![]() |
وقفات في وداع رمضان
ها نَحن نُودِّع رمضانَ المبارك بنَهارِه الجميل ولياليه العطرة، ها نَحن نُودِّع شَهْرَ القرآن والتَّقْوى والصَّبْر والرحمة والمغفرة والعتق من النار... وأنتم تذكرون في أولِ جُمُعة من هذا الشهر المبارك يومَ أن وَقفنا وقلنا: مرحبًا بك يا رمضان، مرحبًا بك يا شهر القرآن، وها نحن اليوم وفي آخر جمعة من رمضان نقف لنودِّعَه، ونقول له: السلام عليك يا شهرنا الكريم، السلام عليك يا شهر رمضان، السلام عليك يا شهر الصيام، والقيام، وتلاوة القرآن... السلام عليك يا شهرَ التَّجاوز والغُفْران، السلام عليك يا شهر البركة والإحسان، السلام عليك يا شهرَ الأمان، كنت للعاصين حبسًا، وللمتقين أنسًا، السلام عليك يا شهر الصيام والتَّهَجُّد، السلام عليك يا شهر التراويح، السلام عليك يا شهر الأنوار والمصابيح، فيا ليت شعري، هل تعود أيامُك أو لا تعود؟ وهل إذا عادت أيامُك، فسنكون في الوجود، وننافس أهلَ الركوع والسجود، أو سنكون قد انطبقت علينا اللُّحود، ومَزَّقَنا البِلَى والدود؟ فيا أسفًا على رحيلك يا رمضان، فيا شهرَنا، غير مُودَّع ودَّعناك، وغير مقلي فارقناك، كان نَهارك صدقة وصيامًا، وليلك قِراءَةً وقيامًا، فعليك منا تَحيةً وسلامًا، أتراك تعود بعدها علينا، أم يدركنا المنون، فلا تؤول إلينا؟ مصابيحنا فيك مشهورة، ومساجدنا منك معمورة، فالآن تُطْفأ المصابيحُ، وتنقطع التراويح، ونرجع إلى العادة، ونفارق شهر العبادة. والله، حقٌّ على كل واحد منا أن يبكيَ عليه، وكيف لا يَبكي المؤمنُ رمضانَ، وفيه تفتح أبوابُ الجنان؟ وكيف لا يبكي المذنب ذَهابه، وفيه تغلق أبواب النيران؟ كيف لا يبكي على وقتٍ تُسَلْسَل فيه الشياطين، فيا لوعةَ الخاشعين على فُقدانه، ويا حرقة المتقين على ذَهابه. هذا سيدنا علي - رضي الله عنه - كان يُنادي في آخر ليلة من رمضان: "يا ليت شعري، مَن المقبول فنهنيه، ومن المحروم فنعزيه"... نعم والله، يا ليت شعري، مَن المقبولُ منا فنُهَنِّئه بحسن عمله، ومن المطرود منا، فنعزيه بسوء عمله. أيها المقبولون، هنيئًا لكم، وأيُّها المردودون، جبر الله مُصيبَتكم، ماذا فات مَن فاته خيرُ رمضان؟ وأي شيء أدرك مَن أدركه فيه الحرمان؟ كم بين مَن حظُّه فيه القبول والغفران، ومَن حظُّه فيه الخيبة والخسران؟ متى يصلح من لم يصلح في رمضان؟ ومتى يَتَّعِظ ويعد ويَستفيد ويتغير ويغير من حياته مَن لَم يفعل ذلك في رمضان؟ إنَّه بحقٍّ مَدرسة للتغيير، نغير فيه من أعمالنا وسُلُوكِنا وعاداتنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله - جل وعلا -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]. ونَحن نودِّع رمضانَ، تعالَ معنا؛ لنقفَ وقفاتٍ تنفعنا في الدنيا والآخرة، فالسعيدُ منا مَن ترك الدنيا قبل أن تتركه، وعمر قبره قبل أن يدخله، وأرضى رَبَّه قبل أن يلقاه. الوقفة الأولى: تذكر رحيلك من الدنيا برحيل رمضان. تذكر - أيها الصائم - وأنت تودع شهرك سُرعةَ مُرور الأيام، وانقضاء الأعوام، فإنَّ في مُرورها وسُرعتها عبرة للمعتبرين، وعِظَة للمتعظين؛ قال - عزَّ وجلَّ -: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44]، فيا مَن ستودع رمضان، تَذَكَّر أنَّك ستودع الدُّنيا، فمَاذا قَدَّمْتَ لله؟ هل أنت مُستَعِد للقائه؟ إنَّ مَن عزم على سَفر، تَزَوَّد لسفره، وأعدَّ العدة، فهل أعْدَدْت زادًا لسفر الآخرة؟ فعجبًا لمن أعد للسفر القريب، ولم يعد للسفر البعيد؛ قال رجل للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أي المؤمنين أفضل؟ قال: ((أحسنهم خلقًا))، قال: فأيُّ المؤمنين أكيس؟ قال: ((أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس...))، قال حامد اللفاف: "مَن أكثر من ذكر الموت، أُكْرِمَ بثلاثةِ أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القوت، ونَشاط العبادة، ومَن نسي الموت، عُوقِب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وتَرك الرِّضا بالكفاف، والتكاسُل في العبادة". دخل رجلٌ على أبي ذر، فجعل يُقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر، أين متاعكم؟ قال: إنَّ لنا بيتًا نوجه إليه صالِحَ مَتاعنا، قال: إنَّه لا بُدَّ لك من متاع ما دمت ها هنا، قال: "إنَّ صَاحِبَ المنزل لا يدعنا فيه"، فتأمَّل - أخي - في هذا الفقه النبيه؛ إذ قال أبو ذر: "إن صاحبَ المنزل لا يدعنا فيه"، فالمنزل للدنيا، وصاحبها هو الله، وقد قال الله - تعالى -: ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾ [غافر: 39]. هذا رجل من الرجال المستعدين للرحيل، هذا الرجل هو عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - في يومٍ من الأيام صَلَّى بالناس العيد إمامًا، وبعد الصلاة مرَّ على مَقبرة، فنزل عن بغلته - هذا موكبه - وعنده بعضُ أصحابه، فقال لمن عنده: انتظروا، فذهب إلى المقبرة، وأخذ ينظر إلى القبور، وهو يقول: أيها الموت، ماذا فعلت بالأحبة؟ أيُّها الموت - يكلمهم - ماذا صنعت بهم؟ فلم يُجِبه أحد، ثم خرَّ على ركبتيه وهو يبكي ويردد شعرًا، فيقول: أَتَيْتُ الْقُبُورَ فَنَادَيْتُهَا http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فَأَيْنَ الْمُعَظَّمُ وَالْمُحْتَقَرْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَأَيْنَ الْمُذِلُّ بِسُلْطَانِهِ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَأَيْنَ الْمُزَكِّي إِذَا مَا افْتَخَرْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تَسَاوَوْا جَمِيعًا فَمَا مُخْبِرٌ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَمَاتُوا جَمِيعًا وَمَاتَ الْخَبَرْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تَرُوحُ وَتَغْدُو بَنَاتُ الثَّرَى http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فَتَمْحُو مَحَاسِنَ تِلْكَ الصُّوَرْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فَيَا سَائِلاً عَنْ أُنَاسٍ مَضَوْا http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أَمَا لَكَ فِيمَا مَضَى مُعْتَبَرْ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فإذا به يبكي بكاءً مرًّا، حتى اجتمع الناس حوله، حتى هدأ - رحمه الله. إنَّها القبور، إنَّه منزلك يا أخي الكريم، مُرَّ عليه يومًا من الأيام وتفحصه، هل تَحمل معك أثاثًا، أو يدخل معك فيه أحد؟ بعد أيام ولعلَّه بعد لحظات سوف تسكُنه وأنت لا تَدري، غَفلة وأي غفلة. ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران: 185]، القضية أكبرُ من هذا، لو كان موتًا، لكان هَيِّنًا؛ يقول الشاعر: فَلَوْ أَنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لَكَانَ الْمَوْتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيِّ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَنُسْأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيِّ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فاغتنم أيام عمرك قبل فواتِ الأوان ما دمتَ في زمن المهلة؛ قال عمر بن عبدالعزيز: "إنَّ الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل أنت فيهما"، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "ما ندمت على شيء ندمي على يومٍ غَرَبت شمسُه، نَقَصَ فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي". الوقفة الثانية: احذر - أخي - أنْ تكونَ مثل بلعم بن باعوراء: كان لسيدنا موسى - عليه السَّلام - صاحب من المقربين إليه، يُسَمَّى "بلعم بن باعوراء" عالم من علماء بني إسرائيل، وكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، لا يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إلاَّ أعْطَاهُ إيَّاهُ، بلغ من ثقةِ موسى فيه أنه قال له: يا بلعم، اذهب إلى أهلِ مدين، فبلِّغهم رسالاتِ الله، فلما ذهب بلعم ووقف بينهم خطيبًا ومرشدًا، قال له أهلُ مدين: كم يُعطيك موسى من الأجر على تبليغ هذا الكلام؟ فقال بلعم: إنَّما أبلغه ابتغاءَ مرضاة الله، لا أتَقَاضى على ذلك أجرًا، فساوموه وجعلوا له مقدارًا من الذهب والفضة، وعندئذٍ فَكَّرَ الرجلُ قليلاً، وبعد ذلك عاد إليهم، وترك نبيَّ الله موسى، وانقلب على عَقِبَيْه، وانتظره موسى؛ ليعودَ إليه، ولكنه لم يعُد إلى موسى، فقد أكلته الدنيا، وباع آخرته بدنياه. وعندئذٍ قَصَّ الله - عزَّ وجلَّ - قِصَّتَه على نبينا مُحمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحذَّرنا من أن نكونَ مثله، فبعد أن ذاق حلاوةَ الإيمان، وآتاه الله آياته، انقلب على عقبيه، واشترى الضلالةَ بالهدى والعذابَ بالمغفرة، وانسلخ من آياتِ الله، كما تنسلخ الحية من جلدها، فقال تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[الأعراف: 175 - 176]. وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على مَن ذاق حلاوةَ طاعة الله - تعالى - في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات، وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهرُ المبارك، انسلخ من آياتِ الله، ونقض غزله من بعد قُوَّة أنكاثًا. أيها المسلم، إنَّ كثيرًا من المسلمين يكونون في رمضان من الذين هم على صلاتِهم يُحافظون، فإذا انقضى رمضانُ، أضاعوا الصَّلاةَ، واتبعوا الشهوات، وكثير من المسلمين يَجتنبون في رمضان مُشاهدةَ المحرمات، وسَماع الأغاني، فإذا انقضى رمضان، عادوا إلى ما كانوا عليه من الباطل، وهؤلاء يُخْشَى عليهم أن يُختم لهم بالسيئات، أعاذنا الله وإياكم. فيا مَن صام لسانُه في رمضان عن الغِيبة والنَّميمة والكَذِب، واصلْ مَسيرتَكَ، وجدَّ في الطلب، ويا من صامت عينُه في رمضان عن النظر المحرم، غضَّ طرفَك ما بقيت، يورثِ الله قلبَك حلاوةَ الإيمان ما حييت، ويا من صامت أذنه في رمضان عن سماع ما يحرم من القول، وما يُستقذر من سماع غيبة، أو نميمة، أو غناء، أو لهو، اتَّقِ اللهَ ولا تعد، اتَّقِ الله، ولا تعُد، ويا من صام بطنه في رمضان عن الطعام، وعن أكْلِ الحرام، اتَّقِ الله في صيامك، ولا تذهب أجرك بذنبك، وإياك ثم إياك من أكلِ الربا، فإن آكله مُحارِب لله ولرسوله، فهل تطيق ذلك؟ ولقد ذَمَّ السلفُ هذا الصنف من الناس، وهذا النوع من الأجناس، قيل لبشر: إنَّ قومًا يَجتهدون ويتعبدون في رمضان، فقال: "بئس القوم الذين لا يعرفون اللهَ إلاَّ في رمضان، إن الصالح يجتهد ويتعبد السَّنَةَ كلها". وعن علقمة قال: قلت لعائشة - رضي الله عنها -: "هل كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَختص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، بل كان عمله ديمة"؛ البخاري (1987) ومسلم. الوقفة الثالثة: اللهَ اللهَ بشباب المسلمين. الغَيْرَة على المحارم من سِمَات المؤمنين، وكلما نَقَصَ الإيمانُ في قلب العبد، نَقَصَتْ وضَعُفت غَيْرتُه، وإذا ذهبت الغَيْرة بالكلية، صار ديوثًا، والدَّيُّوث هو الذي يرضى الخبثَ في أهله؛ ولذا استحَقَّ هذا الديوث أنْ يُحْرَم دخولَ الجنة؛ يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((لا يدخل الجنة ديوث))؛ [رواه أحمد والنسائي]. ولا ندري أيُّها الأحبة، بماذا نفسر خروجَ النساء سافراتٍ مُتبَرِّجاتٍ في الأسواق والْمُجَمَّعات التِّجارية والأماكن العامة، هل يدُلُّ هذا على وجود غيرة عند الرجال، أو يدل على عكس ذلك؟ ترى أحيانًا امرأةً شابة كاشفة لوجهها، متزينة بأَبْهى زينة، وقد أخرجت شيئًا من شعرها، وربَّما تعطرت، فتكون في قمة الزينة والفتنة، ويكون معها زوجها إما بسيارته، أو يَمشي معها في المجمَّعات أو الأسواق، وكأنَّه يقول للشباب: انظروا وتَمتَّعوا بالنظر إلى زوجتي وإلى أخواتي. سبحان الله! تصل الدياثة إلى هذا الحد، إنَّ كثيرًا من الحيوانات والبهائم تغار على أنثاها من أنْ يَقْرَبَها حيوان آخر، وهذا الرجل يرضى بأنْ يتمتعَ بالنظر إلى أنثاه كلُّ مَن مَرَّ بذلك المكان. ماذا بَقِيَ لك - أيُّها الزوج - بعد أنْ فقدت الغيرة، والمصيبة أنَّ هذا المنظر لا يُعَدُّ آحادًا أو في حكم الشاذ، بل صار منظرًا مُتكررًا بالعشرات... أيُّ دينٍ هذا؟ وأيُّ شرع هذا؟ وأيّ إسلامٍ يدَّعون هذا؟ ألَم يقل نبينا - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أيما امرأة استعطرت، فمَرَّت على القوم؛ ليجِدُوا ريحَها، فهي زانية))؛ أخرجه أحمد. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: ألاَ تغارون؟ ألاَ تستحيون؟ فإنه بلغني أنَّ نساءكم يزاحِمْنَ العلوج - أي الأجانب - رَحِمَ اللهُ الخليفةَ الراشد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ليس الأمر أمر مُزاحمة الآن، بل تعدى ذلك بكثير... فأين غيرة المسلم على أهل بيته؟ فيا مَن تسمح لأهل بيتك بالخروج مُتبرجات، اتَّقِ الله - تعالى - احفظ نفسَك من الدياثة، واحفظ نساءَك من الفتنة والافتنان قبل أن يحل بنا ما حَلَّ بغيرنا من المصائب. الوقفة الرابعة: تذكروا الأيتام يوم العيد: إنَّ العيدَ على الأبواب، فإلى كل صائم وصائمة أُوَجِّه هذه العباراتِ؛ عَلَّ الله - عزَّ وجلَّ - أنْ يكتُبَها في ميزان الحسنات، أقول: وأنتم تشترون لأولادِكم وبناتكم ملابسَ العيد، وحلويات العيد، تَذَكَّروا ذلكم الطفلَ اليتيم، الذي ما وجد والدًا يشتري له ملابسَ العيد، ويبارك له بالعيد، ويُقبِّله، ويَمسح على رأسه، قُتل أبوه في جُرْح من جِرَاح هذه الأمة، وتذكروا تلكم الطِّفلة الصغيرة، حينما ترى بنات جيرانها يرتدين الجديد، وهي يتيمة الأب، إنَّها تخاطب فيكم مشاعِرَكم، وأحاسيسكم، إنَّها تقول لكم: أنا طفلة صغيرة، ومن حقي أنْ أفرحَ بهذا العيد، نعم، مِن حقي أن أرتدي ثوبًا حسنًا لائقًا بيوم العيد، من حقي أنْ أجِدَ الحنان والعطف، أريد قُبلةً من والدي، ومَسْحَةً حانية على رأسي، أريد حلوى، ولكن السؤال المرَّ الذي لم أجد له جوابًا حتى الآن هو: أين والدي؟ أين والدي؟ أين والدي؟!! فيا أخي، ويا أختي، قَدِّموا لأنفسِكم، واجعلوا فرحةَ هذا العيد المبارك تعُمُّ أرجاءَ بلادنا وبيوتنا. أسألُ اللهَ العَلِيَّ القدير أنْ يتقبلنا بقَبول حَسن، وأنْ يُصْلِحَ قلوبَنا وأعمالنا، وأنْ يُعيدَ رمضان علينا باليمن والخير والبركات، إنَّه سَميع مُجيب، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا مُحمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
شكرا جزيلا على الدرس الديني القيّم و بارك الله فيك أختي الفاضلة |
|
اقتباس:
|
اقتباس:
|
وقفتان بعد رحيل رمضان
وقفتان بعد رحيل رمضان رياض يحيى الغيلي الحمد لله رب العالمبن ... ياآآآآرب : يا من لا تراه العيون .. ولا تخالطه الظنون .. ولا يصفه الواصفون .. و لا تغيره الحوادث ... ولا يخشى الدوائر ... ويعلم مثاقيل الجبال .. ومكاييل البحار .. وعدد قطر الأمطار .. وعدد ورق الأشجار .. وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار .. ولا تواري منه سماء سماءا .. ولا أرض أرضا .. ولا بحر ما في قعره .. ولا جبل ما في وعره .. أعد علينا رمضان أعواما متتالية .. وارزقنا الزهادة في الدار الفانية .. وارفع منازلنا في جنة عالية . اللهم ارزقنا الاستقامة على دينك في كل زمان .. في رمضان وفي غير رمضان. وأشهد ألا إله إلا الله ... لا إله إلا الله ... لا إله إلا الله .. أوحى إلى حبيبه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم فقال :( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) واعلم بأن الله رب واحد *** متنزه عن ثالث أو ثان الأول المبدي بغير بداية *** والآخر المفني وليس بفان وهو المحيط بكل شيء علمه *** من غير إغفال ولا نسيان سبحانه ملكا على العرش استوى *** وحوى جميع الملك والسلطان وأشهد أن حبيبنا و نبينا ورسولنا وعظيمنا وقائدنا وقدوتنا محمداً رسول الله .. كان دائم الصلة بالله ... يصوم والناس مفطرون ... يقوم والناس نائمون ... يذكر الله والناس غافلون ... يرتل القرآن الناس هاجرون . هو خير من صام وأفطر ... وخير من سبح وذكر .. وخير من هلل وكبر . حبيبي يا رسول الله : لي في مديحك يا رسول عرائس تُيمن فيك وشاقهن جلاء هن الحسان فإن قبلت تكرما فمهورهن شفاعة حسناء ما جئت بابك مادحاً بل داعياً ومن المديح تضرع وثناء يا من له عز الشفاعة وحده وهو المنزه ماله شفعاء صلى عليك الله يا علم الهدى ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم . أما بعد : فيا حملة القرآن .. ويا حراس العقيدة : فقد رحل رمضان ... رحل شهر الصيام ... رحل شهر القيام ... رحل شهر القرآن .. رحلت لياليه العامرة ... رحلت أيامه الزاهرة ... كأنها لحظات عابرة .. فارقتنا يا سيد الشهور ... وإنا لفراقك لمحزونون .. دعِ البكاءَ على الأطلالِ والدَّارِ *** و اذكر لمن بانَ من خلٍّ و من جارِ ذرِ الدموعَ نحيباً و ابكِ من أسفٍ *** على فراقِ ليالٍ ذاتِ أنوارِ على ليالٍ لشهرِ الصومِ ما جُعلَتْ *** إلا لتمحيصِ آثامٍ و أوزارِ يا لائمي في البُكا زدني به كَلفاً *** و اسمع غريبَ أحاديثٍ و أخبارِ ما كان أحسنُنا و الشملُ مجتمعٌ *** منَّا المصلِّي و منَّا القانتُ القارِي أيها المؤمنون الأعزاء : من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد رحل ... ومن كان يعبد الله ؛ فإن الله باق لا يرحل . من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد رحل ... ومن كان يعبد الله ؛ فإن الله باق لا يرحل . نعم : رحل رمضان .. فهل رحل الصيام ؟ رحل رمضان ..فهل رحل القيام ؟ رحل رمضان .. فهل رحل القرآن ؟ رحل رمضان .. فهل رحلت مناجاة الواحد الديان ؟ أيها المؤمنون الأوفياء : بعد رحيل رمضان أقف مع حضراتكم وقفتان متأنيتان أسميها ( وقفتان بعد رحيل رمضان ) الوقفة الأولى : رحل رمضان .. فهل رحل الصيام ؟ لقد رحل رمضان بصيام الفريضة ... ولكنه ترك لنا صيام التطوع .. وأول صيام التطوع بعد رمضان ... صيام ستة أيام من شوال ... ولكي نعرف فضل صيام الست من شوال ... أرتحل بكم إلى الحضرة المحمدية على صاحبها أزكى الصلوات الربانية .. لنوجه هذا السؤال إلى الذي لا ينطق عن الهوى ..يا رسول الله بأبي أنت وأمي : أخبرنا عن فضل صيام الست من شوال ! فتأتي الإجابة واضحة المعاني ... جلية المباني ... ليقول لنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال .. فكأنما صام الدهر كله ) ... يا الله !! صام الهر كله ؟ نعم أيها الأحبة ... من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال .. فكأنما صام الدهر كله... كيف ذلك ؟ ألم يعدنا مولانا جل جلاله في محكم تنزيله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)؟ والصيام حسنة ... بل صيام اليوم الواحد حسنة ... والحسنة بعشر ... وعلى ضوء هذا الوعد الرباني ؛ فإن صيام يوم من رمضان يعدل صيام عشرة أيام .. ورمضان ثلاثون يوماً حتى وإن كان ناقصاً .. وصيام رمضان بثلاثمائة يوم .. وصيام يوم واحد من أيام شوال الست يعدل صيام عشرة أيام كذلك .. فصيام الستة بستين يوماً .. والسنة القمرية الهجرية العربية : ثلاثمائة وستون يوماً .. فإذا ما صمت رمضان والأيام الست من شوال .. فكأنك صمت ثلاثمائة وستين يوماً .. كأنك صمت السنة كلها .. فإذا كنت على هذه الحال كل عام حتى تلقى الله .. أعطاك ثواب من صام العمر كله ... هذا وعد الله .. والله لا يخلف الميعاد .. ثم تهل علينا نسمات مباركات ... تحملها لنا الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة ..التي أقسم الله تعالى بها فقال : ( والفجر ... وليال عشر ..) قال المفسرون ؛ المقصود بالليالي العشر : العشر الأيام الأولى من شهر الحج .. ومنها يستحب صيام تسعة أيام من أول ألشهر حتى اليوم التاسع منه .. وهو يوم عرفة ... فتعالوا أحبتي لنسمع الصحابي بن الصحابي .. الفقيه ابن الفقيه .. الورع ابن الورع ..عبد الله بن عباس رضي الله عنه ماذا أخبره الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم عن فضل هذه الأيام ... قال رضي الله عنه وعن أبيه سمعت حبيبي محمدا صلى الله عليه وسلم : ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر من ذي الحجة ـ قالوا: يا رسول الله، ولا ال**** في سبيل الله؟ قال: ولا ال**** في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) . أما فضل صيام يوم عرفة فيكفي أن تعلم أن الحبيب محمداً صلى الله عليه وسلم قال فيه : (صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده) سبحان الله الجواد الكريم .. صيام يوم عرفة يكفر الذنوب التي ارتكبتها في السنة الماضية .. والتي ترتكبها في السنة اللاحقة ... إذا اجتنبت الكبائر .. وبعد يوم عرفة يأتي يوم عاشوراء .. وما أدراكم ما عاشوراء .. إنه اليوم الذي نجى الله فيه كليمه موسى .. وأغرق فيه عدوه فرعون ... وهو اليوم العاشر من شهر الله الحرام (محرم) .. وقـد جاء بيان فضل صيام يوم عاشوراء في حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم عـاشوراء، فـقــــال: "يكفِّر السنة الماضية"، وفي رواية:"صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفـــر السنة التي قبله" وفـي حديث آخر: "ومن صام عاشوراء غفر الله له سنة" قـال البـيـهـقـي: "وهذا فيمن صادف صومه وله سيئات يحتاج إلى ما يكفِّرها؛ فإن صادف صومه وقد كُفِّرت سيئاته بغيره انقلبت زيادة في درجاته، وبالله التوفيق". بل إن صيامه يعدل صيام سنة، كما في رواية: "ذاك صوم سنة". ويصور حبر هذه الأمة عبد الله ابن عباس حرص النبي صلى الله عليه وسلم على صيـامـه فيقول: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشــوراء، وهذا الشهر، يعني: شهر رمضان" أيها الأخ المسلم .. أيتها الأخت المسلمة : لم ننته بعد من صيام التطوع .. فمازال أمامنا الأيام القمرية من كل شهر هجري ... وهي التي تسمى (الأيام البيض) .. وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر .. من صامها مع شهر رمضان كان على حقاً على الله أن يرويه يوم الظمأ .. إي وربي ؛ كان على حقاً على الله أن يرويه يوم الظمأ .. أتدرون ما يوم الظمأ ؟ إنه يوم عسير .. على الكافرين غير يسير .. إنه يوم يقول عنه المولى جل جلاله و تقدست أسماؤه : ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج ، تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبراً جميلا،إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، يوم تكون السماء كالمهل ، وتكون الجبال كالعهن ، و لا يسأل حميم حميماً) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبراً جميلا !!! إنه يوم يشتد فيه الظمأ بالعباد ... وتدنو الشمس من الرؤوس .. وتتيبس الشفاه .. وتتحجر الألسن ... وتجف الحلوق ... وليس هناك من يسقي الماء إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حوضه الذي يصفه فيقول : ( حوضي على مقدار مسيرة شهر ..ماؤه أشد بياضاً من اللبن .. وريحه أطيب من ريح المسك .. وطعمه أحلى من العسل .. من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا ) فيا فوز من شرب من هذا الحوض ... يا فوز من يسقيه الحبيب صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ... يا فوز من يرد ذلك الحوض ... أخي في الله ... أختي في الله : هل تريدان أن تشربا من ذلك الحوض ؟ هل تريدان أن يسقيكما الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ؟ هل تريدان أن تشربا شربة هنيئة لا تظمآن بعها أبداً ؟ عليكما بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ..عليكما بصيام الأيام البيض من كل شهر .. التي يحث على صيامها سيد الخلق فيقول : ( من صام ثلاثة أيام من كل شهر مع شهر رمضان كان حقاً على الله أن يرويه يوم الظمأ ) نعم : من صام ثلاثة أيام من كل شهر مع شهر رمضان كان حقاً على الله أن يرويه يوم الظمأ .. هذه الحقيقة وعاها أعرابي الحجاج ... فاستعد بها لذلك اليوم .. أتدرون من أعرابي الحجاج ؟ اسمعوا هذه القصة وستعرفونه جيداً !! كان الحجاج بن يوسف الثقفي طاغية العراق كان رجلا سفاحاً ، وكان أميراً على العراق ، في عهد عبد الملك بن مروان ، وكان الحجاج لا يأكل إلا إذا أرسل إلى رجل يأكل معه .. وذات يوم شديد الحر أراد أن يتناول طعام الغداء .. فأرسل أحد جنوده ليحضر له من يأكل معه .. وذهب الجندي في حر الهجير عندما قامت الشمس على الرؤوس تكوي وجه الأرض بحرها .. أخذ الجندي يبحث عن رجل يأكل مع الحجاج فلم يجد في هذا الحر القائض إلا أعرابياً ينام في ظل جبل .. فأيقظه الجندي ... وقام الأعرابي مذعوراً : لم أيقظتني يرحمك الله ؟ قال الجندي : لتتناول الغداء مع أمير العراق ... أتدري من هو ؟ قال الأعرابي : نعم .. إنه الحجاج بن يوسف .. فقاده الجندي نحو الحجاج بن يوسف .. ولما وقف الأعرابي أمام الطاغية .. قال الحجاج : أتدري من أنا يا أعرابي ؟ قال الأعرابي : نعم ، أنت الحجاج بن يوسف . قال الحجاج : إذن تعال لتتناول الغداء على مائدة الحجاج يا أعرابي .. قال الأعرابي بلسان العزة والشموخ : لقد دعاني من هو أفضل منك كي أتناول الطعام عنده . قال الحجاج المغرور : ومن أفضل مني يا أعرابي ؟ قال الأعرابي : إنني اليوم صائم ومدعو على مائدة الله جل في علاه .. الله أكبر ... ما هذا الشموخ ؟ ما هذه العزة ؟ أيها الإخوة الأعزاء : عندما أقرأ هذه القصة أحني الجبين إكباراً وإجلالاً لله الذي وضع العزة في قلب من يحب من عباده . أعرابي وأمير طاغية .... أعرابي حافي القدمين .. فقير الحال .. يقف أمام طاغية العراق الذي ملأ الأرض ظلماً .. ولا يحكم العراق حتى هذا اليوم إلى كل طاغية أثيم ... حجاج زنيم . أعرابي مسكين يقف أمام ظالم مات في سجنه عشرون ألفا .. وكان سجنه غير مسقوف لا صيفاً ولا شتاءاً .. وإن سجون الطغاة الغاشمين في هذا الزمان أشد هولاً من سجن الحجاج .. فلكل زمان حجاجه .... وقد ابتلى الله أمة محمد في هذا الزمان في كل بلد من بلاد المسلمين بحجاج غاشم .. عميل خائن .. لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة . الأعرابي يقول : يا حجاج .. لقد دعاني من هو أفضل منك ... إنني اليوم صائم ومدعو على مائدة الرحمن .. فيجيب الحجاج : يا أعرابي أتصوم هذا اليوم وهو شديد الحرارة ؟ فيقول الأعرابي المؤمن : يا حجاج .. أصومه ليوم أشد منه حراً . فيجيب الحجاج : أفطر اليوم .. وصم غداً . فيجيب الأعرابي وكله ثقة وإيمان : يا حجاج .. هل اطلعت على الغيب فوجدتني سأعيش إلى الغد .. والله الذي لا إله إلا هو لو كان أحد علماء السلطان في موقف هذا الأعرابي ودعي إلى مائدة أحد المسؤولين وكان صائماً ... لأفطر الدهر كله .. حتى يفوز بمجالسة صاحب الجلالة ... أو صاحب الفخامة ... أو صاحب السمو ... أو صاحب السعادة ... أو صاحب المعالي .. شاهت الوجوه ... شاهت وجوه المنافقين ... شاهت وجوه المتملقين ... شاهت وجوه المتزلفين . قال الأعرابي : ماذا تريد مني يا حجاج ؟ قال الحجاج وقد بهت : لا أريد منك شيئاً .. قال الأعرابي : إذن فدعني مع الذي رفع السماء وبسط الأرض .. ثم انصرف . أيها المؤمنون الأماجد ... أيتها المؤمنات الفاضلات : ما زلت معكم في الوقفة الأولى بعد رحيل رمضان .. ومن سوى ذلك .. هناك صوم يومي الاثنين والخميس .. فقد كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يصومهما ... ولما سئل - بأبي هو وأمي- عن ذلك قال : ( إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله ، وأنا أحب أن يرفع عملي إلى الله وأنا صائم ) و من أراد الزيادة فعليه بصيام نبي الله داوود عليه السلام . أتدرون ما صيام داوود ؟ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً . قال الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم : ( خير الصيام صيام داوود .. كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ) . إلى هنا أستطيع التوقف عن عرض الوقفة الأولى .. لنستريح قليلاً .. قبل أن نستعرض الوقفة التالية . أيها المؤمنون الأعزاء : هنا مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم يقول فيها الحبيب : البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت .. إعمل ما شئت كما تدين تدان ... كل غبن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون . فتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون . الوقفة الثانية الحمد لله رب العالمين ... ولا عدوان إلا على الظالمين . أشهد ألا إله إلا الله .. ولي الصالحين ... واشهد أن محمداً عبد الله ونبيه ورسوله ... إمام المتقين .. وخاتم الرسل أجمعين ... صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين .. وأصحابه أجمعين . أما بعد : أيها الإخوة المؤمنون .. أيتها الأخوات المؤمنات : أعود لأقف مع حضراتكم وقفة ثانية بعد رحيل رمضان .. رحل رمضان ..فهل رحل القيام ؟ لقد كان قيام الليل ديدن حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم فما ترك قيام الليل في غير رمضان .. بل كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان .. وكانت تقول له أمنا عائشة رضي الله عنها : هون عليك يا رسول فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيجيبها بلسان الشكر والرضا : أفلا أكون عبداً شكوراً .. أفلا أكون عبداً شكوراً .. بأبي وأمي رسول الله .. من أحسن منه أخلاقاً ؟ وهو الذي أدبه ربه فقال : وإنك لعلى خلق عظيم .. يا سيد العقلاء يا خير الورى يا من أتيت إلى الحياة مبشراً وبعثت بالقرآن فينا هادياً وطلعت في الأكوان بدراً نيراً والله ما خلق الإله ولا برى بشراً يرى بين الورى كمحمداً بل إن الله تعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بعظمته وجلاله ليس في رمضان فحسب .. بل في سائر الليالي على مدار العام ... فينادي ويقول : ( من يدعوني فأستجيب له .. من يسألني فأعطيه .. من يستغفرني فأغفر له ؟ ) فهل تقر عينك بالنوم يا عبد الله وربك جل وجلاله يناديك .. ويفتح لك أبواب رحمته .. ويوسع لك أبواب عطائه ؟ كان السلف الصالح من هذه الأمة يحرصون على قيام الليل حرصهم على الصلوات المكتوبة .. فقد كان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه يقوم الليل كله يقرأ فيه القرآن كاملاً في ركعة واحدة هي الوتر .. وكان أبو حنيفة النعمان يقوم الليل كله .. فيصلي الليل بوضوء العشاء .. ثم يصلي الفجر بنفس الوضوء .. استمر على هذا الحال نحواً من خمسين عاماً . أما الحسن البصري رحمه الله فيصف صلاة الليل بقوله : لم أجد من العبادة شيئاً أشد من الصلاة في جوف الليل ؛ فقيل له: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهاً ؟ فقال : لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره . كيف لا وهم تلاميذ مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيها : ( أيها الناس : أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام ) ويقول فيها أيضاً صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بقيام الليل .. فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وهو قربة إلى ربكم .. ومغفرة للسيئات .. ومنهاة عن الإثم ) أيها الإخوة الأعزاء : نعم قيام الليل صعب وليس بيسير .. وهو شاق على النفس والجسم .. لكن إذا أردت فعلاً قيام الليل فعليك بالأسباب الميسرة لذلك والتي منها : أولاً : لا تكثر الأكل .. في النهار أو في الليل .. كان بعض الصالحين يقول : يا معشر المريدين ، لا تأكلوا كثيراً .. فتشربوا كثيراً .. فتناموا كثيراً .. فتخسروا كثيراً . لا تأكلوا كثيراً .. فتشربوا كثيراً .. فتناموا كثيراً .. فتخسروا كثيراً . ثانياً : لا ترهق نفسك بالأعمال الشاقة في النهار . ثالثاً : لا تترك القيلولة بالنهار فإنها تعين على قيام الليل . رابعاً : تجنب الأوزار . قال الإمام الثوري : حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته . خامساً : إجعل قلبك سليماً لجميع المسلمين .. خالياً من البدع .. معرضاً عن فضول الدنيا . سادساً : اعرف فضل قيام الليل . سابعاً : خف الله تعالى وأقصر من الأمل . وفوق كل هذا : اعرف ربك يا عبد الله ... فإنك إن عرفت ربك أحببته .. وإذا أحببت ربك ناجيته .. فإذا ناجيته حملتك مناجاته على طول القيام بين يديه . قال أبو سليمان رحمه الله : أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم .. ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا .. الله .. الله .. ما أجمل هذا الكلام : أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم .. ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا .. فاز من سبح والناس هجوع يسكب العبرة من بين الضلوع أيها المؤمنون الأعزاء : أختم وقفتي الثانية بهذه القصة : عامر بن عبد الله .. تابعي جليل ..يقول عنه علقمة بن مرثد : انتهى الزهد إلى ثمانية في مقدمتهم عامر بن عبد الله التميمي . من أخباره ما حدث به أحد أبناء البصرة قال : سافرت مع قافلة فيها عامر بن عبد الله ، فلما أقبل علينا الليل .. نزلنا بغيضة ( مكان يجتمع فيه الشجر والماء ) . فجمع عامر متاعه .. وربط فرسه بشجرة .. وطول له زمامه .. وجمع له من حشائش الأرض ما يشبعه وطرحه أمامه ... ثم دخل الغيضة وأوغل فيها .. فقلت في نفسي : والله لأتبعنه ، ولأنظرن ما يصنع في أعماق الغيضة في هذه الليلة .. فمضى حتى انتهى إلى رابية ملتفة الشجر .. مستورة عن أعين الناس .. فاستقبل القبلة .. وانتصب قائماً يصلي .. فما رأيت أحسن من صلاته ولا أكمل و لا أخشع فلما صلى ما شاء له أن يصلي .. طفق يدعو الله ويناجيه .. فكان مما قاله : " إلهي لقد خلقتني بأمرك .. وأقمتني في بلايا هذه الدنيا بمشيئتك .. ثم قلت لي استمسك ... فكيف أستمسك إن لم تمسكني بلطفك يا قوي يا متين ؟ إلهي إنك تعلم أنه لو كانت لي هذه الدنيا بما فيها .. ثم طلبت مني مرضاة لك لوهبتها لطالبها ... فهب لي نفسي يا أرحم الراحمين .. إلهي إني أحببتك حباً سهل علي كل مصيبة .. ورضاني بكل قضاء .. فما أبالي مع حبي لك ما أصبحت عليه .. وما أمسيت فيه " قال الرجل البصري : ثم إنه غلبني النعاس .. فأسلمت جفني إلى الكرى ( أي النوم ) ... ثم ما زلت أنام وأستيقظ .. وعامر منتصب في موقفه .. ماض في صلاته ومناجاته .. حتى تنفس الصبح .. فلما بدا له الفجر أدى المكتوبة ثم أقبل يدعو فقال : " اللهم ها قد أصبح الصبح ، وطفق الناس يغدون ويروحون ..يبتغون من فضلك .. وإن لكل واحد منهم حاجة ..وإن حاجة عامر عندك أن تغفر له .. اللهم فاقض حاجتي وحاجاتهم يا أكرم الأكرمين ... اللهم إني سألتك ثلاثاً .. فأعطيتني اثنتين .. ومنعتني واحدة .. اللهم فأعطنيها حتى أعبدك كما أحب وأريد يا رب العالمين .. ثم نهض من مجلسه ..فوقع بصره علي .. فعلم بمكاني منه تلك الليلة .. فجزع لذلك أشد الجزع .. وقال لي في أسى : أراك كنت ترقبني الليلة يا أخا البصرة ؟ فقلت : نعم . فقال : استر ما رأيت مني ستر الله عليك . فقلت : والله لتحدثني بهذه الثلاث التي سألتها ربك .. أو لأخبرن الناس بما رأيته منك . فقال : ويحك .. لا تفعل .. فقلت : هو ما أقول لك . فلما رأى إصراري قال : أحدثك على أن تعطيني عهد الله وميثاقه ألا تخبر بذلك أحداً . فقلت : لك علي عهد الله وميثاقه ألا أفشي لك سراً ما دمتَ حيا . فقال :لم يكن شيء أخوف علي في ديني من النساء .. فسألت ربي أن ينزع من قلبي حبهن .. فاستجاب لي حتى صرت ما أبالي امرأة رأيت أم جداراً . قلت : هذه واحدة .. فما الثانية ؟ قال : الثانية أني سألت ربي ألا أخاف أحداً غيره .. فاستجاب لي .. حتى أني والله ما أرهب شيئاً في الأرض ولا في السماء سواه . قلت : فما الثالثة ؟ قال :سألت ربي أن يذهب عني النوم .. حتى أعبده بالليل والنهار كما أريد فمنعني هذه الثالثة . فلما سمعت منه ذلك قلت له : رفقاً بنفسك .. فإنك تقضي ليلك قائماً .. وتقطع نهارك صائماً ... وإن الجنة تدرك بأقل مما تصنع ... وإن النار تتقى بأقل مما تعاني . فقال : إني لأخشى أن أندم حيث لا ينفع الندم .. والله لأجتهدن في العبادة ما وجدت إلى الاجتهاد سبيلا ..فإن نجوت فبرحمة الله .. وإن دخلت النار فبتقصيري .. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح أيها المؤمنون : إرفعوا أكف الضراعة إلى الله وأمنوا على دعائي ...... الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم |
| الساعة الآن 00:11 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها