منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   دفتر المواضيع التربوية العامة (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   الرسول المعلم صلى الله عليه و سلم (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=150894)

بتوفيق 28-07-2013 16:24

رعايتُه صلى الله عليه وسلم الفروقَ الفردية في المتعلمين


وكان صلى الله عليه وسلم شديدَ المراعاة للفروقِ الفردية بين المتعلِّمين من المُخاطَبين والسائلين ، فكان يُخاطِبُ كلَّ واحدٍ بقدرِ فَهْمِه وبما يُلائِمُ منزلتَه ، وكان يُحافِظ على قُلوبِ المبتدئين ، فكان لا يُعلِّمُهم ما يُعلِّم المنتهين . وكان يجيب كلَّ سائلٍ عن سؤالِهِ بما يَهُمُّه ويُناسِبُ حالَه .

وروى الإمام أحمد: ((كُنّا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء شابٌّ فقال : يا رسول الله ، أُقَبِّلُ وأنا صائم؟ قال : لا ، فجاء شيخٌ فقال : أقبِّل وأنا صائم؟ قال : نعم ، فنَظَر بعضُنا إلى بعضٍ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد علمتُ لِمَ نَظَر بعضُكم إلى بعض ، إن الشيخَ يَملِكُ نفسَه)).
ـوروى البخاري ومسلم: ((جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يَستأذِنُه في ال**** ، فقال : أحيٌّ والدك؟ قال : نعم ، قال: ففيهما فجاهِدْ)).
ـ وروى مسلمٌ: ((أقبلَ رجلٌ إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أبايعك على الهجرةِ وال****ِ أبتغي الأجرَ من الله ، قال : فهل من والدَيْكَ أحدٌ حيٌّ؟ قال : نعم ، بل كلاهما ، قال : فتَبتَغي الأجرَ من الله؟ قال : نعم ، قال : فارجِعْ إلى والدَيكَ فأحسِنْ صُحبَتَهما)) .
هذا مع ما عُرِف عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحضِّ على ال****ِ والهجرةِ والترغيبِ فيهما ، ولكنه صلى الله عليه وسلم لاحظَ حالَ هذا السائِل بخصوصِهِ ، فرأى بِرَّ الوالدينِ أهمَّ وأفضلَ في حقه من ال**** .
واختلافُ أجوبةِ النبي صلى الله عليه وسلم لاختلاف أحوالِ السائلين وظُروفِهم وقُدْراتِهم : بابٌ واسعٌ له أمثلةٌ كثيرة في كتب السنة المُطهَّرة .
ومن ذلك وصايا النبي صلى الله عليه وسلم المختلِفةُ لأناسٍ طَلَبوا منه الوصيةَ ، فأوصى كلَّ واحدٍ بغير ما أوصى به الآخَرَ ، ووجهُ ذلك يرجِع إلى اختلاف أحوالِ الذين سألوه الوصيةَ .

ـ روى الإمام أحمد: ((قلتُ : يا رسول الله ، أوصِني ، قال : اتقِ الله حيثما كنتَ ، وأتْبِعْ السيِّئةَ الحسنة تَمْحُها ، وخالِقْ الناسَ بخلُقٍ حسنٍ))
ـ وروى البخاري: ((أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوْصِني بشيءٍ ، ولا تُكْثِر عليَّ لَعَلّي أَعيهِ، قال : لا تَغْضَبْ . فردَّد ذلك مِراراً ، كلُّ ذلك يقول : لا تَغْضَبْ)).
ـ وروى البخاري: ((أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، دُلَّني على عَمَلٍ إذا عَمِلتُه دخلتُ الجنةَ ، قال : تَعبُدُ الله لا تُشرِكُ به شيئاً ، وتُقيمُ الصلاةَ المكتوبةَ ، وتؤدّي الزكاةَ المفروضةَ ، وتصوم رمضانَ ، قال : والذي نفسي بيده لا أزيدُ على هذا شيئاً أبداً ولا أنقُصُ منه .فلما وَلّى قال النبي صلى الله عليه وسلم : منْ سرَّه أن يَنظُرَ إلى رجلٍ من اهلِ الجنةِ فليَنْظُرْ إلى هذا)).
ـ وروى الترمذي: ((أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إن شرائع الإسلام قد كَثُرتْ عليَّ ، فأخبرني بشيءٍ أتَشَبَّثُ به ، قال : لا يَزالُ لسانُك رَطْباً من ذكرِ الله))
ـ وروى مسلم: ((قلتُ يا رسول الله ، قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك ، قال : قُلْ : آمنتُ بالله فاستَقِم)).
ـ وروى الترمذي: ((قلتُ : يا رسول الله ما النَّجاةُ؟ قال : أَمْلِكْ عليك لِسانَكَ ، ولْيَسَعْكَ بيتُك ، وابْكِ على خَطيئتِك))
ـ فقد روى البخاري ومسلم: ((أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال : تُطْعِمُ الطعامَ ، وتَقرأُ السلامَ على من عرفتَ ومن لم تَعرِفْ))
ـ وروى مسلم: ((أنَّ رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أيُّ المسلمين خير؟ فقال : من سَلِم المسلمون من لسانِه ويدِه))
ـ وروى البخاري ومسلم: ((سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم : أيُّ الأعمال أفضَلُ؟ قال : إيمان بالله ورسولِه ، قيل : ثم ماذا؟ قال : ****ٌ في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا؟ قال : حجٌّ مَبرور((
ـ وروى البخاري ومسلم: ((سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ العمل أفضَلُ؟ ـ وفي روايةٍ : أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ ـ قال : الصلاةُ لوقتِها ، قال : قلت : ثم أيٌّ؟ قال : برُّ الوالدين ، قال : قلتُ : ثم أيٌّ؟ قال : ال**** في سبيلِ الله ، فما تركتُ أستزيدُهُ إلا إرْعاءً عليه)(

ـ وروى أبو يَعْلى: ((أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في نَفَر من أصحابه . فقلتُ : أنت الذي تَزعُمُ أنك رسولُ الله؟ قال : نعم ، قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال : الإيمانُ بالله ، قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، ثم مَهْ؟ قال : ثم صِلَةُ الرَّحِم ، قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، ثم مَهْ؟ قال : ثم الأمرُ بالمعروف ، والنهيُ عن المنكَرِ .
وهناك أحاديثُ أخر من هذا القبيل مما اختَلَفت فيه الأجوبةُ في بيان أفضلِ الأعمال أو أحبِّها ، وإنما يَرجِع الاختلافُ فيها إلى رعايةِ الفروقِ الفردية بين أفرادِ السائلين وجماعاتِهم أو أوقات سُؤالِهم ، فأعلَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كُلاًّ بما يَحتاجُ إليه ، أو بما لم يُكْمِله بعدُ من دعائمِ الإسلام ولا بَلَغَهُ عِلمُه ، أو بما له فيه رغبةٌ ، أو بما هو لائق به .أو أعلَمَ السائلَ بما كان الأفضَلَ من غيرِه في وقتِ سُؤالِه ، فقد كان ال****ُ في ابتداء الإسلامِ أفضَلَ الاعمال لأنه الوسيلةُ إلى القيامِ بها والتمكُّنِ من أدائها ، وقد تَضافَرَتْ الأدلةُ على أن الصلاةَ أفضَلُ من الصدقة ، ومع ذلك ففي وقت مُؤاساةِ المُضطرِّ تكون الصدقةُ أفضَل.والنبي صلى الله عليه وسلم هو المعلِّم المُرشِد والهادي البَصير ، يُبَصِّرُ كلاًّ بما يحتاج إليه وبما يليق به ، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وبارَك وسلَّم .

قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ((من وظائف المُعلِّم أن يَقتَصِر بالمتعلِّم على قدر فهمِه ، فلا يُلقي إليه ما لا يَبلُغُه عقلُه فيُنفِّرُهُ أو يُخَبِّطُ عليه عقله ، اقتداءً في ذلك بسيِّد البَشر صلى الله عليه وسلم ـ فقد كان يُراعي ذلك في تعليمِه وتحديثِه ووعظه ـ ، فليَبُثَّ إليه الحقيقة إذا عَلِم أنه يَستَقِلُّ بفهمِها .ولا ينبغي أن يُفشيَ العالمُ كلَّ ما يَعلَم إلى كلِّ أحد ، هذا إذا كان يَفهمُه المتعلِّمُ ولم يكن أهلاً للانتفاع به ، فكيف فيما لا يَفهَمُه؟
قال : والمتعلِّم القاصرُ ينبغي أن يُلقيَ إليه الجَليَّ اللائقَ به ، ولا يَذكرَ له أنَّ وراءَ هذا تدقيقاً وهو يَدَّخِرُه عنه ، فإن ذلك يُفتِّر رغبته في الجَليّ ، ويُشوِّشُ عليه قلبَه ، ويوهِمُ إليه البُخلَ به عنه ، إذ يَظُن كلُّ أحدٍ أنه أهلٌ لكلِّ علمٍ دقيقٍ .

بتوفيق 28-07-2013 16:25

تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالحِوارِ والمُساءَلة

وكان من أبرز أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم الحِوارُ والمُساءلةُ ، لإثارةِ انتباهِ السّامِعين وتشويقِ نفوسِهم إلى الجوابِ ، وحَضِّهم على إعمال الفِكْر للجوابِ ، ليكون جوابُ النبي صلى الله عليه وسلم ـ إذا لم يستطيعوا الإجابة ـ أقربَ إلى الفهمِ وأوقعَ في النَفس.
روى البخاري ومسلم: ((أَرأيتُم لو أنَّ نَهْراً ببابِ أحدِكم ، يَغتسِلُ منه كلَّ يومٍ خمسَ مرّات ، هل يَبقى مِن دَرَنِه شيء؟ قالوا : لا
يَبقى مِن دَرَنِه شيء ، قال : فذلكَ مَثَلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ يمحو اللهُ بهنَّ الخَطايا)).

وروى الإمام أحمد قال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ي: ((تَدْرون مَنْ المُسلِم؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلم ، قال : المُسلِمُ من سَلِمَ المسلمون من لِسانِهِ ويَدِه. قال : تَدرون من المُؤْمِن؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلم : قال : من أمِنَه المؤمنون على أنفُسِهم وأموالِهم . والمُهاجِرُ من هَجَرَ السُّوءَ فاجْتنبَه

وروى مسلم: ((أتَدْرون ما المُفلِس؟ قالوا : المُفْلِس فينا من لا دِرْهَمَ له ولا مَتاع .قال : إنَّ المُفلِس مِن أُمَّتي مَنْ يَأتي يومَ القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة ، ويأتي وقد شَتَم هذا ، وقَذَفَ هذا ، وأكَلَ مالَ هذا ، وسَفَك دَمَ هذا ، وضَرَب هذا ، فيُعْطى هذا من حَسَناتِه ، وهذا من حسناتِه ، فإنْ فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يُقضى ما عليه ، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه ثم طُرِحَ في النار)) فكان مِن سُؤالِه لهم أوَّلاً ، ثم تَبْيينِه ما هو جوابُ سؤالِه ثانياً : تنبيهٌ منه صلى الله عليه وسلم للأذهان ، أنَّ الإفلاسَ الحقيقيَّ هو الإفلاسُ يوم القيامة!
ومن أشهَرِ أمثلةِ الحِوار حديثُ جبريل في تعليم أركانِ الإيمان.

بتوفيق 28-07-2013 16:26

تعليمه صلى الله عليه وسلم بالمُحادَثةِ والموازنة العقلية


ومن أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم أنه كان يَسلُك في بعض الاحيان سبيلَ المحاكمةِ العقليةِ على طريقة السؤالِ والاستجواب ، لقلعِ الباطلِ من نفسِ مستحسِنه ، أو لترسيخ الحقِّ في قلب مُستبعِدِه أو مُستَغرِبهِ .
روى أحمدُ والطبراني: ((أن فتى شابّاً أَتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسولَ الله ، ائذنْ لي بالزنى ، فأقبلَ القومُ عليه فزَجَروهُ وقالوا : مَهْ مَهْ. فقال صلى الله عليه وسلم : ادْنُهْ، فدنا منه قريباً فجلَسَ ، فقال صلى الله عليه وسلم له : أتُحِبُّهُ لأمِّك؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لأمَّهاتِهم .
قال : أفتُحِبُّهُ لابنتك ؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لبَناتِهم .
قال : أفتُحِبُّهُ لأختِك؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لأخواتِهم .
قال : أفتحبُّهُ لعمتِك؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لعمّاتِهم .
قال : أفتحبُّهُ لخالتِك؟ قال : لا واللهِ يا رسول الله جَعَلني الله فِداك ، قال : ولا الناسُ يُحِبّونَهُ لخالاتِهم .
قال : فوَضَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَه عليه ، وقال : اللهُمَّ اغفِرْ ذنبَهُ ، وطَهِّرْ قلبَهُ ، وحَصِّن فَرْجَهُ . قال : فلم يَكنْ الفتى بعد ذلك يَلتفتُ إلى شيءٍ)) فانظُر كيف استأصَلَ النبي صلى الله عليه وسلم من نفس الفَتى تعلُّقَه بالزنى ، عن طريقِ المُحادثَةِ والمُحاكَمةِ النفسيّة والمُوازنةِ العقلية ، دون أن يَذكُر له الآياتِ الواردة في تحريم الزنى والوعيدِ للزاني والزانيةِ ، نظراً منه أن هذا أقلَعُ للباطل ـ في ذلك الوقت ـ من قلبِ الشابِّ بحَسَب تصوُّرِه وإدراكِهِ .

بتوفيق 28-07-2013 16:28

سؤالُه صلى الله عليه وسلم أصحابَه ليَكشِف ذكاءهم ومعرفتهم




وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يَسألُ أصحابَه عن الشيء وهو يَعلَمُه ، وإنما يَسْألُهم ليُثيرَ فِطْنَتَهم ، ويُحرِّك ذكاءَهم ، ويَسقِيَهم العلمَ في قالَب المُحاجاة ليَختَبِر ما عندهم من العلم .
روى البخاري ومسلم: ((بَيْنا نحنُ عند النبي صلى الله عليه وسلم جُلوس ، إذْ أُتِيَ بِجُمّارِ نَخْلَة، فقال وهو يأكُلُه : إنَّ من الشَّجَر شَجَرة خضراءُ ، لَما بَرَكَتُها كبَرَكَةِ المسلم، لا يَسْقُطُ وَرَقُها ، ولا يَتَحاتُّ، وتُؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذْنِ رَبِّها، وإنها مِثْلُ المُسْلِم، فحدِّثوني ما هي؟ قال عبد الله : فوقَعَ الناسُ في شَجَر البَوادي ، فقال القوم : هي شَجَرةُ كذا ، هي شجرةُ كذا ، ووَقَع في نَفْسي أنَّها النَّخلة ، فجَعَلْتُ أُريدُ أن أقولَها ، فإذا أَسنانُ القوم ، فأهابُ أن أتكلَّم وأنا غلامٌ شابّ ، ثم التَفَتُّ فإذا أنا عاشِرُ عَشْرٍ أنا أَحدَثُهم أصغَرُ القوم ، ورأيتُ أبا بكر وعمر لا يَتكلَّمان ، فسَكَتُّ .فلما لم يتكلَّما ، قالوا : حدِّثنا ما هِيَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي النَّخلة .
فلما قُمنا قُلتُ لعمر أبي : واللهِ يا أبَتاهُ ، لقد كان وَقَع في نفسي أنها النخلة ، فقال : ما منَعَك أن تقولَها؟ قلتُ : لم أرَكم تتكلَّمون ، لم أرَكَ ولا أبا بكر تكلَّمتُما ، وأنا غلامٌ شابّ ، فاستَحيَيْتُ ، فَكرِهتُ أن أتكلَّم أو أقولَ شيئاً ، فسكتُّ . قال عمر : لأن تكون قُلتَها أحبُّ إليَّ من أن يكونَ لي كذا وكذا)).
وأُشيرُ هنا إلى جُلِّ ما يُؤخَذ من هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية :
استحبابُ إلقاءِ العالم المسألة على أصحابه ، ليَختَبِرَ أفهامَهم ، ويُرغِّبَهم في الفِكر والاعتناء ، مع بيانِه لهم ما خفي عليهم إن لم يفهموه .
التحريضُ على الفهم في العلم .
ضَرْبُ الأمثالِ والأشباه ، لزيادةِ الإفهام وتصويرِ المعاني لتَرْسُخ في الذهن ، ولتحديدِ الفكر في النظر في حكم الحادثة .
أنَّ تشبيه الشيء بالشيء ، لا يَلزَمُ منه أن يكون نظيرَه من جميع وجوهه ، فإنَّ المؤمن لا يُماثِلُه شيء من الجَمادات ولا يُعادِلُه .
استحبابُ الحياء ما لم يؤدِّ إلى تفويتِ مصلحة ، ولهذا تمنّى عمرُ أن يكون ابنُه لم يَسكت .
توقيرُ الكبير ، وتقديمُ الصغير أباه في القول ، وأنه لا يُبادِرُه بما فَهِمَه ، وإن ظَنَّ أنه الصواب . =
أنَّ العالِمَ الكبير قد يَخفى عليه بعضُ ما يُدركه من هو دونه ، لأن العلم مَواهب ، واللهُ يُؤتي فضله منْ يَشاءُ .
فَرَحُ الرجل بإصابةِ ولدِهِ وتوفيقِهِ للصواب .
الإشارةُ إلى حَقارةِ الدنيا في عينِ عمر رضي الله عنه ، لأنه قابل فَهْمَ ابنه لمسألةٍ واحدة بحُمُرِ النَّعَم ـ كما جاء في رواية ـ ، مع عِظَمِ قَدْرِها وغلاءِ ثمنها .
أنه لا يُكْرَهُ للوَلَد أن يُجيب بما عَرَف في حضرةِ أبيه ، وإن لم يَعرفه الأبُّ ، وليس في ذلك إساءةُ أدبٍ عليه .
ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الحياءِ من أكابرهم وأَجِلاّئِهم ، وإمساكُهم عن الكلام بين أيديهم .

بتوفيق 28-07-2013 16:29

تعليمه صلى الله عليه وسلم بالمُقايَسةِ والتمثيل

وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُقايِسُ لأصحابه الأحكامَ ويُعلِّلُها لهم ، إذا اشتبهتْ عليهم مَسالِكُها ، وغَمُضَ عليهم حُكمُها ، فيَتَّضِحُ لهم ما اشتَبَه أمْرُه ، وخَفِيَ فَهْمُه ، ويكونُ لهم من تلك المقايَسةِ معرفةٌ بمسالِكِ الشريعة ومقاصِدِها ، وفِقهٌ بمراميها البعيدة :
روى البخاري أنَّ امرأةً من جُهَيْنة ، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إنَّ أُمّي نذَرَتْ أن تَحُجّ ، فلم تَحجَّ حتى ماتَتْ ، أفأحُجَّ عنها؟ قال : نعم ، حُجّي عنها ، أرأيتِ لو كان على أُمُّكِ دَيْن أكنتِ قاضِيَتَه؟ قالت : نعم ، فقال : اقْضوا اللهَ الذي له، فإنَّ الله أحقُّ بالوفاء

ومن ذلك أيضاً ما رواه مسلم: ((أنَّ ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، ذهَبَ أهلُ الدُّثور بالأُجور، يُصَلّون كما نُصلّي ، ويَصومون كما نصوم ، ويَتصدَّقون بفُضولِ أموالِهم؟!.
قال : أوَليس قد جعَلَ لكم ما تَصَدَّقون؟ إنَّ بكل تسبيحةٍ صَدَقةً ، وكلِّ تكبيرةٍ صَدَقةً ، وكلِّ تحميدةٍ صَدَقةً ، وكلِّ تَهْليلةٍ صَدَقةً، وأمْرٌ بالمعروفِ صَدَقةٌ ، ونَهْيٌ عن منكرٍ صَدَقةٌ ، وفي بُضْعِ أحدِكم صَدَقةٌ.
قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحَدُنا شَهْوَتَه ويكونُ له فيها أجر؟ قال : أرأيتُم لو وضَعَها في حرامٍ أكان عليه فيها وِزْر؟ فكذلك إذا وَضَعَها في الحلال كان له أَجْر فقايَسَ لهم صلى الله عليه وسلم مُقايَسةً عقليةً بين الأمرين ، حتى اتَّضح لهم الحكم ، وفهِموا ما لم يكن يَدورُ في خَلَدِهم ، وهو أنَّ مِثلَ هذا الاستمتاعِ المشروعِ يكون به للمرء أجرٌ وثواب ، لما يترتب عليه من الآثار الحسنة .

وروى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال : سمعتُ النبي
صلى الله عليه وسلم يُسألُ عن شِراءِ التَّمْرِ بالرُّطَب؟
فقال لمن حوله : ((أيَنقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟ قالوا : نعم ، فنهى عن ذلك
وبدَهيٌّ كلَّ البَداهةِ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً أن الرطب ينقص إذا يبس ، ولكنه صلى الله عليه وسلم سألهم : هل ينقص الرطب إذا يبس؟ ليُنبِّه أصحابه وسامعيه وتابعيه ، إلى أنَّ علةَ النَّهي عن بيع الرطب بالتمر ، هي نقصه عند يُبسه ، فلا يجوز أن يباع هذا بهذا على سبيل التساوي بالكيل ، فأشعرَهم بعلةِ الحكم إذْ كان خَفِيّاً عليهم ، فكان ذلك قاعدةً في البيوع إلى آخر الزمن .


الساعة الآن 18:35

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها