيده إليه ثم تعود فتنساه مرة ثانية, الأنكى من ذلك كله، أن تطبق نفس الطريقة في حالة الإيجاب والسلب" (21).
وفي سبره البحثي في تداعيات ثقافة الخوف على الوعي الجمعوي للمواطن العربي، يربط أحد الباحثين العرب بين تبعات تلك الثقافة وبين قمع الدولة السلطوية العربية من خلال الإشارة إلى أن "القمع المفرخ للخوف واللاجم للشعور بالأنا الاجتماعية، يقتل الأنا الأخلاقية داخل الفرد، فيرتد إلى أحط أنواع الدناءة والخسة وانتهاز الفرص" (22).
ج. ثقافة المحاكاة: تتجسد من خلال تمظهرات تقليد الفقراء العرب للمفسدين في سلوكياتهم وأساليبهم في التكسب غير المشروع، وكذلك من خلال الاندماج الإرادي أو غير الإرادي في نظام مجتمعي يتحول فيه المواطن إلى قاهر ومقهور في نفس الوقت، نظام عبر عنه بعمق الكاتب المصري نبيل عمر في مقالة له بعنوان: "صناعة الفراعين". إذ يقول عمر بأنه كان يعاتب صديقاً له تغيرت أحواله بعد أن تم اختياره لمنصب رفيع عن طريق نشاطه السياسي وبات يقوم بما كان ينبذه من قبل قائلاً: "هذا النظام أقوى من أي رغبات شخصية أو غير شخصية، نظام غير مكتوب، لكنه مسيطر وفعال، من أول لحظة دخلت مكتبي وكل رغباتي مجابة.... حتى لو كانت مخالفة للوائح والقوانين، فالكل يجندون أنفسهم لتبرير أي طلبات أو تقنين أي أفكار تطرأ على بالي قبل أن يقوموا بمهام أعمالهم... بمجرد أن أقف يقفون جميعاً، أمشي يمشون، أجلس يجلسون، أحببت هذه السلطة، ثم عشقتها، وأخيراً... أدمنتها!! شيءٌ لا أستطيع أن أصفه.. وأنت تمارس السطوة يخيل لك أن صفة من صفات الله... قد انتقلت إليك (23)". على كل حال هذه بسطة مقتضبة عن أهم هواجس الاستفهام الدائرة حول المعوقات البنيوية التي قد تحول دون بلورة عملية وتطبيقية فاعلة لفكرة المجتمع المدني، وهي عموماً بسطة مكملة لما أوردناه في دراسات نشرت في أعداد سابقة عرجنا من خلالها بشكل عام على أهم تمظهرات الخلط المفاهيمي الدائر حول الموضوعة.

الاستخلاصات النظرية:
أولاً: انقسمت التيارات الفكرية العربية في تعاملها مع موضوعة المجتمع المدني إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية تنوعت ما بين التأييد المتطرف والرفض المنغلق والمطلق واتجاه آخر يحاول التوفيق بين الاتجاهين هو الاتجاه التوفيقي.
ثانياً: لا يوجد في المنطقة العربية بشكل عملي وتطبيقي كيان واحد متجانس ومنسجم يعبر عن نفسه بصوت واحد تجاه الدولة يسمى المجتمع المدني العربي، ولكن ثمة مكونات تقليدية ومعاصرة للمجتمع المدني في المنطقة العربية تحاول وفق إيديولوجيات متباينة تنفيذ برامجها الخاصة.
ثالثاً: بالإضافة لغياب الديمقراطية عن النظم السلطوية العربية وإلى محاولتها ابتلاع مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني بمختلف الطرق والوسائل فإن ثمة أسئلة كثيرة تتمحور حول مدى إمكانية صياغة أطروحة المجتمع المدني واقعياً في ظل أسئلة وطلاسم استفهامية عدة تتمحور حول:
أ‌. الوضع الراهن لما يسمى بالدولة القطرية العربية ومـا ينجم عنه مـن أسئلة تتعلق بمحاور (الدولة - السلطة - الديمقراطية ).
ب‌. الواقع الثقفوي والاجتماعي للمواطن العربي ومدى خطورة تحوله لعقبة كؤود أمام طموحات الاتجاه التوفيقي الرامي لبلورة عملية ونظرية مثمرة لموضوعة المجتمع المدني في المنطقة العربية وذلك بما يتماشى مع خصوصيتها البيئية.
ت. الواقع الاقتصادي وإسقاطات ظاهرة مثل ظاهرة الفساد على البناء الاجتماعي وعلى مسيرة مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية وتحديداً على بنائها الداخلي وأطرها الهيكلية.
رابعاً: على الرغم من وجود عوائق عدة تحول دون بناء مجتمع مدني منظم في المجتمعات العربية فان ذلك لا يقلل من قيمة أطروحة المجتمع المدني وبالأخص دورها الإصلاحي المتمثل في التصدي لتداعيات النظم السلطوية العربية.
خامساً: ما تزال موضوعة المجتمع المدني من وجهة نظر معد هذه الدراسة موضوعة في طي التبلور النظري في الأدبيات الفكرية العربية وبالتالي فان الاستعجال في إطلاق استنتاجات تعميمية غير مدروسة بعناية أمر ينطوي على العديد من السلبيات والمخاطر الابستمولوجية.


الإحالات:
1. د. سعد الدين إبراهيم وآخرون، المجتمع والدولة في الوطن العربي، (الطبعة الثانية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، مايو 1996م) ص 185.
2. د. على عباس مراد، المجتمع المدني والديمقراطية (مقاربة تحليلية في ضوء التجربتين السياسيتين الغربية والعربية), مجلة دراسات، كلية الاقتصاد، العدد الأول والثاني (بنغازي، 2002 م)، ص .
3. د. حسنين توفيق إبراهيم، التطور الديمقراطي في الوطن العربي (قضايا وإشكاليات)، مجلة السياسة الدولية (العدد 142، السنة السادسة والثلاثون، أكتوبر،2000م)، ص 22 .
4. د. محمد جابر الأنصاري، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطْرية (مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي)،( الطبعة الثانية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995 م)، ص 186 .
5. د. مولود زايد الطيب، العولمة والتماسك المجتمعي في الوطن العربي، (الطبعة الأولى، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، 2005م) ص 63.
6. د. على عباس مراد، المصدر السابق، ص 134. 7
7. ريم الصالح، الإنسان العربي قبل الأمة العربية، الموقع الالكتروني لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية، العدد الصادر بتاريخ 8/4/2005م 8.
8. د. خميس حزام والي، إشكالية الشرعية في الأنظمة السياسية العربية، (الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، فبراير 2003 م) ص 244.
9. د. خميس حزام والي، المصدر السابق.
10. د. كمال المنوفي، الثقافة السياسية وأزمة الديمقراطية في الوطن العربي، بحث نشر ضمن كتاب الثقافة والمثقف في الوطن العربي، (الطبعة الأولى، بيروت، ديسمبر 1992 م)، ص 174.
11. د. خليل النقيب، البيروقراطية والإنماء، (الطبعة الأولى، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1976 م )، ص 55 - 56 .
12. صلاح الساير، دعوة صريحة لجلد الذات العربية، مجلة العربي (الكويت)، (العدد 529، ديسمبر 2002 م)، ص 54 - 55.
13. صلاح الساير، المصدر السابق، نفس الصفحة.
14. د. محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، (الطبعة الثانية بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 1982 م)، ص 27 - 31 .
15. للمزيد انظر د. كمال المنوفي، المصدر السابق، ص 171 - 177.
16. د. احمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، (الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000 م)، ص 222.
17. د. محمد عابد الجابري، عوائق بنيوية أمام التحول الديمقراطي، الموقع الالكتروني للدكتور محمد عابد الجابري.
18. باولو ما ورو، تأثير الفساد على النمو والاستثمار والأنفاق الحكومي، بحث نشر ضمن كتاب "الفساد والاقتصاد العالمي"، تحرير كيمبرلي أن اليوت، ترجمة: محمد جمال إمام، (الطبعة الأولى، القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 2000 م)، ص 121.
19. معتز سلامة، الآليات الاجتماعية لنشوء الفقـر، بحث نشر ضمن كتاب" الفقر فـي الـوطن العربـي"، ( الطبعة الأولى، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2005 م)، ص 78 – 79.
20. للمزيد حول ظاهرة الفقرقراطية انظر - عز الدين اللواج، "إنهم يرقصون على جثثنا"، موقع شفاف الشرق الأوسط الالكتروني.
21. د. عبد الرازق عيد، يسألونك عن المجتمع المدني، (الطبعة الأولى، بيروت، دار التنوير، 2005 م) ص 57.
22. د. عبد الرازق عيد، المصدر السابق، ص 62.
23. عز الدين اللواج، المصدر السابق.

* كاتب وباحث ليبي [email protected]

majidshadow6
04-04-2009, 18:54
merci effort palpable que Dieu vous bénisse

نرجس2009
04-04-2009, 19:49
اعتقد ان الاخوان في ليبيا لايزالون يعيشون الحالة الطبيعية-العشائر والقبائل...ولم ينتقلوا بعد الى الحالة المدنية....لذلك لهم موقف متوجس من المجتمع المدنى...لايزال السيد قائد الثورة ينتقل وترافقه خيمته....
المجتمع المدنى يتبلور بشدة في: المغرب /لبنان/مصر..فقط..فقط.......ولازلت انتظر من الاخوة سطورا عن العلامة عبد الرحمان بن خلدون والسياسة المدنية .....لكوننا نحن السابقون الى المدنية..والى علوم الاجتماع وغيرها ...تحياتي....

aboud
04-04-2009, 20:51
شكرا جزيلا لكم على هذه المواضيع والتدخلات القيمة تحياتي

اسلام2009
04-04-2009, 22:24
المجتمع المدني في الفكر الاسلامي
من المعقولات الأساسيّة لكلِّ إنسان مهما تكن عقيدته وفكره السياسيّ والاجتماعيّ هو الايمان بالحرِّيّة والأمن والعدل والسّلام وتكافؤ الفرص والحقوق ومبدأ التعاون والتعايش .
فالانسان لو خُلِّي وعقله الطبيعي الفطري لما كانت هذه المبادئ إلاّ من المسلّمات الفطريّة لديه ، وأحكام العقل الطبيعي السّليم يتوافق عليها العُقـلاء بما هم عقلاء ; بغضِّ النظر عمّا يكون لديهم من عقل صناعي كوّنته التربية وعمليّات التحصيل والتجارب الخاطئة والمصيبة .
وقد بحث علماء الاسلام من متكلِّمين وفلاسفة واُصوليين وفقهاء مسألة العقل وأحكامه بشقّيها : العقل العملي ، والعقل النظري والسِّيرة العقلائية .. وما انتهى إليه الفكر الاسلامي في مدرسة الشيعة الإماميّة ( أتباع أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) عليّ وبنيه ) ، من الإيمان بأنّ ما يحكم به العقل يحكم به الشّرع ، وما يحكم به الشّرع يحكم به العقل تحت عنوان التحسين والتقبيح العقليين (الذّاتيين) بمعزل عن الشرائع والأديان .
فإنّ العقل يدرك بطبيعته ـ مستقلاًّ عن الشّرع ـ حُسن العدل والأمن والنِّظام والصِّدق والحُبّ والتعاون والحرِّيّة ، وقُبح الظّلم والفوضى والعدوان والاضطهاد ... إلخ .. وهو المسمّى في مصطلح الفلاسفة والمتكلِّمين بالعقل العمليّ ..
وهكذا نفهم أنّ المفاهيم الكلِّيّة للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الموصوفة بالحُسن والقُبح، مسألة يدركها العقل البشري ، بما هو عقل بشري ، بغضّ النظر عن العقيدة والمبادئ ، وهو يتطابق في إدراكاته مع الشّرع .. لذا فإنّ الكثير من المفاهيم الكلِّيّة لبناء المجتمع الّتي اصطلح عليها البعض بالمجتمع المدنيّ ، هي من مدركات العقل ; لذا فهي تتطابق مع أحكام الشريعة ، وحين يدخل العقل المكتسب ، أو العقل الصناعي ، الّذي كوّنته المعرفة النظرية المكتسبة من البيئة والتعاليم ... إلخ ; لتشخيص بعض المفاهيم ، يبدأ الخلاف ، كالقناعة بإلغاء دور الدولة ، واشتراط العلمانيّة ، وأمثالها .
ويزوِّدنا التأريخ بمثال رائع في مجال إدراك العقل البشري لما هو حَسن وقبيح ، وتطابق الشريعة معه ، وهو حلف الفضول الّذي اُسِّس في الجاهليّة قبل الاسلام لنصرة المستضعف والمظلوم من السّلطة المتحكِّمة في المجتمع آنذاك ، وإنقاذ حقّه .. فهو تحالف اجتماعي (مؤسّسة اجتماعية) لنصرة الحقّ والوقوف بوجه الظّلم ، والدِّفاع عن حقوق الانسان، والحفاظ على الأمن .. فشارك فيه الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند عقده وإنشائه ، وأثنى عليه بعد مجيء الاسلام ، واعتبره إنجازاً عظيماً .
ومن هذا التقديم الموجز يتّضح لنا أنّ بناء مجتمع إنساني على اُسس المشتركات العقليّة هو من مدركات العقل، كما هو من مقرّرات الشريعة..
فالإسلام بنصوصه الشرعيّة وبدعوته إلى العمل بمشخّصات العقل الطبيعي السّليم يدعو إلى بناء مجتمع يسوده العدل والأمن والقانون وتكافؤ الفرص ، وتحفظ فيه حقوق الانسان وحرِّيّاته ، ويعمل أفراده ومؤسّساته على أساس التعاون .
والتشريع الاسلامي بطبيعته يفصل بين تقرير المبادئ وآليّات التنفيذ ، فهو مثلاً يدعو إلى حرِّيّة الانسان وسيادة القانون والتعاون والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر الّذي يُبرِز دور الاُمّة كقوّة سياسية واجتماعية إلى جانب دور الدولة .. ولكنّه لا يحدِّد اسلوباً معيّناً ، ولا يفرض آليّة خاصّة للتنفيذ; بل يدعو إلى أفضل الوسائل المُتاحة للإنسان المخاطَب . وعندما يجد الانسان أنّ أفضل وسيلة لتنفيذ تلك المبادئ والمفاهيم هي آليّة المؤسّسات الدستورية والسياسية والاقتصادية والاصلاحية لحماية حقوق الانسان وحرِّيّاته وصيانتها من اضطهاد السّلطة وتجاوزها على المبادئ والحقوق والقيم ..
والمؤسّسات الاجتماعية والثقافية والمهنيّة والسياسية ، سواء الدستورية والقانونية ، أو مؤسّسات حقوق الانسان والدِّفاع عنه أو الأحزاب والجمعيّات ... إلخ .. إنّما تقوم في الشريعة الاسلامية على مبدأين أساسين دعا لهما القرآن ، وهما مبدأ التعاون ، ومبدأ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر .
ولقد أوجب القرآن عمليّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في العديد من آياته ، كما دعا إلى التعاون على البرِّ والتّقوى ، واعتبر ذلك من الأعمال المقرِّبة إلى الله تعالى .

سهاد56
05-04-2009, 12:18
شكرا الاخ حسونة على المشاركة القيمة ....حول المفهوم الاسلامي –للمجتمع المدني- الذي هو مجتمع انساني بالدرجة الاولى لبنته الاساسية هي العدل ...طبعا ..والعدل اساس الملك.......
تحت عنوان –المجتمع المدنى في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديموقراطية – نظم مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت في يناير 1992 ندوة جمعت جمعت اعمالها في في كتاب صادر عن المركز وقد اثارت طروحات البحث انذاك سجالا واسعا بين المشاركين , عكس فيما عكس . اشكالية في التعريف والدور . وف يمظاهره وتجلياته في التاريخ العربي والاسلامي . الا انهانتهت الى الاقرار المشترك بان المصطلح غربي حديث ورد بمعاني مختلفة في الثرات الفكري العربي .
حيث استخدم بن خلدون تعبير /السياسة المدنية / في مقدمته 1. في سياق التمييز بينها وبين تلك المستندة الى –شرع منزل-. وطذلك الحال لدى الفارابي في تصوره لاراء اهل المدينة الفاضلة . الامر الذي يسمح باعتبار مصطلخ /السياسات المدنية / لدى الفلاسفة العرب مظهرا من مظاهر مفهوم المجتمع المدني .ان لم يكن جذرا له . الا ان هدا المظهر لم يشهد مسارا تطوريا سمح ببلورة المفهوم وانتقاله من طور الى طور ....كما حصل في المجتمعات الغربية .فقد شكل الوعي الفردي هناك بحقوق المواطنة في التحام سياسي مدنى لمواجهة الطابع الكنسي –الكهنوتي للسلطة خلال القرنين 18و19 الميلاديين , ومواجهة الطابع العسكري التوليتاري للدولة مابين الحربين العالميتين وخلال الحرب الباردة....
وفي تاريخ الاجتماع السياسي العربي الاسلامي , نجد تعبيرا اصطلاحيا اخر تردد في ثرات العرب والمسلمين عبر علاقاتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية الا وهو : الاخ-والاخوية –والاخوان – والاهل –وكان نتاجا اجتماعيا وسياسيا نواته الاساسية العشيرة او القبيلة التى كانت قبل الاسلام . ومن ثم مع الدين الاسلامي انتقلت الى داخل المجتمع الاسلامي. واصبحت هده المصطلحات والتعابير تنم وتصدر عن اجتماع سمته الانتماء الى الدين الاسلامي الجديد الذي استهدف خلخلة النظام القبلي والعشائري..وتوحيد الامة. وفي مراحل متقدمة اضيف عنصر اللغة , واصبحنا امام عنصريين متداخلين ومتجادبين تبعا لكل مرحلة هما العقيدة واللغة...
ففى مقدمة بن خلدون نقراء مقابل صيغة –اهل الدولة – صيغة –اهل العصبية -. واهل الحرف والصنائع والطرق والفرق .2 وجميع هده الصيغ تعبير عن دينامية اجتماع سياسي . ومؤسسات مجتمع تجري فيه اشكال من الانتاج والتبادل , وانماط من الثقافة والاجتهاد الفكري والفقهي , وتعبيرات من العمل السياسي والنقابي ...لذلك اقترح المؤرخ اللبناني د. وجيه كوثراني استعمال مصطلح /المجتمع الاهلى /....عوض المجتمع المدني.....3.
اضافة الى هده الخصوصية التاريخية .تثير ترجمة المصطلح societe civile اشكالا مفهوميا في اللغة العربية ...سنتناوله فى ورقة قادمة انشاء الله ...تشكراتي للمنتدى واخوان المنتدى
-----------------------------------------------------------------------------------------
1= مقدمة بن خلدون : فصل /في ان العمران البشري لابد له من سياسة ينتظم بها امره / بيروت .دار الفكر .ص:24
2=المصدر نفسه ص:103-104-105.
3- وجيه كوثراني –قياسا بتاريخنا : مجتمع مدنى او مجتمع اهلى – لندن .جرية الصباح .4ابريل 1995م

توفيق مدني
06-04-2009, 17:35
تحية اخوية .. ان طرح الموضوع بهده المنهجية السجالية يمنح البرهان ان الاخوة الدفتاريين يحملون هم هدا المجتمع ويعملون على فهم مشاكله وتجاوزها الــــــــى الاحسن..مزيدا من التحليل -للمجتمع الاهلي-او-المدني- ومعه مزيدا من التألق لهدا المنتدي العزيز..

سهاد56
07-04-2009, 11:26
تابع-
إضافة إلى هده الخصوصية التاريخية .تثير ترجمة المصطلح société civile .إشكالا مفـــهوميا في اللغة العربية .ففي حين نجد في اللغات الأوروبية تطابقا وتدرجا في الاشتقاق اللغوي والمفهومي معا بين المصطلحات :cite –citoyen-cityennete-civil-civique. .فإننا نجد في اللغة العربــــية والثرات مصطلح المــــــدينة والمـــــــدنية.
فان تعبير –المواطنة- الذي شاع استخدامه لترجمة citoyenneté يخرج عن المدينة والـــمدني ويستعير تعبير –الوطن- كأساس للاشتقاق .وهذا الأمر لا يعكس إشكالا لغويا فحسب .وإنما أيضــــا إشكالا مفهوميا في المصطلح .ذلك إن المواطنة والمواطن تعبيران ارتبطا بنشأة الدولة القـــــــطرية الوطنية المرتبطة بدورها بحدود قطر أو إقليم أو منطقة . وبجماعة سكانية تأطرت وانتسبت إلى دولة نشأت في لحظة العلاقات الدولية في النظام العالمي , بعد الحرب العالمية الأولى أو الثـــــــــــــــــانية .
إن هذه العودة إلى التاريخ , ورصد المفاهيم وحتى المصطلحات تهدف إلى توضيح نسبية المفاهيم فيه
فلا حقيقة مطلقة وثابتة , لا في التاريخ الغربي ولا في التاريخ العربي ....إن ما نعتقده حــــــقائق هو ظواهر ينبغي وضعها في سياقها التاريخي داخل التاريخ الذي هو حركة وتحولات ,لا تــــكرار فيه ولا تطور حتميا إلزاميا هو أسيره ........
من هنا فان هم نقل المفهوم من الغرب ومن سياقه التاريخي , هم مبرر وضروري ونحن في هذه القراءة في التاريخ الغربي والعربي , لا نهدف إلى تقديم مفاضلة أو صورة سجالية في حمى الجدل المرتفع بين ثنائيات العقل العربي المشطور بين الديني / والمدني. أو بين الإسلامي / والعلماني. إنما نطرح القراءة العلمية المتعمقة منهجيا في فهم المصطلح والمفهوم وتطورهما وطبيعة علاقــــــــة الماضي بالحاضر وثاتيره في المستقبل . وعلى طريق ترجمة هدا الموقف فإننا نقول إن جـــــــــذور المجتمع المدني .بما هو حالة استقلال أو توازن مع الدولة ومع( الشرع المنزل ) موجودة بكثافة في العمق التاريخي للوعي العربي , وما الانقطاع الحاصل الا بسبب ممارسات وتوجهات السلـــــــطة السياسية بشقيها: الحاكم الذي يرفض تداول السلطة , والمعارض الذي يعمل على ركوب المغامرة للوصول الى السلطة بشتى الوسائل والسبل..
كما يجب أن نسجل أن الثرات المجتمع الأهلي القديم لم يبق منه إلا إشكال من التماسك التقليدي الذي اخترقته علاقات الإنتاج الجديدة وأنماط الاستهلاك الحديثة. فأهل الحرفة تركوا مكانهم للنقابة الحديثة , وتعددية الطرق والمذاهب أخلت مكانها للأحزاب وتعددية البرامج السياسية والثـــــــقافية والاجتماعية والاقتصادية ...
لذلك , واستنادا إلى ما تقدم نسال : ما الخلاصة التي يمكن صياغتها تعريفا راهنا ومتداولا , لمفهوم المجتمع المدني في العلم العربي.؟
إن المجتمع المدني هو أولا وقبل كل شيء مجتمع المدن , فمؤسساته هي التي ينشئها الناس بينهم في المدينة لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية . وهي مؤسسات إرادية على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي –القروي التي تتميز بكونها مؤسسات –طبيعية- أو –فطرية ؟ يولد فيها الفرد منتميا ومندمجا فيها .لا يستطيع الانسحاب منها : القبيلة والطائفة .
هذه المؤسسات أو الفعاليات الاجتماعية لا تشكل جزءا من الدولة .إلا أنها تستطيع أن تحد من سلطتها .فمفهوم المجتمع المدني يعني :
1-وجود مؤسسات لا تنتمي إلى الدولة. وتمثل مصالح الموطنين في مختلف المجالات الاجتماعية . كالنقابات والاتحادات المهنية والصناعية والتنظيمات النسائية والشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــبابية ؟
2- إن لهذه المؤسسات نوعا من الاستقلال الذاتي يتيح حرية الحركة والـــــــــقرار في نطــــــــاق الاختـــــــــصاص ,.
3- إن مفهوم المجتمع المدني يتضمن قبولا بحق الموطنين في المعارضة الفكرية والسياســـية مادام التعبير عن ذلك سلميا , أو بلغة أخرى , يتضمن المفهوم حماية حق الاختلاف , كما يؤكد أهمية ولاء المواطنين لهذا المجتمع وليس للقبيلة أو العائلة وخصوصا في حال تضارب المصالح أو الآراء , ومن هذه النقطة الأخيرة ننتقل إلىطرح ســـــــــــــــــؤال مهم ولا ســــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــيما في المجتمـــــــــــعــــات الــــــــعــــــربية الاســــــــــــــــــــــــــــــــــــلامية
يتناول حدود الحقل الاجتماعي الذي يتناوله المفهوم . أو بتعبير أخر , أين يبدأ المجتمع المدني وأين ينتهي ؟؟؟؟؟d8sd8sd8s

سهاد56
07-04-2009, 18:30
أين يبتدأ وأين ينتهي المجتمع المدني؟
إن المجتمع المدني يبدأ حيث تنتهي العائلة , وتأتي المدرسة لتشكل حلقة الوصل الأولى نحوه ومن هنا أهميتها المضاعفة ودرها المفصلي ؟ فهي مؤسسة التنشئة التي ينتقل معها الفرد من الانتماء الطبيعي (البيولوجي) إلى الانتماء الاجتماعي و (المدني) . فهناك يتعلم الرياضيات وتاريخ بلاده وجغرافيتها ونشيدها ومدنيتها .لذلك في المجتمعات المعاصرة يكبر دور المدرسة نزولا نحو سنوات العمر الأولى .وصعودا نحو مزيد من التعليم (الإلزامي)...وذلك يتم بموافقة الأسرة , وربما على حسابها في آن واحد.وبعد المدرسة –حلقة التقاطع والوصل – ينتقل الفرد لينخرط كليا وطوعيا في مؤسسات المجتمع المدني المختلفة .
وفي هدا السياق لابد من إشارة استطرادية تتناول الحاجة المضاعفة اليوم , في البلدان العربية والإسلامية كافة إلى فلسفة تربوية متجددة تضع في رأس اهتماماتها الخروج بالإنسان العربي من دائرة ( الفرد في القبيلة ) إلى دائرة ( المواطن في المجتمع ). وبالعلاقات الاجتماعية من علاقات قبلية إلى علاقات مدنية تتجاوز الإطارات العشائرية والطائفية .
وذا كانت المدرسة نقطة البداية , فأين نضع خط النهاية ؟
إن المجتمع المدني ينتهي حيث يبدأ المجتمع السياسي الذي ترتبط تفاعلاته بالتنافس على السلطة .والمجتمع السياسي يشمل في ما يشمل الأحزاب السياسية .وفي ظل أنظمة سياسية تمنع تداول السلطة .أو تطبق ما اصطلح على تسميته ب ( ديمقراطية الواجهة ) فهل تصبح الأحزاب السياسية جزءا من المجتمع المدني الذي تمتد حدوده بالتالي إلى حيث يبدأ جهاز الدولة .ونتقرب بذلك من مفهوم (هيجل) عن وحد المتضادات , كما صاغه في كتاب (فلسفة الحق )؟ أم تظل الأحزاب السياسية ضمن المجتمع السياسي مادام نشاطها يستهدف تغيير الظروف التي تحول دون التنافس على السلطة وتداولها .؟
أيا كانت الاجتهادات والآراء في رسم حدود النهاية لهدا المفهوم .يبقى أن جوهره هو في دوره كصمام أمان حاجز بين الشعب والدولة .يضع الحدود على الممارسات الاعتباطية للسلطة . ويحمي بالتالي من التعسف والاستبداد .فيشكل المجتمع المدني بذلك إحدى اللبنات الأساسية في تشييد صرح الديمقراطية ...............d8sd8sd8s

سهاد56
11-04-2009, 12:49
دور التربية في بناء المجتمع

تمتاز الرسالة الاسلامية بأ نّها رسالة عمل وتطبيق وبناء ، وليست نظريّات وأفكار وفلسفات مجرّدة .. فالإسلام ، بكلِّ ما فيه هو رسالة عمل ، فحتّى المبادئ الاعتقاديّة العقليّة ; كالإيمان بالله وباليوم الآخر .. فإنّها عقيدة عمل .. وأساس للعمل والبناء ..
فالإيمان في التعريف الاسلامي هو: ما وقر في القلب وصدّقه العمل..
ولكي تتحوّل المبادئ إلى عمل .. المبادئ الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية والعبادية ... إلخ .. لا بدّ من توفّر مسألتين أساسيّتين هما : المعرفة والتربية ..
وكم دعا الاسلام إلى الوعي والمعرفة .. واعتمد التربية أساساً للعمل ..
قال الله تعالى :
(... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُون ... ).
( الزّمر / 9 )
ورُويَ عن الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله :
«طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم» .
ورُوي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً :
«إذا أراد الله بِعَبد خَيراً فقّههُ في الدِّين» .
والإسلام دوماً يقرن العلم بالعمل ، فلا قيمة للعلم بلا عمل ..
قال تعالى :
(والعَصْرِ* إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْر * إلاّ الّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَوَاصَوا بالحَقِّ وَتَوَاصَوا بالصّبْر ). ( العصر / 1 ـ 3 )
وقال تعالى :
(وَعَدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْـتَخْلِفَنَّهُم في الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِم ... ). ( النّور / 55 )
وكما اهتمّ بالعلم والوعي، الّذي سـمّاه فقهاً.. وعي الشّريعة والحياة، اهتمّ كذلك بالتربية وإعداد الفرد والجماعة ليكونوا مُهيّئين للعمل والتطبيق، فقد اشتمل المنهج الاسلامي على التربية والإعداد في مراحل الطفولة والشّباب والكبر .. بل ويشمل المنهج التربوي مساحة واسعة من الرِّسالة الاسلاميّة ، ومن الفكر والدراسات الاسلاميّة .. وقد جاء هذا المنهج تحت عنوان الأخلاق والآداب .. كما وللعبادات والوعي العقيدي لمفاهيم التوحيد آثار تربويّة وإعداديّة تهيِّئ الفرد للعمل بالمبادئ والتطبيق .
نذكر هنا نماذج من الاُسس التي تعدّ الانسان المسلم ليعيش في مجتمع المسلمين، ويحترم حقوقهم وإرادتهم وحرِّيّاتهم،ويتبنّى مشاكلهم وهمومهم،ويُساهم في فعل الخير للجميع..
قال تعالى موجِّهاً إلى الاقتداء بالرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الإنسان الكامل الّذي جسّد المبادئ والقيم تجسيداً عمليّاً ، فكان سلوكه جزءاً من الرِّسالة . قال تعالى :
(لَقَد كانَ لَكُم في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة ... ). ( الأحزاب / 21 )
وكما دعا إلى العمل والإقتداء بالرّسول ، حمل على الّذين يقولون ولا يعملون ويفصلون بين المبادئ والعمل :
(يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لاَ تَفْعَلُون * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أن تَقُولُوا ما لاَ تَفْعَلُون ). ( الصّفّ / 2 و 3 )
وثبّت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الكثير من المبادئ التربويّة الّتي تعدّ الإنسان ليحيى في ظلِّ المجتمع الاسلامي الّذي يُطبِّق القوانين والقيم الاسلامية ، نذكر منها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
«لا يُؤمِنُ أحدكم حتّى يُحبُّ لأخيهِ ما يُحِبُّ لنفسه»(10).
«مَنْ لَمْ يَهْتَم باُمورِ المسلمين فليسَ بِمُسْلِم»(11).
«ترى المؤمنين في تراحُمهموتوادّهموتعاطفهم كمثلِ الجسدِ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى»(12).
ويؤكِّد القرآن أنّ منطلق التغيير الاجتماعي، وأساس العمل بالمبادئ يبدأ من التغيير الذّاتيّ عند الانسان .. أي أنّ العمل بالمبادئ يبدأ من التغيير الذاتي عند الانسان .. أي أن يؤمن الانسان بالمبادئ ، ويعي القضايا ، ويُربّى على العمل بها .
قال تعالى :
(إنَّ اللهَ لاَيُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّروا ما بأنْفُسِهِم...). ( الرّعد / 11 )
وبهذه الآية الكريمة ، أوضح الاسلام أنّ التغيير الفكري والرّوحي والعاطفي الشّامل هو أساس التغيير والبناء ، فما لم تتغيّر أفكار الانسان ووعيه وفهمه ، وتتكوّن لديه العواطف والمشاعر والقناعات الفكريّة والنفسيّة بقيم المجتمع المنشود ، والإيمان بقوانينه وأنظمته ، لا يمكن أن يُبنى ذلك المجتمع ويتكوّن ، فتسير الحياة فيه وفق تلك القيم والمفاهيم والقوانين .. فالإكراه والقسر السّلطويّ والإخضاع الشكليّ للقـانون لا يحقِّق ذلك ..
فما لم يؤمن الإنسان في المجتمع مثلاً بالحرِّيّة ويعرف قيمتها في حياته وحياة الآخرين وحدودها ومسؤوليّاتها ، فلا يمكن أن يعيش المجتمع في ظلِّ الحرِّيّة ، ولا يمكن أن نحترم فيه حرِّيّة الانسان ..
وما لم يؤمن الفرد بحقوق الانسان ، ويعترف بها كحقٍّ للآخرين ..
وما لم يؤمن أنّ كلّ ذلك من قيمه ومبادئه ، إيماناً ذاتيّاً ، وهو مسؤول عنها أمام الله سبحانه ، لا تُحترم تلك الحقوق ، ولا ينال أحد حقّه ..
وما لم يؤمن الانسان الفرد بأنّ الحياة في المجتمع لاتسير إلاّ بالتعاون، وإلاّ بمجتمع المؤسّسات التعاونيّة، لاتقوم حياة تعاونيّة بالقسر والإكراه..
وقد رأينا كيف انهار المجتمع الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي الّذي فرضوا فيه التعاونيّات الاجتماعيّة قسراً على أنقاض هدم الإرادة الذاتيّة للأفراد ومصادرة حرِّيّاتهم الشخصيّة ..
وما لم يؤمن الفرد باحترام الرأي الآخر ذاتيّاً ، ويشعر بإنسـانيّة الآخرين ، مهما اختلف معهم ، ويجعل الصّواب مقياساً له ، ويعتبر ذلك جزءاً من مبادئه وإنسانيّته ، لا يمكن أن يكون المجتمع مجتمعاً متفاهماً ، تسود فيه حرِّيّة الرّأي ، واحترام الحقيقة .
وما لم يتحرّر الانسان من الأنانيّة في كلِّ مجالاتها ، فيحبّ للآخرين ما يحبّ لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لها ، لا يمكن أن يُبنى مجتمع يسوده الأمن والعدل والسّلام وتكافؤ الفرص والحقوق ، فيأخذ كلّ ذي حقٍّ حقّه ..
وما لم يتربّى الفرد على رفض المنكر والظّلم والجبن ، لا يمكن أن يتكاتف المجتمع ; ليقف بوجه السّلطة المتجاوزة على العدل والقانون وحقوق الأفراد ، من خلال مؤسّساته السياسية والاجتماعية وحركة الجماهير الرافضة .
وهكذا فنحن بحاجة إلى تربية الفرد والمجـتمع على قِيَم المجتمع المدنيّ كما تدعو إليها المبادئ والقيم الاسلامية .. وبدون الوعي الاجتماعي والمعرفة للمبادئ والتغيير الحقيقي لذات الفرد وسلوكيّته لا يمكن أن يُبنى المجتمع الانساني المنشود .
ولكي نحقِّق ذلك من الناحية العمليّة ، لا بدّ من أن نرسم منهجاً تنفيذيّاً لبناء المجتمع المدنيّ وفق المبادئ والقيم الاسلاميّة ..
ويبتني هذا المنهج على عنصرين أساسين هما :
الإعداد والتربية ، من خلال المدرسة وتربية الطِّفل في البيت والاعلام بمختلف وسائله وأدواته ، فنحن نربِّي الطِّفل والناشئ ليس على الإيمان بالله سبحانه فحسب أو على أداء الصّلاة والصِّدق والابتعاد عن أصدقاء السّوء ، ولكن نعمل وضمن خطط وبرامج مدروسة على تربيتهم على احترام حقوق الآخرين ، وحرِّيّة الرأي واحترام الرأي الآخر، وعلى الحياة التعاونيّة وكراهيّة الظّلم.. والإهتمام بشؤون الآخرين ... إلخ .
والعنصر الآخر من عناصر التربية هو إقامة المؤسّسات السياسيّة والاقتصاديّة والخدميّة والإعلاميّة ... إلخ . الفعليّة التي ينخرط فيها الأفراد ويمارسون حياتهم من خلال الحياة التعاونيّة التي تنمو فيها الذّات والطاقات الفرديّة نموّاً صحِّيّاً .. وبذا نُساهم في بناء المجتمع المدنيّ وفق الرؤية الاسلامية من خلال التربية والتوعية والتثقيف ، كما يُبنى من خلال القانون وإيمان السّلطة بذلك .
ماخود من الموقع:http://www.balagh.com/matboat/osrh/65/sc0v7q85.htm
d8sd8sd8s

توفيق مدني
13-04-2009, 13:38
شكرا ....على الموضوع ..فهو مفيد ..جزاك الله خيرا...

سهاد56
18-04-2009, 12:20
* جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني *
عبد الله دمومات
مجلة أبحاث-مجلة العلوم الاجتماعية-العدد:55 السنة :20
صيف 2003.
شهد المغرب في العشرية الاخيرة من القرن الماضي وبداية هذا القرن تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية بهدف تحديث المؤسسات الدستورية والسياسية والقانونية .الى جانب ذلك ثم الاهتمام بمسألة حقوق الإنسان وكذا إعادة النظر فى علاقة المواطن بالسلطة .
ويجدر التذكير , انه في خضم هده التحولات عرف النسيج الجمعوي في المغرب نموا متزايدا كيفيا وكميا , حيث برز الفاعل الجمعوي كقوة ضاغطة على مستوى تدبير الشأن العام الشيء الذي يفسر الى حد ما مبادرة السلطات الحكومية الى إعادة النظر في المقتضيات التشريعية والتنظيمية المنظمة للحريات العامة. وبرمجة مشاريع القوانين المرتبطة بمجال الجمعيات في مجلس الحكومة والمجلس الوزاري المنعقد مؤخرا (6سبتمبر2001).
موازاة لهذه الدينامية الجمعوية المتنامية خاصة غب فترة تجربة التناوب السياسي .طرحت للتداول والنقاش اشكالية الانتقال الديموقراطي في المغرب .بل يلاحظ الباحث المهتم بالحقل السياسي المغربي ظهور خطاب اصطلح عليه باللغة الفرنسية transitologie .وتجدر الإشارة إلى ان هذا المصطلح باللغة الفرنسية من طرف الباحث الفرنسي /جان كلود سانتوتشي / في تحليلاته السياسية الظرفية لدول المغرب العربي .
وفي هذا الاطار يمكن القول كذلك انه من ضمن المحاور الاشكالية التي تدوول بخصوصها في الحقل الاكاديمي او العام .محور جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني .
ولعله من نافلة القول .الإشارة الى ان الباحث (في وعن) المجتمع المدني في المغرب تواجهه سلسلة من التساؤلات حول بواعث انتشار ونمو النسيج الجمعوي والإطارات التنظيمية في السنوات الأخيرة ...باعتبارها معبرا عن حاجيات اجتماعية , فكرية , رياضية .....
هل هذه التنظيمات تعبر حقيقة عن بزوغ مجتمع مدني مغربي ؟
مدى استقلالية التنظيمات المدنية عن السلطة (الدولة ) وباقي التشكيلات السياسية الأخرى (الأحزاب السياسية..النقابات )مدى تأثير وحدود الفاعل الجمعوي في تفعيل تجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب الراهن ؟
ولمعالجة هذه التساؤلات التي تصب في محور الجمعيات وتنظيمات المجتمع المدني .بدا من الملائم مقاربتها من خلال التصميم التالي :
اولا : في رصد بعض بواعث نمو جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني في المغرب .
1-في بعض البواعث الخارجية .
2-في بعض البواعث الداخلية .
ثانيا : علاقة جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني بالدولة .
1- الفاعل الجمعوي والسلطة .
2- في تقييم مدى وحدود الجمعيات والتنظيمات المدنية في تفعيل تجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب .
خاثمة :البيبليوغرافيا المعتمدة .





أولا : رصد بعض بواعث نمو جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني .
إن الباحث في بواعث ظهور ونمو جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني في السياق المغربي الراهن مقارنة مع هذا المفهوم ضمن سياقات أخرى أوروبية .....علما أن الذاكرة التاريخية للمجتمعات المغاربية من منظور الباحث الانثروبولوجي .عبد الله حمودي , شهد بالدور الوسيطي بين الدولة والمجتمع الذي تعكسه
بعض التنظيمات القروية والحضرية كالحنطة , الزاوية , الجماعة ,....ولا يمكن لأحد أن ينكر هدا الدور , كما أن المغرب ليس حديث العهد بالتوفر على المجتمع المدني بدليل معرفة البلد لمؤتمرات المحامين , ورجال القانون , والمهندسين .....
ويمكن القول إن المجتمع المدني في المغرب ...يقصد به مجموع التنظيمات والجمعيات العاملة في الحقل الاجتماعي والثقافي والرياضي والاقتصادي والصحي ...بهدف تحقيق اهداف معينة وفق القوانيين الاساسية المؤطرة لإعمالها ونشاطاتها وموضوع أهدافها .........
وتعتبر هذه التنظيمات والجمعيات أنها تشتغل وتتحرك في استقلال عن السلطة (الدولة ) ووصاية الأحزاب السياسية والنقابات .....هذه التنظيمات يمكن تصنيفها وفق القطاع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي يعمل فيه وفق المنطقة الجغرافية أو وفق مقاييس نشاطها وأهدافها (للاستزادة يرجع إلى كتاب الدكتور محمد بن يحيى حول دليل الجمعيات في المغرب الصادر عن REMALD غشت 2001الرباط.
موازاة لهذا التعريف السالف الذكر .هناك تحديدات أخرى تختلف حسب السياق والمنظومة الاجتماعية والسياسية .فالباحث في البناء النظري المفهومي والتاريخي يجد انه في الأغلب الأعم .أن القواميس ك:ROBERT-LE TITTRE تشير فقط إلى ميلاد المفهوم .
القاموس الدستوري ل:OLIVIER DUHAMEL يحدد المجتمع المدني ومكوناته في مجموعة أو جماعة من المواطنين أحيانا مشخصة وأحيانا أخرى معارضة للمجتمع السياسي .
وقاموس العلوم السياسية ل:bertrand badie يعرف المجتمع المدني كإطار مفهومي يسمح بممارسة التفكير ضمن مقاربة تسعى إلى مقاربة تغليب الحقوق الأساسية للشخص الإنساني....
أما بالنسبة للتحديد النظري التاريخي لمفهوم المجتمع المدني : مجموع التنظيمات والأنشطة التي تأسيس تعاقدي حر بين الإفراد وخارج إطار الدولة والعائلة ...
إن المجتمع المدني يتموقع في الفارق الفاصل بين الدولة والأسرة ويشكل واحدا من مستويات تمظهر الدولة التي تشكل المجال الجوهري الذي يجسد المصلحة العامة 1 خلافا لهذا التحديد الهيكلي –نسبة الى هيجل –
فان كارل ماركس يعتبر المجتمع المدني كحقل للصراع الطبقي.
أما في بحر القرن التاسع عشر وخلال مرحلة اللبرالية الاقتصادية .شكل المجتمع المدني أوالية للوساطة بين الدولة والمواطن الشيء الذي ساهم في إفراز التنظيمات المدنية لاسيما انه مع نهاية الحرب العالمية الأولى عاد مفهوم المجتمع المدني إلى التبلور واكتست نجاحا مع الأدبيات الغرامشية – نسبة الى انطونيو غرامشي –واخذ المفهوم بعدا توسعيا في الانتشار حتى أصبح موضة أو كما يقول الباحث الفرنسي dominique colas في مؤلفه:
LE GLAIVE ET LE FLEAU. الصادر عن مطبعة grasset.فرنسا في التسعينات :une furmule à succès
لذا يثور السؤال حول البواعث الخارجية التي ساهمت في إبراز انتشار جمعيات المجتمع المدني في المغرب
1-في بعض البواعث الخارجية لظهور وانتشار جمعيات المجتمع المدني :
يرىالاستاذ محمد الطوزي ان النسيج الجمعوي في المغرب تطور بشكل مطرد في السنوات الأخيرة وبشكل كبير على المستوى الكمي .ساعده في ذلك موقف السلطة .(الدولة ) من العمل الجمعوي2 .إلا أن هذا الظهور والانتشار في المغرب يجدان تفسيرهما في واقع الأمر في تفاعل وتضافر عوامل خارجية وداخلية .فعلى المستوى الدولي الخارجي .كان لاهتزاز مفهوم الدولة التقليدي وظهور سوسيولوجيا فاعلين جدد. وفضاءات اجتماعية جديدة وبزوغ ما يمكن تسميته ب/ابتكار الاجتماعي/ L INVENTION DU SOCIAL
وانكسار الحدود لمختلف أنواعها فضلا عن ذلك.الدينامية المتصاعدة للمنظمات غير الحكومية O.N.G التي
صاحبتها ظاهرة انبثاق مجتمع مدني دولي نتيجة ثقافة المناهضة والاحتجاج ضد الإفرازات السلبية لظاهرة العولمة والاقتصاديات الجديدة المرافقة لانتشار التقنيات الجديدة للإخبار والاتصال .كل هذه المعطيات وغيرها جعلت الفاعل الجمعوي في قلب النقاشات المتعلقة بالتحولات السياسية سواء على صعيد دول أمريكا اللاثينية .في إطار خوض هذه الدول لغمار عملية الانتقال الديمقراطي .او أوروبا الشرقية حيث بزوغ المجتمع المدني في الحد من سلطة الأنظمة الشمولية 3 في حين تم تفعيل احياء مفهوم المجتمع المدني في الدول الأوروبية إلى جانب انتشار المفهوم بفعل تأثيرات الندوات المخصصة لإشكالية المجتمع المدني /أو/الأهلي في الدول العربية والإسلامية وعلاقة هذا المفهوم بالمسألة الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان ونذكر على سبيل المثال :
-ندوة مركز الدراسات المتعلقة بالوحدة العربية حول إشكالية المجتمع المدني والديمقراطية في الوطن العربي.
-مركز دراسات بن خلدون الذي يتولى إصدار كتابات حول المجتمع المدني في العالم العربي تحت إشراف سعد الدين إبراهيم .
-الندوة المشهورة حول إشكالية المجتمع المدني في المغرب العربي التي نظمتها جامعة –برنستون –بإشراف
الباحث عبد الله حمودي الى جانب اصدار عدد خاص في المغرب حول المجتمع المدني في المغرب منشورات SIGNES DU PRESENT .
وأخيرا .لاينبغي أن ننسى أن الخطاب الانكلوسكسوني كان حاضرا في بلورة مصطلح المجتمع المدني وتنظيماته عن طريق تراجع مبدأ الدولة وتفعيل المفهوم كما يرى الدكتور عبد الكبير الخطيبي /باحث في السوسيولوجيا المغربية .من طرف المؤسسات المالية الدولية .
2-في بعض البواعث الداخلية :
لقد كان من مترتبات التطور الحضري في المغرب في السنوات الاخيرة.بروز سلوكات ثقافية يمكن نعتها ب (ثقافة الفتن ) على حد تعبير الباحث الفرنسي RENE GALLISSOT المهتم بالشأن النقابي في الدول المغاربية .فبعض التشكيلات الاجتماعية تحاول في إطار تلبية حاجياتها وتموقعها ضمن الفضاء الاجتماعي السائد .ابتكار صيغ جديدة لإفراز مطالب واكراهات لاتستطيع باقي التنظيمات الكلاسيكية المعروفة (الأحزاب السياسية -..النقابات ...)تلبيتها وتطويقها وتاطيرها .بل الأكثر من ذلك لا تستطيع هذه التنظيمات الحزبية احتواء النخب الجديدة الصاعدة لترجمة مصالحها .الشيء الذي يفسر إلى حد ما قيام السلطة باختراق بعض التنظيمات والجمعيات المدنية ....أو أضف إلى ذلك قيام هذه الأخيرة(السلطة ) بخلق جمعيات أخرى مضادة كالجمعيات الجهوية من طرف شخصيات قريبة من دواليب السلطة (الدولة) في أواسط التسعينيات :1985 .فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن ذكر :

-جمعية رباط الفتح.


-جمعية أبي رقراق.


جمعية فاس السايس.


جمعية الاطلس الكبير.


جمعية إنعاش وتنمية مدينة الصويرة .


جمعية المحيط.


جمعية انكاد.


جمعية سوس اكادير .

ولعله من الصعوبة بمكان الوقوف بدقة على خلفية كل جمعية أو تنظيم فليس هناك رؤية واضحة كما يرى الباحث حسن رشيق الأستاذ بكلية الحقوق بالدار البيضاء . فبالنسبة للجمعيات الكبرى في وقت غير بعيد .كان الوجهاء في بعض المدن والمناطق معروفون لكن مع توسع المدن وبروز وجهاء واعيان جدد بحكم مستواهم الثقافي ومهنهم .أصبح رهانهم هو خلق جمعيات وإطارات يلتقون فيها . وهو ما يمنح لهم إمكانية البروز .بحيث يصبحون معروفين .وهذ ا نوع من المسرحة بالنسبة للأعيان 4.
ثانيا: غلاقة جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني بالدولة :
يمكن مقاربة اشكالية علاقة جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني بالدولة من خلال الوظائف التي تشغلها هذه التنظيمات سواء من خلال هيمنة هذه التنظيمات على مجالات الدولة او العكس.
ففي هذا الاطار يعتبر الاستاذ عبد السلام ابودلرار 5 ان الدولة الديمقراطية تتوفر نظريا على الاليات المفروض فيها انجاز ارادة الاعلبية مع ضمان حقوق الاقلية كما ان الفاعلين السياسيين مهما بلغ ارتباطهم بحركية المجتمع منطق ووثيرة عمل تفرضها عليهم دينامية استهداف الوصول الى السلطة .
ان الدولة مدعوة فيمايتعلق بالمجتمع الى وضع الاليات القانونية لتسطير استرتيجية تدبير الشان العام .
وعلى مستوى اخر من التحليل .يرى الاستاذ محمد الطوزي.ان المجتمع المدني لا يملك صلاحية التعبير عن الصالح العام ولا يمكنه فعل ذلك واذا ما حصل ذلك.فسيكون المجتمع المدني بمثابة موضة قائمة على وجوب ذبح الدولة لتنمية هذا المجتمع.6.
والجدير بالذكر ان العمل الجمعوي في المغرب يسمح للمهتم بالوقوف على ظاهرة كون بعض الجمعيات كانت بشكل او باخر مدينة بالولاء والتبعية من حيث الخط التوجيهي التاطيري .كما ان تجربة عمل تنظيمات وجمعيات المجتمع المدني في المغرب كانت محفوفة بالعراقيل سواء ذات طابع مسطري او اداري .ويمكن القول ان هذه الظاهرة قد ثم التخفيف من صرامتها وحدتها .
الى جانب ذلك . تبدو علاقة جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني بالاحزاب السياسية مطبوعة بنوع من الوصاية.la mise sous toutelle ناهيك عن الحذر استقلاليتها .

1- الفاعل الجمعوي والسلطة .

ان الجمعيات والتنظيمات المدنية في المغرب رغم ما ابدته من دينامية لتوسيع وتفعيل هامش المناورة الذي تتحرك فيه .فهي قابلة احيانا لتوليد حركية جماعية لان السلطة امام الفاعل الجمعوي الديناميكي تبقى وتبرهن باستمرار عن قوة خارقة لاحتواء الدينامية المجتمعية 7 وفي نفس الاطار يرى الاستاذ كمال لحبيب عضو
في الفضاء الجمعوي ان معظم التعبيرات الجمعوية الموجودة اليوم بالمغرب لا تستجيب للمعايير التي حددها سنة 1999 الملتقى الاورومتوسطي المنعقد بشتوتكارت لمفهوم المجتمع المدني باعتباره مجموع الهيئات والجمعيات والوسائط التي تعمل خارج السلطة من اجل تحقيق الحريات العامة 8 فهناك مجموعة من المعوقات التي تحد من أهمية مدى تنظيمات وجمعيات المجتمع المدني في المغرب .
من ضمن هذه المعوقات , يمكن ذكر :
1-خطر الحلقة.
2- خطر الوضع تحت الوصاية من طرف الأحزاب السياسية .
3- ضعف الثقافة السياسية .
4- خطر الاستقطاب الإيديولوجي.
5- خطر الاستقلالية المغلفة بقناع السلطة.
6-محدودية الموارد.
7-خطر التبعية بخصوص الموارد.
9-خطر الزبونية .

2-في تقييم مدى وحدود الجمعيات والتنظيمات .

من دون شك .رغم المعوقات التي تعاني منها تنظيمات المجتمع المدني والتي تعتبر حدودا تحد من مدي تفعيل الانتقال الديمقراطي في المغرب يمكن القول أن التنظيمات والجمعيات المدنية في المغرب راهنا .
تؤشر على بداية إرهاصات الانتقال الديمقراطي ولا أدل على ذلك من تدشين خطوات تتجه صوب جوانب تتعلق بالمواطنة .وحقوق الإنسان .وتأهيل الترسانة القانونية للحريات العامة .وتجديد السلطة لخطابها من خلال إعادة النظر في علاقة المواطن بالدولة .والرغبة في فتح وراش ترتبط بتجديد آليات الشرعنة السياسية والمؤسسية خاصة وان الفترة الراهنة التي يعرفها المغرب تستوجب تسطير آليات تعاقدية اجتماعية بين الدولة والجمعيات .
إن حيوية النسيج الجمعوي رغم ما تؤشر عليه من مظاهر بزوغ مواطنة .فان ثقل التقاليد وطبيعة البنيات السائدة تبقى حاضرة والفضاء العام خاضع للمخزن.
إن بعض المعوقات والحدود التي تشكو منها جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني .هي التي دفعت بعض المهتمين الباحثين في العلوم السياسية للحديث عن فرضية hypothèse. المجتمع المدني في المغرب .
فالاستاذ عبد الله ساعف.أشار الى بعض العوائق التي تحول دون قيام مجتمع مدني في المغرب نظرا لطبيعة البنى السوسيواقتصادية زطبيعة العقليات والفضاء السياسي .تنضاف الى هذه العوائق محدودية دور الفاعلين الحقوقين والاخطار المحدقة بالمجتمع المدني والتي حددها الاستاذ محمد البردوزي .في الحلقية sectorisme
والاستقطاب الايديولوجي .
وفي سياق نفس الافكار هناك ضعف المشاركة السياسية.فالاستاذة مونية بناني .(بمعهد العلوم السياسية بجنيف ) تعتير ان عدم المشاركة السياسية بمثابة تعبيير عن اللامبالاة وأحيانا تجسد ما يصطلح عليه باللغة الفرنسية ب:extranèitè هذا دون أن ننسى صعوبة التمييز بين الحقل العام والخاص .
خاثمة :
ان تنظيمات وجمعيات المجتمع المدني في المغرب لا بد لها ان تعي تموقعها في المجتمع والدولة في الوجه الذي سيمكنها من تشكسل سلطة لمراقبة الدولة وهي مراقبة تضاف الى مراقبة الهيات المنتخبة كما تقول الاستاذة الزهرة الصروخ 11 .كما ان هذه الجمعيات مطروح عليها بناء مجتمع مدني حقيقي قصد بلورة الانتقال الديمقراطي الحقيقي من خلا بروز مواطنة حقيقية خاصة وان الدولة لها منطقتها والمجتمع المدني له منطقتها .
بالإضافة إلى ذلك .فرغم ان النخب الجمعوية تمارس خطاب الدفاع عن المواطنة والديمقراطية .فهذا يبقى غير كاف لأنه ينبغي تجسيد روابط العمل المدني بين النخب والقواعد .لانه كذلك بتجسير هذه الروابط سيتأتى لتنظيمات المجتمع المدني .تشكيل قوة ضاغطة لتفعيل الانتقال الديمقراطي في المغرب .
البيبليوغرافيا المعتمدة :
اللغة الفرنسية .
-bertrand badie.Bbrand.Dictionnaire de la science politique et des institutions politiques.Edition.A.Colin.Paris.Année 1994.
-bennani mounia .Sujet en enqéte de citoyenneté au maroc.le monde maghreb/machrek n 148.avril/guin 1995.
-colas .(d).le glaire el fleau.genealogie du fanatisme et de la societé civile première èdition grasset annèe 1992.paris.
- camau (m) changements politiques au maghreb.edition CNRS.paris 1992.
-duhamel.(o).yves meny. Le dictionnaire constitutionnel. Edition .p.u.t.annèe 1992.paris.
-ghazali (A) : analyse du phenomene associatif in changements politiques au maghreb. Sous la direction de michel camau edition de cnrs annèe.1992.
-Gramschi.(A) cahies de prison.cahiers.10.11.12.et 13 edition gallimard.
-saaf (A).: l hypo these de la societe civile au maroc .edition smer.rabat .signs du present.annèe.1992.
-SANTUCCI.(j.c) les associations regionales au maroc.un nouveau cadre pour le clientelisme.etat du maghreb .sous la direction de yves la coste paris 1991 editions la decouverte.
هوامش:
-1: يونس دافقير : المجتمع المدتي .اصول نظرية واشكالات مغربية .صحيفة العمل الديمقراطي .ديسمبر 2000.ص:6.
2- محمد الطوزي : المجتمع المدن بالمغرب .اعداد يوسف الساكت .صحيفة العمل الديمقراطي.ديسمير 2000.ص:7.
-3: فاكلاف هافيل : المحاولات السياسية .1989.
4- حسن رشيق : حوار بجريدة الاحداث المغربية : 6 يناير 2001.
5- صحيفة العمل الديمقراطي .ديسمبر 2000.
6- حوار مع محمد الطوزي. صحيفة العمل الديمقراطي ديسمبر 2000.
-7.guillain denoeux et laurent gateau gse association au maroc.revue maghreb /machrek n 150 octobre 1995.p 37.
8- المجتمع المدني بالمغرب .اعداد يوسف الساكت .صحيفة العمل الديمقراطي.8 ديسمبر 2001.
9-mounia bennani chraibi .Sujets enquete de citotennetè .Revue maghreb/machrek.n 148.annee 1995.25.
10-الزهرة الصروخ : المجتمع المدني في المغرب .مجلة كلية الحقوق .جامعة القاضي عياض مراكش.عدد خاص عن الاصلاحات السياسية والدستورية في المغرب العربي .ص:95.
d8sd8sd8s

محب الدفاتر
18-04-2009, 12:38
جزاكم الله خيرا....
لاشك ان الاخوان يبدلون جهدا ملموسا لاغناء المنتدى بالمواضيع الدسمة ؟؟؟؟dd1:icon30::icon30:

توفيق مدني
23-04-2009, 12:15
يجب الحديث اولا عن الديمقراطية ....لان غياب ثقافة الديمقراطية من العراقيل الكبرى لنمو المجتمع المدنى الذي نريده جميعا لهدا البلد العزيز؟
وهي الشرط الضروري لبناء هذا المجتمع /المدنى اوالاهلى كما شاء الاخوة تسميته ؟mt2mt2mt2 مودتي لكم .

سهاد56
25-04-2009, 20:55
الثقافة العربية المعاصرة

وآثارها على أداء مؤسسات المجتمع المدني


د. صالح سليمان عبد العظيم


مقدمة
ينضم مفهوم المجتمع المدني إلى إخوته من سلة المفاهيم الأخرى التي انتشرت خلال العقود الثلاثة الماضية، مثل: العولمة، والحركة النسوية، وثورة المعلومات. فمنذ نهاية السبعينيات في القرن الماضي ومع مطلع الثمانينيات لاقى مفهوم المجتمع المدني ترحاباً شديداً بين هؤلاء المعنيين بالتغيير السياسي في الدول النامية بشكلٍ عام، وفي الدول العربية بشكلٍ خاص؛ حيث أصبح المفهوم رأس الحربة في التغييرات الجديدة المنشودة، في ضوء ما يُسمح به لأفراد المجتمع المدني من إنشاء المنظمات التي يمارسون من خلالها تصوراتهم لتغيير المجتمع اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. فكون المفهوم يرتبط بملء الفراغ القائم بين الفرد من جانب ومؤسسات الدولة من جانب آخر قد منحه شهرة وذيوعاً كبيرين من حيث الرغبة في معادلة سلطة الدولة بمؤسسات جديدة تمارس حقوقها المختلفة في ضوء ما يراه المواطنون أنفسهم. (انظر عبد الصادق 2005، مؤتمر الاتجاهات المعاصرة 2004؛، بشارة 1998).
لقد جاء اتساع الاهتمام بمفهوم المجتمع المدني مترافقاً مع ضعف الثقة في الدولة كمتغير سياسي وحيد وحاكم منذ مرحلة الاستقلال في خمسينيات القرن العشرين وحتى أواخر السبعينيات، وهو الأمر الذي دفع بالكثيرين إلى تبني الدعوة لتفعيل دور المجتمع المدني في الفضاء الاجتماعي العام الذي لم تستطع دولة ما بعد الاستقلال شغله بشكلٍ جيد ومُرضٍ؛ فما تمخض عنه مشروع دولة ما بعد الاستقلال جاء مخيباً للآمال على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
قام مشروع دولة ما بعد الاستقلال على احتكار كافة أوجه حياة المواطنين من خلال مقايضة توفير احتياجاتهم المعيشية مقابل الإذعان الضمني من جانبهم لمشروعها الوطني؛ فلقد احتكرت الدولة توفير كافة الاحتياجات الخاصة بمواطنيها، بما يتشابه مع ما تقوم به دولة الرفاه الاجتماعي، حيث أخذت على عاتقها توفير الخدمات التعليمية والصحية والإسكانية والغذائية، وسيطرت على الإعلام سيطرة مطلقة، وانفردت بالساحة السياسية انفراداً تاماً لا يسمح لغيرها بالتنافس معها، من خلال إنشاء أحزاب سياسية ذات توجهات أيديولوجية معارضة. وبمرور الوقت تضاعفت الصعوبات الجمة التي واجهتها دولة ما بعد الاستقلال - وعلى الأخص في الجانب الاقتصادي - الأمر الذي منعها أو أضعف من إمكانيات استمرارها في مشروعاتها التنموية والاجتماعية التي أعلنت عنها وأطلقتها منذ بداية الاستقلال. لقد أخلت الدولة بالكثير من الوعود التي أغوت بها مواطنيها، بينما استمرت قبضتها الخانقة على كافة أرجاء المجتمع، مما وسع من دائرة إمكانياتها الأمنية والرقابية والسلطوية على حساب الإمكانيات الأخرى (أبوسيف 2005: 54-80، غرايبة 2002: 18- 38، بشارة 1996).
كما أنه لا يمكننا هنا إغفال الضغوط الخارجية التي لعبتها القوى الرأسمالية العالمية - وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية - أثناء الحرب الباردة على العديد من دول العالم المستقلة حديثاً، ومن بينها الدول العربية، مثل الحالة المصرية الناصرية؛ فالضغوط الأمريكية الضخمة، ومساعداتها اللامتناهية لإسرائيل، كلها قد أدت إلى تعاظم دور الدولة التي بدت في هذا السياق المدافعة عن الوطن ضد القيود الاستعمارية الأمريكية.
لقد جاء فشل مشروع الدولة العربية المستقلة نتيجة لامتزاج ما يمكن أن نطلق عليه "جدل الداخل وجدل الخارج". فمن ناحية لا يمكن إهمال الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الدولة الوطنية، وعلى رأسها التضحية بالتعددية السياسية لصالح الإنجازات الاجتماعية التي لم تتحقق على النحـو المأمول في الكثير من هذه الدول، كما لا يمكن إغفال الضغوط الشرسة والعدوانية التي لعبتها الولايات المتحدة الأمريكية على الكثير من دول المنطقة منذ الستينيات وحتى الآن.
وفي هذا الإطار تعالت الأصوات المطالبة بتنحية الدولة أو تحجيم أدوارها الهائلة التي شملت كافة أنشطة المجتمع طوال العقود الثلاثة المنصرمة، وفتح الباب أمام منظمات المجتمع المدني على كافة أشكالها من أجل المشاركة في تنمية المجتمع وتفعيل مجالاته المختلفة. لقد جاء ذلك التصعيد متوافقاً مع التحولات الهائلة على مستوى العالم العربي في إطار ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية. وفي هذا السياق، وجد مفهوم المجتمع المدني التربة الخصبة التي يمارس من خلالها هيمنته وسطوته، سواء من خلال البحوث والمؤتمرات الأكاديمية، أو من خلال دعوات المنظمات المدنية المختلفة نحو المزيد من تفعيل أدوارها وأنشطتها المتنوعة. ولقد تفاوتت الدول العربية فيما بينها بخصوص المساحات المختلفة التي سمحت بها لمنظمات المجتمع المدني لممارسة أدوارها المجتمعية المختلفة، وجاء هذه التفاوت من خلال التطورات المختلفة التي مرت بها الدولة ذاتها، وطبيعة البنية السياسية والاجتماعية التي تنطوي عليها، فما حدث في مصر - على سبيل المثال - يختلف عما حدث في المملكة العربية السعودية، وما حدث في تونس يختلف - بالتأكيد - عما حدث في سوريا.
ورغم هذه التباينات النسبية فيما بين الدول العربية إلا أنه يمكن القول بوجود قدر ما من التشابهات البنيوية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فيما بينها، الأمر الذي يؤدي إلى خلق مشتركات ثقافية عامة. إن ما نقصده هنا بالمشتركات الثقافية يتجاوز المجتمعي اليومي المعيش إلى ما يشكل رؤى وتوجهات عامة تجاه العديد من القضايا المجتمعية التي يواجهها الأفراد والجماعات. ورغم أن هذه المشتركات الثقافية تتجاوز اليومي المعيش إلا أنها تتشكل به، وتتواصل من خلاله؛ فالموقف من المرأة ودورها المجتمعي يتشكل من خلال جملة الممارسات اليومية الخاصة بالتعامل معها، لكنه بشكل أو بآخر يُنتج توجهاً ثقافياً يتجذر في البنية الثقافية العربية ليشكل توجهاً عربيا عاماً تجاه المرأة وأوضاعها.
وهذه المشتركات الثقافية لا ينتهي تأثيرها بانتهاء البنيات الاجتماعية المعيشة التي أنتجتها، فما يحدث في الواقع أنها تستمر وتتواصل حتى بعد ضعف - وربما انهيار- هذه البنيات. فرغم الضعف الواضح في بنية الدولة في العالم العربي - مقارنة بما كان عليه الحال في أعقاب مرحلة ما بعد الاستقلال - إلا أن تأثيراتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مازالت تظهر في جملة المشتركات الثقافية بين مختلف الدول العربية حتى الآن. ورغم اتفاقنا مع جرامشي حول دور أجهزة الدولة الأيديولوجية في التأثير على الأفراد والمجتمع مثل: الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام - فإن ما نقصده هنا بخصوص المشتركات الثقافية يتجاوز الدور الرسمي لأجهزة الدولة إلى رسوخ وتجذر يحفظ لهذه المشتركات استمراريتها وبقاءها، بحيث تصبح جزءاً لا يتجزأ من بنية التفكير والاعتقاد وربما التسليم. فالموقف من المرأة في العالم العربي- رغم دور الأجهزة الرسمية التعليمية والتربوية والإعلامية في تشكيله - إلا أنه - وربما بفعل هذه الأجهزة الرسمية - يخلق مشتركاً ثقافيا عربيا يحمل نفس المواصفات الرسمية بدرجة أو بأخرى، ويتجاوزها مستمراً في الوجود والتأثير المجتمعي. فما نقصده هنا بالمشتركات الثقافية لا يتعلق - فقط - بتأثيرات أجهزة الدولة الرسمية - وفقاً لجرامشي - لكنه يتجاوز ذلك إلى بنية مجتمعية أعمق وأكثر تأصيلاً، بحيث يمكننا أن نطلق عليها - تجاوزاً - المشتركات الثقافية الشعبية، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن كلمة شعبية هنا لا ترتبط بأية قيمة أخلاقية بقدر ما ترتبط بحجم الذيوع والانتشار والتأثير. (انظر حول القضايا التي تناولها جرامشي، أعمال الندوة التي عقدها مركز البحوث العربية في قضايا المجتمع المدني في ضوء أطروحات جرامشي 1992).
وفي ضوء ما سبق، تحاول الدراسة الراهنة الوقوف على أهم المشتركات الثقافية في العالم العربي المؤثرة على أداء وعمل منظمات المجتمع المدني. فمما لا شك فيه أن ثقافة أي مجتمع تلعب دوراً هاماً، إن بالسلب أو بالإيجاب، في بنية العمل التطوعي وإنشاء منظمات العمل المدني؛ فالثقافة التي تؤمن بمبدأ الحريات الفردية، وقدرة الأفراد على الفعل الاجتماعي المشترك - تساعد على تأسيس المزيد من منظمات العمل المدني، والإسهام بقدر أكبر ومتزايد في جهود العمل التطوعي. ولا يتعامل هذا النوع من الثقافات مع منظمات المجتمع المدني على أنها مضادة في تأسيسها لبنية المؤسسات الحكومية الرسمية، قدر ما يتعامل معها على أنها وجه آخر من وجوه التطور المجتمعي، يتكامل ويتضافر مع جهود السلطة الرسمية. والعكس صحيح تماماً بالنسبة لهذه النوعية من الثقافات التي لم يتكرس فيها مبدأ الإيمان بالحريات الفردية، والإيمان بحق المواطنين في تأسيس ما يناسبهم من جمعيات ومنظمات لتسيير شؤون الحياة اليومية والتغيير الاجتماعي والسياسي، حيث يتم التعامل مع العمل التطوعي والمنظمات المدنية بوصفها مهددة ومعادية لبنية السلطة الرسمية. وفي هذا السياق، ترفض الدولة إنشاء منظمات العمل المدني، وتلاحق النشطاء والراغبين في العمل التطوعي.
أولاً: استشراء ثقافة الهيمنة والاستفراد

لعب تسلط الدولة في مرحلة ما بعد الاستقلال دوراً كبيراً في استشراء ثقافة الهيمنة والاستفراد على كافة علاقات الجماعات والمؤسسات والبنى الاجتماعية. فمما لا شك فيه أن دولة ما بعد الاستقلال قد قبضت وهيمنت وتسلطت على كافة شؤون الحياة، بدءاً من الاقتصاد، مروراً بالسياسة، وحتى الثقافة والفنون. وبسبب تدخل الدولة في كافة أنشطة الحياة، وبشكلٍ خاص النشاط الاقتصادي من خلال فرض قبضتها على العديد من الأنشطة الاقتصادية، وتعهدها بسياسات تشغيل واسعة النطاق - فإنها قد وأدت أهمية العمل الحر لدى المواطنين الذي ارتضوا اللحاق بقطار التشغيل الحكومي، والاعتماد على المدخولات الشهرية الثابتة. هذه الحالة من الارتباط بخطط التشغيل الحكومية، كان لها تأثيراتها السلبية - أيضاً - من ناحية وأد الرغبة في العمل الجمعي المدني الحر بعيداً عن سلطة الدولة ورقابتها، وهو الأمر الذي انتقل وتراكم منذ الحصول على الاستقلال، وبداية استلام الدولة الوطنية لمقاليد الحكم. لقد وجد المواطنون أنفسهم في عهدة الدولة وكفالتها، الأمر الذي تعودوا عليه وأدمنوه بمرور الوقت، بحيث أصبحت الدولة بالنسبة لهم العائل الوحيد المُُطالب برعايتهم. (الجابري 1998: 48).
ولم يكن من الممكن أن يكون لهذا التدخل من قبل الدولة مثل هذا التأثير المهيمن لو أن الدولة ذاتها لم تقم بتقليص ممارسات المنظمات المدنية والجهود التطوعية بمثل هذا الشكل. وحتى المنظمات التي تركتها الدولة تعمل وتمارس أنشطتها، فإنها قد سمحت لها بذلك من خلال المراقبة المستمرة لها، ومن خلال توافق ما تقوم به مع خطط الدولة المرسومة وأهدافها المعلنة. لقد تسلطت الدولة وامتلكت الفضاء الاجتماعي العام برمته، مما جعلها تمثل الفاعل الوحيد على ساحة هذا الفضاء، والآمر الناهي لما يتم من خلاله.
إن هذا التدخل المفرط من قبل الدولة قد خلق حالة عامة بين المواطنين تتلخص في عدم قدرتهم على العمل الجمعي إلا من خلال ما تمليه مؤسسات الدولة الرسمية عليهم. ولذلك فقد تحولت التنظيمات الرسمية الخاصة بالدولة إلى مؤسسات لقتل الإبداع والحركة والطرح والنقاش. لقد وأدت الدولة كل هذه الطروحات الإنسانية من خلال بنية القرارت الفوقية التي تتدرج من أعلى قمة جهاز الدولة وحتى الموظفين الصغار في أدنى السلم الوظيفي. وعبر سنوات طويلة من هيمنة الدولة تكرست ثقافة الاستفراد التي تعني انفراد فرد ما بكل قرارات المؤسسة، وطاعة الآخرين له، وتنفيذ قراراته، بغض النظر عن النتائج السلبية المرتبطة بهذه القرارات.
تخلق هذه الحالة من الاستفراد والهيمنة فضاءً عاماً من اللامبالاة والأنامالية، حيث يصبح التوجه العام للمواطن هو تنفيذ ما يُملى عليه، بدون الدخول في أية نقاشات حوله، وبدون الرغبة في طرح بدائل أخرى له، حتى لو ظهر في الأفق أنها الأكثر صلاحية والأكثر نفعاً. بالطبع تؤثر هذه الثقافة العامة على بنية وأداء منظمات المجتمع المدني، بل وتؤثر - أيضاً - على إقدام الأفراد على تأسيس هذه المنظمات والتطوع للعمل فيها. فما الداعي هنا لإنشاء منظمات تتوسط العلاقة بين الفرد والدولة، تقوم بعملها بجهود تطوعية، إذا كانت الدولة ذاتها قد أطلقت يدها من أجل خدمة المواطن وتحقيق أهدافه؟ من هنا فلم يعد هناك أي دافع لدى الأفراد من أجل إنشاء تنظيماتهم المدنية، تعبيراً عن توجهاتهم ومشروعاتهم الخاصة بهم.

وعبر سنوات طويلة من هيمنة وتسلط الدولة واستفرادها بالمسؤوليات المجتمعية المختلفة، التي تمت في الأغلب الأعم من خلال القرارات الفوقية التي يمليها ويفرضها المسؤولون الحكوميون، فقد أصبحت سمة الهيمنة والتسلط سمة مجتمعية عامة؛ فما يخضع له المواطن وينصاع له قد أصبح سمة حياته اليومية، كما قد أصبح - وهذا هو الأهم والأكثر خطورة - سمة تعاملاته مع الآخرين، حيث تصبح منطلقات هذا التعامل هي الاستبداد، والهيمنة، والتسلط. ولعل هذا هو ما نقصده بأن ما بدأته الدولة من خلال مشروعاتها التنموية القابضة على الفضاء الاجتماعي العام في مرحلة ما بعد الاستقلال، قد تمخض عن مشتركات ثقافية شعبية تتجاوز مؤسسات الدولة وأطرها المتنفذة إلى عموم أفراد المجتمع وجماعاته المختلفة.
وإذا كانت الدولة قد لعبت دوراً كبيراً في نشر ثقافة الهيمنة والاستفراد، بحيث أصبحت إحدى السمات الحاكمة للفضاء المجتمعي بشكل عام، فإن اللافت للنظر هنا أن هذه السمة قد صاحبت - أيضاً - منظمات العمل المدني التي ظهرت فيما بعد، بعد أن ضعفت الدولة، وقبلت بدرجة أو بأخرى - وتحت تأثير الضغوط الخارجية المتزايدة - بدور ما لهذه المنظمات. فاللافت للنظر هنا أن هذه المنظمات، الأحزاب السياسية والكثير من منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المرأة ومنظمات العمل الاجتماعي العام، قد اصطبغت منذ نشأتها بسمتي الهيمنة والاستفراد.
فلم يتسم عمل هذه المنظمات بالديمقراطية والحوار وتداول المناصب والتغير والتطور المستمرين، لكنها - وفي الكثير من الأحيان - اتسمت بهمينة منشئيها عليها، واستفرادهم بالقرارات المختلفة الصادرة عنها. كما أن هذه المنظمات قد اتسمت - أيضاً - بفوقية القرارات بعيداً عن إشراك الأعضاء في اتخاذها من أجل التسيير الديمقراطي لعملها. ولعل ذلك هو ما نقصده باستمرارية البنية الثقافية حتى بعد زوال أو ضعف العوامل المسؤولة عن ظهورها. ففي حالة منظمات المجتمع المدني هذه، لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته الدولة منذ مرحلة ما بعد الاستقلال وحتى الآن في نشر ثقافة الهيمنة والاستفراد، لكنه ورغم الضعف النسبي الذي انتاب مؤسسة الدولة منذ أواخر السبعينيات وحتى الآن، ورغم الضغوط الخارجية المتواصلة من أجل ضرورة الإصلاح السياسي في العالم العربي - فإن منظمات المجتمع المدني لم تحقق هذا القدر المنشود من التأثير في مواجهة هيمنة الدولة واستفرادها الواسع المدى بالفضاء المجتمعي العربي. (انظر بلقزيز 2002، ابراهيم 2000).
ورغم وجود الكثير من العوامل البنيوية غير المُدعمة للعمل الجمعي، والتي لعبت الدولة فيها دوراً كبيراً ومؤثراً، إلا أنه يمكن القول - أيضاً - بوجود عوامل داخلية خاصة ببنية المنظمات المدنية في العالم العربي، وعلى رأسها استشراء ثقافة التسلط والهيمنة والاستفراد. وإذا كان من المفترض أن تتجاوز هذه المنظمات مثالب عمل الدولة التسلطية في الفضاء الاجتماعي العام، بحيث تنطلق من أسس داعمة للحريات والتغيير الدوري لمواقع الرئاسة داخلها، فإن ما حدث جاء على النقيض تماماً؛ حيث أصبحت هذه المنظمات المدنية أوكاراً جديدة من أوكار تفريخ ثقافة الهيمنة والاستفراد. وبالطبع كلما تعاظمت أهمية المنظمة، وحجم التأثير المرتبط بها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا زاد حجم الاستفراد والهيمنة الخاص بها، بحيث يمكن القول بأن الكثير من هذه المنظمات قد تحول من كونها منظمات للنفع العام إلى منظمات للنفع الخاص، المرتبط بحلقة ضيقة من القائمين على تسيير شؤونها لفترات زمنية طويلة.
ومن أبرز الأمثلة الواضحة على ذلك الأحزاب السياسية في العالم العربي، التي يحتكرها رؤساؤها لعقود طويلة من الزمن، بغض النظر عن مدى كفاءتهم ومدى ملاءمتهم الصحية للاستمرار في العمل والقيادة والعطاء. ورغم الدور الذي يقوم به نشطاء العمل المدني والتطوعي من إثراء للفضاء الاجتماعي العام، إلا أنهم هم أنفسهم محكومون ببنية الهيمنة والاستفراد التي تربوا عليها، وتشبعوا بأطرها المعرفية، الأمر الذي يجعلهم - في كثير من الأحيان، سواء وعوا بذلك أو لم يعوا - امتداداً لنفس البنية المهيمنة والاستفرادية التي أسست وأرست الدولة معالمها.

ثانياً: شيوع ثقافة الخوف من العمل الجمعي

خلقت الدولة تصوراً عاماً مفاده صعوبة العمل خارج الفضاء الاجتماعي العام الذي حددته، بل إنه يمكن القول بأن الدولة قد خلقت تصوراً مخيفاً مفاده أن العمل من خلال جماعات أخرى لا تمت لمؤسساتها الرسمية بصلة يحتاج إلى موافقتها والالتزام بالشروط التي فرضتها على العمل الجمعي عامة. ولا ينفصل ذلك بحال من الأحوال عما ذكرناه سابقاً من استشراء واسع المدى لثقافة الهيمنة والاستفراد، سواء من قبل الدولة ومؤسساتها الرسمية، أو من قبل القائمين على المنظمات المدنية ذاتها.
فالهيمنة المسبقة من قبل الدولة على كل الممارسات الاجتماعية والسياسية قد أدت إلى انسحاب المواطنين من العمل الجمعي والتطوعي خشية تعرضهم لقمع الدولة ومؤسساتها الأمنية المختلفة، بحيث أصبح الاقتراب من أية مؤسسة سياسية أو اجتماعية مدنية يعني الاشتباك والاصطدام الحتميين مع الدولة ومؤسساتها. كما أن انتقال بنية الهيمنة والاستفراد من الدولة ومؤسساتها إلى بنية منظمات المجتمع المدني المعاصر في العالم العربي قد أدى بالمواطنين إلى عزوفهم عن الانضمام لمثل هذه المنظمات، التي رأوا فيها امتداداً لهيمنة واستفراد الدولة ومؤسساتها المختلفة. كما أن النخبوية التي تمتع بها قادة منظمات المجتمع المدني في العالم العربي قد أدت بالكثيرين إلى الخوف حتى من الاقتراب من هذه المنظمات والعمل التطوعي من خلالها، وهو الأمر الذي يبرر في أحيان كثيرة أسباب الانضمام الواسع المدى من جانب المواطنين للمنظمات ذات التوجه الديني بالأساس؛ حيث يجدون سهولة في التعامل مع القائمين عليها، ناهيك عن إحساسهم بالإشباع الديني.
ورغم ارتباط الثقافة الإسلامية بعامة بالأعمال التطوعية الخيرية التي تهدف إلى فائدة الآخرين، إلا أن القيود الصارمة التي فرضتها الدولة على هذه الجهود الخيرية قد أدت إلى تقزيم ثقافة العمل الخيري التطوعي. فالمسلم المعاصر لم يحتفظ من هذه الجهود والممارسات الخيرية إلا بما يقر به الشرع من دفع للزكاة ومساعدة للفقراء والمحرومين، وإن حرص على أن يتم ذلك بشكلٍ خفي بينه وبين الله، ودون الارتباط بأية مؤسسات للعمل الخيري أوالتطوعي، وهو الأمر الذي قد يجلب له الكثير من المشكلات من قبل الدولة التي تعد على مواطنيها أنفاسهم أينما ذهبوا وتصرفوا وشاركوا. (حول دور الدين الإسلامي في تدعيم ثقافة العمل الخيري والتطوعي، انظر: أعمال الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في الغانم 2003).
وإذا كان هذا هو حال الأغلبية المسلمة في العالم العربي تجاه منظمات العمل المدني، فإن الحال يزداد سوءاً بخصوص أبناء الأقليات العربية، المسيحية منها على وجه الخصوص؛ حيث يصبح العمل الجمعي والتطوعي، محل خوف كبير من جانبهم، وهو الأمر الذي يجعلهم أكثر ارتباطاً بمؤسساتهم الدينية المختلفة، وعلى رأسها الكنيسة، رافضين بدرجة أو بأخرى العمل من خلال أية مؤسسات مدنية أخرى خارج هذا السياق الديني الضيق.
أخطر ما تؤدي إليه إشاعة ثقافة الخوف من العمل الجمعي انتشار حالة من الانسحابية المطلقة التي تقود المواطنين إلى تجنب الاشتراك في أي عمل جمعي أياً كانت أهدافه ومراميه. فالرغبة في تجنب ما يثير الدولة ويثير حفيظة أجهزتها الأمنية يؤدي إلى إيثار السلامة والبعد عن المشكلات التي قد تتسبب فيها المشاركة في أي من منظمات العمل المدني. لا تقف مسألة الخوف عند مجرد الانضمام إلى أي من منظمات المجتمع المدني، والمشاركة في أنشطتها التطوعية، بل يتعداها إلى الخوف من مجرد الحديث مع الآخرين حول أية قضية اجتماعية، والعمل على إيجاد حلول لها. فاللافت للنظر هنا ضعف التواصل بين الأفراد، وإجراء حوارات بينهم فيما يخص حياتهم ويتعلق بتطويرها.
إن تشكيل المواطن من خلال ثقافة الخوف يؤدي إلى العديد من الأمراض الاجتماعية الخطيرة، والتي من أبرزها الصمت تجاه أوجه الفساد التي يراها تحدث أمامه ليل نهار. وإذا كان هذا المواطن يصمت تجاه المفاسد التي تحدث أمامه من خلال مؤسسات الدولة الرسمية التي يعمل من خلالها، فإن صمته سيتواصل بالتالي في المنظمات المدنية التي قد ينتمي إليها، ولعل ذلك يفسر لنا طبيعة الفضائح الضخمة والتسيب المالي الذي كثيراً ما نسمع عنه في العديد من هذه المنظمات، وعلى رأسها الأحزاب السياسية والمؤسسات الاجتماعية. إضافة إلى ذلك، تُشيع ثقافة الخوف حالة من الخضوع من جانب المرؤوسين تجاه الرؤساء، الأمر الذي ينفي وجود أي قدر من الحوار والجدل والنقاش حول ما يخص مصلحة العمل، وهو الأمر الذي ينتقل بالتبعية إلى ما يدور خلف كواليس منظمات المجتمع المدني.

ثالثاً: الانسحابية والانغلاق على الأسرة

تُلقي ثقافة الخوف بظلال كثيفة على انسحاب المواطنين من كل ما يمت بصلة للفضاء المجتمعي العام، والانكفاء والانغلاق على الأسرة، الأمر الذي يؤدي بدرجة أو بأخرى إلى ضعف المشاركة في العمل الاجتماعي التطوعي، والانتماء لأي من منظمات العمل المدني. فبديلاً عن أية إسهامات مجتمعية قد يقوم بها الأفراد، تصبح الأسرة هي محور العالم ومركزه، والمكان الطبيعي الذي يشعر فيه المرء بالانتماء الحقيقي؛ حيث يتصرف بحريته الكاملة أمام آخرين، لا يخشى منهم شيئاً، ولا يخاف تبعات سلوكه أمامهم.
تبث الأسرة قيم الأثرة والأنانية المفرطة للأبناء، حيث التعليمات المتواصلة من قبل الآباء لأبنائهم بعدم اشتراكهم في أي عمل جمعي، والتركيز - فقط - على مذاكرتهم، وضرورة حرصهم على تفوقهم. وتصبح الدعوة الدائمة من جانب الآباء للأبناء هي ضرورة الحرص على مستقبلهم وعدم اهتمامهم بالسياسة ومشاغلها، أو أية أنشطة اجتماعية أخرى. بالطبع بعد هذه الجرعات الفردية المكثفة من جانب الآباء لأبنائهم تستمر شحنة الأنانية الفردية المفرطة معهم، وتنتقل إلى أماكن العمل التي يعملون بها، حيث لا يهتمون سوى بمصالحهم الفردية الضيقة، والتي يورثونها بعد ذلك لأبنائهم، وهكذا دواليك.
اللافت للنظر هنا، هو ذلك التناقض الذي تنتجه الأسرة في العالم العربي بين تدعيم الترابط بين أفرادها المنتمين إليها من جهة، وإضعاف التماسك الاجتماعي العام من جهة أخرى، وهو الأمر الذي يجعلنا نؤكد أن الأسرة تقوم بدورين متناقضين؛ فمن ناحية تمارس الأسرة دوراً هائلاً في تدعيم الترابط بين الأبناء، والحرص على مساعدة بعضهم البعض، ومن الأمثلة الواضحة هنا على هذا التوجه الأسري في العالم العربي ما يبرز من خلال النشاط الاقتصادي العائلي؛ فمعظم الأنشطة الاقتصادية الضخمة في العالم العربي هي أنشطة عائلية تقتصر على أفراد العائلة الواحدة، كما أن الكثير من مؤسسات العمل المدني هي مؤسسات تقوم على مبدأ التوارث أكثر من أي شيء آخر. ومن ناحية أخرى، يتعارض الحرص المفرط - وربما المَرضي - من جانب الأسرة على أعضائها، مع أية إمكانية للخروج من شرنقة الأسرة وحدودها الصارمة إلى الفضاء الاجتماعي العام والعمل مع آخرين لا يمتون إليها بصلة قرابة.
فالأفراد الذين تربوا على الانغلاق الأسري، والثقة في الأقارب، يصعب عليهم التعامل خارج هذا الإطار إلى حيث الفضاء الاجتماعي العام، الذي يفرض قواعد أخرى مغايرة للتعامل. فمن خلال هذه التعاملات الخارجية يهدف الأفراد إلى جذب الفضاء الاجتماعي العام نحو مصالحهم الأسرية الذاتية الضيقة، ويظهر هذا السلوك واضحاً في العديد من المؤسسات الرسمية الحكومية التي يتم توريث الوظائف فيها، بغض النظر عن صلاحية من يتم تعيينهم للعمل، ومدى المهارات التي يتحلون بها للقيام بالوظائف التي يرثونها عن ذويهم. ولا ينفصل العمل في منظمات المجتمع المدني – غالباً- عن مثل هذا التوجه الذي يميل إلى جذب الفضاء الاجتماعي العام لمصلحة القائمين على المنظمة أكثر من التفاعل الحقيقي الخلاق بين هذا الفضاء والمنظمة. ويرتبط بهذه المسألة تحول منظمات العمل المدني إلى جزر منعزلة لا توجد روابط حقيقية فيما بينها. وربما يمكن تأكيد هذا المنحى من خلال ظهور العديد من منظمات حقوق الإنسان في العديد من الدول العربية، بدون أن يكون بينها روابط تدعم من وحدة جهودها، ومن تفعيل تأثيرها. فمثلما تتحول الأسر إلى جزر منعزلة لا يهمها في النهاية سوى مصلحة أبنائها - بغض النظر عما يصيب الفضاء الاجتماعي العام - تتحول منظمات المجتمع المدني – أيضاً- إلى جزر متباعدة، وربما متنافسة، لا يجمع بينها سوى المصالح الشخصية للقائمين عليه.
تبدو مخاطر هذا الانسحاب والانغلاق الأسري في تحول أية علاقة خارج نطاق الأسرة إلى نموذج مطابق للعلاقات بين أعضاء الأسرة الواحدة. في هذا السياق، تتحول المؤسسات التي قد ينتمي إليها الأفراد إلى نموذج آخر يسير على نفس منوال العلاقات الأسرية. فبديلاً عن وجود قواعد موضوعية لتسيير شؤون المؤسسة، تتحول المؤسسة إلى نمط علاقات أبوي يستفرد فيه البعض، ويُملون قراراتهم على باقي الأعضاء الذين يجب عليهم أن ينصاعوا لهم. يرتبط بذلك ظهور الشللية داخل هذه المؤسسات؛ حيث تتحول العلاقات إلى ما يشبه مجموعة من الأسر المتنافرة التي تبغي كل منها تحقيق مصالحها على حساب كيان المؤسسة الكلي، والمصالح والأهداف الخاصة بها.
ورغم ما يظهر من قوة البنية الأسرية في العالم العربي حتى الآن، إلا أن اللافت للنظر أن الأسرة العربية قد واجهت في السنوات الأخيرة ما تواجهه المجتمعات العربية من تفكك وانهيارات وصعوبات؛ فالأسرة العربية تعاني من انعكاسات المشكلات الاقتصادية على بنيتها، كما تعاني من انعكاسات الحالة السياسية التي تتسم بالجمود والركود، كما تعاني من التأثيرات السلبية للإعلام العربي بعامة على بنيتها القيمية والأخلاقية. وفي ضوء كل ذلك، فقدت الأسرة الكثير من القيم الجمعية التي اعتادت أن تنشيء أبناءها عليها، وتحضهم على التمسك بها. من هنا يمكن القول بأن أفراد الأسرة قد فقدوا قدراً كبيراً من قيم الترابط الاجتماعي الأسري التي اعتادوا عليها. ولم ينتج ضعف البنية الأسرية أية إمكانيات حقيقية لتوجه الأفراد نحو إنشاء بنى اجتماعية جديدة عوضاً عما فقدوه من تفكك لبنية الأسرة. بل يمكن القول بأن الأفراد قد نقلوا سمات وخصائص البنيات الأسرية الجامدة والمنغلقة على ذاتها إلى ما أنشأوه من مؤسسات ومنظمات اجتماعية جديدة، الأمر الذي حولها في النهاية إلى كيانات اجتماعية منسحبة ومنعزلة عن الواقع الاجتماعي المعاش. (انظر حطب 1983).


رابعاً: الخوف والتوجس من الآخرين

نتيجة لكون الارتماء في أحضان الأسرة يخلق ثقافة متقوقعة على نفسها، تتجه للداخل وليس للخارج، يصبح التعامل مع كل ما هو جديد وغريب عن المحيط المألوف بالنسبة للمواطن محل خوف وتوجس وريبة وشك؛ فالأفراد الذين تربوا لفترات طويلة بين أحضان الأسرة وقيمها التقليدية الجمعية، حتى في ظل الضعف والترهل الذي أصاب بنية هذه القيم الأسرية، يصعب عليهم التعامل مع المحيط الاجتماعي الخارجي بسهولة ويسر، حيث يصيبهم هذا التعامل بالخوف والقلق وتوقع كل ما هو سلبي. فالفضاء الخاص بالأسرة غير منفتح على الفضاء المجتمعي العام، الأمر الذي يجعل انفتاح الأسرة على الفضاء الخارجي انفتاحاً غير متناغم ومضطرب؛ فانفتاح الأسرة على الفضاء العام لا يعمل إلا في ضوء التوجهات المرجعية التي اكتسبها أفرادها - سابقا - من خلال التنشئة الأسرية، والتي تحيل إلى الخوف والتوجس من الآخرين، والريبة والشك فيهم، لذلك يصعب على الأفراد أن ينشئوا علاقات جديدة ومرنة مع هذا الفضاء الاجتماعي العام، حيث تقيده دائماً أطر التوجهات الأسرية الحاكمة لأفكارهم وسلوكياتهم تجاه هذا الفضاء.
وربما لعبت الثقافة المخابراتية التي أنتجتها الدولة في العالم العربي دوراً كبيراً في إنتاج هذا الخوف والتوجس عند التعامل مع الآخرين من قبل المواطنين. ففي وقت من الأوقات كانت ملاحقة الشيوعيين هي الفريضة الملقاة على عاتق الدولة في العالم العربي، وفي وقت آخر أصبحت ملاحقة الإسلاميين هي القاسم المشترك بين كافة الأجهزة الأمنية العربية. ومن خلال هذه الملاحقات المتواصلة والمستمرة خلقت الدولة عبر ترسانة مؤسساتها الأمنية والمخابراتية والتجسسية حالة من القلق لدى المواطن الذي أصبح يستريب حتى في أقربائه أنفسهم بوصفهم يتجسسون عليه لصالح الأجهزة الأمنية.
بالتأكيد يحتاج التخلص من هذا الخوف إلى وقت طويل تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الفرد وباقي أفراد أسرته من ناحية، وبينه وبين الدولة ومؤسساتها المختلفة من ناحية أخرى. وإلى أن يتم ذلك، ستظل حالة الخوف والريبة هذه سمة الكثير من العلاقات التي ينسجها الأفراد مع الفضاء الاجتماعي العام، وبشكل خاص عضوية المنظمات المدنية والمساهمة في الأعمال التطوعية.
لقد انعكست حالة الريبة والتوجس هذه على بنية منظمات المجتمع المدني ذاتها؛ فالبعض يخشى التعامل معها تجنباً لما قد ينجم عن ذلك من إثارة حفيظة الأجهزة الأمنية، كما أن البعض الآخر يستريب ويتوجس في بنية هذه المنظمات وطبيعة القائمين عليها، حيث يرى أن الكثير من هذه المنظمات لا يشكل سوى امتداد للدولة ذاتها، بأشكال وصور عديدة يصعب الكشف عنها، بحيث تتعاون هذه المنظمات مع الأجهزة الرسمية الحكومية من أجل مساعدتها على تحقيق أهدافها وتنفيذ أجندتها، أو على الأقل تستخدم هذه الأجهزة الرسمية هذه المنظمات من أجل تلميع صورتها أمام الآخر الغربي الذي يحاول فرض أجندته الإصلاحية على الدول العربية.
ومما زاد من حدة الخوف والتوجس نحو منظمات المجتمع المدني الجديدة في العالم العربي، وبشكلٍ خاص ما يتعلق منها بالإصلاحات الديموقراطية، مثل الأحزاب السياسية ومنظمات حقوق الإنسان - الاتهامات التي كالتها الدولة لها بخصوص تعاونها مع الخارج، وتلقي البعض منها تمويله من حكومات خارجية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الاتحاد الأوروبي. وهي اتهامات كانت صحيحة في بعض الأحيان ومتجاوزة في أحيان أخر، لكنها خلقت مناخاً مضاداً للانضمام لمنظمات العمل المدني من جانب المواطنين. ومما ساعد على استفحال وطأة هذه الاتهامات التي كالتها الدولة لهذه المنظمات المدنية الموقف الشعبي المضاد للولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية الأخرى في العالم العربي.


خامساً: ضعف ثقافة احترام حقوق الإنسان والتسامح على المستوى الشعبي

لا ينفصل كل ما سبق عن وجود مناخ عام وبيئة مضادة لثقافة احترام حقوق الإنسان، والتسامح تجاه الآخرين. فالبيئة التي تتعرض لضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية تؤدي لا محالة إلى عدم احترام حقوق الإنسان، وإلى تقييد حرية الرأي وما يرتبط بها من ممارسات وأنشطة مختلفة. ولا يمكن الحديث عن ثقافة لاحترام حقوق الإنسان بين ليلة وضحاها؛ حيث يحتاج الأمر إلى فترات زمنية طويلة، وإلى تكاتف لكافة القوى الرسمية والمدنية والشعبية في سبيل تدعيم الأخذ بثقافة احترام حقوق الإنسان، والدفاع عنها.
وبسبب الهيمنة المفرطة للدولة وتدخلها في كل صغيرة وكبيرة، وبسبب ما تقوم به أجهزة الإعلام الرسمية من تدعيم لسيطرة الحزب الواحد والصوت الواحد والتوجه الواحد - يصبح قبول الأفراد بأية أصوات خارج هذا الإطار مثيراً للجدل فيما بينهم، ومثيراً للمشكلات، بل إن هذه القبول يثير الجدل بين الفرد وبين نفسه كونه يقوم بفعل مخالف ومغاير للمعايير والأسس التي ارتبط بها وتعلمها وتربى عليها. من هنا فإنه يصعب عليه قبول آراء جديدة تختص بحماية الآخرين، وحقهم في التعبير عن آرائهم، طالما أنه هو نفسه قد تربى على ما تقول به الدولة من جانب، وما تبثه الأسرة من جانب آخر، آخذين في الاعتبار ذلك التماهي والتوحد الذي يحدث في أحيان كثيرة بين الدولة والأسرة في العالم العربي.
ورغم أن مسألة احترام حقوق الإنسان مسألة منغرسة في صلب الثقافة الإسلامية، إلا أن مجريات الأمور تسير في العالم العربي بشكل يتعارض مع ما ينادي به الإسلام من ضرورة احترام الإنسان في أفكاره وآرائه، وضرورة النقاش والحوار معه تجنباً للعنف وإراقة الدماء. فمنذ قيام ونشأة دولة ما بعد الاستقلال في العالم العربي، سادت وهيمنت ثقافة القمع بشكلٍ غير مسبوق، وهو الأمر الذي دفع بالعديد من الأفراد إلى أقبية السجون، ولعب دوراً كبيراً في انتشار ثقافة التعذيب التي اقترفتها ومارستها العديد من الأنظمة العربية.
إن خطورة هذا المنحى المتعاظم من قبل دولة ما بعد الاستقلال أنه أفضى إلى اعتماد مبدأ العنف بين الأفراد أنفسهم في حسم صراعاتهم، سواء أكان عنفاً ماديا ملموساً، أم عنفاً رمزيا. والأمثلة على ذلك عديدة يمكن الإشارة إلى بعضها من خلال ممارسات التيار الإسلامي الحالية، ومن خلال الخطاب العنيف للكثير من الأقليات في العالم العربي الذي يرتكب عنفاً رمزياً لا يقل خطورة في نتائجه عن العنف المادي الذي تمارسه الجماعات الأخرى.
وتتعارض هذه الحالة مع العمل المدني الذي يقوم في جوهره على حرية العمل والاختيار والحركة والنشاط بقناعة كاملة بأن الآخرين يحترمون، وربما يقدرون، ما نقوم به طالما أن ما نقوم به لا يتعارض مع الفضاء الاجتماعي العام بدرجة أو بأخرى. يحتاج العمل المدني إلى سياق عام من الإيمان بحرية الآخرين في أن يشكلوا التنظيمات والمؤسسات ذات النفع العام التي يرون أهميتها للمحيط الاجتماعي الذي نشأوا فيه ويتعاملون من خلاله، ويهدفون إلى تطويره.
ومن أسف أن سياق عدم احترام حقوق الإنسان، والانغلاق على الذات، وعدم الانفتاح على الآخر، قد انتقلت عدواها إلى الكثير من مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي. وربما تمنحنا الكثير من منظمات حقوق الإنسان والأحزاب السياسية أمثلة على واقع حقوق الإنسان في العالم العربي. فالكثير من هذه المنظمات تمر بالكثير من المشكلات الداخلية، وصلت في بعض الأحيان إلى حد التشاجر والاقتتال من أجل كرسي الرئاسة، كما أن الكثير منها محل شبهة من حيث التمويل والتعامل مع دول غربية، من أجل العمل على تنفيذ أجندتها الخاصة بها، وليس العمل من أجل حقوق المواطنين التي يدّعون أنهم يعملون من أجلها. كما أن الكثير من الأحزاب السياسية – أيضاً- إما أنها أحزاب توريثية، مما يجعلها تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان وحقوقه في العمل والمشاركة، وإما أنها أحزاب ديكورية نشأت بأوامر من الدولة ذاتها، وتستفيد ماديا وإعلاميا مما تغدقه الدولة عليها نظير استمراريتها الديكورية المدجنة من قبل الدولة وأجهزتها الرسمية المختلفة.


سادساً: تعريف الثقافة العربية

يشير البعض إلى صعوبة وجود ما يُسمى بالمجتمع المدني في العالم العربي؛ بسبب ما يطلقون عليه "تريف المدينة"، والتي تعني غلبة الطابع الريفي على المدن، وعدم وجود مدن حقيقية ذات ثقافة مدينية حضرية على منوال المدن الأوروبية. ففي الغرب استطاعت المدينة - عبر التحولات التاريخية الضخمة التي مرت بها منذ القرن الثامن عشر وحتى الآن - أن تفرض قيمها التحديثية على كافة أرجاء المجتمع، بحيث يمكن القول بأن المدينة الأوروبية قد جرّت الريف وراء قيمها التحديثية الصناعية البورجوازية. بينما استطاع الريف في العالم العربي - وعلى النقيض من ذلك - أن يجر المدينة نحو ثقافته؛ بحيث يمكن القول إن الريف في العالم العربي هو الذي استوعب المدينة وفرض عليها أنماطه التفكيرية وطرائقه الثقافية. (انظر الفالح 2002؛ 1998: 51-100).
ومما لا شك فيه أن الثقافة الريفية تضرب بجذورها في تربة المجتمع، بأسسها المحافظة الانسحابية غير القابلة للانفتاح المرن والتعامل الحر مع الآخرين. فالثقافة الريفية - المرتبطة أساساً بالعمل الزراعي المستقر والراكد في الوقت نفسه - هي ثقافة متقوقعة على الداخل، تتسم بالخوف من السلطة والتعامل مع الغرباء، والتسليم بالواقع المعيش، وعدم الرغبة في تغييره أو الاشتباك معه بأي شكل كان.
وتنتشر الثقافة الريفية في المجتمعات العربية بشكلٍ عام، بغض النظر عن تسارع النمو الحضري في الكثير من دول المنطقة. فرغم ظهور المدن في العالم العربي وتناميها المنقطع النظير - مثلما هو الحال في منطقة الخليج - إلا أن غلبة الثقافة الريفية التقليدية المحافظة مازال هو الإطار القيمي الحاكم لمجمل العلاقات اليومية المعيشة بين الأفراد بعضهم البعض، وبينهم وبين المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني.
ونحن لا نقصد بتريف الثقافة العربية ما ينجم - فقط - عن انتقال الثقافة التقليدية من الريف إلى المدينة، والتي تنتج عن تلك الهجرة الواسعة النطاق من الأولى إلى الثانية، على الرغم من تأثير تلك الهجرة على بنية المجتمع الحضري، لكننا نقصد بذلك وجود بنية ريفية عامة تصبغ المجتمع بشكلٍ عام بنمط تفكير تقليلدي ومحافظ إلى حد كبير، حيث يستوي في ذلك الريف مع المدينة. فالمسافة بين نمط التفكير والبنيات الثقافية لدى سكان الريف وسكان المدينة ليست كبيرة في الكثير من الدول العربية على الرغم من اتساع الشقة فيما بينهما على مستوى الخدمات الاقتصادية والاجتماعية.
وهذا الشكل التقليدي من البنيات الثقافية لا يدعم وضعية العمل الجمعي التطوعي القائم على الاختيار الواعي الحر، بعيداً عما تفرضه قيود البنية ومحدداتها. فمن أهم سمات هذه البنية التقليدية الريفية أنها تفرض سياجاً أبوياً يدعم التقيد بالأطر المحددة سلفاً وعدم الخروج عليها، وهو الأمر الذي يتعارض مع أوليات العمل المدني التطوعي القائم على المبادرات والحريات الفردية كما أسلفنا الذكر.
ورغم ما ذكرناه سابقاً حول دور الدولة في استشراء ثقافة الهيمنة والاستفراد، ودورها الواضح في إشاعة ثقافة الخوف وعدم احترام حقوق الإنسان، فإن البنية التقليدية المحافظة، بغطائها الريفي الواضح، تمثل الحاضنة التي توفر عنصري التأثير والاستمرار لما تقوم به الدولة. فلم يكن من الممكن للدولة أن تلعب هذا الدور الضخم في تشكيل الأفراد وثقافتهم وفق أهوائها وأغراضها، لو لم يوجد مثل هذا المهاد الثقافي التقليدي الراكد.
وتنطوي هذه الثقافة التقليدية على العديد من العناصر المعيقة لمجريات العمل المدني التطوعي؛ فهى ثقافة جمعية تؤكد في جوهرها على المنحى الأبوي، كما أنها تتأسس على علاقات جمعية مغلقة، بحيث لا تستطيع أن تمارس هذا التوجه الجمعي خارج فضائها الخاص بها، فهي جمعية ليس بالمعنى الإيجابي، حيث ترتكز على العصبية بأشكالها المختلفة التي قد تكون عصبية الدم، أو عصبية الجيرة، أو عصبية الدين، أو عصبية المصالح... إلخ. وهذا الشكل من أشكال الجمعية الضيق، لا يتيح التعامل مع الآخرين ممن يخالفون توجهاتنا ومعتقداتنا وأفكارنا، بحيث تستحيل هذه الجمعية في النهاية إلى قالب صارم يقولب من ينتمون إليه، ولا تسمح، وفقاً للمقاييس الخاصة بها، للآخرين بالانضمام إليه.
تدعم هذه الثقافة التقليدية الشكل الأبوي في أبرز تجلياته الذكورية هيمنةً وتسلطاً، مما يعيق أحد أهم آليات العمل الجمعي المدني المتمثلة في الحوار والنقاش وتبادل الآراء. ففي الجوهر من هذه الثقافة التقليدية مركزية أبوية تنتقل من أصغر الوحدات الاجتماعية مثل الأسرة، إلى غيرها من الوحدات الاجتماعية الأخرى مثل مؤسسات العمل والتعليم والتربية والإعلام، حيث تتسم هذه الوحدات جميعها بالتراتبية التي تكرسها هذه الثقافة التقليدية، وتتناقلها عبر الأجيال المختلفة. (انظر حول الثقافة الأبوية شرابي 1992، حجازي 1984).
وتتسم هذه الثقافة الأبوية بالعديد من السمات والخصائص المعيقة لتطور المجتمع بعامة، ولمؤسسات المجتمع المدني بخاصة، فأولاً: تتسم هذه الثقافة بالاستبداد المضاد في جوهره لطبيعة العمل المدني وتوجهاته التطوعية التي تهدف إلى النفع العام، وهذا الاستبداد يقود - لا محالة - إلى ما يمكن أن نطلق عليه "ثقافة القطيع"، حيث يُساق الكل خلف توجهات فردية أو نخبوية ضيقة، لا تعبر في الغالب الأعم عن الصالح العام، ولا تعبر عن تمايز الأفراد وتباين مشاربهم وتطلعاتهم، وهي من أهم مرتكزات وأسس العمل المدني. وثانياً: يكرس هذا النوع من الثقافات الطاعة العمياء للقائمين على المؤسسات الرسمية، وبالتبعية للمؤسسات المدنية التطوعية. وثالثاً: ترتكز الثقافة الأبوية على نخبوية العمل، سواء أكان ذكوريا أم أنثويا؛ فاللافت للنظر هنا، أن الثقافة الأبوية لا تختص بالهيمنة الذكورية فقط، لكنها تتعداها – أيضاً- إلى ما يمكن أن نطلق عليه "الهيمنة الأنثوية". وربما يتضح ذلك بشكلٍ جلي - لا يحتمل النقاش والتأويل - من خلال منظمات العمل المدني النسوية، وما يحدث فيها من خلافات بين المتنافسين من النساء حول منصب الرئاسة، وما يرتبط بذلك من منافع أخرى خفية أو معلنة.
ورغم ذلك، فإن المرأة في العالم العربي هي من أكثر الكائنات عرضة لمظالم البنية الثقافية العربية، من حيث تهميشها، وعدم الاعتداد بعملها، سواء أكان داخل البيت أم خارجه. فما زالت الثقافة الذكورية العربية في مجملها تأبى مشاركة المرأة في سوق العمل، ناهيك عن أدوارها المأمولة في تسيير شؤون العمل المدني، وتأسيس المنظمات الأهلية وفقاً للأجندة النسوية والمجتمعية الخاصة بها. وكما أن المرأة تواجه هيمنة الثقافة الذكورية، فإنها تعاني - أيضاً - من أدران الثقافة العربية في أبعادها النخبوية والسلطوية - التي أشرنا إليها سابقاً - والتي انتقلت بالتبعية إلى منظمات العمل المدني التي أسستها المرأة وفقاً لتصوراتها الخاصة بها. فبديلاً عن القيادة الديموقراطية لهذه المنظمات النسوية، إذا بها تحمل السمات التسلطية والنفعية نفسها التي تحملها الثقافة العربية. وبالطبع، نحن لا ننتظر من منظمات العمل المدني النسوية أن تكون أفضل من غيرها من المنظمات الذكورية الأخرى، فالجميع يحمل نفس قسمات الثقافة التسلطية النخبوية السائدة.
ومما يساعد على استشراء الثقافة الأبوية في العالم العربي ما يرتبط بطاعة كبار السن واحترامهم، حتى لو كانوا على قدر كبير من الاستبداد والتحكم. إن استئساد كبار السن، كل في موقعه ومؤسسته الرسمية والمدنية، ساعد على الركود الهائل في البنى الثقافية العربية، المؤيدة لقيم الثبات والاستقرار، والمضادة في جوهرها لقيم التطور والتغيير والعمل المدني الحر. فمن غير المتصور دخول العناصر الشابة صغيرة السن إلى مضمار القيادة وفقاً للثقافة الاستبدادية في العالم العربي التي تؤله كبار السن، حتى ولو كانوا عوائق لمسيرة العمل وتطوره. وفي هذا السياق، تترابط وتتكامل تأثيرات الثقافة التقليدية الريفية مع الدور الذي لعبته دولة ما بعد الاستقلال، في إضعاف دور المجتمع المدني، والنيل من مؤسساته المدنية. فالثقافة التقليدية تصبح عماد تكريس ثقافة الاستبداد الرسمية من قبل السلطة السياسية، وضمانة استمراريتها. كما أن السلطة السياسية تعيد إنتاج أسوأ عناصر الثقافة التقليدية بما يضمن دوام هيمنتها وتنفذها.
خــاتـمة

تتسم الثقافة العربية - في ضوء ما سبق - بمجموعة من السمات تعيق العمل المدني بشكلٍ عام، والتطوعي منه بشكلٍ خاص. وتنبثق جملة هذه السمات من الدور المركزي الذي لعبته دولة ما بعد الاستقلال في إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين الأفراد، بما يضمن لها هيمنتها وتسلطها. إضافة إلى ذلك، لعبت بنية الثقافة العربية التقليدية دوراً هاماً ومؤثراً في الالتقاء بسلطة الدولة من حيث تدعيم قبضتها وضمان استمراريتها، وفي كلتا الحالتين دفع الأفراد ثمناً باهظاً من حرياتهم الشخصية وأدوارهم المجتمعية، وعلى رأسها إمكانية تأسيس منظمات العمل المدني الحر الذي يستهدي بتوجهاته ومشاربه الخاصة.
لقد انعكست بنية الهيمنة والاستبداد، ليس فقط على بينة المؤسسات الرسمية الحكومية، لكنها تعدت ذلك إلى ثقافة العمل المدني الحر، والمنظمات المرتبطة به، الأمر الذي أفضى بالكثير من هذه المنظمات إلى أن تكتسب نفس سمات المؤسسات الرسمية الحكومية من حيث استشراء ثقافة التسلط والاستبداد، والخوف والتوجس والريبة من الآخرين والشك فيهم، وضعف ثقافة احترام حقوق الإنسان والتسامح على المستوى الشعبي، والموقف السلبي من عمل المرأة ومشاركتها في مؤسسات العمل المدني خارج منزلها.
لا يعني ما سبق أن هذه السمات جزء طبيعي من بنية الثقافة العربية المعاصرة، فما حدث لبنية هذه الثقافة، وتأثيراتها على العمل التطوعي المدني، هو انعكاس للتطورات والتحولات التاريخية التي مرت بها المجتمعات العربية منذ الخمسينيات وحتى الآن.
الأمر الذي انعكس على البنيات الاجتماعية التي تتوسط المسافة بين الفرد والدولة مثل الأسرة والمؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني. ويعني ذلك - في التحليل الأخير - أن كل ما اكتنف البنية الثقافية في العالم العربي قابل - أيضاً - للتطور والتغيير نحو الأفضل إذا ما تغيرت الشروط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المحيطة ببنية هذه الثقافة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

المراجع

§ إبراهيم، سعد الدين. 2000. المجتمعالمدنيوالتحول الديمقراطي في الوطن العربي. القاهرة: دار قباء.
§ أبو سيف، عاطف. 2005، ط1. المجتمع المدني والدولة: قراءة تأصيلية مع إحالة للواقع الفلسطيني. الأردن، عمان: دار الشروق.
§ بشارة، عزمي. 1998. المجتمعالمدني : دراسةنقدية (مع إشارة للمجتمعالمدنيالعربي(. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
§ ــــــــــ. 1996. مساهمة في نقد المجتمع المدني. رام الله، مواطن: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية.
§ بلقزيز، عبدالإله. 2001. في الديمقراطية والمجتمعالمدني : مراثي الواقع، مدائح الأسطورة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.
§ الجابري، محمد عابد. 1998. "المجتمع المدني: تساؤلات وآفاق" ص 39-53، في حمودي، عبدالله (إشراف)، ط1. وعي المجتمع بذاته، عن المجتمع المدني في المغرب العربي. المغرب: دار توبقال للنشر.
§ حجازي، مصطفي. 1984. التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. بيروت معهد الإنماء العربي.
§ حطب، زهير. 1983. تطور بنى الأسرة العربية والجذور التاريخية والاجتماعية لقضاياه المعاصرة. بيروت: معهد الإنماء العربي.
§ حمودي، عبد الله (إشراف). 1998، ط1. وعي المجتمع بذاته، عن المجتمع المدني في المغرب العربي. المغرب: دار تـبقال للنشر.
§ شرابي، هشام. 1992. النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. بيروت مركز دراسات الوحدة العربية.
§ الصبان، ريما وآخرون. 1999. قضايا وهموم المجتمع المدني في دول مجلس التعاون: المؤسسات، التشريعات، الأقليات. الكويت: دار القرطاس للنشر.
§ عبد الصادق، على. 2005. المجتمع المدني: دراسة في تطور المفهوم وإشكالياته في الخطاب العربي المعاصر. أبو ظبي: مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الإعلام.
§ الغانم، إبراهيم البيومي (محرر). 2003، ط1. نظام الوقف والمجتمع المدني في الوطن العربي. بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية والأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت في الفترة من 8-11 أكتوبر 2001. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
§ غرايبة، مازن خليل. 2002، ط1. المجتمع المدني والتكامل، دراسة في التجربة العربية. سلسلة دراسات استراتيجية. العدد 75. الإمارات: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
§ الفالح، متروك. 2002. المجتمع والديمقراطية والدولة في البلدان العربية: دراسة مقارنة لإشكالية المجتمعالمدنيفي ضوء تعريف المدن. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
§ ـــــــــــ 1998. "المجتمع والديمقراطية والدولة في الجزيرة العربية، دراسة مقارنة لإشكالية "المجتمع المدني" على ضوء تريف "المدينة العربية"" ص ص 51- 100، في الصبان، ريما وآخرون. قضايا وهموم المجتمع المدني في دول مجلس التعاون: المؤسسات، التشريعات، الأقليات. الكويت: دار القرطاس للنشر.
§ "قضاياالمجتمعالمدنيفي ضوء أطروحات جرامشي" 1992. مركز البحوثالعربية، الجمعية العربية لعلم الاجتماع. القاهرة: مؤسسة عيبال للدراسات والنشر.
§ "قضايا الإصلاح في العالم العربي" القاهرة: مكتبة الإسكندرية 12-14 مارس 2004.
§ مؤتمر الاتجاهات المعاصرة في إدارة مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي. 2004. القاهرة: المنظمة العربية للتنمية العربية.
نقله ونسقه المسمى سهاد56من الموقع التالي:d8sd8sd8s
http://www.medadcenter.com/Readings/ItemDetails.aspx?ID=57

djabba1
27-04-2009, 18:46
http://www.alosh.net/upload/up/3losh11.gif

توفيق مدني
28-04-2009, 10:39
مشكور الاخ الكريم سهاد56 على الاضافات ........تحية ومودة.....

سهاد56
02-05-2009, 05:47
*****تتسم الثقافة العربية بمجموعة من السمات تعيق العمل المدني بشكلٍ عام، والتطوعي منه بشكلٍ خاص. وتنبثق جملة هذه السمات من الدور المركزي الذي لعبته دولة ما بعد الاستقلال في إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين الأفراد، بما يضمن لها هيمنتها وتسلطها. إضافة إلى ذلك، لعبت بنية الثقافة العربية التقليدية دوراً هاماً ومؤثراً في الالتقاء بسلطة الدولة من حيث تدعيم قبضتها وضمان استمراريتها، وفي كلتا الحالتين دفع الأفراد ثمناً باهظاً من حرياتهم الشخصية وأدوارهم المجتمعية، وعلى رأسها إمكانية تأسيس منظمات العمل المدني الحر الذي يستهدي بتوجهاته ومشاربه الخاصة.
لقد انعكست بنية الهيمنة والاستبداد، ليس فقط على بينة المؤسسات الرسمية الحكومية، لكنها تعدت ذلك إلى ثقافة العمل المدني الحر، والمنظمات المرتبطة به، الأمر الذي أفضى بالكثير من هذه المنظمات إلى أن تكتسب نفس سمات المؤسسات الرسمية الحكومية من حيث استشراء ثقافة التسلط والاستبداد، والخوف والتوجس والريبة من الآخرين والشك فيهم، وضعف ثقافة احترام حقوق الإنسان والتسامح على المستوى الشعبي، والموقف السلبي من عمل المرأة ومشاركتها في مؤسسات العمل المدني خارج منزلها******d8sd8sd8s

salma ghali
06-05-2009, 18:21
*****إن بعض المعوقات والحدود التي تشكو منها جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني .هي التي دفعت بعض المهتمين الباحثين في العلوم السياسية للحديث عن فرضية hypothèse. المجتمع المدني في المغرب .********
حقا انها فقط ----فرضية ------ وفرضية لا اقل ولا اكثر .....؟
الاخ العزيز سهاد56...هل اقرارك بالفرضية hypothèse.جعلك تتوقف؟ ام طرح ورقتك خارج التثيبت؟
لا عليك....ابحث واكتب ولا تهتم فالافادة من ورقتك كبيرة.. حجم الحلم الذي نكونه على نهوض المجتمع المدني او الاهلى ......لاتمل اكتب.... جزاك الله خيرا.....dd1dd1dd1

سهاد56
06-05-2009, 21:14
*****إن بعض المعوقات والحدود التي تشكو منها جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني .هي التي دفعت بعض المهتمين الباحثين في العلوم السياسية للحديث عن فرضية hypothèse. المجتمع المدني في المغرب .********
حقا انها فقط ----فرضية ------ وفرضية لا اقل ولا اكثر .....؟
الاخ العزيز سهاد56...هل اقرارك بالفرضية hypothèse.جعلك تتوقف؟ ام طرح ورقتك خارج التثيبت؟
لا عليك....ابحث واكتب ولا تهتم فالافادة من ورقتك كبيرة.. حجم الحلم الذي نكونه على نهوض المجتمع المدني او الاهلى ......لاتمل اكتب.... جزاك الله خيرا.....dd1dd1dd1

شكرا لك الاخت الكريمة الغالية سلمى غالي....على التحفيز احيانا الوم نفسي على الكتابة في هدا الموضوع الفرضية...لكنى لن استسلم لها ....ساواصل البحث...والبحث القادم انشاء الله سيكون وحهة نظر المفكر المغربي محمد عابد الحابري..............مشكورة على تحفيزك لى لاقتحام هده الفرضية اللئيمة.......d8sd8sd8s

سهاد56
06-06-2009, 12:28
تنطوي الثقافة التقليدية على العديد من العناصر المعيقة لمجريات العمل المدني التطوعي؛ فهى ثقافة جمعية تؤكد في جوهرها على المنحى الأبوي، كما أنها تتأسس على علاقات جمعية مغلقة، الحلقية الضيقة بحيث لا تستطيع أن تمارس هذا التوجه الجمعي خارج فضائها الخاص بها، فهي جمعية ليس بالمعنى الإيجابي، حيث ترتكز على العصبية بأشكالها المختلفة التي قد تكون عصبية الدم، أو عصبية الجيرة، أو عصبية الدين، أو عصبية المصالح... إلخ. وهذا الشكل من أشكال الجمعية الضيق، لا يتيح التعامل مع الآخرين ممن يخالفون توجهاتنا ومعتقداتنا وأفكارنا، بحيث تستحيل هذه الجمعية في النهاية إلى قالب صارم يقولب من ينتمون إليه، ولا تسمح، وفقاً للمقاييس الخاصة بها، للآخرين بالانضمام إليه..........d8sd8sd8sd8s