tarbaoui77
24-05-2009, 11:11
1/ إعداد
كان يفكر في " الكادو"، يفكر بحيرة. لم يعثر حتى الآن على طبيعة أو شكل هذا "الكادو"، يريده أن يكون غريبا، عجيبا ، و فريدا من نوعه، لكن…فجأة، انوجد في عرس، بل أكثر من هذا، كان هو العريس.العرس توفرت له أسباب " العرّاسية": العروس ملفوفة في كسائها الأبيض الثلجي المنمق بأقراص صغيرة تلمع ،على رأسها تاج مذهب، و على أساريرها مساحيق وضعت بإتقان شديد.العريس محشور في كوستيم أسود ، تناسق لونه مع الشوميزة البيضاء المشدودة من العنق ببابيون سوداء. العريس تأبط ساعد العروس، أخذا يدبان على مهل وسط نسوة العرس الموشحات بتكشيطاتهن،قفاطينهن،مضمّاتهن و شرابيلهن، يزغردن و يصلين على النبي.الجوق الموسيقي يلغط بديسكات استلذها شبان وشابات ، فرقصوا على إيقاعاتها …العرس يمر بتفاصيله أمام ناظريه، و هو مستلق على ظهره على فراش النوم في بيت النعاس في الشقة 10 في العمارة c .
تبسم الباب. دخلت من دون استئذان – وهذا غير مخلّ بالآداب ما دامت زوجه من فتح الباب- بدا لها شارداً ساهماً، رمقت ابتسامة عفوية يتيمة على شفتيه اللحميتين، تساءلت ثم تمتمت بنبرة هادئة و لطيفة:
- حبيبي.. مالكْ مخْطوفْ ليك لعقلْ، و تضحكْ غيرْ وحدكْ ؟
تلاشت مشاهد العرس ، وانتفض وكأنه وخز في أعصاب الحس مباشرة، ثم استجمع شتاته الذهني، نظر إليها وقال في تثاقل:
- ما مالي والو…
- فين كنت غايب؟ غير قول لي.
تردد في الإجابة بادئ الأمر لكنه باح بسريرته:
- بصراحة، لقد احترت في نوع الهدية التي سأقدمها لك بعد غد - يوم الذكرى - و آثرت أن تكون مفاجئة و غريبة في آن واحد، هذا العام . لكني لم أفلح في العثور على طرازها حتى الآن.
ندت عنها ضحكة حنونة مفعمة بالرّقة الأنثوية و نبست:
- مرْسي عمري، أنت كلك هدايا، يكفي أن تكون معي بقربي و نحتفل معاً.
2/ إنجاز
التاسعة ليلا. تحلّقت العائلة حول الطاولة الطويلة. الطاولة مزركشة بشتّى أنواع المشروبات، المأكولات و الحلويات التي أبدعت يد الزوجة في صنعها. بوق المسجلة يرسل نغمات موسيقية هادئة. الطاعمون يتذوقون كل ما لذّ و طاب و يتبادلون أطراف الحديث.ضحكات و قهقهات من حين إلى آخر يتردّد صداها في أرجاء البهو الرحب. حقّاً توافرت لهذه الذكرى أسباب الاحتفالية. قدّم الزوج هديته لزوجته، عبارة عن علبة مزينة بورق يلمع و تمنّى لها حياة سعيدة. انتظر هو بدوره الهدية منها، لكنها لم تناوله شيئا، اكتفت بغمزة بطرف العين و استدارة بسبابة يمناها/ فيما بعد.. طيلة التسعة أعوام الماضية و قبل تاريخ الذكرى بأيام معدودة، كان يعلم أنّها اقتنت هديّة المناسبة، إلاّ أنها لا تسمح له بالتعرف على طبيعتها إلاّ يوم الذكرى، بينما تكسّرت العادة هذا العام. لم يعلم متى اشتريت الهدية ولا هل اشتريت أصلاً ؟ غمزة العين تلك و الاستدارة الإصبعية أسالت على قنة رأسه رطلا من الاحتمالات.. " ألم تقتن الهدية بعد ؟أكيد هذا غير ممكن، الهدية موجودة لكن ما طبيعتها؟ ما شكلها ؟ ما حجمها ؟ ما ثمنها ؟ " أسئلة كلها غلت و تبلبلت في دماغه دون أن يهتدي إلى جواب مقنع.
دخل غرفة النوم التي اكتسحها ضوء أحمر خافت اختلط برائحة عطر باريسي ثمين ، راقته حلة الغرفة الجديدة، الفاتنة. استلقى على ظهره. مدّ خيوط الذاكرة. راح يصول و يجول عبر متاهات و تداعيات عشر سنوات مضت. ينتشي بأحداثها، و يزدهي بحيثياتها وملابساتها، إلى أن انتشلته طقطقات الكعب الدقيق من قمقم خياله السارح. كانت قالباً إنسانيا أبدع الله في نحث تقويمه، كانت جسداً مليحاً، على أبعاده طفت رعونة الأنوثة الفوّاحة، عروس لفّت في رداء أبيض ثلجي منمق بأقراص صغيرة تلمع، طَيفٌ آسر بزغ من لجة ظلام دامس. تلكم كانت هي بلحمها و دمها و عظمها. خاطبته بعيون دلولة وحس أنثوي فيّاض. اختلّ توازنه. دقّ قلبه. تاه عقله. خاطبها هو بدوره بعيون نهمة و فحولة رجولية طافحة.
ولأنه لم يكن من المشاهد التّي ألفها، لم يؤاتيه الكلام، انتظرها هي أن تتكلّم.. وفي غنج ظاهر خاطبته :
- هديتك حبيبي اليوم بعد عشر سنوات على زواجنا: بكارة اصطناعية.. ! انتظرت غبطته و حبوره و حرارة ابتهاجه، توقعته يستقبل الهدية هاشّاً باشّاً، لكنه لم يقو على المفاجأة، بل لم يقو على الصدمة. جحظت عيناه . فارت أعصابه. تمرّدت أفكاره، فصاح بصوت حازم وحاد، عاقداً زوايا مثلثية بين حاجبيه الغزيرين:
- آشنوو!!.. بكارة اصطناعية… مع من تْشاورْتِ؟
- ………………………..
- خائنة أنت …غدّارة أنت.. كما فعلتها اليوم تكوني قد فعلتها يوم تزوجتك.
تجمدت في مكانها.استقرت عيناها في البلاط،لا تدري ما تفعل، ولا ما تقول.. كان يزاول شيئا ما قرب الدولاب. حولت مقلتاها تتفقد ما يقوم به، ترصد درجة انفعاله. كان لا يزال في أوج النرفزة، كان قد انسلخ من ملابسه المنزلية، رفسها، عوضها بأخرى. ململت ذراعها ترسل راحتها تجاهه، حركت لسانها في محاولة لنطق شيء ما، لتشرح، لتبرر، لِ…؟ لكنه داهمها، أزاحها من طريقه بفظاظة،ثم قصد عتبة الشقة. فتح و خرج تاركا صدى ارتطام الباب يدق طبلة أذنها.
كان يفكر في " الكادو"، يفكر بحيرة. لم يعثر حتى الآن على طبيعة أو شكل هذا "الكادو"، يريده أن يكون غريبا، عجيبا ، و فريدا من نوعه، لكن…فجأة، انوجد في عرس، بل أكثر من هذا، كان هو العريس.العرس توفرت له أسباب " العرّاسية": العروس ملفوفة في كسائها الأبيض الثلجي المنمق بأقراص صغيرة تلمع ،على رأسها تاج مذهب، و على أساريرها مساحيق وضعت بإتقان شديد.العريس محشور في كوستيم أسود ، تناسق لونه مع الشوميزة البيضاء المشدودة من العنق ببابيون سوداء. العريس تأبط ساعد العروس، أخذا يدبان على مهل وسط نسوة العرس الموشحات بتكشيطاتهن،قفاطينهن،مضمّاتهن و شرابيلهن، يزغردن و يصلين على النبي.الجوق الموسيقي يلغط بديسكات استلذها شبان وشابات ، فرقصوا على إيقاعاتها …العرس يمر بتفاصيله أمام ناظريه، و هو مستلق على ظهره على فراش النوم في بيت النعاس في الشقة 10 في العمارة c .
تبسم الباب. دخلت من دون استئذان – وهذا غير مخلّ بالآداب ما دامت زوجه من فتح الباب- بدا لها شارداً ساهماً، رمقت ابتسامة عفوية يتيمة على شفتيه اللحميتين، تساءلت ثم تمتمت بنبرة هادئة و لطيفة:
- حبيبي.. مالكْ مخْطوفْ ليك لعقلْ، و تضحكْ غيرْ وحدكْ ؟
تلاشت مشاهد العرس ، وانتفض وكأنه وخز في أعصاب الحس مباشرة، ثم استجمع شتاته الذهني، نظر إليها وقال في تثاقل:
- ما مالي والو…
- فين كنت غايب؟ غير قول لي.
تردد في الإجابة بادئ الأمر لكنه باح بسريرته:
- بصراحة، لقد احترت في نوع الهدية التي سأقدمها لك بعد غد - يوم الذكرى - و آثرت أن تكون مفاجئة و غريبة في آن واحد، هذا العام . لكني لم أفلح في العثور على طرازها حتى الآن.
ندت عنها ضحكة حنونة مفعمة بالرّقة الأنثوية و نبست:
- مرْسي عمري، أنت كلك هدايا، يكفي أن تكون معي بقربي و نحتفل معاً.
2/ إنجاز
التاسعة ليلا. تحلّقت العائلة حول الطاولة الطويلة. الطاولة مزركشة بشتّى أنواع المشروبات، المأكولات و الحلويات التي أبدعت يد الزوجة في صنعها. بوق المسجلة يرسل نغمات موسيقية هادئة. الطاعمون يتذوقون كل ما لذّ و طاب و يتبادلون أطراف الحديث.ضحكات و قهقهات من حين إلى آخر يتردّد صداها في أرجاء البهو الرحب. حقّاً توافرت لهذه الذكرى أسباب الاحتفالية. قدّم الزوج هديته لزوجته، عبارة عن علبة مزينة بورق يلمع و تمنّى لها حياة سعيدة. انتظر هو بدوره الهدية منها، لكنها لم تناوله شيئا، اكتفت بغمزة بطرف العين و استدارة بسبابة يمناها/ فيما بعد.. طيلة التسعة أعوام الماضية و قبل تاريخ الذكرى بأيام معدودة، كان يعلم أنّها اقتنت هديّة المناسبة، إلاّ أنها لا تسمح له بالتعرف على طبيعتها إلاّ يوم الذكرى، بينما تكسّرت العادة هذا العام. لم يعلم متى اشتريت الهدية ولا هل اشتريت أصلاً ؟ غمزة العين تلك و الاستدارة الإصبعية أسالت على قنة رأسه رطلا من الاحتمالات.. " ألم تقتن الهدية بعد ؟أكيد هذا غير ممكن، الهدية موجودة لكن ما طبيعتها؟ ما شكلها ؟ ما حجمها ؟ ما ثمنها ؟ " أسئلة كلها غلت و تبلبلت في دماغه دون أن يهتدي إلى جواب مقنع.
دخل غرفة النوم التي اكتسحها ضوء أحمر خافت اختلط برائحة عطر باريسي ثمين ، راقته حلة الغرفة الجديدة، الفاتنة. استلقى على ظهره. مدّ خيوط الذاكرة. راح يصول و يجول عبر متاهات و تداعيات عشر سنوات مضت. ينتشي بأحداثها، و يزدهي بحيثياتها وملابساتها، إلى أن انتشلته طقطقات الكعب الدقيق من قمقم خياله السارح. كانت قالباً إنسانيا أبدع الله في نحث تقويمه، كانت جسداً مليحاً، على أبعاده طفت رعونة الأنوثة الفوّاحة، عروس لفّت في رداء أبيض ثلجي منمق بأقراص صغيرة تلمع، طَيفٌ آسر بزغ من لجة ظلام دامس. تلكم كانت هي بلحمها و دمها و عظمها. خاطبته بعيون دلولة وحس أنثوي فيّاض. اختلّ توازنه. دقّ قلبه. تاه عقله. خاطبها هو بدوره بعيون نهمة و فحولة رجولية طافحة.
ولأنه لم يكن من المشاهد التّي ألفها، لم يؤاتيه الكلام، انتظرها هي أن تتكلّم.. وفي غنج ظاهر خاطبته :
- هديتك حبيبي اليوم بعد عشر سنوات على زواجنا: بكارة اصطناعية.. ! انتظرت غبطته و حبوره و حرارة ابتهاجه، توقعته يستقبل الهدية هاشّاً باشّاً، لكنه لم يقو على المفاجأة، بل لم يقو على الصدمة. جحظت عيناه . فارت أعصابه. تمرّدت أفكاره، فصاح بصوت حازم وحاد، عاقداً زوايا مثلثية بين حاجبيه الغزيرين:
- آشنوو!!.. بكارة اصطناعية… مع من تْشاورْتِ؟
- ………………………..
- خائنة أنت …غدّارة أنت.. كما فعلتها اليوم تكوني قد فعلتها يوم تزوجتك.
تجمدت في مكانها.استقرت عيناها في البلاط،لا تدري ما تفعل، ولا ما تقول.. كان يزاول شيئا ما قرب الدولاب. حولت مقلتاها تتفقد ما يقوم به، ترصد درجة انفعاله. كان لا يزال في أوج النرفزة، كان قد انسلخ من ملابسه المنزلية، رفسها، عوضها بأخرى. ململت ذراعها ترسل راحتها تجاهه، حركت لسانها في محاولة لنطق شيء ما، لتشرح، لتبرر، لِ…؟ لكنه داهمها، أزاحها من طريقه بفظاظة،ثم قصد عتبة الشقة. فتح و خرج تاركا صدى ارتطام الباب يدق طبلة أذنها.