![]() |
أيها الناس قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه و حان للغافل أن يتنبه من غفلته قبل هجوم الموت بمرارة كأسه و قبل سكون حركاته ، و خمود أنفاسه ، و رحلته إلى قبره ، و مقامه بين أرماسه . فمثل نفسك يا مغرور و قد حلت بك السكرات و نزل بك الأنين و الغمرات فمن قائل يقول : إن فلاناً قد أوصى و ماله قد احصى و من قائل يقول : إن فلاناً ثقل لسانه ، فلا يعرف جيرانه ، و لا يكلم إخوانه فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب ، و لا تقدر على رد الجواب ثم تبكي ابنتك و هي كالأسيرة ، و تتضرع و تقول : حبيبي أبي من ليُتْمي من بعدك ؟ و من لحاجتي ؟ و أنت و الله تسمع الكلام و لا تقدر على رد الجواب و أنشدوا : و أقبلت الصغرى تمرغ خدها ===على وجنتي حيناً و حيناً على صدري و تخمش خديها و تبكي بحرقة=== تنادي : أبي إني غلبت على الصبر حبيبي أبي من لليتامى تركتهم=== كأفراخ زغب في بعيد من الوكر ؟ فخيل لنفسك يا ابن آدم إذا أخذت من فراشك ، إلى لوح مغتسلك فغسلك الغاسل و ألبست الأكفان و أوحش منك الأهل و الجيران و بكت عليك الأصحاب و الإخوان و قال الغاسل أين زوجة فلان ؟ و أين اليتامى ترككم أبوكم فما ترونه بعد هذا اليوم أبداً ؟ و أنشدوا : ألا أيها المغرور ما لك تلعب== تؤمل آمالاً و موتك أقرب و تعلم أن الحرص بحر مبعد=== سفينته الدنيا فإياك تعطب و تعلم أن الموت ينقض مسرعاً ==عليك يقينا طعمه ليس يعذب كأنك توصي و اليتامى تراهم ==و أمهم الثكلى تنوح و تندب تغص بحزن ثم تلطم وجهها=== يراها رجال بعد ما هي تحجب و أقبل بالأكفان نحوك قاصد=== و حثى عليك الترب و العين تسكب التكرة / القرطبي/ بتصرف |
اعلم أيها المغرور أن الموت هو الخطب الأفظع ، و الأمر الأشنع و الكأس التي طعمها أكره و أبشع و أنه الحارث الأهذم للذات و الأقطع للراحات ، و الأجلب للكريهات فإن أمراً يقطع أوصالك ، و يفرق أعضاءك ، و يهدم أركانك ، لهو الأمر العظيم ، و الخطب الجسيم ، و إن يومه لهو اليوم العظيم . و يحكى أن الرشيد لما اشتد مرضه أحضر طبيباً طوسياً فارسياً ,و أمر أن يعرض عليه ماؤه -أي بوله -مع مياه كثيرة لمرضى و أصحاء ، فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيد فقال : قولوا : لصاحب هذا الماء يوصي . فإنه قد انحلت قواه ، و تداعت بنيته ، و لما استعرض باقي المياه أقيم فذهب ، فيئس الرشيد من نفسه و أنشد : إن الطيب بطبه و دوائه ===لا يستطيع دفاع نحب قد أتى ما للطبيب يموت بالداء الذي ===قد كان أبرأ مثله فيما مضى مات المداوي ، و المداوى ، و الذي=== جلب الدواء أو باعه ، و من اشترى و بلغه أن الناس أرجفوا بموته . فاستدعى حماراً و أمر أن يحمل عليه فاسترحت فخذاه . فقال : أنزلوني صدق المرجفون و دعا بأكفان فتخير منها ما أعجبه و أمر فشق له قبر أمام فراشه ثم اطلع فيه فقال : (ما أغنى عني مالية هلك عني سلطانية ). فمات من ليلته فما ظنك ـ رحمك الله ـ بنازل ينزل بك فيذهب رونقك و بهاك و يغير منظرك و رؤياك و يمحو صورتك و جمالك ، و يمنع من اجتماعك و اتصالك و يردك بعد النعمة و النضرة ، و السطوة و القدرة ، و النخوة و العزة ، إلى حالة يبارد فيها أحب الناس إليك ، و أرحمهم بك ، و أعطفهم عليك ، فيقذفك في حفرة من الأرض قريبة أنحاؤها مظلمة أرجاؤها ، محكم عليك حجرها و صيدانها فتحكم فيك هوامها و ديدانها ثم بعد ذلك تمكن منك الإعدام و تختلط بالرغام ، و تصير تراباً توطأ بالأقدام و ربما ضرب منك الإناء فخار ، أو أحكم بك بناء جدار ، أو طلي بك حش ماء ، أو موقد نار . كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أتي بإناء ماء ليشرب منه فأخذه بيده و نظر إليه و قال : الله أعلم كم فيك من عين كحيل ، و خذ أسيل . التذكرة / القرطبي |
عباد الله اعلموا أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ تَضُرُّ ، وَلَا بُدَّ و أَنَّ ضَرَرَهَا فِي الْقَلْبِ كَضَرَرِ السُّمُومِ فِي الْأَبْدَانِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهَا فِي الضَّرَرِ وَهَلْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ شَرٌّ وَدَاءٌ إِلَّا سَبَبُهُ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي فَمَا الَّذِي أَخْرَجَ الْأَبَوَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ ، دَارِ اللَّذَّةِ وَالنَّعِيمِ وَالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ إِلَى دَارِ الْآلَامِ وَالْأَحْزَانِ وَالْمَصَائِبِ ؟ وَمَا الَّذِي أَخْرَجَ إِبْلِيسَ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ وَطَرَدَهُ وَلَعَنَهُ ، وَمَسَخَ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ فَجَعَلَ صُورَتَهُ أَقْبَحَ صُورَةٍ وَأَشْنَعَهَا ، وَبَاطِنَهُ أَقْبَحَ مِنْ صُورَتِهِ وَأَشْنَعَ وَبُدِّلَ بِالْقُرْبِ بُعْدًا ، وَبِالرَّحْمَةِ لَعْنَةً ، وَبِالْجَمَالِ قُبْحًا ، وَبِالْجَنَّةِ نَارًا تَلَظَّى ، وَبِالْإِيمَانِ كُفْرًا ، وَبِمُوَالَاةِ الْوَلِيِّ الْحَمِيدِ أَعْظَمَ عَدَاوَةٍ وَمُشَاقَّةٍ وَبزَجَلِ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيلِ زَجَلَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْفُحْشِ وَبِلِبَاسِ الْإِيمَانِ لِبَاسَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ فَهَانَ عَلَى اللَّهِ غَايَةَ الْهَوَانِ ، وَسَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ غَايَةَ السُّقُوطِ ، وَحَلَّ عَلَيْهِ غَضَبُ الرَّبِّ تَعَالَى فَأَهْوَاهُ ، وَمَقَتَهُ أَكْبَرَ الْمَقْتِ فَأَرْدَاهُ فَصَارَ قَوَّادًا لِكُلِّ فَاسِقٍ وَمُجْرِمٍ ، رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالْقِيَادَةِ بَعْدَ تِلْكَ الْعِبَادَةِ وَالسِّيَادَةِ فَعِيَاذًا بِكَ اللَّهُمَّ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِكَ وَارْتِكَابِ نَهْيِكَ . وَمَا الَّذِي أَغْرَقَ أَهْلَ الْأَرْضِ كُلَّهُمْ حَتَّى عَلَا الْمَاءُ فَوْقَ رَأْسِ الْجِبَالِ ؟ وَمَا الَّذِي سَلَّطَ الرِّيحَ الْعَقِيمَ عَلَى قَوْمِ عَادٍ حَتَّى أَلْقَتْهُمْ مَوْتَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٌ ، وَدَمَّرَتْ مَا مَرَّت عَلَيْهِ مِنْ دِيَارِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ ، حَتَّى صَارُوا عِبْرَةً لِلْأُمَمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ وَمَا الَّذِي أَرْسَلَ عَلَى قَوْمِ ثَمُودَ الصَّيْحَةَ حَتَّى قَطَعَتْ قُلُوبَهُمْ فِي أَجْوَافِهِمْ وَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ ؟ وَمَا الَّذِي رَفَعَ قُرَى اللُّوطِيَّةِ حَتَّى سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ نَبِيحَ كِلَابِهِمْ ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ ، فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا ، فَأَهْلَكَهُمْ جَمِيعًا ، ثُمَّ أَتْبَعَهُمْ حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَمْطَرَهَا عَلَيْهِمْ ، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ عَلَى أُمَّةٍ غَيْرِهِمْ ، وَلِإِخْوَانِهِمْ أَمْثَالُهَا ، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ؟ وَمَا الَّذِي أَرْسَلَ عَلَى قَوْمِ شُعَيْبٍ سَحَابَ الْعَذَابِ كَالظُّلَلِ ، فَلَمَّا صَارَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ أَمْطَرَ عَلَيْهِمْ نَارًا تَلَظَّى ؟ وَمَا الَّذِي أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فِي الْبَحْرِ ، ثُمَّ نَقَلَتْ أَرْوَاحَهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ ، فَالْأَجْسَادُ لِلْغَرَقِ ، وَالْأَرْوَاحُ لِلْحَرْقِ ؟ وَمَا الَّذِي خَسَفَ بِقَارُونَ وَدَارِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ ؟ وَمَا الَّذِي أَهْلَكَ الْقُرُونَ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ بِأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ ، وَدَمَّرَهَا تَدْمِيرًا ؟ وَمَا الَّذِي أَهْلَكَ قَوْمَ صَاحِبِ يس بِالصَّيْحَةِ حَتَّى خَمَدُوا عَنْ آخِرِهِمْ ؟ وَمَا الَّذِي بَعَثَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمًا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ، وَقَتَلُوا الرِّجَالَ ، وَسَبُوا الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ ، وَأَحْرَقُوا الدِّيَارَ ، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ عَلَيْهِمْ مَرَّةً ثَانِيَةً فَأَهْلَكُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَتَبَّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ؟ وَمَا الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعَ الْعُقُوبَاتِ ، مَرَّةً بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَخَرَابِ الْبِلَادِ ، وَمَرَّةً بِجَوْرِ الْمُلُوكِ ، وَمَرَّةً بِمَسْخِهِمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ، وَآخِرُ ذَلِكَ أَقْسَمَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 167 ] . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عُمَرَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُصُ فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِهَا ، فَبَكَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ جَالِسًا وَحْدَهُ يَبْكِي ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ مَا يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ فَقَالَ : وَيْحَكَ يَا جُبَيْرُ ، مَا أَهْوَنُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَضَاعُوا أَمْرَهُ ، بَيْنَمَا هِيَ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُمُ الْمُلْكُ ، تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى . الداء و الدواء/ ابن القيم |
يا مغرورا بالأماني !! أين الذي جمعته من الأموال ، و أعددته للشدائد و الأهوال ؟! لقد أصبحت كفك منه عند الموت خالية صفراً ، و بدلت من بعد غناك و عزك ذلاً و فقراً فكيف أصبحت يا رهين أوزاره و يا من سلب من أهله و دياره ؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد ، و أقل اهتمامك لحمل الزاد ، إلى سفرك البعيد ، و موقفك الصعب الشديد أو ما علمت يا مغرور : أن لا بد من الارتحال ، إلى يوم شديد الأهوال ، و ليس ينفعك ثم قيل و لا قال بل يعد عليك بين يدي الملك الديان ، ما بطشت اليدان ، و مشت القدمان و نطق به اللسان ، و عملت الجوارح و الأركان فإن رحمك فإلى الجنان ، و إن كانت الأخرى فإلى النيران يا غافلاً عن هذه الأحوال . إلى كم هذه الغفلة و التوان ، أتحسب أن الأمر صغير . و تزعم أن الخطب يسير ؟ و تظن أن سينفعك حالك ، إذا آن ارتحالك ، أو ينقذك مالك ، حين توبقك أعمالك ، أو يغني عنك ندمك ، إذا زلت بك قدمك ، أو يعطف عليك معشرك ، حين يضمك محشرك كلا و الله ساء ما تتوهم و لا بد لك أن ستعلم . لا بالكفاف تقنع ، و لا من الحرام تشبع ، ولا للعظاة تستمع ، و لا بالوعيد ترتدع دأبك أن تنقلب مع الأهواء ، و تخبط خبط العشواء يعجبك التكاثر بما لديك ، و لا تذكر ما بين يديك يا نائماً في غفلة و في خبطة يقظان ، إلى كم هذه الغفلة و التوان أتزعم أن ستترك سدى ، و أن لا تحاسب غداً ، أم تحسب أن الموت يقبل الرشا ، أم تميز بين الأسد و الرشا كلا و الله لن يدفع عنك الموت مال ولا بنون و لا ينفع أهل القبور إلا العمل المبرور فطوبى لمن سمع و وعى ، و حقق ما ادعى ، و نهى النفس عن الهوى ، و علم أن الفائز من ارعوى ، و أن ليس للإنسان إلا ما سعى و أن سعيه سوف يرى فانتبه من هذه الرقدة ، و اجعل العمل الصالح لك عدة و لا تتمن منازل الأبرار ، و أنت مقيم على الأوزار ,عامل بعمل الفجار ، بل أكثر من الأعمال الصالحات ، و راقب الله في الخلوات . رب الأرض و السموات ولا يغرنك الأمل ، فتزهد عن العمل أو ماسمعت الرسول حيث يقول ، لما جلس على القبور : يا إخواني ، لمثل هذا فأعدوا ، أو ما سمعت الذي خلقك فسواك ، يقول : ( وتزودوا ، فإن خير الزاد التقوى ) و أنشدوا : تزود من معاشك للمعاد ==و قم لله و اعمل خير زاد و لا تجمع من الدنيا كثيراً ==فإن المال يجمع للنفاد أترضى أن تكون رفيق قوم ==لهم زاد وأنت بغير زاد ؟ و قال آخر : إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ==و لاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ==و أنك لم ترصد كما كان أرصدا و قال آخر : الموت بحر طافح موجه ==تذهب فيه حيلة السابح يانفس إني قائل فاسمعي== مقالة من مشفق ناصح لا ينفع الإنسان في قبره ==غير التقى و العمل الصالح و قال آخر : أسلمني الأهل ببطن الثرى== و انصرفوا عني فيا وحشتا و غادروني معدماً يائساً== ما بيدي اليوم إلا البكا و كل ما كان كأن لم يكن ==و كل ما حذرته قد أتى و ذاكم المجموع و المقتنى== قد صار في كفي مثل الهبا و لم أجد لي مؤنساً ها هنا== غير فجور موبق أو نقا فلو تراني و ترى حالتي ==بكيت لي يا صاح مما ترى و قال آخر : و لدتك إذ ولدتك أمك باكياً ==و القوم حولك يضحكون سروراً فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا ==في يوم موتك ضاحكاً مسروراً التذكرة / القرطبي |
يا ابن آدم توهم نفسك إذا تطايرت الكتب و نصبت الموازين و قد نوديت باسمك على رؤوس الخلائق أين فلان ابن فلان هلم إلى العرض على الله تعالى و قد وكلت الملائكة بأخذك فقربتك إلى الله لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك و اسم أبيك إذ عرفت أنك المراد بالدعاء إذ قرع النداء قلبك ، فعلمت أنك المطلوب ، فارتعدت فرائصك ، و اضطربت جوارحك ، و تغير لونك ، و طار قلبك . تحظى بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه و الوقوف بين يديه ، و قد رفع الخلائق إليك أبصارهم و أنت في أيديهم و قد طار قلبك و اشتد رعبك لعلمك أين يراد بك . فتوهم نفسك و أنت بين يدي ربك في يدك صحيفة مخبرة بعملك لا تغادر بلية كتمتها و لا مخبأة أسررتها و أنت تقرأ ما فيها بلسان كليل و قلب منكسر و الأهوال محدقة بك من بين يديك و من خلفك فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكرتها ، و كم من سيئة قد كنت أخفيتها قد أظهرها و أبداها ، و كم من عمل ظننت أنه سلم لك و خلص فرده عليك في ذلك الموقف و أحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيماً فيا حسرة قلبك و يا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك فأما من أوتي كتابه بيمينه فعلم أنه من أهل الجنة فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه و ذلك حين يأذن الله فيقرأ كتابه . فإذا كان الرجل رأساً في الخير يدعوا إليه و يأمر به و يكثر تبعه عليه دعي باسمه و اسم أبيه فيتقدم حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض في باطنه السيئات و في ظاهره الحسنات ، فيبدأ بالسيئات فيقرؤها فيشفق و يصفر وجهه و يتغير لونه فإذا بلغ آخر الكتاب و جد فيه هذه سيئاتك و قد غفرت لك فيفرح عند ذلك فرحاً شديداً ، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحاً حتى إذا بلغ آخر الكتاب و جد فيه هذه حسناتك قد ضوعفت لك فيبيض و جهه و يؤتى بتاج فيوضع على رأسه و يكسى حلتين و يحلى كل مفصل فيه و يطول ستين ذراعاً و هي قامة آدم و يقال له : انطلق إلى أصحابك فبشرهم و أخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا فإذا أدبر قال: (هاؤم اقرؤوا كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه ) قال الله تعالى : (فهو في عيشة راضية ) :أي مرضية قد رضيها (في جنة عالية): في السماء (قطوفها ):ثمارها و عناقيدها دانية أدنيت منهم فيقول لأصحابه هل تعرفونني ؟ فيقولون قد غمرتك كرامة الله من أنت فيقول أنا فلان ابن فلان ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا ( كلوا و اشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ):أي قدمتم في أيام الدنيا . و إذا كان الرجل رأساً في الشر يدعو إليه و يأمره به فيكثر تبعه عليه و نودي باسمه و اسم أبيه ، فيتقدم إلى حسابه فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات و في ظاهره السيئات ، فيبدأ بالحسنات فيقرؤها و يظن أنه سينجو ، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه حسناتك و قد ردت عليك ، فيسود وجهه و يعلوه الحزن و يقنط من الخير ثم يقلب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزناً و لا يزداد و جهه إلا سوداً فإذا بلغ آخر الكتاب و جد فيه : هذه سيئاتك و قد ضوعفت عليك أي يضاعف عليه العذاب ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل . قال : فينظر إلى النار و تزرق عيناه و يسود و جهه و يكسى سرابيل القطران ، و يقال له : انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا فينطلق و هو يقول : (يا ليتني لم أوت كتابيه * و لم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية ) :يعني الموت (هلك عني سلطانيه): تفسير ابن عباس رضي الله عنهما هلكت عني حجتي . قال تعالى :(خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه ):أي اجعلوه يصلى الجحيم (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه ):و الله أعلم بأي ذراع . قال الحسن و قال ابن عباس رضي الله عنهما : سبعون ذراعاً بذراع الملك . التذكرة / القرطبي |
| الساعة الآن 07:40 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها