منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   دفتر المواضيع التربوية العامة (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   ايديولوجيا الفصل (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=2652)

عمر العلالي 01-10-2007 20:24

ايديولوجيا الفصل
 
من هنا كانت البداية، نظر إلي الأستاذ نظرة ملية، ثم طفق يتأمل في سحنتي البلهاء، و التي تعكس واقع الريف المغربي في مابين أواخر السبعينيات و أوائل الثمانينيات... شعر أكرت أشعث يحكي قصة القحط باختصار، و عينان ذابلتان بهما عمش كثيف، و واد من المخاط يندلق من المنخر ليصب في بحر اسمه الفم، حيث يمتزج و البصاق ليشكلا معا كلا يدعى العفن أو إن شئت قل قذارة ؟؟؟
كان الأستاذ على اختلاف الفصول يفتح النوافذ و باب الحجرة لألا يغمى عليه من نسائم الأرجل التي لا يزورها الماء إلا مرات قلائل ....ناهيك عن حالات الغثيان التي كانت تصيبه جراء الفساء المتشكل من خلاصة الفاصولياء و الفول ـ البيصارة ـ ، لكنه مع ذلك كان يعاملنا بلطف و حنان، حتى أن عقابه كان عارضا، شذوذا لا قاعدة ...و إن فعل قرأنا على صفحة وجهه الندم!!!
هذا الأستاذ هو السي العربي الغيلاني وسامحنا الله كنا نلقبه بالمقص، إيــه نعم المقص فقد كنا ساعتئذ نلبس الجلابيب و السراويل الفضفاضة، ولأول مرة نرى إنسانا يلبس سروالا ضيقا و قميصا... فكان شكله شكل المقص!!! و لنحافة جسمه أثر بالغ في هذا الوصف...
قلت نظر إلي نظرة ملية، ثم أعاد نظرته المرة تلو الأخرى... نظرات ثاقبة و ذات معنى، لم أكن لأحلل مغزاها آنذاك، المهم أنه استطاع أن يصيبني بنوبة من الارتباك و الخوف معا، و أنا أقول في قرارة نفسي « و جعلنا من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون »
سمعت والدي يرددها كلما أراد الاختباء من أحدهم ـ أصحاب الديون أو أعوان السلطة ـ ، استحضرت آنذاك جميع الدروس و امتداداتها استعدادا لأي سؤال مباغث، إلا أن السيد المقص تجاوز حدود المقرر ليفاجئني ب..!!! ـ الله أعلم ـ
ـ ماذا تعرف عن الاشتراكية؟
ـ تمتم تمتم
ـ حدثنا عن الثورة البولشفية؟
ـ هم تمتمتمتم
ـ .......................................؟
ـ ....................
ـ .................................................. .....؟
ـ .........................
ـ .................................................. ........................؟
ـ ........................................
بدأ يجيب نفسه بنفسه و كأنه كان واثقا من عدم إجابتنا ... ثم صار بعد ذلك موالا يوميا، يدندن به على مسامعنا كلما رأى وجوهنا الشاحبة، فقد كان يصنفنا ضمن الكادحين........
كانت عنده آراء عديدة حول الاشتراكية و أساسياتها، مازالت تلك الكلمات عالقة في ذهني فقد أصبح يحدثنا عن النضال في الحرم الجامعي ـ بصفته فاعلا في اتحاد طلبة المغرب ـ و عن الصراع الدائم مع الإخوانيين ـ الخوانجية ـ فقد كان الرفاق يخوضون معارك دامية بالأسلحة البيضاء مع أصحاب اللحى، أو كما كان يسميهم: الظلاميون ...
هذه المرة تجرأ أحدنا و سأل: ـ كانت سابقة من نوعها ـ
ـ من هم الظلاميون ؟ و ماذا يريدون؟
رد بسرعة:
ـ هم العدو !!! هم العدو !!! هم الذين يقفون حجرة عثراء أمام الحداثة و الحرية و حقوق الإنسان ...
أطرق قليلا ثم استطرد:
ـ هم يريدوننا أن نرجع إلى عصور مضت !!! هم لا يعرفون شيئا عن الحضارة و التقدم و الفكر الحداثي !!!

ومن غير سابق إنذار صاح في و جهنا قائلا :
ـ لا تعيشوا في جلابيب آبائكم ! سكت هنيهة ثم استأنف كلامه:
ـ أيها المناضلون الصغار ! هل تعرفون تشيكي فارا؟
ـ هل تعرفون كارل ماركس؟
ـ هل تعرفون .............؟
ـ هل .................................................. .................................................. .؟
كنا ننظر إليه نظرة الغبي المرعوب، لكنه تجاهل دهشتنا، و أكمل حديثه المطنب عمن كان يسميهم بأهرامات الفكر الشيوعي؟؟؟!!!
كانت كلماته كبيرة بل أكبر مما كنا نتوقع من حيث التركيب و الدلالة ... فأصبح و كأنه يخاطب خشبا مسندة.
فجأة، لمحت أحدهم يطل من نافذة الحجرة : 3 . لم أهتم بالأمر، فقد كان همّي كما هو همّ باقي التلاميذ أن نفهم و لو كلمة مما يقول السي العربي، لعلها تكون لنا نجاة يوم الامتحان،ـ يوم يعز المرء أو يهان ـ كنا نحسبه ...
مازال يلوك ألفاظا و كلمات ضخمة ... تضرب هنا و هناك ...ثم وقع الحدث الأهم. كيف؟
اقتحم القسم رجال أجلاف ، انهالوا على أستاذنا ضربا و ركلا و رفسا حتى سال دمه ...
لم نعد نسمع سوى:
ـ سنريك أيها الكافر ...!!!
ـ سنريك أيها ....!!!
ـ سنريك أيها الخائن !!!
مازالوا يضربون و هو يقاوم و يقول:
حقوقي دم في عروقي لن أنسها و لو أعدموني
كان من بين من كان معهم شيخ القبيلة و رجالا حليقين، فتساءلنا في خوف غامر:
ـ هل هؤلاء هم الظلاميون؟؟؟
ـ هل هؤلاء هم.........؟؟؟
عرفنا بعدها أن لسي العربي أعداء كثر .....
قيل أنه قتل ... قيل أنه اعتقل ... قيل أنه... لكن الأكيد أنه تم تعويضه ...
طبعا يوم جديد، أستاذة جديدة ـ ربيعة البقالي ـ ، ثم فكر جديد ...
قلت نعم، نعم فكر جديد و مختلف ... فقد كانت تحدثنا مرارا و تكرارا عن مواجهاتها المتعددة ضد الرفاق ـ الرفاقجية ـ و تقول عنهم أنهم زنادقة وكفرة ...
أذكر أن أحدهم سألها هل سيدخلون النار ؟
فأجابت بثقة و ارتياح: ـ نعم، إن لم يتوبوا.......
هكذا كان كلامها ... دين في دين في ...
كانت تراقبنا باستمرار و تحثنا على النظافة قائلة أنها من الإيمان...
الإيمان...... التربية ..... الطهارة ... الصلاة ... العدل ... الحكم بما أنزل الله!!! ـ هذا مجمل كلامها ـ
ثم قيل أنها قتلت ...قيل أنها اعتقلت... قيل... لكن الأكيد أنه تم تعويضها .
و كذلك و كذلك ...ظلت المقررات تتغير حسب الفكر السائد، فمن فكر اشتراكوي إلى فكر إسلاموي، إلى فكر رأسمالوي لبيرالوي إلى ما نعيشه الآن من فكر انحلالي يُحترم رغما عن أنوف آبائنا و أجداد أجدادنا.
اليوم وقد كبرنا فمنا السي العربي ... و منا ذ ربيعة ... و منا آخرون أتباع الآخرين.

ange gardien 17-11-2007 19:10

ماأروعك اختلط الأمر على أبنائنا وكل يوم أفاجأ بسؤال حتى أصبحت أعرف الأستادة أو الأستاذ دون ذكر إسمه

يحي 17-11-2007 19:21

قصة رائعة شكلا و مضمونا.
لا أجد التعابير المناسبة خصوصا و أني أعدت قراءتها 3 مرات ...إنها حمولة من المعاني ..
إنها ايديولوجيا ترغمنا رغما عنا ..و لا جرأة للرفض...
بارك الله فيك
مزيدا من العطاء

adil-alfakir 17-11-2007 20:29

قصتك أخي من الروعة بماكان ،والأروع وصفك للإصلاح التعليمي بالمغرب وعلاقاته بالإيديولوجيات المتعاقبة منذ إدعائهم أنهم يفكرون بجدية في الإصلاح.

omar512 17-11-2007 21:19

قصة رائعة مسرودة بأسلوب قصصي شيق . وذات حمولات فكرية وتربوية.
تحية إلى كل من حمل فكرا ودافع عنه فضحى من أجله دون إقصاء للأخر.
إلى كل من ضحى من أجل مغرب يسوده العدل والمساواة ، ما لم يعوض بسخاء من أموال الشعب..

nizar 17-11-2007 22:12

عمل غاية في الروعة، أما التعابير الموظفة فيه فذات شحنات دلالية تسبر عمق تناقضات الإديولوجيات المتعاقبة،داخل فصل يمكن اعتباره "العلبة السوداء" لما يدور خارج أسوار المدرسة...
مشكور على المشاركة،ننتظر مزيدا من اعمالك فأسلوبك ما شاء الله يشد القارئ ويجذبه جذبا يبدأ بالفضول وينتهي بنشوة السرد ...

الزهراء 18-11-2007 12:31

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
ما قرأت هنا يستحق أكثر من وقفة لإخراجه من حيزه الزمكاني وتحليله تحليلا مفصلا
فتلك السنوات السوداء التي كانت فيها الكلمة الحقة تعني عذاب محتم بأبشع الطرق
وأكثرها قذارة وحيوانية لا يمكن لتعويض بائس أن يمحي آثارها فمن قتل ومن فقد
من أعضائه الكثير كيف يمكن تعويضه وما يساويه التعويض المادي أمام الضرر
النفسي هل يمكن أن نعوض هذا الأخير لا وربي لا يمكن للنفس أن ترتاح من هول
ما مر بها...أخي قلمك يستحق المتابعة أتمنى أن أقف على جديدك قريبا.
دمت بود...تحياتي الهاربة من معتقل الصمت أتركها لك.

عمر العلالي 03-12-2007 14:23

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته:

العزيز ange gardien الأروع هو مرورك و الأحبة على هذه السطور ، مرور أعتز به
بارك الله بك
تحياتي:

عمر العلالي 03-12-2007 14:28

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته:

العزيز يحي ... نعم كما تفضلت لقد فرضت علينا ايديولوجيات كتعاقب الليل و النهار ... و لكننا لن نقبل أخي ان نكون و أبناءنا مجرد بيادق أو أوعية فارغة ... يشرفني مرورك
دمت في رعاية الله
تحياتي

عمر العلالي 03-12-2007 14:40

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته :
العزيز عادل الفقير يشرفني مرورك الكريم ... يدّعون الإصلاح و الحركة لمصلحة العملية التعليمية.....، و الحقيقة أنه ادعاء مردود عليهم لما تكتسيه تلك العمليات من سطحية و رسمية مفتعلة الإصلاح يجب أن يكون من العمق ... و إلا فلا ... مَا عُمّر الكليطة ما تعطي الكرموص
تحياتي:

عمر العلالي 03-12-2007 14:44

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته:

العزيز عمر مرحبا بك بين سطوري ...
صدقت أخي التضحية ... هذا ما نريد ... على أن لا تعوض بمال الشعب ...هذا ما لا نريد.
مرورك أعتز به
تحياتي:

عمر العلالي 03-12-2007 14:49

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته:

العزيز نزار ...أسعدني حضورك و شهادتك تكليف أعتز به.
دمت في ألق
تحياتي:

عمر العلالي 03-12-2007 14:54

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته:

أستاذتي الزهراء تسعدني إطلالتك على سطوري ـ ايديولوجيا الفصل ـ و في القريب إن شاء الله تقرأ لي الجديد ... أرجو أن أكون عند حسن الظن
تحياتي

abousalma 03-12-2007 15:15

قصة رائعة ارجعتني عقودا من الزمان الى الوراء حين كان استاذ اللغة العربية المؤقت يرغي ويزبد شاتما الاوضاع والظروف التي طوحت به الى اعالي جبال الاطلس المتوسط ببرده وشتائه القارس عوض ان يكون كالذين نبدوا السياسة والسياسيين وفضلوا المهادنة لينعموا بمنصب سامي في مدينة شاطئية دافئة وبها كل متطلبات الحياة الهنيئة . كنا صغارا نستمع اليه وهو يسب الظروف التي لاقته بشيوعيين متمركسين شحنوا ذهنه بافكار ثورية ساقته الى السجن بسبب وشاية مغرضة من طرف شيخ القبيلة.كانت اول احتكاكاتنا بالفاظ الثورة والتمرد ومنا من تشبع بها وقواها ليجد نفسه في النهاية صفرا على اليسار[zéro à gauche]في حين ان البعض الاخر اغمض عينيه عن ظروف القهر والحرمان والعري ونهج كل الوسائل المفضية الى اعالى الرتب بذل اعالي الجبال.شكرا لك اخي على قصتك الشيقة النابعة من الواقع السبعيني الاليم.

عمر العلالي 03-12-2007 21:09

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته:

العزيز أبو سلمى يشرفني مرورك الكريم و أعتذر لأن قصتي حركت بداخلك ذلك الأسى الذي استوطننا حيزا كبيرا من الزمن
مع الود و التقدير:
تحياتي:


الساعة الآن 14:27

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها