محمد معمري
10-04-2009, 11:04
الغلام والغول
كان في بلاد الجور.. يقطن كهفا بجبل نار.. فاجر من قطاع الطرق الكبار.. لقبه أهل المدينة بـ: "الغول"..
ذات يوم، وبينما كان مختبئا يرتقب ضحية!.. وإذا بغلام عمره نحو اثني عشر سنة.. نطق "الغول" مزمجرا:
- قف يا غلام! ماذا تفعل هنا؟
رفع الغلام طرفه وقال:
- أيا حمار! لم تستفسرني باستفزاز؟!
فقال له "الغول" ثكلتك أمك! أما عرفت الذي تخاطبه هكذا؟!
أجابه الغلام:
- عرفتك بجهلك لأنك كلمتني باستفزاز، وبوحشية نطقك كأنك حيوان مفترس، وبقبح منظرك كأنك شيطان مريد!
- ويحك يا غلام! أنا "الغول"!..
- إذن، أنت حيوان خرافي!
- أنا الذي يمزق البشر إربا إربا، وينهب أموالهم وما يحملون، ثم يقذف أشلاءهم في الوادي..
نظر الغلام في وجهه مليا، ثم قال:
- ما أكثر حيوانيتك وأقل إنسانيتك!
مسكه "الغول" وصعد به إلى الكهف.. ثم كبله تكبيلا وجلس أمامه ينظر في وجه بريء ذي قلب شجاع يتخيل ماذا سيصنع بعد قليل بهذه الروح الطاهرة بدون رحمة ولا شفقة.. تارة تتوقد بداخله غرائزه الإجرامية، وتارة ينتابه الخوف من هذا الغلام..
بينما هو على هذا الحال كان الغلام يناجي ربه ويشكو إليه ضعفه وقلة حيلته.. فجأة تحول الخوف في قلب "الغول" إلى ريب.. ترك الغلام مقيدا ونزل إلى سفح الجبل ليقوم بدورية استطلاعية ليطمئن قلبه من خلالها أن الغلام ليس معه من يبحث عنه..
بعد هذه الدورية اطمأن قلبه، واستعدت نفسه لتفاصيل الجريمة وهو عائد إلى الكهف.. ولما دخل الكهف وجد الغلام حرا طليقا جالسا على صخرة ينتظره!.. أذهله المشهد! تضاعف الخوف في قلبه! ملكته تقلبات فكرية!.. قال بصوت خجول:
- من فك الحبال؟!
أجابه الغلام بهمة عالية:
- فكها الذي بيده ملكوت السموات والأرض.
ازداد "الغول" رعبا من الغلام!.. هرول بسرعة ليتفحص داخل الكهف.. فلم يجد أحدا! أخذته رعشة.. وقف بعيدا عن الغلام وخاطبه:
- لماذا لم تهرب عندما فكت حبالك؟!
أجابه الغلام بيقين:
- الذي فكها لم يهرب! إنه لازال معي!
كأنما أصيب بعاهة في عقله!.. قال:
- انصرف أنت حر! هيا أنصرف! بسرعة!..
قال الغلام بقلب الإحسان:
- لن أذهب حتى تعدني أن تتوب!
كأن هذه العبارة رصاصة اخترقت قلبه.. فكر في الأمر.. اقترب من الغلام فسأله:
- كيف أتوب وكتابي مليء بالجرائم..؟!
وبعد حديث بين الترهيب والترغيب، وقبول التوبة والغفران، ومحو الذنوب.. قال الغلام والأمل في عينيه:
- قدّم نفسك إلى العدالة؛ بذلك تكون كفرت عن جرائمك..
نظر "الغول" إلى الغلام بابتسامة على شفتيه تبشر بالخير وقال له:
- امض أنت الآن، سأفكر في الأمر..
راح الغلام وهو يطلب الله أن يهدي هذا "المجرم" إلى طريق الخير..
في الغد حلّ "الغول" بالمدينة ليقدم نفسه إلى العدالة.. فجأة بدأ الناس تتعرف عن ملامحه.. انطلقت الإشارات بين الناس.. وعلى حين غرة تعالى الصراخ!:«الغول! الغول! الغول!».. فر الناس.. بعد حين بقيت شوارع المدينة خاوية على أرصفتها وطرقاتها.. وكل من لم يسمع بالخبر وصادفه إلا وفر كأنه فر من قسورة..
وصل "الغول" إلى مخفر الشرطة.. دخل.. ارتبك رجال الشرطة!.. كتب الضابط المحضر وقدموه إلى المحكمة..حكمت المحكمة عليه بعشرين سنة سجنا..
في السجن تعلم "الغول" الكتابة والقراءة، وصناعة النجارة، حيث أصبح نجارا ماهرا، كما تعلم الصلاة..
بعد عشرين سنة خرج من السجن وعمل في ورشة للنجارة.. تزوج وصارت له عائلة.. كان يتمنى لو يلتقي الغلام قبل أن يموت !
بقلم: محمد معمري
كان في بلاد الجور.. يقطن كهفا بجبل نار.. فاجر من قطاع الطرق الكبار.. لقبه أهل المدينة بـ: "الغول"..
ذات يوم، وبينما كان مختبئا يرتقب ضحية!.. وإذا بغلام عمره نحو اثني عشر سنة.. نطق "الغول" مزمجرا:
- قف يا غلام! ماذا تفعل هنا؟
رفع الغلام طرفه وقال:
- أيا حمار! لم تستفسرني باستفزاز؟!
فقال له "الغول" ثكلتك أمك! أما عرفت الذي تخاطبه هكذا؟!
أجابه الغلام:
- عرفتك بجهلك لأنك كلمتني باستفزاز، وبوحشية نطقك كأنك حيوان مفترس، وبقبح منظرك كأنك شيطان مريد!
- ويحك يا غلام! أنا "الغول"!..
- إذن، أنت حيوان خرافي!
- أنا الذي يمزق البشر إربا إربا، وينهب أموالهم وما يحملون، ثم يقذف أشلاءهم في الوادي..
نظر الغلام في وجهه مليا، ثم قال:
- ما أكثر حيوانيتك وأقل إنسانيتك!
مسكه "الغول" وصعد به إلى الكهف.. ثم كبله تكبيلا وجلس أمامه ينظر في وجه بريء ذي قلب شجاع يتخيل ماذا سيصنع بعد قليل بهذه الروح الطاهرة بدون رحمة ولا شفقة.. تارة تتوقد بداخله غرائزه الإجرامية، وتارة ينتابه الخوف من هذا الغلام..
بينما هو على هذا الحال كان الغلام يناجي ربه ويشكو إليه ضعفه وقلة حيلته.. فجأة تحول الخوف في قلب "الغول" إلى ريب.. ترك الغلام مقيدا ونزل إلى سفح الجبل ليقوم بدورية استطلاعية ليطمئن قلبه من خلالها أن الغلام ليس معه من يبحث عنه..
بعد هذه الدورية اطمأن قلبه، واستعدت نفسه لتفاصيل الجريمة وهو عائد إلى الكهف.. ولما دخل الكهف وجد الغلام حرا طليقا جالسا على صخرة ينتظره!.. أذهله المشهد! تضاعف الخوف في قلبه! ملكته تقلبات فكرية!.. قال بصوت خجول:
- من فك الحبال؟!
أجابه الغلام بهمة عالية:
- فكها الذي بيده ملكوت السموات والأرض.
ازداد "الغول" رعبا من الغلام!.. هرول بسرعة ليتفحص داخل الكهف.. فلم يجد أحدا! أخذته رعشة.. وقف بعيدا عن الغلام وخاطبه:
- لماذا لم تهرب عندما فكت حبالك؟!
أجابه الغلام بيقين:
- الذي فكها لم يهرب! إنه لازال معي!
كأنما أصيب بعاهة في عقله!.. قال:
- انصرف أنت حر! هيا أنصرف! بسرعة!..
قال الغلام بقلب الإحسان:
- لن أذهب حتى تعدني أن تتوب!
كأن هذه العبارة رصاصة اخترقت قلبه.. فكر في الأمر.. اقترب من الغلام فسأله:
- كيف أتوب وكتابي مليء بالجرائم..؟!
وبعد حديث بين الترهيب والترغيب، وقبول التوبة والغفران، ومحو الذنوب.. قال الغلام والأمل في عينيه:
- قدّم نفسك إلى العدالة؛ بذلك تكون كفرت عن جرائمك..
نظر "الغول" إلى الغلام بابتسامة على شفتيه تبشر بالخير وقال له:
- امض أنت الآن، سأفكر في الأمر..
راح الغلام وهو يطلب الله أن يهدي هذا "المجرم" إلى طريق الخير..
في الغد حلّ "الغول" بالمدينة ليقدم نفسه إلى العدالة.. فجأة بدأ الناس تتعرف عن ملامحه.. انطلقت الإشارات بين الناس.. وعلى حين غرة تعالى الصراخ!:«الغول! الغول! الغول!».. فر الناس.. بعد حين بقيت شوارع المدينة خاوية على أرصفتها وطرقاتها.. وكل من لم يسمع بالخبر وصادفه إلا وفر كأنه فر من قسورة..
وصل "الغول" إلى مخفر الشرطة.. دخل.. ارتبك رجال الشرطة!.. كتب الضابط المحضر وقدموه إلى المحكمة..حكمت المحكمة عليه بعشرين سنة سجنا..
في السجن تعلم "الغول" الكتابة والقراءة، وصناعة النجارة، حيث أصبح نجارا ماهرا، كما تعلم الصلاة..
بعد عشرين سنة خرج من السجن وعمل في ورشة للنجارة.. تزوج وصارت له عائلة.. كان يتمنى لو يلتقي الغلام قبل أن يموت !
بقلم: محمد معمري