![]() |
في مديح الكراسي
هل تعرفون لماذا لا يحب المسؤولون في المغرب تقديم استقالتهم من مناصبهم احتجاجا أو تذمرا أو عندما يتورطون في فضيحة طيلة سنوات هذا الاستقلال المجيد.
السبب قد يكون مثيرا للضحك. فيبدو أن مسؤولينا يستطيبون الكراسي الوثيرة التي يجلسون فوقها، ومع مرور السنين تنشأ بينهما علاقة حميمية ويسقط أحدهما في غرام الآخر فيصبح انفصال أحدهما عن الآخر ضربا من المستحيل. لذلك فظاهرة الالتصاق بالكرسي تستحق من وزارة الصحة دراسة نفسية معمقة لكي نفهم أخيرا سر هذه المحبة الدائمة التي لا تنقطع بين مسؤولينا وكراسيهم الوثيرة. الكرسي هو المبتدأ والمنتهى، هو المطلب الذي يسعى إليه السياسيون والمثقفون والنقابيون. وفي سبيل الجلوس فوقه تقوم الحروب والفتن بين الأحزاب، ويستخرج كل حزب جثث الحزب الذي يصارعه لكي يلوح له أمام وجهه ويفزعه بجماجمها وعظامها المتلاشية. في سبيل الكرسي ينام المناضلون على قناعة ويصبحون على أخرى. يؤسسون الجرائد ويجلسون على كراسي إدارتها ويشرعون في تلميع الأحذية الوسخة لأولياء نعمتهم طمعا في الجلوس في أماكن أخرى أعلى من تلك التي هم فيها. في سبيل الكرسي يصبح المنتخبون الأميون قادرين على ارتجال الخطب بطلاقة أمام الملأ. ويصبح الجلادون القساة أكثر وداعة فوق المنصات من ضحاياهم النحيلين والمرضى. ويصبح اللصوص، الذين عوض أن يتركوا أياديهم داخل جيوبهم دسوها داخل جيوب المواطنين، أكثر نظافة من وسادة رضيع. في سبيل الكرسي يستبدل المناضلون خنادقهم القديمة بدواوينهم الوزارية، ويغيرون البندقية من كتف إلى كتف بلا مشاكل. في سبيل الكرسي يتنازل الأرستقراطيون ويدخلون إلى أكواخ البؤساء لتوزيع أوراقهم الانتخابية حيث وجوههم السمينة تحجب الجمل المتعثرة التي تختزل مشاريعهم المتعثرة. في سبيل الجلوس فوق الكرسي ينسى المناضلون الأيام التي كانوا يجلسون فيها فوق رؤوس القناني والليالي التي كانت فيها أطرافهم تتقلص بسبب جلسات التعذيب بالكهرباء. في سبيل الكرسي تنقطع المناضلات السابقات عن التدخين وينجبن الأبناء ويتحولن إلى مواطنات فاضلات. في سبيل الكرسي يتعانق الخصوم مثل أحباب وينسون أحقادهم ويذهبون معا إلى البار ليشربوا نخب الصداقة، وبمجرد ما يسكرون يعترفون للشعب بالحب. في سبيل الكرسي يجلس اليميني الانتهازي إلى جانب اليساري الثوري حول الطاولة نفسها ويتبادلان القبل وكلمات الغزل في انتظار الانفراد بنا. في سبيل الكرسي تختزل الثورة في نشيد مبحوح داخل مقرات الحزب ويتم طي الانقلابات بعناية داخل حقائب صغيرة بعد دس حبات الكافور بين ثناياها لكي لا تبعث رائحتها على الغثيان عندما تطلع الأجيال الجديدة على جثث الماضي وقتلاه. في سبيل الكرسي يشحذ الرفاق خناجرهم ويشحذ القادة حناجرهم استعداداً للتباري على أصوات الشعب. في سبيل الكرسي ينسى الكتاب كتبهم والشعراء قصائدهم والفلاسفة حكمتهم ويقتربون منك، الكتاب يعشقون فيه دورانه والشعراء يفضلون هشاشته، فيما الفلاسفة تستهويهم قدرته على التنقل من مكان إلى آخر دون أن يضيع منه الهدف. في سبيل الكرسي تصبح المرأة عند السياسيين رهانا في الانتخابات لا يكادون يفرقون بينه وبين رهانهم أيام الآحاد على أحصنة «الفيلودروم». في سبيل الكرسي يتعهدون بحماية المرأة من الظلم والأطفال من الشوارع والشباب من البطالة، وعندما يظهرون في التلفزيون يعطون الانطباع بأنهم غير مستعدين لتحقيق هذه الشعارات حتى داخل بيوتهم مع زوجاتهم وأطفالهم. في سبيل الكرسي يصبح ضعاف الشخصيات الذين مازالت زوجاتهم يضربنهم بالشبشب قادرين على الوقوف أمام الشعب والتعهد أمامه بالتحلي بالرجولة والصرامة في مواجهة مشاكل الأمة العويصة. في سبيل الكرسي تجند وزارة الداخلية الممثلين والمغنين لشرح العملية الانتخابية، ليفهم الشعب أن الأمر يتعلق فقط بمسلسل كوميدي أو أغنية قديمة تتكرر حسب الطلب مثل أغاني الأعياد الوطنية. في سبيل الكرسي يبدو اليسار أكثر يمينية من اليمين ويبدو اليمين أكثر يسارية من اليسار، وعندما ينجحون يصبحون جميعهم أكثر تطرفاً من طالبان. في سبيل الكرسي يرفع الجميع شعار الشباب، وأول شيء يقومون به تجاه هذا الشباب بعد الانتخابات هو تصفية شبيبة الحزب، لكي يقطعوا الخلف ويظلوا هم وحدهم جالسين فوقه إلى أن يشيخوا وتصاب أطرافهم بالارتعاش وذاكراتهم بالزهايمر. في سبيل الكرسي يتم استخراج جثث المناضلين من قبورها كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وتتم إعادتها بهدوء إلى النسيان بعد أن تكون قد أدت واجبها الوطني في الشهادة للأحياء بالنزاهة التاريخية، مع أنها لو عادت إلى الحياة من جديد وعاشت بينهم يوما واحداً لحمدت الله لأنه قبض روحها قبل أن يحل هذا الزمن الرديء. أيها الكرسي الوثير يا مانح الراحة للأجساد المتعبة والسمنة للأبدان النحيلة. أيها الكرسي المتحرك الذي يدور حسب ما تشتهيه رياح المصالح. سواء كنت في البرلمان أو الحكومة، في الإدارة أو فقط كرسي دورة مياه... كن صلبا قليلا، كن مؤلما، كن شائكاً، حتى لا يستطيبك الجالسون فوقك أكثر من اللازم. أيها الكرسي السخيف الذي يبيع الناس كرامتهم من أجله، يا مانح الخلود للعباد الفانين والقوة للمهزومين... لو فقط تحولت من كرسي وثير إلى كرسي كهربائي، فهناك كثيرون يجلسون فوقك ويتحملون المسؤولية يستحقون أن تصعقهم حتى الموت. المصدر: جريدة المساء ع804 الاربعاء 22 أبريل 2009 |
اللهم احفظا من هاته العلاقة الغرامية مع الكرسي... شكرا جزيلا على حسن اختيارك لهذا الموضوع الجيد |
تصوير رائع لعلاقة المسؤول بالكرسي
مشكورة اختي على نقل الموضوع |
تحصيل حاصل ليس الا مجرد تعبير في الإنشاء
|
شكرا لك و لكاتب الموضوع الصحافي رشيد نيني
|
هذا العشق للكرسي.....لن يستطيع الحكي عنه الا الفنان
/بزيز/السنوسي- وكرسيه المسلي والمفجع.....لكن للاسف منع التعبير..... |
من أجل فصل الكرسي عن صاحبه يجب أن نعي ذواتنا كفعل وليس كوجود بيولوجي، وإلا فإن الكرسي سنزيله في أحسن الأحوال من صاحبه لنجلسه ثانية عليه أو نورثه لخليفته ... وعي الذات هو الكفيل بمعالجة أمراضنا الذاتية والاجتماعية و...
|
[quote=عبد العزيز قريش;622898]من أجل فصل الكرسي عن صاحبه يجب أن نعي ذواتنا كفعل وليس كوجود بيولوجي، وإلا فإن الكرسي سنزيله في أحسن الأحوال من صاحبه لنجلسه ثانية عليه أو نورثه لخليفته ... وعي الذات هو الكفيل بمعالجة أمراضنا الذاتية والاجتماعية و...[/quote
الوعي الفعلي او الوعي البيولوجي لا يحسة الشخص الا عند الامتلاك المميز لما يثير وجود للدات وهدا لا يحققه اغلب الاشخاص الا عند و جودهم على الكرسي |
ببساطة اكثر باش تكون سيدي ومولاي فهدا مطمح كل شخص وبالتالي لابد ان يكون لك كرسي حتى تكون كذلك .
وقد تكون انشتاين او سيبويه او .....فلن يبالي لوجودك احد اذا لم تكن صاحب كرسي |
شكرا انه موضوع رائع وتحية خاصة لكاتبه
|
أخي الكريم عمران1 تحية طيبة مشفوعة بالدعاء لكم بالصحة والعافية. أخي العزيز أخالفك الرأي في أن الوعي بالذات لا يتحقق عند أغلب الأشخاص إلا من خلال وجودهم على الكرسي، لأن كم من جالس على الكرسي لا يع ذاته. وكم من ذوات واعية ذاتها خارج الكرسي فعلها أكبر من فعل الكراسي. فالفعل ما تعلق يوما بضرورة الكرسي.
لك كل مودة |
هل تعرفون لماذا لا يحب المسؤولون في المغرب تقديم استقالتهم من مناصبهم احتجاجا أو تذمرا أو عندما يتورطون في فضيحة طيلة سنوات هذا الاستقلال المجيد؟؟؟؟؟؟؟
السبب هو نحن ... نحن الذين نسامحهم على جرائمهم ...نحن الذين نتغاظوا عن أخطائهم ...نحن الذين نزين لهم أفعالهم و أعمالهم مها أنحرفت ... نحن الذين نصبر و نتحمل طغيانهم ...نحن الذين ننحني راكعين ليصعدوا على ظهورانا كلما أوشكوا أن يقعوا أرضا ... نحن الذين نحميهم و نمدهم بالقوة ... فالكرسي و الذي عليه قيمتهما نحن الذين نمنحها إياهم، فلا نلومهم ، بل اللوم كل اللوم علينا نحن .. و هذا هو المضحك .. |
ثقافةالمحاكاة: تتجسد من خلال تمظهرات تقليد الفقراء /تقليد المغلوب للغالب/ للمفسدين في سلوكياتهم وأساليبهم في التكسب غير المشروع، وكذلك من خلال الاندماج الإرادي أو غير الإرادي في نظام مجتمعي يتحول فيه المواطن إلى قاهر ومقهور في نفس الوقت، نظام عبر عنه بعمق الكاتب المصري نبيل عمر في مقالة له بعنوان: "صناعة الفراعين". إذ يقول عمر بأنه كان يعاتب صديقاً له تغيرت أحواله بعد أن تم اختياره لمنصب رفيع عن طريق نشاطه السياسي وبات يقوم بما كان ينبذه من قبل قائلاً: "هذا النظام أقوى من أي رغبات شخصية أو غير شخصية، نظام غير مكتوب، لكنه مسيطر وفعال، من أول لحظة دخلت مكتبي وكل رغباتي مجابة.... حتى لو كانت مخالفة للوائح والقوانين، فالكل يجندون أنفسهم لتبرير أي طلبات أو تقنين أي أفكار تطرأ على بالي قبل أن يقوموا بمهام أعمالهم... بمجرد أن أقف يقفون جميعاً، أمشي يمشون، أجلس يجلسون، أحببت هذه السلطة، ثم عشقتها، وأخيراً... أدمنتها!! شيءٌ لا أستطيع أن أصفه.. وأنت تمارس السطوة يخيل لك أن صفة من صفات الله... قد انتقلت إليك )؟؟؟؟؟؟؟؟؟
بطريق او باخرى نحن الذين صنعنا هذه المسلكيات ..............d8sd8sd8s |
نحن أيضا معشر الأساتدة سنرث الكراسي التي نجلس عليها داخل أقسامنا
|
أستاذي العزيز يونس سيراوي ( مع طلب المسامحة إن أخطأت في الاسم )، لا يوجد كراسي بأقسامنا حتى ترثها. إنهم يورثون فينا قيم سلبية.
|
| الساعة الآن 00:19 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها