![]() |
معلم يحكي.....
عندما نزلت من سيارة الاجرة نفضت عني غبار البادية العالق بجزمتي ومعطفي , ثم مضيت اجر اقدامي على الرصيف.كان المساء قد بدأ يحط رحاله والجو بارد وكان اليوم قد مر رتيبا , وروتين العمل اليومي جعله اكثر رتابة. شعرت اكثر من مرة بانقباض قاتل داخل القسم , وانا القي ببصري من النافذة ملء الاراضي الجرداء الممتدة نحو الافق, واصابني شيء من التقزز من الصخور والحجارة المتراكمة على غير تناسق.. لكنني كنت احاول الضغط على هذه المشاعر بالانهماك في القاء الدروس على التلاميذ الذين كان اكثرهم ينتعل احذية بلاستيكية تطلق روائح كريهة, ويرتدون ثيابا بالية, تتناثر على طولها بقع دكنة .. مررا اشعر بعطف كبير عليهم واتأسف لطفولتهم التي تصرف بين روث البهائم وغبار المكارط ....
كانت جلبة الحركة تملأ الشارع والسيارات تنساب على الطريق , وضوء المصابيح العمومية ينثر احزمة واهنة من الاشعة ,وكانت كراسي المقاهي تحتضن عشرات الرواد الغارقين في عوالمهم الخاصة ., والمارة يتدفقون في مختلف الاتجاهات . سرت متخاذلا , تتقارع الافكار في رأسي وتتلاطم دون هوادة كعادتي كل الامساء السابقة, وكانت الشمس قد غابت تماما ولم تبق منها الابعض الحمرة التي امتزجت بظلام الليل الزاحف, وكانت نفسي تضطرب بخليط ناشز من الاحاسيس السلبية..فكرت فجأة:الحياة لعبة غريبة, وفوضى مستمرة ينبغي ادارة الظهر لها من اجل العيش , اما مواجهتها فطريق مفتوح نحو السراب , لاننا نحن اصلا لم نوجد لنفهم معناها بل نعيشها دون معرفة, ونظل نسير على غير هدي حتى النهاية.. افقت من افكاري لما وجدتني امام البيت , ادخلت المفتاح في قفل الباب ثم ضغطت على المزلاج ودلفت داخلا., كان البيت هادئا وجاءتي صوت زوجتي من المطبخ وهي تدندن بلحن شعبي شائع فذهبت اليها , ووجدتها منصرفة الى اعداد طعام العشاء , فطبعت على خدها قبلة وسألتها: _ هل بسمة نائمة فابتسمت وردت: -لقد انتظرت عودتك طويلا ..لكنك النوم قد سبقك وذهبت الى بسمة في مخدعها فالفيتها غارقة في سبات النوم وقد بدا وجهها الطفولي الحالم ساكنا , فلثمت جبينها المشرق وجلست قربهابرهة , ثم غاذرتهاالى غرفة النوم فخلعت ثيابي , وارتديت بيجامتي ثم سحبت كتابا من خزانتتي واتكئت على السريرمستندا الى حافته, وغرقت بين الصفحات.. مر الوقت رتيبا ., وفجأة التقطت اذناي صوت بسمة وهي تردد: - بابا بابا هل عدت..؟؟؟؟ فالقيت بالكتاب جانبا واستويت جالسا , ثم فتحت لها ذراعي واخدتها في حضني, والفرح يغمر قلبي قلت لها: -لقد افتقدتك يا طفلتي الحبيبة كثيرا - وانا انتظرتك طويلا لكنك تأخرت وجاءت زوجتي فانضمت الينا وجلسنا نتجاذب اطراف الحديث..قالت: -فعلا اليوم تأخرت كثيرا فقلت: -كان ذلك بسبب وسائل النقل ..تصوري اننا كنا اكثر من عشرة اشخاص داخل سيارة اجرة متهالكة...انها حقا المعاناة اليومية مع وسائل النقل _ قطعة الخبز صارت عسيرة في هذا الوقت ولا بد ان نعاني يا زوجي الحبيب كي نعيش.. ضحكت وانا اقاطعها: _معاناتي ايتها العزيزة تذوب وتنتهي بمجرد ان اراك انت وبسمة فانتما جنتي التي انسى فيها محنتي.. توردت وجنتا زوجتي ومالت برأسها على كتفي وهمست بصو ت دافئ: _ انك كل شيء بالنسبة لنا ابقاك اله يدا رحيمة بنا.... محمد محضار اكتوبر 1987 ملحوظة:هذا النص كتبته منذ ازيد من20سنة اي قبل زواجي باربع سنوات نص يتضمن بعضا من معاناتي واحلامي التي تحققت فيما بعد ...... |
بسم الله الرحمن الرحيم
السلارم عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أخي الكريم محضار هنا جمعت بين بين الحالة الزرية لمجتمع قروي الذي يعاني أطفاله من أقل شيء وهو النظافة.. وبين الطبيعة الجرداء القحطاء وهي رمز دلالي عميق.. وبين معاناة معلم في التنقل بين البيت والعمل.. ومعاناته بسبب وسائل النقل وظروفها التي تبعث في النفوس القلق والاضطراب.. وبين أقوى معاناة التي تتجسد في حق البيت الذي يضيع بسبب التضحية... قصة تخلف في النفس أسفا وحزنا عميقا... مودتي وتقديري. |
بئر عميق هو ماضيك اخي محضار..من حين لاخر تغرف فيه ما يروي عطشنا لبوح القلب.
نحياتي وودي اخوك زياد. |
اقتباس:
|
كنت قد اتخذت قرارا بعدم قراءة حكايات المعلمين لما كنت أجده فيها من أحداث متكررة .لكن لما كان صاحب النص هو استاذي محضار لم أمتلك نفسي .ورجعت عن قراري ,لأني كنت موقنا أن طرحه سيكون مخالفا للمعتاد .فصدق ظني وتمتعت بنص جميل يحمل في طياته علاجا لكل من أتعبته الحياة .
|
[quote=zyade;628263]بئر عميق هو ماضيك اخي محضار..من حين لاخر تغرف فيه ما يروي عطشنا لبوح القلب.
نحياتي وودي اخوك زياد. [/quote]شكرا اخي زياد على تعليقك الرقيق وتجليك البهي |
ان العمل الادبي ايا كان جنسه..اذا افتقر الى اللغة التي تحدث المتعة وتزرع الانتشاءة في وجدان وعقل المتلقي فهو ليس بعمل.....ناهيكم عن تقنياتها وصورها......وما اجده هنا في هذا العمل المحضاري الجميل...يستوفي هذه الشروط.....فلغتك اخي محضار اضفت السحر على هذه القصة....لذا اوجه ندائي الى كل العاملين بهذا الحقل ان يتفننوا في معجمهم اللغوي....حتى يكتسب عملهم مشروعيته الادبية والفكرية.... شكرا لك ايها العميد على تحفتك الربيعية التي ازهرت بستان القصص.... تقبل تحياتي ومودتي وتقديري.... |
إنها لقطة أو لنقل أنموذج يوم رتيب لرجل يفني زهرة شبابه بين مطرقة ضغط العمل وسندان الهموم التي ينوء بحملها قصد الرقي بأبناء الوطن ، غير أن ما يخفف عنه بعض العناء ذلك الحضن الدافئ ، البيت الهني حيث حلاوة الأولاد ، وحنان الزوجة المحبة ، ومتى حرم ذلك ، كانت ثالثة الأثافي إلى حياته التعيسة..
اسمح لي أيها العميد بإزالة قليل غبش قد علق بنصك الممتع : -والجو بارد...لا أدري هل الواو للعطف فيجب نصب " بارد " على أنه خبر كان المحذوفة ، أم أنها للحال فتكون تلك الجملة حالية.. -تطلق روائح كريهة... شخصيا أفضل تنبعث منها . -اسمالا قديمة ... أظن أن بالية تفي بالغرض.لأن الأخرى تحيل على الدارج. -جلبة الحركة.. تغني الواحدة عن الأخرى. -ولم تبقى ..ولم تبق ؛يجزم الفعل الناقص بحذف حرف العلة.. - افقت من افكاري لما وجدتني امام باب بيتي , ادخلت المفتاح في قفل الباب ثم ضغطت على المزلاج ودلفت داخلا....يغني عن ذلك كله قولك مثلا : وجدتني امام المنزل ، فتحت الباب ودلفت. -لكنك النوم جاء قبلك..لكنك النوم قد سبقك ..مثلا. -سبات النوم... تكفي واحدة. -وجاءت زوجتي فانضمت الينا وجلسنا نتجاذب اطراف الحديث..قالت زوجتي..تكرار لفظة زوجتي. - تكرر الفعل الناقص " كان " 9 مرات في الفقرات الأولى من النص ، وأرى أن أخواتها سيصبن بالغيرة.. تقبل أخي ملا حظاتي الشخصية التي تبقى قابلة للنقاش ، واعلم أن ما حداني لهذا النداء الموجه ، فأردت أن يتعلم الإخوة كيف سيقبل الكبار النقد ممن هم دونهم فنتعلم بذلك أدب الحوار، ونبين النموذج الذي يجب أن يحتذى.. سلام إليك. |
اقتباس:
|
وانا اقراْ نصك ضننت انك مازالت تدرس بالبادية ولكن ملاحظتك ارجعتني لارض الواقع!! امتعتنا بهذا النص الجميل..لك تحياتي. |
نص عتيق .وكلما ازداد قدما ازدادت متعته أكثر. معين أدبك لا ينضب. تحياتي لك أخي |
اخي هذه ليست قصتك فقط بل قصة جميع االمعلمين و الاساتذة الذين يعانون من العمل في العالم القروي.....
شكرا اخي على ابداعك لك تحياتي |
اقتباس:
|
اقتباس:
|
قصة جميلة استاذ محضار لو تم تصحح ماتفضل به الاخ علال
ملاحظاته سليمة ..والذي اريد أن أنبهك إليه هو انه يجب دائما إعادة الاشتغال على النص لانه فعلا قديم ، يجب الا تكتفي بنقله كما هو ، بل يجب مراجعته وإضافة ما ينبغي إضافته وحذف ماتراه يستحق الحذف . لان النص فيه بعض الجمل - القليلة طبعا- التي لم تضف شيئا الى النص وبالتالي كان يجب حذفها من باب الاختزال كما انك لم تصحح بعد الاخطاء العفوية ..انت تعلم ان الاخطاء تعيب النص فماذا تنتظر ؟ صحح لنضيفها الى" قصص المعلمين " مادامت تحكي عن بعض مشاكل المعلمين ..مادامت تعري نفسيته الغارقة في التأمل بين هنا وهناك .. مودتي |
كل عناصر التشويق متوفرة بالنص وكل بترلجزء من أجزائه يفقده مصداقيته...
النص تجربة لمعلم تمت كتابته كما أشير إلى ذلك في الهامش منذ 20 سنة تقريبا ؛ شخصيا أرى أن يبقى خاما كما كُتِبَ ..لأنه صورة حقيقية للأستاذ محضار1987.وما دامت أن بعض الأحلام في النص أصبحت حقيقة فلا ينبغي بتره...وإنما إبداع نصوص أخرى ذات مواضيع آنية... أشكر السيد محضار على اطلاعنا على جانب من جوانب سيرته الذاتية عبر هذا النص الرائع... |
وانا اقرا ردود الاخوة على كل النصوص الادبية المنشورة في المنتدى يسترعي انتباهي التركيز على الموضوع ومحاولة الحكم عليه بادوات مستقاة من الواقع (هل الواقع يصدق او يكذب الوقائع؟) لكن يجب ان نعرف ان النص يخلق شخصياته الخاصة ويحكي عن زمانه ومكانه الخاصين.
فالمعلم الذي يسرد قصته الاستاذ محضار ليس هو محضار المعلم الذي ينشر في دفاتروانما هو شخصية ادبية "خلقها" محضارورسم لها نفسيتها وافكارها ومواقفها . وعلى اية حال فهو يقر بذلك في هامش النص. فللحكم على النصوص الادبية يجب في نظري اللجوء الى المعايير النقدية الملائمة شكلا ومضمونا....وما منح الشخصيات والزمان والمكان لبعض خصائص الواقع الا للاجابة بشكل ايجابي على انتظارات القارئ ومحاولة ارضاء افقه للتلقي .. وتالق دائم للسي محضار و للجميع |
ما أثارني في هذا النص أخي محضار هو تلك الحظات الدافئة التي كنت تحلم بها مع زوجتك وابنتك حتى وأنت لم تتزوج بعد ..تحكيها كما لو أنك تعيشها فعلا آنئذ ..لا أخفيك سرا انني شعرت بذلك الدفء خاصة مع ابنة لأنني أحب البنات كثيرا ويبدو أن العلي القدير سيحقق لي هذا الدفء عما قريب ..
يشفع للشوائب العالقة بالنص زمن كتابته ..أريد أن أطلب من الإخوة والأخوات العاملين في القرى والدواوير النائية أن يعملوا على تدوين مذكراتهم .. لو كتب لي أن أعيد تجربة الاستقرار بالفرعية لدونت كل شيء حتى حَدَثَ قتل ذبابة .. أعدتني أخي محضار إلى ماض قاس لكنه ممزوج بلذة الحنين الغريبة .. تحيتي العطرة أيها السامق |
اقتباس:
|
اقتباس:
|
قصة عميقة في المعنى...شكرا
|
| الساعة الآن 10:05 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها