![]() |
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾(البقرة:23-24) أولاً- بعد أن قرَّر الله تعالى في مكة المكرمة عجز الإنس والجن مجتمعين عن الإتيان بمثل القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾(الإسراء: 88) وتحدَّى الخلق عامة، والمكذبين خاصة أن يأتوا: ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾(يونس: 37) و﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾(هود: 13) و﴿ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾(الطور: 34) أعاد سبحانه وتعالى هذا التحدي في المدينة المنورة بعد الهجرة، فأمر الناس جميعهم عامة، والمرتابين في القرآن الكريم من كفار العرب، ومشركيهم خاصة أن يأتوا بسورة واحدة من هذا المِثل للقرآن، وأسجل عليهم إسجالاً عامًا إلى يوم القيامة، أنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا ذلك أبدًا، فليتقوا النار، التي وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين، من أمثالهم. ويبدأهذا التحدي بلفتة لها قيمتها في هذا المجال، هي وصف الرسول عليه الصلاة والسلام بالعبوديةلله الواحد القهار. ولهذا الوصف في هذاالموضعدلالات منوعة متكاملة: فهو أولاً تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وتقريب بإضافة عبوديته لله تعالى، دلالة على أن مقام العبودية لله جل وعلا هو أسمى مقام، يدعى إليه بشر، ويدعى به كذلك. وهوثانيًاتقرير لمعنى العبودية في مقام دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم وحده,واطِّراحالأنداد كلها من دونه. فها هو ذا النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الوحي- وهو أعلى مقام-يدعَىبالعبودية لله الخالق, ويشرَّف بهذه النسبة في هذا المقام. وقيل في سبب نزول هذه الآية: أنها نزلت في جميع الكفار. وروي عن ابن عباس ومقاتل: أنها نزلت في اليهود. وسبب ذلك أنهم قالوا: هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي، وإنا لفي شك منه. والأظهر هو القول الأول. ومناسبة الآية لما قبلها: أن الله عز وجل بعد أن فرغ من تقرير الإلهية والوحدانية، شرع سبحانه في تقرير النبوة، واحتج بهذه الآية الكريمة على صدق نبوة رسوله عليه الصلاة والسلام، وصحة ما جاء به من القرآن، وأنه من عنده وكلامه، الذي يتكلم به، وأنه ليس من صنعة البشر، ولا من كلامهم. وتقرير الإلهية والوحدانية، وتقرير النبوةتوأمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر. فالآية، وإن سيقت لبيان الإعجاز، إلا أن الغرض من هذا الإعجاز إثبات النبوة. ثانيًا- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ تنبيه على أن القرآن، الذي نزَّله الله تعالى على عبده، لا رَيْبَ فيه؛ كما قال تعالى في أول السورة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾(البقرة: 2) فنفى جنس الرَّيب فيه على سبيل الاستغراق. وتنكير الرَّيْب، للإشعار بأن حقه- إن كان- أن يكون ضعيفًا قليلاً، لسطوع ما يدفعه، وقوة ما يزيله.ومثله في ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ ﴾(الحج: 5) والرَّيْب- في اللغة- أن تتوَّهم بالشئ أمرًا مَّا، فينكشف عمَّا تتوَّهمه. وحقيقته: قَلَقُ النفس. يقال: رابني الشيء، وأرابني. وقيل: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الشك ريبة، وإن الصدق طمأنينة. والرِّيبةُ: اسم من الرَّيْب. والارتيابُ يجرى مجرى الإرابة. وقد أثبت الله تعالى وقوع الارتياب من الكافرين والمشركين والمنافقين، فقال: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾(الحديد: 14) ونفاه تعالى من الذين أوتوا الكتاب، والمؤمنين، فقال: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾(المدّثر: 31) وقوله تعالى:﴿رَيْبَ الْمَنُونِ ﴾(الطور: 30)، سمَّاه رَيْبًا، لا أنه مُشكَّكٌ في كونه؛ بل من حيث تشكُّكٍ في وقت حصوله. فالإنسان أبدًا في رَيْبِ المنون، من جهة وقته، لا من جهة كونه. وقال تعالى هنا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾(البقرة: 23)، وقال في يونس: ﴿ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾(يونس: 104) فاستعمل الرَّيْب في الأول، والشَّكَّ في الثاني. والسرُّ في ذلك أن الشَّكَّ هو تردُّدُ الذهن بين أمرين على حدٍّ سواء. أما الرَّيْبُ فهو شَكٌّ بتهمة، وهو من قولهم: رَابَ: حقَّق التهمة. قال الشاعر: ليس في الحق يا أميْمةُ رَيْبٌ ** إنما الرَّيبُ ما يقول الكذوب ولما كان المشركون، مع شكِّهم في القرآن، يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بأنه هو الذي افترى القرآن، وأعانه عليه قوم آخرون، نفى الله تعالى عنه أولاً جنس الرَّيب على سبيل الاستغراق بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾(البقرة: 2) ثم نبَّه ثانيًا على أنه لا ريب فيه بقوله : ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾(البقرة: 23) وأما قوله تعالى:﴿ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾(يونس: 104) فيمكن أن يكون الخطاب مع أهل الكتاب، أو غيرهم ممَّن كان يعرف النبي صلى الله عليه وآله بالصدق والأمانة، ولا ينسبه إلى الكذب والخيانة. فإن قيل: كيف نفى سبحانه وتعالى أن يكون في القرآن رَيْبٌ، ثم خاطب المشركين بقوله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾(البقرة: 23)؟ فالجواب: أنه لا تنافيَ بين كونهم في رَيْبٍ من القرآن، وبين نفي الرَّيب عن القرآن؛ لأن نفيَ الرَّيب يدل على نفي الماهيَّة. أي: ليس ممَّا يحلُّه الرَّيْبُ، ولا يكون فيه، ولا يدل على نفي الارتياب فيه؛ لأنه قد وقع ارتياب فيه من ناس كثيرين. ولا يردُّ على ذلك بقوله تعالى:﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ﴾، لاختلاف في الحالِّ والمحلول فيه. فالمحلول فيه هنا هم المخاطبون، والرَّيْبُ هو الحالُّ فيهم. والحالُّ في قوله تعالى:﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ مَنفيُّ، والمحلُّ هو الكتاب، فلا تنافي بين كونهم في رَيْبٍ من القرآن، وكون الرَّيْب منفيًّا عن القرآن. ووجهُ الإتيان بـ﴿فِيْ ﴾ الدالة على الظرفية هو الإشارةُ إلى أنهم قد امتلكهم الريب، وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف. واستعارة ﴿فِيْ ﴾ لمعنى الملابسة شائعة في كلام العرب؛ كقولهم:” هو في نعمة “. وفي قوله تعالى:﴿ نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾ التفات؛ لأنه انتقال من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم؛ لأن قبله قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾(البقرة: 21)، وقوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾(البقرة: 22) فلو جرى الكلام على هذا السياق، لكان نظم الكلام هكذا: ﴿مِمَّا أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِه ﴾ لكن في هذا الالتفات من التفخيم للمنزَّل، والمنزَّل عليه ما لا يؤدِّيه ضمير غائب، لا سيَّما كونه أتى بـ{ نَا } المشعرة بالتعظيم التام، وتفخيم الأمر. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾(الأنعام:99) وفي تعدي﴿ نَزَّلَ ﴾ بـ﴿ عَلَى ﴾ إشارة إلى استعلاء المنزَّل على المنزَّل عليه، وتمكُّنه منه، وأنه قد صار كالملابس له، بخلاف﴿ إِلَى ﴾؛ فإنها تدل على الانتهاء والوصول؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ ﴾(الأنعام: 111) ولما كانوا في ريب من القرآن حقيقة، وكانت ﴿إِنْ﴾ الشرطية؛ إنما تدخل على المُمْكن، أو المحقَّقِ المبهمِ زمانُ وقوعه، ادَّعى بعضهم أنَّ ﴿إِنْ﴾ هنا معناها:﴿ إِذَا ﴾؛ لأن ﴿ إِذَا ﴾ تفيد مضيَّ ما أضيفت إليه. ومذهب المحققين أنَّ﴿إِنْ ﴾ لا تكون بمعنى:﴿ إِذَا ﴾. والذي قالوه: إن الواقع- ولا بد- يعلق بـ﴿ إِذَا ﴾. وأما ما يجوز أن يقع، وأن لا يقع، فهو الذي يعلق بـ﴿إِنْ ﴾ ، وإن كان بعد وقوعه متعيِّن الوقوع. وقوله تعالى:﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ أمرٌ من الإتيان، وهو المجيء بسهولة، كيفما كان. يقال: أتى بالشيء من مكان كذا إلى مكان كذا، إذا جاء به بسهولة ويسر. وهذا لا يقدر عليه إلا من آتاه الله تعالى بسطة في الجسم، أو العقل والعلم. تأمل قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ* قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ |
جزاك الله خيرا على الموضوع
|
أمين مشكور على ردك..............
|
مشكورة أختي على الموضوع المفيد جدا .
ولكن نحتاج إلى إبداعاتكم و كفانا من النسخ واللصق !! |
مرحبا بالاخ بلسم ........مشكور على ردك ........
لكن هده حقائق علمية .......لبد البحث عنها و استخراجها من مصدرها و بالتالي نشرها للافادة ...........و لا ينظر ابدا الى داللك بأنه نسخ . لصق فلاننسى ان الهدف السامي من المنتديات الاستفادة و المعرفة....... لابأس....شكرا على الملاحظة |
مساهمة ثمينة ..وفقنا الله جميعا لخدمة مجتمعاتنا لما فيه خير
|
مشكورة أختي على الموضوع المفيد جدا . |
جزاك الله خيرا و الدال على الخير كفاعله وأقول لأخينا البلسم نحن بدورنا ننتظر إبداعاتك.... |
معلومات جد قيمة غاليتي
وان كان نقل كما قال الاخ فانه نقل مبااااااارك ونحتاجه كي نستفيد بالعكس اختنا اتحفينا بالرائع المفيد بوركتي اخيتك راجية رضى ربها |
مشكورة أختي على الموضوع المفيد جدا . |
| الساعة الآن 13:03 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها