Zitan
13-04-2009, 19:08
جلسة استثنائية
منى الصغيرة كانت تنتظر كما اعتادت متلهفة ، انتظرت زمنا كان بلهيبه حارقا كالجمر . عودة الأب مبكرا أصبحت حلما جميلا يملأ خاطرها عند كل مساء ، وأملا وحيدا يرسو في ميناء عينيها الضاحكتين باستمرار .
منى تتمنى ألا تستسلم للنوم إلا وهي ممددة كملاك صغير متعب بالحركة ، في حضن أبيها الدافئ ، يهدهدها بأنامله المخملية ، يربتها ، وبعدئذ يسلمها للنوم على طبق من كلمات مهموسة ، ونغمات حكائية هادئة . لكن الأب وككل ليلة ، ها هو يتأخر كعادته ، لا يهم إن كان لتأخره سبب أم لا، فقط إنه أذنب في حق هذا الوجه الملائكي ، في حق هذه الوردة المزدانة بألوان الطيف كلها، الممزوجة برائحة الطفولة والحب .
سألت منى أمها من دون تعب ولا ملل ، عشرات المرات ، وقاومت ذراع النوم بصمود، وصرخت في وجه الأم باكية لائمة ، عبثت بلعبها ، غضبت في وجه بعضها ، وشكت لبعضها ، لكنها قتلت بعضها الآخر وبترت الأطراف والأجزاء من بعضها . تدخلت الأم هكذا مرة ، تطمئن أحيانا ، وتترجى أحيانا أخرى ، لكن منى لم تكن مستعدة هذه المرة أن تصدق ما تقوله الأم أو تدعيه أو حتى تستجيب لبعض طلباتها .
الجو بارد ، رذاذ يغسل وجه النوافذ والسطوح وأوراق الأشجار ، مصابيح الشارع المتباعدة تكشف العتمة وتزيح القناع عن وجه هذه الليلة الغبشاء . التيار الهوائي البارد القادم من جهة الغرب يمتطي بساط الريح ، يقتحم جسم الفراغ المضغوط في عمق الغرفة ، الستائر الزرقاء تضطرب خشية في وجه موجة التيار ، مخالب البرد تنغرس في جسم منى الطري ، قرت أطرافها وهي تتحرك وحيدة وسط الغرفة الواسعة .
لحظة ما قررت منى بإرادة طفولية عنيدة أن تركب الموج من دون توجيه . أخذت أفكارها الصغيرة /الكبيرة في رأسها ، استثمرت قوة تمردها أولا في وجه الأم المنكسرة ، رمت باللعب أو ما تبقى منها على البساط ، ثم تركت الغرفة إلى أخرى حيث الأم تعد طعام العشاء .
لم تكن سعاد مقتنعة ولو بحرف واحد مما قالت لمنى ، لكن شيئا واحدا ظل يحاصر لسانها ويعصر غضبها ويرمي به إلى الأعماق هو صورة الأب التي يجب أن تظل كما كانت في عين الطفلة الصغيرة .
في الزاوية اليسرى ، خلف الباب بمقهى الباشا كان الأب المعتنق لملة " الرامي " الهائم في حب لعبة " الطالاج " حتى الثمالة ، يلازم معبده ويصلي في خشوع لإله من ورق على طاولة من حديد صدئ وبساط خشبي متسخ.
منى تنتظر في البيت ، سعاد هذه المرأة التي امتلأت ساحات صدرها بأشجار صبر وصبار وحنظل ، ظلت منشغلة بمنى ، والأب منشغل بتلاوة الأرقام بعينيه الغارقتين وراء نظارته الطبية ، وخيوط الدخان المتصاعدة في الهواء ، يرتب الأوراق ويفردها بين أنامل يده اليسرى كريش ديك هندي متعجرف . يلتهم سجائر " ماركيز " ويخنق أنفاس كؤوس الشاي ويصرخ بين الفينة والأخرى في وجه مروان حليفه في هذه الحرب اللعينة. الحرب التي ما إن تشتعل حتى يفقد الأطراف القدرة على لم خيوطها ، و يستسلمون فقط لعراك كلامي يعلن بعدها " قدورة الديب " عن انتهاء الجولة الليلية ويتجه متسللا نحو الطاولات لتحصيل ثمن المشروبات والمستحقات ..
منى كانت هناك في المطبخ ، تستفز الصمت ، وتسخر من سكون الليل بالصراخ ، الأم عيل صبرها ، واضطربت أعصابها بدت قلقة هي الأخرى ، متعاطفة مع الطفلة في تمردها واحتجاجها ، مستجيبة للقلق الذي سكن أعماق منى والآن بدأ يتفجر ينابيع جارية من كل أطراف جسدها ، بعد حين لفظهما المطبخ معا نحو السرير واستسلمتا للظلمة والانتظار الحارق .
النوم تسلل خفية إلى جفني منى ، وغاص بها في عالم مليء بالأحلام المزعجة ، أما سعاد فلا ، فقط سكنها القلق والترقب ، وركبت موجة التفكير الجارفة ، إلى أن غزا مسمعها صوت الباب وهو يفتح ليدخل الأب كالعاصفة غير مبال بمن بالبيت. ضغط أزرار الإنارة ، أضاءت المصابيح واتجه نحو المطبخ ليلتهم ما وجده ينتظره على المائدة .
سعاد كانت تستعد لقول شيء ما . راودتها فكرة أن ترمي في وجه زوجها بضع كلمات جارحة تستفز بها لا مبالاته ، وتمزق بها الستائر الوهمية ، وتذيب كثبان الجليد التي ازدادت مع الأيام اتساعا وسمكا ، لكنها تذكرت ما لم تكن مستعدة لتقبله ، تذكرت ما كان يحصل في المرات السابقة ، فتخلت عن الفكرة وعدلت إلى غيرها .
حين هم الأب بالارتماء إلى جانبها على السرير، اكتفت بطرد القلق من داخلها ورمته بنظرة ثاقبة مسحت بها وجهه طولا وعرضا ، تركتها معلقة على وجهه القمحي الذي بدأ الزمن يلتهم بعض أطرافه ثم قالت ما أرادت أن يصله دون أن تتكلم .
في صباح يوم الغد ، عندما جلا الأب ما تبقى من قوافل النوم عن ثغور جفنيه المنتفخين ، ترك فراشه وخرج من غرفته كالعادة يبحث عن زقزقة منى الصباحية في أرجاء البيت ، لكن ما وجد شيئا .
منى كانت هناك في الغرفة المقابلة ، بين لعبها ، تجمع أطراف بعضها المبتورة ، تحاول إصلاح بعضها الأخر . لكنها لا تغني لدميتها الشقراء ، ولا تحاور مجسماتها ولا تحرك سياراتها ذهابا وإيابا ، كانت ضعيفة التركيز ، شاحبة الوجه وكأنها لم تنم منذ أيام ، صامتة .
سعاد في المطبخ تعد طعام الفطور هي أيضا تعمل في صمت لم تشغل واحدا من أشرطتها المعدودة ولا شغلت المذياع لتستمتع بالأغاني الصباحية ولا برنامج النصائح وفنون الطبخ .
كل شيء يوحي بحالة استثناء ، لا منى تغني وتمرح ، ولا سعاد شغلت المذياع أو الشريط ، ماذا يجري قال الأب لنفسه واتجه إلى المطبخ يسأل زوجته .
صباح الخير ، أين منى ؟ قال كلماته وانصرف يبحث في الغرفة الأخرى .
منى بالطبع هناك ، سمعته يخرج من غرفة نومه ، سمعته يتكلم وسمعت وقع خطواته وهو في الطريق إليها لكنها ظلت في مكانها ، ظلت على حالها . لا هي تكلمت ولا هي قفزت، ولا حتى استجابت حين دخل أبوها محاولا استدراجها إلى ذراعيه .
يبدو أن منى مصرة على موقفها ، مستمرة في احتجاجا هذه المرة ، مستبعدة كل محاولة للتراجع ، وكأنها خططت لهذه الوقفة بكل دقة ودراية .
- منى ، حبيبتي، ماذا تفعلين ؟ قال ، ثم رمى بذراعيه النحيفين إليها وهي قاعدة .
قال مضيف : تعالي حبيبتي ؟ ما بك ؟
منى اكتفت بهز كتفيها دون أن تنظر إليه .
حاول الأب أن يكلم ابنته ، حاول أن يلاعبها ، أن يوقفها بين يديه لكنها ما استجابت لشيء .
أحس الأب شعورا غريبا ، حالة استثناء لا مثيل لها . منى ليست هي منى . حين مسد شعرها وربت كتفها ودعاها بكل لطف للوقوف بين يده بدت ذابلة ، شاحبة الوجه كوردة خنقها القيظ ، حزينة كشمعة تحرس وحدها الفراغ في أعالي الليل البهيم ، غير مبالية بمن حولها .
حمل الأب ابنته بين ذراعيه وخرج يستفسر، لكنه حين خطا خطوته الأولى أحس بنوع من الانكسار ، بحث لحظتها عن ساقيه فتراءت له مرتخية ، بحث عن أطرافه المعلقة فوجدها تتساقط واحدة تلو الأخرى ، بحث عن حواسه فخالها تعطلت جميعا ، بحث عن أي شيء يستمد منه القوة فما وجد غير كتلة من لحم مرتخية تجرها أقدام متعبة .
على مائدة الإفطار ، وحده الصمت كان يتكلم لغة عميقة ، وبليغة ، حاول الأب أن يلتهم إمتداداته كما حاولت الأم تبديد سحابته من على الوجوه ، لكن محاولتيهما باءتا معا بالفشل ، عندها طأطأ الأب رأسه ، تخلص من فنجان القهوة في هدوء وصمت ، أحجم عن الأكل ، صام عن الكلام ، وعلى امتداد مساحة دقائق معدودة كان قد حمل محفظته السوداء وغادر البيت إلى عمله تاركا وراءه غبار الصمت تغطي المكان ، دون أن يسأل منى هذه المرة عن حاجاتها ولا حتى سعاد عن طلبات البيت .
في منتصف النهار ، عاد الأب وقد استعد لتكسير مركب الضيق والصمت اللذين ظلا معا يسبحان في فضاء البيت .
حمل بعض الأغراض للمطبخ ، وحمل لمنى ما تشتهي وتطلب ، وحين وصل إلى الباب غطى وجهه بابتسامة لم يحسن صنعها ودخل مناديا :
- منى ، منى ، تعالي حبيبتي، انظري ماذا حملت لك .أين أنت ؟ تعالي بسرعة .
منى سمعت ولم تسمع . ظلت بجانب أمها في المطبخ وكأن الأمر لا يعنيها في شيء. وحين استفزه صمتها رمى وجه سعاد بكلمات نابية وأردف قائلا :
ما بها ؟ ألا تسمعينني أني أناديها ؟
سعاد ظلت صامتة كما كانت ، منى بجانبها ، والأب وحده تكلم ، توسل ، ثم أطلق جيشا من الأسئلة والأجوبة كان يخاطب نفسه أحيانا ، ويخاطب سعاد دون أن ينتظر جوابا ، وحين يخاطب منى كان يظهر انتظاره في عينيه ، وفي كفيه المتشنجين. وحين لا تتحقق رغبته يزبد ويرعد وتزداد أسئلته وأجوبته .
حين نفذ صبره ، وأفرغ ما حمل معه من حطام شخصه ، ما كان له إلا أن يعود من حيث أتى مخلفا وراءه رائحة الكلام مزكمة وأشلاء الصمت الذي انفجر في أرجاء البيت مخلفا رائحة تشبه العفونة .
ما كان الأب قادرا على فهم ما يحصل لبنته لولى التغير المفاجئ الذي حصل لها ، ما كان له ليقتنع لولا الجرح الغائر الذي سببته أسلحة منى الفتاكة في جسده البارد. المهم أنه استغل حصة المساء التي لم يكن يعمل فيها ، وخلد إلى نفسه على طاولة في مقهى غير معتاد على الذهاب إليه . فكر كثيرا ، بحث عن أجوبة لعشرات الأسئلة التي كانت تخنقه ، إلى أن استقر إلى رأي خاله المركب الذي سيحمله إلى بر التصالح والمصالحة ، وإرجاع المياه إلى مجاريها ، وبالتالي البسمة إلى ثغر منى .
- علي أن أذهب ، علي أن أنهي الموضوع ، قال في نفسه وخرج بعدما حاسب النادل على مشروبه ، وارتدى قناع الواثق والمطمئن واتجه إلى المنزل مسرع الخطوات .
رغم القناع الذي لبس لتوه كان الألم مازال يعتصر أحشاءه ، لم يكن ينوي ترك البيت هذه الليلة إلى أي مكان أخر . قرر أن يجالس زوجته التي أنهكها اليأس وأتعبتها الوحدة والفراغ ، ومنى التي تحتاجه كالماء والهواء . قرر أن يسمع دون أن يتكلم .
تنبهت الزوجة لهذه العودة غير المعهودة ، وفاجأها هذا القرار غير المصرح به . انتابها إحساس غريب ، وامتلأت خوفا وقلقا وسؤالا. لكنها تفاجأت بكلمات خجولة باردة ، سمعتها منه وهو يدخل الغرفة ، غرفة الجلوس وقد ارتدى منامته القطنية :
- لن أذهب اليوم إلى المقهى .
سكت قليلا بينما سعاد بدت مندهشة تحاول حل اللغز وكأنها لم تصدق ما تسمع ثم أردف قائلا :
من الضروري أن نجلس كلنا لنتحاور ، لأسمع ما تريدان قوله ، فهذا الجو لا يروق لي، وهذا التوتر لا أفهمه .
عندما سكت هذه المرة ، تطلع في وجه زوجته فوجد في عينيها دمعة حزن ثقيلة بدت معلقة في أسفل عينها اليمنى كحبة عنب لا لون لها ، وعلى وجنتيها حمرة أحسبها حمرة خجل مشوب بالدهشة والارتباك ، وفي أطرافها ارتعاشة خفيفة لا أدري لم كانت للخوف أم الفرح ، أم هو قلق الاستعداد لأمر غير معتاد .
منى كانت تنظر وتنظر وتحملق ، تتنقل ببصرها فوق وجهي الأب والأم ، تتحرك في بطء بينها . أحمد كان قد أخذ مكانه في عمق الغرفة ، تمدد على الكنبة، وضع في يده جهاز التحكم وبدأ يتنقل بين القنوات وكأه لا يريد أن يقف عند واحدة منها . سعاد دخلت المطعم تعد شايا أخضر وحلوى . ومنى لا زالت في البهو تجر دراجتها في اتجاه الغرفة تارة واتجاه المطبخ تارة أخرى.
حملت سعاد الشاي والحلوى وشيئا من الارتباك ودخلت الغرفة .
منى تبعت أمها وفي يدها قطعة حلوى .
الأب في الداخل ينتظر الكلام لا الشاي ، ظل متحمسا للسماع لا لشيء آخر .
ساعات مضت في الكلام والحوار ، فجرت خلالها منى قضايا كثيرة ، بطريقة لم تكن منتظرة ، ناقشت بلباقة مشهودة ، وتساءلت بذكاء ثاقب ، وترافعت باحترام يغري بالاعتراف ، ثم حاكمت برفق قلب رحيم ، وبعدئذ تركت للأم بعد دقائق من المداولة أن تعلن منطوق الحكم الصادر في حق الزوج والأب الذي ظل صامتا يبتلع الكلمات دون أن ينبس ببنت شفة ، أو قل كانت شفتاه صحراء قاحلة لا تنبت الكلام .
قالت الأم وقد طردت صمتها وارتباكها وخجلها بصوت تقريري مسموع وكأنها تقف على خشبة مسرح :
- "بعد الاستماع إلى المرافعة التي قدمت بين أيدينا، إليها قبل قليل ، وبعد أن قمنا بفحص الأدلة وتدقيق القرائن ، قررت الأسرة الكريمة في جلستها الاستثنائية المنعقدة في تاريخه وساعته ما يلي:
- إعادة النظر في المسؤوليات الداخلية للبيت والأسرة والأمور الاقتصادية بالشكل الذي يحد من الصلاحيات المطلقة للزوج .
- تقليص المصروف الشهري للزوج إلى النصف مع احتفاظ الأسرة لنفسها بحق الاعتراض على بعض السلوكات والمصروفات ذات التأثير السلبي على باقي الأفراد المتضررين .
- يتم تحديد البرنامج العام للتنزه والسهر الأسري والزيارات وما إلى ذلك .
- تحريم الجلوس في الطرقات والتقليل من التردد على المقاهي إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك .
- ضرورة المساهمة من كل المواقع لقيام جبهة للدفاع عن حقوق الطفل والأسرة".
قفزت منى من على كرسيها كفراشة ربيعية تغازل زهرة ، عانقت والديها ، قبلتهما معا ، وانتهت إلى حضن أبيها يهدهدها يربتها ، واستسلمت للنوم من دون استئذان تمارس حقا من حقوقها المكتسبة.
منى الصغيرة كانت تنتظر كما اعتادت متلهفة ، انتظرت زمنا كان بلهيبه حارقا كالجمر . عودة الأب مبكرا أصبحت حلما جميلا يملأ خاطرها عند كل مساء ، وأملا وحيدا يرسو في ميناء عينيها الضاحكتين باستمرار .
منى تتمنى ألا تستسلم للنوم إلا وهي ممددة كملاك صغير متعب بالحركة ، في حضن أبيها الدافئ ، يهدهدها بأنامله المخملية ، يربتها ، وبعدئذ يسلمها للنوم على طبق من كلمات مهموسة ، ونغمات حكائية هادئة . لكن الأب وككل ليلة ، ها هو يتأخر كعادته ، لا يهم إن كان لتأخره سبب أم لا، فقط إنه أذنب في حق هذا الوجه الملائكي ، في حق هذه الوردة المزدانة بألوان الطيف كلها، الممزوجة برائحة الطفولة والحب .
سألت منى أمها من دون تعب ولا ملل ، عشرات المرات ، وقاومت ذراع النوم بصمود، وصرخت في وجه الأم باكية لائمة ، عبثت بلعبها ، غضبت في وجه بعضها ، وشكت لبعضها ، لكنها قتلت بعضها الآخر وبترت الأطراف والأجزاء من بعضها . تدخلت الأم هكذا مرة ، تطمئن أحيانا ، وتترجى أحيانا أخرى ، لكن منى لم تكن مستعدة هذه المرة أن تصدق ما تقوله الأم أو تدعيه أو حتى تستجيب لبعض طلباتها .
الجو بارد ، رذاذ يغسل وجه النوافذ والسطوح وأوراق الأشجار ، مصابيح الشارع المتباعدة تكشف العتمة وتزيح القناع عن وجه هذه الليلة الغبشاء . التيار الهوائي البارد القادم من جهة الغرب يمتطي بساط الريح ، يقتحم جسم الفراغ المضغوط في عمق الغرفة ، الستائر الزرقاء تضطرب خشية في وجه موجة التيار ، مخالب البرد تنغرس في جسم منى الطري ، قرت أطرافها وهي تتحرك وحيدة وسط الغرفة الواسعة .
لحظة ما قررت منى بإرادة طفولية عنيدة أن تركب الموج من دون توجيه . أخذت أفكارها الصغيرة /الكبيرة في رأسها ، استثمرت قوة تمردها أولا في وجه الأم المنكسرة ، رمت باللعب أو ما تبقى منها على البساط ، ثم تركت الغرفة إلى أخرى حيث الأم تعد طعام العشاء .
لم تكن سعاد مقتنعة ولو بحرف واحد مما قالت لمنى ، لكن شيئا واحدا ظل يحاصر لسانها ويعصر غضبها ويرمي به إلى الأعماق هو صورة الأب التي يجب أن تظل كما كانت في عين الطفلة الصغيرة .
في الزاوية اليسرى ، خلف الباب بمقهى الباشا كان الأب المعتنق لملة " الرامي " الهائم في حب لعبة " الطالاج " حتى الثمالة ، يلازم معبده ويصلي في خشوع لإله من ورق على طاولة من حديد صدئ وبساط خشبي متسخ.
منى تنتظر في البيت ، سعاد هذه المرأة التي امتلأت ساحات صدرها بأشجار صبر وصبار وحنظل ، ظلت منشغلة بمنى ، والأب منشغل بتلاوة الأرقام بعينيه الغارقتين وراء نظارته الطبية ، وخيوط الدخان المتصاعدة في الهواء ، يرتب الأوراق ويفردها بين أنامل يده اليسرى كريش ديك هندي متعجرف . يلتهم سجائر " ماركيز " ويخنق أنفاس كؤوس الشاي ويصرخ بين الفينة والأخرى في وجه مروان حليفه في هذه الحرب اللعينة. الحرب التي ما إن تشتعل حتى يفقد الأطراف القدرة على لم خيوطها ، و يستسلمون فقط لعراك كلامي يعلن بعدها " قدورة الديب " عن انتهاء الجولة الليلية ويتجه متسللا نحو الطاولات لتحصيل ثمن المشروبات والمستحقات ..
منى كانت هناك في المطبخ ، تستفز الصمت ، وتسخر من سكون الليل بالصراخ ، الأم عيل صبرها ، واضطربت أعصابها بدت قلقة هي الأخرى ، متعاطفة مع الطفلة في تمردها واحتجاجها ، مستجيبة للقلق الذي سكن أعماق منى والآن بدأ يتفجر ينابيع جارية من كل أطراف جسدها ، بعد حين لفظهما المطبخ معا نحو السرير واستسلمتا للظلمة والانتظار الحارق .
النوم تسلل خفية إلى جفني منى ، وغاص بها في عالم مليء بالأحلام المزعجة ، أما سعاد فلا ، فقط سكنها القلق والترقب ، وركبت موجة التفكير الجارفة ، إلى أن غزا مسمعها صوت الباب وهو يفتح ليدخل الأب كالعاصفة غير مبال بمن بالبيت. ضغط أزرار الإنارة ، أضاءت المصابيح واتجه نحو المطبخ ليلتهم ما وجده ينتظره على المائدة .
سعاد كانت تستعد لقول شيء ما . راودتها فكرة أن ترمي في وجه زوجها بضع كلمات جارحة تستفز بها لا مبالاته ، وتمزق بها الستائر الوهمية ، وتذيب كثبان الجليد التي ازدادت مع الأيام اتساعا وسمكا ، لكنها تذكرت ما لم تكن مستعدة لتقبله ، تذكرت ما كان يحصل في المرات السابقة ، فتخلت عن الفكرة وعدلت إلى غيرها .
حين هم الأب بالارتماء إلى جانبها على السرير، اكتفت بطرد القلق من داخلها ورمته بنظرة ثاقبة مسحت بها وجهه طولا وعرضا ، تركتها معلقة على وجهه القمحي الذي بدأ الزمن يلتهم بعض أطرافه ثم قالت ما أرادت أن يصله دون أن تتكلم .
في صباح يوم الغد ، عندما جلا الأب ما تبقى من قوافل النوم عن ثغور جفنيه المنتفخين ، ترك فراشه وخرج من غرفته كالعادة يبحث عن زقزقة منى الصباحية في أرجاء البيت ، لكن ما وجد شيئا .
منى كانت هناك في الغرفة المقابلة ، بين لعبها ، تجمع أطراف بعضها المبتورة ، تحاول إصلاح بعضها الأخر . لكنها لا تغني لدميتها الشقراء ، ولا تحاور مجسماتها ولا تحرك سياراتها ذهابا وإيابا ، كانت ضعيفة التركيز ، شاحبة الوجه وكأنها لم تنم منذ أيام ، صامتة .
سعاد في المطبخ تعد طعام الفطور هي أيضا تعمل في صمت لم تشغل واحدا من أشرطتها المعدودة ولا شغلت المذياع لتستمتع بالأغاني الصباحية ولا برنامج النصائح وفنون الطبخ .
كل شيء يوحي بحالة استثناء ، لا منى تغني وتمرح ، ولا سعاد شغلت المذياع أو الشريط ، ماذا يجري قال الأب لنفسه واتجه إلى المطبخ يسأل زوجته .
صباح الخير ، أين منى ؟ قال كلماته وانصرف يبحث في الغرفة الأخرى .
منى بالطبع هناك ، سمعته يخرج من غرفة نومه ، سمعته يتكلم وسمعت وقع خطواته وهو في الطريق إليها لكنها ظلت في مكانها ، ظلت على حالها . لا هي تكلمت ولا هي قفزت، ولا حتى استجابت حين دخل أبوها محاولا استدراجها إلى ذراعيه .
يبدو أن منى مصرة على موقفها ، مستمرة في احتجاجا هذه المرة ، مستبعدة كل محاولة للتراجع ، وكأنها خططت لهذه الوقفة بكل دقة ودراية .
- منى ، حبيبتي، ماذا تفعلين ؟ قال ، ثم رمى بذراعيه النحيفين إليها وهي قاعدة .
قال مضيف : تعالي حبيبتي ؟ ما بك ؟
منى اكتفت بهز كتفيها دون أن تنظر إليه .
حاول الأب أن يكلم ابنته ، حاول أن يلاعبها ، أن يوقفها بين يديه لكنها ما استجابت لشيء .
أحس الأب شعورا غريبا ، حالة استثناء لا مثيل لها . منى ليست هي منى . حين مسد شعرها وربت كتفها ودعاها بكل لطف للوقوف بين يده بدت ذابلة ، شاحبة الوجه كوردة خنقها القيظ ، حزينة كشمعة تحرس وحدها الفراغ في أعالي الليل البهيم ، غير مبالية بمن حولها .
حمل الأب ابنته بين ذراعيه وخرج يستفسر، لكنه حين خطا خطوته الأولى أحس بنوع من الانكسار ، بحث لحظتها عن ساقيه فتراءت له مرتخية ، بحث عن أطرافه المعلقة فوجدها تتساقط واحدة تلو الأخرى ، بحث عن حواسه فخالها تعطلت جميعا ، بحث عن أي شيء يستمد منه القوة فما وجد غير كتلة من لحم مرتخية تجرها أقدام متعبة .
على مائدة الإفطار ، وحده الصمت كان يتكلم لغة عميقة ، وبليغة ، حاول الأب أن يلتهم إمتداداته كما حاولت الأم تبديد سحابته من على الوجوه ، لكن محاولتيهما باءتا معا بالفشل ، عندها طأطأ الأب رأسه ، تخلص من فنجان القهوة في هدوء وصمت ، أحجم عن الأكل ، صام عن الكلام ، وعلى امتداد مساحة دقائق معدودة كان قد حمل محفظته السوداء وغادر البيت إلى عمله تاركا وراءه غبار الصمت تغطي المكان ، دون أن يسأل منى هذه المرة عن حاجاتها ولا حتى سعاد عن طلبات البيت .
في منتصف النهار ، عاد الأب وقد استعد لتكسير مركب الضيق والصمت اللذين ظلا معا يسبحان في فضاء البيت .
حمل بعض الأغراض للمطبخ ، وحمل لمنى ما تشتهي وتطلب ، وحين وصل إلى الباب غطى وجهه بابتسامة لم يحسن صنعها ودخل مناديا :
- منى ، منى ، تعالي حبيبتي، انظري ماذا حملت لك .أين أنت ؟ تعالي بسرعة .
منى سمعت ولم تسمع . ظلت بجانب أمها في المطبخ وكأن الأمر لا يعنيها في شيء. وحين استفزه صمتها رمى وجه سعاد بكلمات نابية وأردف قائلا :
ما بها ؟ ألا تسمعينني أني أناديها ؟
سعاد ظلت صامتة كما كانت ، منى بجانبها ، والأب وحده تكلم ، توسل ، ثم أطلق جيشا من الأسئلة والأجوبة كان يخاطب نفسه أحيانا ، ويخاطب سعاد دون أن ينتظر جوابا ، وحين يخاطب منى كان يظهر انتظاره في عينيه ، وفي كفيه المتشنجين. وحين لا تتحقق رغبته يزبد ويرعد وتزداد أسئلته وأجوبته .
حين نفذ صبره ، وأفرغ ما حمل معه من حطام شخصه ، ما كان له إلا أن يعود من حيث أتى مخلفا وراءه رائحة الكلام مزكمة وأشلاء الصمت الذي انفجر في أرجاء البيت مخلفا رائحة تشبه العفونة .
ما كان الأب قادرا على فهم ما يحصل لبنته لولى التغير المفاجئ الذي حصل لها ، ما كان له ليقتنع لولا الجرح الغائر الذي سببته أسلحة منى الفتاكة في جسده البارد. المهم أنه استغل حصة المساء التي لم يكن يعمل فيها ، وخلد إلى نفسه على طاولة في مقهى غير معتاد على الذهاب إليه . فكر كثيرا ، بحث عن أجوبة لعشرات الأسئلة التي كانت تخنقه ، إلى أن استقر إلى رأي خاله المركب الذي سيحمله إلى بر التصالح والمصالحة ، وإرجاع المياه إلى مجاريها ، وبالتالي البسمة إلى ثغر منى .
- علي أن أذهب ، علي أن أنهي الموضوع ، قال في نفسه وخرج بعدما حاسب النادل على مشروبه ، وارتدى قناع الواثق والمطمئن واتجه إلى المنزل مسرع الخطوات .
رغم القناع الذي لبس لتوه كان الألم مازال يعتصر أحشاءه ، لم يكن ينوي ترك البيت هذه الليلة إلى أي مكان أخر . قرر أن يجالس زوجته التي أنهكها اليأس وأتعبتها الوحدة والفراغ ، ومنى التي تحتاجه كالماء والهواء . قرر أن يسمع دون أن يتكلم .
تنبهت الزوجة لهذه العودة غير المعهودة ، وفاجأها هذا القرار غير المصرح به . انتابها إحساس غريب ، وامتلأت خوفا وقلقا وسؤالا. لكنها تفاجأت بكلمات خجولة باردة ، سمعتها منه وهو يدخل الغرفة ، غرفة الجلوس وقد ارتدى منامته القطنية :
- لن أذهب اليوم إلى المقهى .
سكت قليلا بينما سعاد بدت مندهشة تحاول حل اللغز وكأنها لم تصدق ما تسمع ثم أردف قائلا :
من الضروري أن نجلس كلنا لنتحاور ، لأسمع ما تريدان قوله ، فهذا الجو لا يروق لي، وهذا التوتر لا أفهمه .
عندما سكت هذه المرة ، تطلع في وجه زوجته فوجد في عينيها دمعة حزن ثقيلة بدت معلقة في أسفل عينها اليمنى كحبة عنب لا لون لها ، وعلى وجنتيها حمرة أحسبها حمرة خجل مشوب بالدهشة والارتباك ، وفي أطرافها ارتعاشة خفيفة لا أدري لم كانت للخوف أم الفرح ، أم هو قلق الاستعداد لأمر غير معتاد .
منى كانت تنظر وتنظر وتحملق ، تتنقل ببصرها فوق وجهي الأب والأم ، تتحرك في بطء بينها . أحمد كان قد أخذ مكانه في عمق الغرفة ، تمدد على الكنبة، وضع في يده جهاز التحكم وبدأ يتنقل بين القنوات وكأه لا يريد أن يقف عند واحدة منها . سعاد دخلت المطعم تعد شايا أخضر وحلوى . ومنى لا زالت في البهو تجر دراجتها في اتجاه الغرفة تارة واتجاه المطبخ تارة أخرى.
حملت سعاد الشاي والحلوى وشيئا من الارتباك ودخلت الغرفة .
منى تبعت أمها وفي يدها قطعة حلوى .
الأب في الداخل ينتظر الكلام لا الشاي ، ظل متحمسا للسماع لا لشيء آخر .
ساعات مضت في الكلام والحوار ، فجرت خلالها منى قضايا كثيرة ، بطريقة لم تكن منتظرة ، ناقشت بلباقة مشهودة ، وتساءلت بذكاء ثاقب ، وترافعت باحترام يغري بالاعتراف ، ثم حاكمت برفق قلب رحيم ، وبعدئذ تركت للأم بعد دقائق من المداولة أن تعلن منطوق الحكم الصادر في حق الزوج والأب الذي ظل صامتا يبتلع الكلمات دون أن ينبس ببنت شفة ، أو قل كانت شفتاه صحراء قاحلة لا تنبت الكلام .
قالت الأم وقد طردت صمتها وارتباكها وخجلها بصوت تقريري مسموع وكأنها تقف على خشبة مسرح :
- "بعد الاستماع إلى المرافعة التي قدمت بين أيدينا، إليها قبل قليل ، وبعد أن قمنا بفحص الأدلة وتدقيق القرائن ، قررت الأسرة الكريمة في جلستها الاستثنائية المنعقدة في تاريخه وساعته ما يلي:
- إعادة النظر في المسؤوليات الداخلية للبيت والأسرة والأمور الاقتصادية بالشكل الذي يحد من الصلاحيات المطلقة للزوج .
- تقليص المصروف الشهري للزوج إلى النصف مع احتفاظ الأسرة لنفسها بحق الاعتراض على بعض السلوكات والمصروفات ذات التأثير السلبي على باقي الأفراد المتضررين .
- يتم تحديد البرنامج العام للتنزه والسهر الأسري والزيارات وما إلى ذلك .
- تحريم الجلوس في الطرقات والتقليل من التردد على المقاهي إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك .
- ضرورة المساهمة من كل المواقع لقيام جبهة للدفاع عن حقوق الطفل والأسرة".
قفزت منى من على كرسيها كفراشة ربيعية تغازل زهرة ، عانقت والديها ، قبلتهما معا ، وانتهت إلى حضن أبيها يهدهدها يربتها ، واستسلمت للنوم من دون استئذان تمارس حقا من حقوقها المكتسبة.