منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   الشعر والزجل (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=76)
-   -   سؤال موجه إلى كل مبدع (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=90697)

احمد امين المغربي 02-05-2009 22:20

سؤال موجه إلى كل مبدع
 
_هل لايزال للإبداع معنى؟

علال ابن الشرق 02-05-2009 22:28

تساؤلك هذا دليل على ذلك..

el ouafi 02-05-2009 23:34

أخشى أخي أن يكون سؤالك هذا ينم عن إحباط أو ألم، فأنت تعلم ، بدون إبداع ، يعني نهاية كل شيء، يعني نهاية الجمال، ونهاية الأحاسيس، ونهاية الأفق، باختصار نهاية الإنسان...
الإبداع باقٍ..باقٍ ..باقٍ
ومعناه تجدد الحياة..وتعاقب الليل والنهار..والخريف و الربيع..والعسر و اليسر..والألم و النشوة......

saida saad 03-05-2009 00:22

الجواب على هذا السؤال ،يتطلب دراسة شخصية المجيب ،والنظر بعينيه والتذوق بذوقه ...
قد يرى البعض إبداعاً ما لا تراه أنت وقد تجد أنت إبداعاً ما قد يراه الآخر غير ذلك.ومع ذلك يبقى سؤالك -في نظري-وجيهاً .

احمد امين المغربي 03-05-2009 00:37

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علال ابن الشرق (المشاركة 641634)
تساؤلك هذا دليل على ذلك..

...........
صباحك سعيد أيها البلبل المغرد
السؤال يحيل إلى وضعية مسائلة الذات المبدعة.أعني ها لايزال المبدع قادرا على احتواء المشاعر الانسانية التي تحنطت بفعل اليومي والنزعة المادية المسيطرة؟ ألايزال بمكنته الانصات الىنبض هذا الكائن الاجتماعي بمعنى أوضح هل إنه في غمرة هذا الزخم من المعطيات ذات البعد المادي لايزال الإبداع ترياقا مناسبا لحالات التوتر والإحباطات المتتالية أم إن دوره لايتجاوز دفات الدواوين ورفوف الخزانات وردهات الصالونات النخبوية؟
أقصد هل إن الابداع لايزال قادرا على مجاراة النفس المكوكي لدفق المعطيات وسرعة الحركة أم أن ديناميته تسير على ايقاع البطء وتضبط على عقارب التلادة والقدم؟
فأي إبداع لأي زمن؟
أتمنى أن تلتقط الرسالة هذه المرة وشكرا على تفاعلك مع الموضوع بالرغم من غموضه المقصود والمبيت والمدبر بليل.
تحياتي يا با علال.

احمد امين المغربي 03-05-2009 00:56

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة el ouafi (المشاركة 641920)
أخشى أخي أن يكون سؤالك هذا ينم عن إحباط أو ألم، فأنت تعلم ، بدون إبداع ، يعني نهاية كل شيء، يعني نهاية الجمال، ونهاية الأحاسيس، ونهاية الأفق، باختصار نهاية الإنسان...
الإبداع باقٍ..باقٍ ..باقٍ
ومعناه تجدد الحياة..وتعاقب الليل والنهار..والخريف و الربيع..والعسر و اليسر..والألم و النشوة......

..................صديقي الوافي أحييك على تفاؤلك...
لكن أرى أن المعنى في الإبداع على شفا الإحتضار مالم يتم تدارك الأمر
ذلك أن نوازع المادة أصبحت طاغية إلى حد القرف.سيل من الدمار وركام من اللامعنى فيما المبدع يغوص في غمار التيه لا رسالة تناط به .فلم يعد الإبداع عند الغالبية إلا ترفا زائدا عن الحاجة في الوقت الذي لا تظفر فيه النفوس حتى بلقمة العيش.
إنه زمن العولمة زمن الموت البطيء لكل شيء حتى القيم التي يعد الابداع وعلى رأسه الشعر حارسا لها.
زبدة الحديث أني إنما أردت تحريك الراكد لإعادة التفكير في واقع أمة كان الأدب كل رصيدها الجمالي وأضحى اليوم على حافة الإفلاس...
كمثال على ذلك أورد كلام أبي دعبل الخزاعي عن الشعر والشعراء إذيقول :
إني لأفتح العين حين أفتحها
على كثير ولا أرى أحدا
وزاد الناقد المغربي نجيب العوفي قائلا:فقد كثر الشعراء وقل الشعر.
وكذلك أقول:يحدث أن يحضر النص ويغيب المعنى .
لك التحيات.

احمد امين المغربي 03-05-2009 01:13

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة saida saad (المشاركة 642023)
الجواب على هذا السؤال ،يتطلب دراسة شخصية المجيب ،والنظر بعينيه والتذوق بذوقه ...


قد يرى البعض إبداعاً ما لا تراه أنت وقد تجد أنت إبداعاً ما قد يراه الآخر غير ذلك.ومع ذلك يبقى سؤالك -في نظري-وجيهاً .

....................والوجاهة كذلك فيما ذكرت سيدتي فأجدني أوافقك الرأي من جانب الذوق لكن أجدني كذلك مضطرا لأخالفك وجهة النظر من جانب المعنى.
ولاحظي معي أن السؤال مركز جدا.
إن الخوض في المعنى هو بمثابة أخ للتأويل وكلما اتسقت نصوص الإبداع كلما أسعفت إمكانية القراءة السديدة.
إن كل قراءة في المعنى لاتساوق المطلوب تعد مجرد هدر للغة وإمكانياتها في سبر أغوار النص،لكن وبمناسبة حديثك عن الذوق...ألا يصح القول أننا بتنا نعيس الرداءة بل وهناك من أضحى يسوق لها بلا مواربة.
أوليس الإبداع سليلا للمعنى بل المعنى أصل أصيل في الإبداع .
وإذا تأملنا في الوضع الراهن عرفنا أن واقع الجمود يخيم على كل المجالات حتى تلك التي عرفت بممانعتها ومقاومتها لأشكال التهجين.
إذاكان الشعر ديوان العرب فلم يعد في نظري كذلك إذلم يعد معظمه عاكسا للرؤى الجميلة ولم يعد قادرا على استنطاق مقدرات اللغة ...
أعود فأقول الإبداع يمر بمرحلة حرجة لابد فيها من مساءلة الأسباب والمسببات والإمساك بتلابيب اتلحقيقة لإنقاد ما يمكن انقاده.
لك التحيات.أختي سعيذة أسعد الله أوقاتك.

نورالدين فاهي 03-05-2009 03:06

سؤال وجيه ومخاتل ذو شراك متشابكة يصعب إيجاد منفذ لتدليله..
كل ما أذكره عن الإبداع هو أنهم سلبوه كينونته وسحره باسم أوهام الحداثة وأولها المغايرة.. الإبداع انزوى مطأطأ الرأس ينتظر من يأخذ بيده ، ويجلو عنه الغمة..لعله لم يجد له مكانا في زمن التحجر والنمطية حتى في أبسط مناحي الحياة العربية ..فلا أحد يتجشم ارتياد المجهول ، والجل يقبع بين الحفر..
وما أذكره عنه أيضا، هو أنهم سألوه ذات يوم عن محل إقامته فقال : لست وراءكم ، إلا إذا اعتراني الشلل.. وشللي من شلل وجدانكم..

نجيب أمين 03-05-2009 08:31

أن نبدع أو لا نبدع، تلك هي المشكلة،
اقتباسا من صيغة شيكسبير.....تحياتي

aborayaan 03-05-2009 08:32

الجواب عن تساؤلك أخي أحمد يجب أن يخضع للتشخيص وتخصص له الصفحات والكتب لعلنا نوفيه حقه في الجواب .

ولكن سأقتصرعلى القول ان المعنى موجود حيثما وجد الإنسان وإن لم يكن هناك إجماع حوله فكل ماهو إنساني يقبل قراءات متعددة وفهما مختلفا من شخص لآخر حسب الحمولة الفكرية والثقافية للمتلقي .
وأكثر ما يعاني منه الإبداع في زماننا ويفقده معناه ,ذلك التداخل بين الثقافي والسياسي من اجل تمرير خطاب سياسي مسموم في لفافات إبداعية تمنحه رونقا وجمالا . حتى انقلب السحر على الساحروفقد الإبداع معناه وجماليته.
ومن الأمور التي تفرغ الإبداع من معناه هو تنصل المبدعين من تاريخهم وثقافتهم وتشربهم بثقافات أخرى.الأمر الذي أدخل المبدع في قطيعة مع المتلقي العادي,وفي محاولة لأرضاء ذواتهم وإسقاط مسؤولية النفور من الإبداع على الاخر,اخترعوا عبارة " الأدب النخبوي" ليخفوا فشلهم...
اعذرني أخي أحمد على هذا الرد السريع الذي وجدتني أكتبه مباشرة بعد قراءة سؤالك.والحقيقة كما قلت في البداية أن الموضوع يستحق بحثا وتدقيقا أكثر.



aborayaan 03-05-2009 08:41

الجواب عن تساؤلك أخي أحمد يجب أن يخضع للتشخيص وتخصص له الصفحات والكتب لعلنا نوفيه حقه في الجواب .

ولكن سأقتصرعلى القول ان المعنى موجود حيثما وجد الإنسان وإن لم يكن هناك إجماع حوله فكل ماهو إنساني يقبل قراءات متعددة وفهما مختلفا من شخص لآخر حسب الحمولة الفكرية والثقافية للمتلقي .
وأكثر ما يعاني منه الإبداع في زماننا ويفقده معناه ,ذلك التداخل بين الثقافي والسياسي من اجل تمرير خطاب سياسي مسموم في لفافات إبداعية تمنحه رونقا وجمالا . حتى انقلب السحر على الساحروفقد الإبداع معناه وجماليته.
ومن الأمور التي تفرغ الإبداع من معناه هو تنصل المبدعين من تاريخهم وثقافتهم وتشربهم بثقافات أخرى.الأمر الذي أدخل المبدع في قطيعة مع المتلقي العادي,وفي محاولة لأرضاء ذواتهم وإسقاط مسؤولية النفور من الإبداع على الاخر,اخترعوا عبارة " الأدب النخبوي" ليخفوا فشلهم...
اعذرني أخي أحمد على هذا الرد السريع الذي وجدتني أكتبه مباشرة بعد قراءة سؤالك.والحقيقة كما قلت في البداية أن الموضوع يستحق بحثا وتدقيقا أكثر.



أبو المعاني 03-05-2009 08:42

الإبداع ضرب من الجمال..والجمال مسألة نسبية ..
فلا اتفاق بين الجميع حول معيار محدد للجمال وبالتالي يصعب الحكم على الإبداع وتوحد الرؤية حوله.لكنه موجود حتما.
تحياتي لك أيها المبدع.

علال ابن الشرق 03-05-2009 09:48

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة احمد امين المغربي (المشاركة 642054)
...........
صباحك سعيد أيها البلبل المغرد
السؤال يحيل إلى وضعية مسائلة الذات المبدعة.أعني ها لايزال المبدع قادرا على احتواء المشاعر الانسانية التي تحنطت بفعل اليومي والنزعة المادية المسيطرة؟ ألايزال بمكنته الانصات الىنبض هذا الكائن الاجتماعي بمعنى أوضح هل إنه في غمرة هذا الزخم من المعطيات ذات البعد المادي لايزال الإبداع ترياقا مناسبا لحالات التوتر والإحباطات المتتالية أم إن دوره لايتجاوز دفات الدواوين ورفوف الخزانات وردهات الصالونات النخبوية؟
أقصد هل إن الابداع لايزال قادرا على مجاراة النفس المكوكي لدفق المعطيات وسرعة الحركة أم أن ديناميته تسير على ايقاع البطء وتضبط على عقارب التلادة والقدم؟
فأي إبداع لأي زمن؟
أتمنى أن تلتقط الرسالة هذه المرة وشكرا على تفاعلك مع الموضوع بالرغم من غموضه المقصود والمبيت والمدبر بليل.
تحياتي يا با علال.

السلام عليكم ، أحييك أيها الأمين المبدع ، وأعود لأوضح العنوان الذي سارعت إلى بثه أولا ..
أردت القول إن تساؤلك هذا دليل على أن الإبداع لا زال يعد بالكثير ، ومن سطرح مثل هذا إلا من اكتوى بحب عذب الكلام ؟ قد أتفاءل هذه المرة - رغم تيمة الحزن التي تعتريني - فأستطيع الجزم أنه من رحم المعاناة ، والتخبط الذي أصاب الإبداع ، لازال فيه بقية من جذوة حقها أن تسقى بعبرات يراع صادق ، مع إضافة قليل بهارات من أسمدة المداد ، فيعاود الإزهار من جديد..
أتفق معك أن الماديات سيطرت فحجبت الرؤية ، غير أن السبب يتبع المسبب ، فمن رام الوصول ، ما عليه إلا أن يضع قدمه على درب الصواب ..
تحياتي إليك أخي المبدع أمين..واعلم أن اللمحة التي سارعت إلى إدراجها والنوم يداعب جفني - لأني قليل السهر - حمالة وجوه ، فارتأيت شرحها حتى لا تفهم على غير ما أريد..

احمد امين المغربي 03-05-2009 15:40

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو حمزة الحمداوي (المشاركة 642171)
سؤال وجيه ومخاتل ذو شراك متشابكة يصعب إيجاد منفذ لتدليله..
كل ما أذكره عن الإبداع هو أنهم سلبوه كينونته وسحره باسم أوهام الحداثة وأولها المغايرة.. الإبداع انزوى مطأطأ الرأس ينتظر من يأخذ بيده ، ويجلو عنه الغمة..لعله لم يجد له مكانا في زمن التحجر والنمطية حتى في أبسط مناحي الحياة العربية ..فلا أحد يتجشم ارتياد المجهول ، والجل يقبع بين الحفر..
وما أذكره عنه أيضا، هو أنهم سألوه ذات يوم عن محل إقامته فقال : لست وراءكم ، إلا إذا اعتراني الشلل.. وشللي من شلل وجدانكم..

.................متفق معك يا أباحمزة في كثير ممما ذكرت ذلك أن الزمن فعلا زمن التحجر

احمد امين المغربي 03-05-2009 15:44

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علال ابن الشرق (المشاركة 642542)
السلام عليكم ، أحييك أيها الأمين المبدع ، وأعود لأوضح العنوان الذي سارعت إلى بثه أولا ..
أردت القول إن تساؤلك هذا دليل على أن الإبداع لا زال يعد بالكثير ، ومن سطرح مثل هذا إلا من اكتوى بحب عذب الكلام ؟ قد أتفاءل هذه المرة - رغم تيمة الحزن التي تعتريني - فأستطيع الجزم أنه من رحم المعاناة ، والتخبط الذي أصاب الإبداع ، لازال فيه بقية من جذوة حقها أن تسقى بعبرات يراع صادق ، مع إضافة قليل بهارات من أسمدة المداد ، فيعاود الإزهار من جديد..
أتفق معك أن الماديات سيطرت فحجبت الرؤية ، غير أن السبب يتبع المسبب ، فمن رام الوصول ، ما عليه إلا أن يضع قدمه على درب الصواب ..
تحياتي إليك أخي المبدع أمين..واعلم أن اللمحة التي سارعت إلى إدراجها والنوم يداعب جفني - لأني قليل السهر - حمالة وجوه ، فارتأيت شرحها حتى لا تفهم على غير ما أريد..

..............
سلا م علبك أيها الحكيم
لايزال من عمر القصيد بقية فلا تبتئس
وما حملني على وضع السؤال هو الوضع الراهن الذي من سماته الركود الشامل.

احمد امين المغربي 03-05-2009 15:48

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المعاني (المشاركة 642394)
الإبداع ضرب من الجمال..والجمال مسألة نسبية ..

فلا اتفاق بين الجميع حول معيار محدد للجمال وبالتالي يصعب الحكم على الإبداع وتوحد الرؤية حوله.لكنه موجود حتما.

تحياتي لك أيها المبدع.

........................جوابك أيها الخبير مقنع لكن أقصد بالمعنى مسألة الوجود فهل من معنى لوجود الإبداع مع كل هذه الجلبة والصخب حيث تضيع الحقيقة
لك تحياتي يا عملاق الدفاتر.

احمد امين المغربي 03-05-2009 15:57

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة aborayaan (المشاركة 642387)
الجواب عن تساؤلك أخي أحمد يجب أن يخضع للتشخيص وتخصص له الصفحات والكتب لعلنا نوفيه حقه في الجواب .

ولكن سأقتصرعلى القول ان المعنى موجود حيثما وجد الإنسان وإن لم يكن هناك إجماع حوله فكل ماهو إنساني يقبل قراءات متعددة وفهما مختلفا من شخص لآخر حسب الحمولة الفكرية والثقافية للمتلقي .
وأكثر ما يعاني منه الإبداع في زماننا ويفقده معناه ,ذلك التداخل بين الثقافي والسياسي من اجل تمرير خطاب سياسي مسموم في لفافات إبداعية تمنحه رونقا وجمالا . حتى انقلب السحر على الساحروفقد الإبداع معناه وجماليته.
ومن الأمور التي تفرغ الإبداع من معناه هو تنصل المبدعين من تاريخهم وثقافتهم وتشربهم بثقافات أخرى.الأمر الذي أدخل المبدع في قطيعة مع المتلقي العادي,وفي محاولة لأرضاء ذواتهم وإسقاط مسؤولية النفور من الإبداع على الاخر,اخترعوا عبارة " الأدب النخبوي" ليخفوا فشلهم...
اعذرني أخي أحمد على هذا الرد السريع الذي وجدتني أكتبه مباشرة بعد قراءة سؤالك.والحقيقة كما قلت في البداية أن الموضوع يستحق بحثا وتدقيقا أكثر.


...........................
لا عدمناك يا رجل
فقد أصبت في التمييز بين مستويات المعنى والمراد منه
تماما ما ذكرته يشي بانهيار عواصم المعنى في بنية الإبداع بالرجوع إلى وظيفته المتسامية ففي حين يرجى منه اي الابداع أن يكون الفيصل وحجر الزاوية في تحديد الهوية الجمعية وفي ترسيخ فكرة الجمال في استقلالية تامة أضحى تابعا لا مبادرة ولا دور يذكر وباتت تدب في أوصاله علامات الوهن فأصبح رديفا للكائن السياسي ورهن اشارته في تطويع مختلف الظواهر بل حتى تسويغ بعض مظاهر الحياة التي حادت عن الفطرة وزاغت عن كل ماله صلة بالنسان وكل ما يحفظ كرامته ويصون وجوده.
تحياتي لك ايها اللبق.

النورس التربوي 03-05-2009 16:19

منذ مدة و أنا أبحث عنه عند أدبائنا المعاصرين....كان عبد الرحمن منيف وحيدهم في الاونة الاخيرة...رحمة الله عليه

احمد امين المغربي 03-05-2009 16:22

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نجيب أمين (المشاركة 642374)
أن نبدع أو لا نبدع، تلك هي المشكلة،
اقتباسا من صيغة شيكسبير.....تحياتي

جميل أنك ربطت إجابتك بفكرة شكسبير
التي تعني بشكل صريحمسألة الوجود.فأن نكون انما يدل على محض الوجود الآدمي الذي ليس وجوده مجرد عبث....
وألا نكون يعني هنا العدم والعدم ليس في سياقه المادي الصرف،إنما هو ذاك الدال على العدم النقيض للكينونة البشرية التي تحمل بين ثنياتها الرسالة السامية والمقصد العظيم الذي يتيح امكانية تمثل القيم والأخلاق بجلاء.
ولعمري إنك أشفيت الغليل ورويت الظمأ الشديد إزاء هذه المسألة بردك المقتضب ولكنه دقيق أبرع في تأدية المعنى على النحو الأمثل والذي لطالما بحثت عنه طويلا.
فالشكر لك إذن.

نورالدين فاهي 03-05-2009 16:27

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة aborayaan (المشاركة 642387)
الجواب عن تساؤلك أخي أحمد يجب أن يخضع للتشخيص وتخصص له الصفحات والكتب لعلنا نوفيه حقه في الجواب .

ولكن سأقتصرعلى القول ان المعنى موجود حيثما وجد الإنسان وإن لم يكن هناك إجماع حوله فكل ماهو إنساني يقبل قراءات متعددة وفهما مختلفا من شخص لآخر حسب الحمولة الفكرية والثقافية للمتلقي .
وأكثر ما يعاني منه الإبداع في زماننا ويفقده معناه ,ذلك التداخل بين الثقافي والسياسي من اجل تمرير خطاب سياسي مسموم في لفافات إبداعية تمنحه رونقا وجمالا . حتى انقلب السحر على الساحروفقد الإبداع معناه وجماليته.
ومن الأمور التي تفرغ الإبداع من معناه هو تنصل المبدعين من تاريخهم وثقافتهم وتشربهم بثقافات أخرى.الأمر الذي أدخل المبدع في قطيعة مع المتلقي العادي,وفي محاولة لأرضاء ذواتهم وإسقاط مسؤولية النفور من الإبداع على الاخر,اخترعوا عبارة " الأدب النخبوي" ليخفوا فشلهم...
اعذرني أخي أحمد على هذا الرد السريع الذي وجدتني أكتبه مباشرة بعدسؤالك.والحقيقة كما قلت في البداية أن الموضوع يستحق بحثا وتدقيقا أكثر.


وهذا هو حال المشهد الأدبي على الخصوص .. الأدبي يخدم السياسي.. وهي قضية أثارها الشاعر محمد بنيس في أكثر من مناسبة.. الكثيرمن الكتاب لا يدركون أنهم يتركون تأثيراتهم في القراء غير المتمرسين..
المعنى موقف من الوجود وممارسة له ضمن شروط ثقافية ونفسية متغيرة بتغير المكان والزمان والمرجعيات ..وهو ليس مجرد فكرة يسعى صاحبها إلى تبليغها ، هو كائن حي في وجدان صاحبه وفي رِؤياه يتطور وينمو.. والمعنى الجدير يتابع تطوره ونموه حتى في ذهن المتلقي..

احمد امين المغربي 03-05-2009 16:41

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة النورس التربوي (المشاركة 643744)
منذ مدة و أنا أبحث عنه عند أدبائنا المعاصرين....كان عبد الرحمن منيف وحيدهم في الاونة الاخيرة...رحمة الله عليه

هو ذاك أيها النورس الطائر
فأنا أيضا لطالما بحثت عنه عند المتأخرين فكان عملة شحيحة ونادرة الحصول ..ولقد تأكدت أني إنما خلفته عند القدامى .
ولقد برع بعض المعاصرين أيضا إحقاقا لمبدأ الإنصاف..فعبد الرحمن منيف ضمن ثلة الآخرين الذين لحقوا بزمرة الأولين ....ولا زلت أذكر إنساية هذا الرجل من خلال منقبة الوفاء وطبع الإخلاص فحين مات المرحوم محمد الباهي خصه برواية أسماها عروة الزمان الباهي وإنه لا غبار عليه أنما هو جزء من التعبير عن الكينونة البشرية ذات العلو السامق.
في الوقت الذي تنكر للرجل أقرب أقربائه من فصيلته الأيديوجية أعني بعض من أسرته الإتحادية التي لم توفه حقه كما يلزم أوليس المعنى بعد كل هذا حاضرا بقوة في كل تفاصيل الإبداع؟
تحياتي.

نجيب اعكور 04-05-2009 13:22

لا..لم يعد له معنى..بل ما لا نهاية من المعاني..انه قضية وجود

تحياتي العزيز.. احمد امين المغربي

نجيب اعكور 04-05-2009 14:39

الحقيقة انني لم اعد اسائل النص عن معنى ما يريد ان يصرح به المبدع.ولا حتى عن شروط ما تحكمت في انوجاده.ولا الثقافة ولا القومية ولا الديانة ولا الاديولوجيا.....ولا الدات المبدعة ايظا..فبقدرما يخرج الابداع عن الدات بقدرما يصبح ملكا للقارئ..عليه ان يتدبر دلالاته.ان القراءة ابداع جديد للنص.ولدالك فالنص الابداعي منفلت المعنى. بل دهب البعض ان النص المنفلت /الغامض احسن ابداعية.لانه لا يوجه الى قارئ كسول عليه ان يقطف المعنى دون عناء.ان علاقة النص/القارئ/المعنى..علاقة شبقية بتعبير بارت..علاقة معاناة ...وعلاقة توتر دائم.
بحسب افق انتظارالمعاني لدى المتلقي.وما ننتظره من النص ليس وحدة منسجمة بل انتظارات متمشكلةفي العلاقة بالدات من جهة وفي العلاقة بالداكرة الفاعلة من جهة ثانية.
لكن.لمادا يطالب الدكتور بمنطق خاص للشعر..ومع كل احتراماتي لشخصه الكريم ولمجهوداته القيمة خصوصا في مجال النقد الروائي والقصة القصيرة المغربية.مجال السرديات بالضبط.انني اجد هدا التساءل اقرب الى النثر منه الى الشعر.
ومع دالك فقد نبقى متسائلين عن معنى/فائدة..معنى/دلالة للابداع بصفة عامة.وهنا احيي المبدع احمد امين المغربي.لتفضله بطرح هدا السؤال الاشكالي.فالسؤال في حد داته ابداع.وفي ملتي واعتقادي ليس ثمة ابداع خارج السؤال.وكل الاجوبة المفترضة ابداعات.
على ان العالم في عصر العولمة ليس في حاجة الى مظرمي الحروب.انما في حاجة اكثر فاكثر لمبدعين.في حاجة الى شعراء بقدرالرصاص الموجود فوق كوكب الارض.في حاجة ماسة الى مبدعين بحجم الحقد الجاثم على صدر العالم.بحاجة الى الاصوات الجميلة بحجم ازيز الطائرات.فلتنبع الكلمة من كل جنبات الدنياالتي تصلدت وتحولت الى قطعة فولاد.خارج اللون خارج الجنس خارج الانتماء خارج الحدودالسياسية للكوكب.من الجبال من السهول من القيعان..
ان المعنى الكبير للابداع هو بناء العالم..ضد مدمري العالم.
سؤال كبير جدا.يحتمل الكثير من الحوار....
شكر خاص للعزيز احمد امين المغربي ولباقي الاعزاء

احمد امين المغربي 04-05-2009 18:00

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نجيب اعكور (المشاركة 646223)
الحقيقة انني لم اعد اسائل النص عن معنى ما يريد ان يصرح به المبدع.ولا حتى عن شروط ما تحكمت في انوجاده.ولا الثقافة ولا القومية ولا الديانة ولا الاديولوجيا.....ولا الدات المبدعة ايظا..فبقدرما يخرج الابداع عن الدات بقدرما يصبح ملكا للقارئ..عليه ان يتدبر دلالاته.ان القراءة ابداع جديد للنص.ولدالك فالنص الابداعي منفلت المعنى. بل دهب البعض ان النص المنفلت /الغامض احسن ابداعية.لانه لا يوجه الى قارئ كسول عليه ان يقطف المعنى دون عناء.ان علاقة النص/القارئ/المعنى..علاقة شبقية بتعبير بارت..علاقة معاناة ...وعلاقة توتر دائم.
بحسب افق انتظارالمعاني لدى المتلقي.وما ننتظره من النص ليس وحدة منسجمة بل انتظارات متمشكلةفي العلاقة بالدات من جهة وفي العلاقة بالداكرة الفاعلة من جهة ثانية.
لكن.لمادا يطالب الدكتور بمنطق خاص للشعر..ومع كل احتراماتي لشخصه الكريم ولمجهوداته القيمة خصوصا في مجال النقد الروائي والقصة القصيرة المغربية.مجال السرديات بالضبط.انني اجد هدا التساءل اقرب الى النثر منه الى الشعر.
ومع دالك فقد نبقى متسائلين عن معنى/فائدة..معنى/دلالة للابداع بصفة عامة.وهنا احيي المبدع احمد امين المغربي.لتفضله بطرح هدا السؤال الاشكالي.فالسؤال في حد داته ابداع.وفي ملتي واعتقادي ليس ثمة ابداع خارج السؤال.وكل الاجوبة المفترضة ابداعات.
على ان العالم في عصر العولمة ليس في حاجة الى مظرمي الحروب.انما في حاجة اكثر فاكثر لمبدعين.في حاجة الى شعراء بقدرالرصاص الموجود فوق كوكب الارض.في حاجة ماسة الى مبدعين بحجم الحقد الجاثم على صدر العالم.بحاجة الى الاصوات الجميلة بحجم ازيز الطائرات.فلتنبع الكلمة من كل جنبات الدنياالتي تصلدت وتحولت الى قطعة فولاد.خارج اللون خارج الجنس خارج الانتماء خارج الحدودالسياسية للكوكب.من الجبال من السهول من القيعان..
ان المعنى الكبير للابداع هو بناء العالم..ضد مدمري العالم.
سؤال كبير جدا.يحتمل الكثير من الحوار....
شكر خاص للعزيز احمد امين المغربي ولباقي الاعزاء

في الحقيقة ايها العزيز أن ضبط السؤال والقبض عليه مسألة على قدر كبير من الأهمية وما قمت به يعد إنجازا هائلا في محاصرة سؤالي ومسائلة مخبوءاته.
اقد أفلح العديد من الغخوة في مقارباتهم لموضوع المعنى في الإبداع إلا أن مداخلتك تميزت بالفرادة فقد لامست حدود الإفتراضات المحتملة فيما جعلته كأسا أولى للنقاش...معولا فيما يلي على نقاشات الإخوة ممن ألفوا السجال الهادئ خصوصا فيما يتعلق بمثل هذه المواضيع الدسمة التي تحتاج إلى هضم كبير ومعدة أوسع وأكثر ضراوة.
فهنيئا لك أخي على التميز والبهاء وأشكرك على مشاركتنا هم الإبداع في هذا الزمن الصدئ.

aborayaan 04-05-2009 18:50

من اجل تعميق النقاش حول تساؤل الأخ أحمد امين.اليكم هذا العرض لعبد الحي ازرقان حول :


الإبداع في الفلسفة والشعر





عبد الحي أزرقان

أود في البداية أن أقدم توضيحا بصدد العنوان الذي اخترته لهذا العرض. لن أحاول رصد الشروط العامة للإبداع في مجالي الشعر والفلسفة بقدر ما سأعتمد على وجهة نظر تاريخية تكمن في اختيار فلاسفة وشعراء ينتمون إلى مراحل تاريخية مختلفة خصصوا جزءا من تفكيرهم وكتاباتهم للموضوع.

وسوف أقسم المقال إلى جزأين: جزء أول سأركز فيه على فيلسوفين يلتقيان، رغم التباعد الحاصل بينهما فيما يخص الأزمنة التي عاشا فيها، وكذلك الأسس الفلسفية التي طوراها، في حصرهما للإبداع في مجال الفلسفة دون الشعر؛ وجزء ثان سأتناول فيه شاعرا وفيلسوفا يتفقان معا على كون الشعر مجالا خصبا لتحقيق الإبداع وعلى أن الفلسفة لن تنال حظها بصدد هذا الأخير إلا في الحالة التي يدرك فيها الفيلسوف شروط التجربة الشعرية ليوجه وفقها تفكيره. سألجأ في الختام، طبعا، إلى استخلاص أهم الفوارق الموجودة بين الفلسفة والشعر، تلك الفوارق التي تجعل الجمع بينهما يخل في الحقيقة بإحدى أهم وظائف الفلسفة أي وظيفتها التأسيسية، كما يمكن أن يخل في الوقت ذاته بالتجربة الشعرية لأن هناك من سيعتقد، في حالة القول بالجمع، في إمكانية ربطها بالوظيفة التأسيسية. حرمان الفلسفة من التأسيس أو إسناد التأسيس للشعر، هذا هو الخطأ (إن لم نقل الخطر) الذي ينطوي عليه القول بمماهاة الإبداع في الفلسفة والشعر.

يلتقي كل من أفلاطون ونيتشه في كون إنتاج الشعراء لا يرقى إلى المستوى الذي نطلق عليه الإبداع. والسبب في ذلك راجع بالنسبة للفيلسوفين معا إلى كون الشعراء في نظرهما يظلون مرتبطين بالمعرفة السائدة عند العوام. إنهم يقيمون معرفتهم على المعرفة العامية، كما يسخرونها في إرضاء العامة. تكاد التعابير تكون واحدة بهذا الصدد عند كاتب الجمهورية وكاتب هكذا تكلم زردشته. يقول الأول: "مع ذلك فإنه (الشاعر) لن يتردد في المحاكاة دون أن يعرف الجانب الذي يجعل كل شيء حسنا أو قبيحا(…) إن ما يبدو جميلا للعوام والجهلة سيكون هو بالضبط ما سيحاكيه الشاعر"(1) ونقرأ عند الثاني ما يلي: "ولكن افتراض شخص ما يقول بكل جدية إن الشعراء يغالون في الكذب، فإن هذا الشخص لن يكون على خطإ، ذلك لأننا نغالي في الكذب (…) فلأن معرفتنا فقيرة فإننا نرضى من أعماق قلوبنا بضعفاء الفكر وخاصة إذا تعلق الأمر بالنساء الصغيرات! والأكثر من ذلك فإننا نرغب فيما تتراوده العجائز فيما بينها ليلا. ذلك الذي نسميه نحن شخصيا بالمؤنث الأبدي".

نلاحظ بعد هذا الالتقاء الكامن في القول بالطابع العامي للمعرفة الشعرية التقاءهما أيضا في ربط الإنتاج الشعري (أي إبداعه) بالأشباح. "إن فن المحاكاة، يقول أفلاطون بعيد إذن عما هو حق. إذا كان في استطاعته إنجاز كل شيء فذلك لأنه لا يحس، على ما يبدو، سوى جزء صغير من كل شيء. وما هذا الجزء الصغير إلا شبحا". ثم يضيف: "لنمعن النظر فيما يلي: "إن مبتكر الأشباح، أي المحاكي، لا يفهم شيئا فيما يخص الواقع. إنه لا يعرف سوى الظاهر"(3) يعبر نيتشه عن الفكرة ذاتها في كتابه السالف الذكر حيث يقول : "نفخ في الأشباح ومحاذاتهم. هذه هي قيمة هرج قيثارهم بالنسبة إلي"(4).

هناك نقطة أخرى يلتقي حولها أفلاطون ونيتشه وهي كون إنتاج الشعراء يتسم بالضعف والرداءة. إذ "لا تخلق المحاكاة بالنسبة لأفلاطون سوى ما هو وضيع" (الجمهورية ص 315). وهذه هي الفكرة ذاتها التي يعبر عنها نيتشه حينما يقول على لسان زردشته: "لقد ألقيت بشباكي في بحارهم (أي الشعراء) وأردت اصطياد الأسماك الجيدة: غير أن ما اصطدته من جديد هو رأس إله قديم. هكذا كان نصيب الجائع من كرم البحر هو الحجر" (ص165).

ونورد في الأخير، بصدد التقاء الفيلسوفين في انتقادهما للشعر والشعراء، إثارة مؤاخذتهما لهؤلاء على عدم نفاذهما إلى أعماق الأشياء. تتضح الفكرة عند أفلاطون حينما يعتبر أن مرجعية الشاعر لا تخرج عن إطار الصورة أو الظل، أي عما هو ظاهري، وكذلك حينما يؤكد على أن العنصر الفاعل في التعامل مع هذه المرجعية يختزل على العموم في المشاعر والأحاسيس الحيوانية، أي المكون السيء للروح. "إننا على حق في مهاجمته (أي الشاعر) ووضعه في المكانة ذاتها التي نضع فيها الرسام، ذلك لأنه يشبهه في كونه ينجز أعمالا ذات ثمن بخس إذا ما قارناها بالحقيقة؛ وإنه ليشبهه أيضا في العلاقات التي تربطه بجزء من الروح ذي الثمن البخس أيضا. بينما لا تجمعه أية علاقة بالجانب الأفضل منها" (ص 317).

وإذا انتقلنا إلى نص نيتشه عن الشعراء فإننا نقع، وفي وضوح تام، على الانتقاد ذاته حيث يقول بدوره: "لقد تعبت من الشعراء، القدماء منهم والجدد على حد سواء. إنهم سطحيون كلهم وبحار بدون عمق بالنسبة إلي. إلى الأعماق الحقة لم تصل أفكارهم، بحيث إلى الأعماق لم تنفذ مشاعرهم. شيء من اللذة وشيء من الضجر، هذا كل ما اهتمت به أفضل تأملاتهم" (ص 165).

هذه إذن مجموعة من النقاط تؤكد لنا التقارب الكبير الحاصل بين أفلاطون ونيتشه في نظرتهما إلى الشعر والشعراء. ولكن هل هي كافية للقول بوحدة النظرة عند فيلسوفين يجمع مؤرخو الفلسفة على تعارض فلسفتهما؟ إن فحص منطلقيهما في تقويمهما للشعر يجعلنا نقلل من أهمية الالتقاء الحاصل بينهما في هذا الإطار ونبحث عن معطى محدد يسمح في نهاية المطاف بالاحتفاظ بالفكرة رغم ما يمكن أن تنطوي عليه من تعسف.

يفصح أفلاطون في الكتاب العاشر من الجمهورية، الكتاب ذاته الذي اعتمدنا عليه أعلاه، على أن رفضه للشعر جاء نتيجة تناقض هذا الأخير، في نظره، مع تأسيس الدولة وسن قوانينها، ومن ثمة مع تحقيق العدالة وباقي الفضائل الأخرى (ص 317-319). إن الفلسفة وحدها، حسب النص المذكور، هي التي يكون في استطاعتها تحقيق مثل هذه المهمة. هكذا يكون الفيلسوف هو المبدع ويكون الإبداع هو خلق الأسس المتينة التي تسمح ببناء مجتمع يسود فيه العدل وباقي الفضائل الأخرى. الإبداع مقرون إذن بالنموذج العقلي. وهذا ما يفسر تركيز النقد الأفلاطوني على صنف معين من الشعر وهو الشعر القائم على المحاكاة ("عدم قبول هذا الجزء من الشعر الكامن في المحاكاة" ص305) أي الشعر المعبر عما هو موجود. إن شرط الإبداع في مجالي الشعر والفلسفة بالنسبة لأفلاطون هو التوجه نحو واجب الوجود أو نحو النموذج، نقول بتعبير آخر الاهتمام بمسألة التأسيس.

أما إذا انتقلنا إلى نيتشه فإننا نلاحظ أن انتقاده للشعر ينطلق من كون الشعراء لا يتمكنون من خلق الإنسان المتفوق نظرا لفقر معرفتهم، أي لعدم ارتقائها إلى مستوى دحض القيم السائدة وتحطيم طابعها الخالد. ما الذي يسمح بالاعتقاد في خلود القيم؟ الجواب دقيق وبسيط حسب النص الذي نعتمده في تطوير هذا الموضوع أي عن الشعراء. إنه الاعتقاد في خلود الروح، ذلك الموقف الذي لا ينفصل عن القول بفناء الجسد وبممارسة احتقاره. لقد قدم زردشته موقفه من الشعراء، ذلك الذي لخصناه أعلاه، بعدما أكد في بداية المقال: عن الشعراء على معرفته الجيدة للجسد "منذ أن بدأت أعرف الجسد بشكل أفضل لم يعد الروح بالنسبة إلى روحا إلا على مستوى الكلام. وكل ما هو خالد فما هو أيضا إلا صورة (ص 162). تسير نهاية المقال بدورها في هذا الاتجاه، أي التخلص من الفكر المرتبط بخدمة الروح، حيث يقول: "التائبون عن خدمة الروح، هؤلاء هم الذين رأيتهم قادمين. وعن أولئك (الشعراء) نشأ هؤلاء" (ص 166).

إذا كان الالتقاء بين الفيلسوفين واضحا بصدد النقاط التي ذكرناها في البداية فإن الاختلاف هنا أوضح. إذا كان أفلاطون يعيب على الشعراء قصورهم فيما يخص التأسيس، إن لم نقل تعارضهم مع هذه الوظيفة،فإن نيتشه يرفض إنتاجهم لأنه لا يرقى إلى مستوى دحض المبادئ الخالدة أي إلى مستوى اللاتأسيس. يرتبط الإبداع إذن عند نيتشه فيما يتصل بالفلسفة والشعر بعملية اللاتأسيس وبالضبط بالهدم. هدم ماذا؟ هدم الأسس التي تستند إليها القيم كي تضفي على ذاتها طابع الخلود.

ولكن لنتساءل مرة أخرى عما إذا كان الاختلاف لا يحتاج إلى مزيد من التحديد وعما إذا كان لا يؤدي في نهاية المطاف إلى التقاء وطيد.

أعتقد أن التقارب حاصل بين الفيلسوفين لأن الإبداع مقرون عندهما معا بالرسالة من جهة، وبالتأثير في الواقع من جهة ثانية. لا يهم إن كانت الرسالة تحمل الإيجاب أو السلب. المهم هو التنصيص على الرسالة. هكذا يتبين لنا من ربط الإبداع في الفلسفة والشعر بالرسالة أن الخلاف يكمن بين الفيلسوفين في المرجعية التي ينبغي أن يستند إليها الشاعر والفيلسوف وليس في مسألة المرجعية ذاتها. كما يتبين لنا، وهذا هو المهم، أن الاتفاق حاصل في كون الفلسفة تظل تأسيسية فتبتعد بذلك عن الشعر الذي يبقى بعيدا عن مثل هذه المهمة.

لننتقل الآن إلى الموقف الثاني الذي يقر بالالتقاء بين الإبداعين الفلسفي والشعري، أي بالصلة الوثيقة بين الفلسفة والشعر، ولنسجل أهم النقاط التي يعتمد عليها في هذا الإقرار. وسنركز هذه المرة على فيلسوف وشاعر وهما هيدغر وريلك نظرا لانطباق ما يقوله كلاهما عن مجاله على مجال الآخر. إن معظم العناصر التي يطالب ريلك بتوفرها في التجربة الشعرية يثيرها هيدجر بدوره في إطار تنظيره للتجربة الفلسفية.

يمكن القول إن هيدجر وريلك يقومان معا بتجذير مفهوم الإيبوكي للتوصل إلى الغياب الفعلي للمرجعية كي يتحقق الإبداع في الفلسفة والشعر بالطريقة ذاتها التي يتحقق بها في مجال الفن التشكيلي مثلا.

الرجوع إلى الأشياء ذاتها أو الأشياء كما هي، هذا هو منطلق الفينومينولوجيين، ويفيد محاولة التخلص من المعاني السائدة، أي محاولة إرجاع المعنى إلى درجة الصفر. هناك الفيلسوف (أو الشاعر) من جهة وهناك الأشياء، من جهة ثانية، وهي فارغة من كل ما شحنت به من المعاني. وحتى إذا لم يكن من الممكن الحديث عن غياب المعنى فإنه من الممكن، على الأقل، الحديث عن المعنى الواحد. ويقصد بالمعنى الواحد تساوي الأشياء فيما بينها في لحظة معينة، أو إمكانية الفيلسوف (أو الشاعر) ممارسة هذه المسألة وأخذ الأشياء من حين لآخر في مستوى واحد. يمكن أن يكون كل شيء غنيا، كما أن كل شيء يمكن أن يكون فقيرا فيما يخص المعنى.

لا معنى في البداية بالنسبة للفيلسوف، حسب هذا المنطلق، لتفضيل مجال عن مجال آخر، وجانب من الحياة عن جانب آخر، أو نوع من المعرفة عن نوع آخر. وهذا ما يعبر عنه ريلك حينما يقول: "ليس هناك فقر بالنسبة للمبدع، كما أنه ليس هناك مكان فقير وبدون أهمية"(5). لا يستعمل ريلك تعبير الرجوع إلى الأشياء ذاتها، على الأقل في النص الذي نعتمد عليها هنا، ولكنه يستعمل مع ذلك "الرجوع إلى الطبيعة"، و"ربط العلاقة بالطبيعة" حيث ينصح صديقه قائلا: "اقترب إذن من الطبيعة" (ص37) و"وابحث على أن تكون قريبا من الطبيعة"(ص 58) كما يستعمل كذلك تعبير "الحياة الخالصة". إنها تعابير تفيد كلها تغييب المرجعية أو تغييب المعنى القبلي كشرط للإبداع في التجربة الشعرية. إنه شرط يؤكد عليه هيدغر باستمرار في التجربة الفلسفية.

وفي هذا الإطار تدخل أيضا نصيحة ريلك لصديقه الشاعر القاضية بعدم الاهتمام بالنقاد وبعدم قراءة الكتابات النقدية. فالاهتمام بالنقد قد يجعل الشاعر يحبس نفسه في إطار معين محدد سلفا من طرف غيره من حيث الشكل ومن حيث المضمون. إنه سيخضع إنتاجه لنظام قائم وضعه الآخرون، فكيف يمكن أن يحصل الإبداع إذا ما انضبط المبدع للنظام؟

لا يعني انمحاء المعنى أمام الفيلسوف والشاعر طبعا انمحاء الفيلسوف أو الشاعر ذاتهما. تفيد العملية إعطاء الأولوية للشاعر وللفيلسوف، وتفيد تقدير العلاقة التي يمكن أن تنسج بينهما كليهما والعالم الخارجي، وتقدير التفاعل الناتج عن تلك العلاقة. إن مفاد انمحاء المعنى هو السماح للشاعر أو الفيلسوف بتجسيد المعاني المتعددة والمختلفة التي تخترق باله وتوهج أحاسيسه. إنها فرصة لأخذ الحرية والتفكير خارج الممنوع وغير اللائق لطرح مختلف الأسئلة التي تراود المبدع والإجابة عنها وفق حدة تفاعلاته مع عالمه. إنها لحظة ينتفي فيها الانتقاء على مستوى طرح السؤال وعلى مستوى تقديم الجواب.

وإذا كان هيدجر يؤكد على هذه المسألة فيما يخص الفلسفة في كثير من كتاباته وعلى الخصوص في الفصل الأول من مدخل إلى الميتافيزيقا فإن ريلك بدوره يثيرها في مراسلاته، والأكثر من ذلك فإنه يؤكد على حصر السؤال في المستوى الذي يمكن فيه للشاعر أن يقدم الجواب، وذلك حفاظا على صدق أحاسيس الشاعر وعلى طبيعة فكره. يقول ريلك وهو ينصح صديقه الشاعر: " عليك أن تتحلى بالصبر اتجاه كل ما يتردد بصدده قلبك وأن تحاول محبة الأسئلة ذاتها كما لو كانت غرفا مغلقة، أو كما لو كانت كتبا مؤلفة في لغة أجنبية. لا تبحث الآن عن الأجوبة التي لا يمكن أن تقدم إليك لأنك لن تستطيع أن تعيشها. يتعلق الأمر بعيش كل شيء. عش الآن الأسئلة. ومن الممكن أن تتوصل يوماما في المستقبل البعيد، وبدون أن تنتبه إلى ذلك، إلى الدخول في الجواب. من الممكن أنك تحمل بداخلك إمكانية الصياغة والتشكيل، ففي طريقة الحياة هذه سهولة وصفاء خاصان"(ص 48).

يثير ريلك نقطة أخرى ستجد صدى قويا في فلسفة هيدجر(6)، وعلى وجه الخصوص في كتابه مدخل إلى الميتافيزيقا. يتعلق الأمر بما يسميانه باستعصاء الوضع، وهي نقطة تلتقي بدورها بما قلناه أعلاه. إن إضفاء الصعوبة والثقل على الأوضاع والأشياء معناه عدم الاستخفاف بأي شيء، وعدم الانسياق مع الحلول التبسيطية التي تعتمد في أغلب الأحيان على المنع أو الإقصاء. لنتأمل في قوليهما بهذا الصدد. يكتب ريلك ما يلي: "لقد أوجد الناس (اعتمادا على الأعراف) الحلول لكل شيء بشكل هش وهش جدا. في حين أنه لأمر واضح أنه علينا أن نقف بجانب الخطورة. فكل من يحيا يوجد بجانبها. كل شيء في الطبيعة ينمو ويقاوم حسب طريقته الخاصة، ويشكل انطلاقا من ذاته شيئا خاصا،ويحاول بأي وجه أن يكون كذلك فيواجه كل عرقلة. نعرف الشيء القليل ولكن يقينا لن يغادرنا وهو أنه علينا أن نكون بجانب ما هو خطير. إنه لأمر جيد أن يعيش المرء العزلة لأن العزلة خطيرة. وأن يكون شيء ما خطيرا ينبغي اعتباره بمثابة سبب للتعاطي إليه (ص 61).

سيعبر هيدجر فيما بعد على الفكرة نفسها بصدد الفلسفة حيث يقول: "إنه لمن ماهية الفلسفة أن تجعل الأشياء أكثر صعوبة وأكثر ثقلا وليس أن تجعلها أكثر سهولة وأكثر هشاشة. إن إضفاء الخطر على الأشياء والموجود يعيد لها الثقل (الوجود). لماذا هذا الأمر؟ لأن إضفاء الخطر على الأشياء يشكل إحدى الشروط الأساسية والحاسمة لنشأة كل ما هو عظيم" (Introduction à la métaphysique p. 23-24.).

لا بأس أن نضيف نقطة أخرى تنتمي إلى ماهية الشعر حسب تصور ريلك لهذا الأخير وتحتل مكانة متميزة في التحديد الهيدجري للفلسفة. يتعلق الأمر بالإمكان وفتح الآفاق. إذا كان ريلك يصر على ضرورة تقدير الشاعر لتجربته الفردية فذلك لترك المجال مفتوحا لمختلف الإمكانيات المتوفرة لديه في فهم الحياة وبالخصوص في سبيل فتح الآفاق.تنحو المعرفة الشعرية، حسب ريلك، والفلسفية، حسب هيدجر، نحو المستقبل لخلق فجوات داخل الواقع الذي تنشأ فيه وليس لتحديد الشروط والوسائل التي ستمكن من تحقيق المستقبل المنشود (انظر كتاب ريلك ص 51 و 72 وكتاب هيدجر ص 23). معنى هذا أن الإبداع في الفلسفة والشعر بعيد كل البعد عما يسمى على العموم في اللغة الفلسفية بالتأسيس. لا يسعى الشاعر والفيلسوف إلى الفعل في الواقع بشكل مباشر وإلى توجيهه والسيطرة عليه. إنهما يكتفيان بالبحث عن الانفلات من قوته الاستدراجية وخلخلة الطابع القدسي الذي تسعى تلك القوة إلى إضفائه على نفسها.

بقي أن نتساءل الآن عما يمكن استخلاصه من الالتقاء الذي سجلناه بين التصور الهيدجري للإبداع في المجال الفلسفي والتصور الريلكي للإبداع في المجال الشعري. إننا نلاحظ بكل وضوح أن الالتقاء جاء نتيجة التحول الذي أحدثه هيدجر في ماهية الفلسفة حيث بذل كل جهده، في مختلف كتاباته، وبدون استثناء، من أجل تحويل الفلسفة عن الوظيفة التي ارتبطت بها مع نشأتها، أي الوظيفة التأسيسية.

هناك شرط واضح إذن لكي يلتحق الإبداع الفلسفي بالإبداع الشعري ألا وهو أن تبتعد الفلسفة عن فكرة وضع الأسس وعن فكرة البناء. لا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن هيدجر يجردها مما عبرنا عنه سابقا بالرسالة. كل ما هنالك هو أن الرسالة يتغير معناها. إذا كانت الرسالة تفيد بالضرورة المرور من القول إلى إخضاع الواقع للقول أي إلى ضبطه انطلاقا من هذا القول فإن الفلسفة ستكون حسب التحديد الهيدجري متنافية مع الرسالة. وأما إذا اكتفينا بربط الرسالة بالبحث عن المعنى وخلق المعنى وإظهار المعنى فإن الفلسفة لن تتنافى في هذه الحالة مع الرسالة.

ولكن هل يمكن اعتبار تحويل الفلسفة عن مهمتها التأسيسية من طرف أحد كبار فلاسفة القرن العشرين مسألة كافية لإلحاق الإبداع الفلسفي بالإبداع الشعري؟ الجواب في نظرنا لن يكون إلا بالسلب. ستظل الفلسفة بدون شك مقرونة بالتأسيس، ولن تحافظ على مكانتها إلا بأدائها لهذه الوظيفة. إننا نعتقد أن هيدجر ذاته لم يتخل في نهاية المطاف عن فكرة التأسيس بشكل قطعي(7). كل ما في الأمر، في نظرنا، هو أنه انتبه إلى صعوبة التأسيس في عالمنا المعاصر وظل في الوقت ذاته ينظر إلى التأسيس بالطريقة التي تم تناوله بها في الفلسفات السابقة عليه. فبدل أن ينتهي، بعد انتباهه إلى الصعوبات التي يطرحها التأسيس، إلى التساؤل والبحث عن طرق أخرى في إنجاز التأسيس، نجده أعطى الأولوية للعملية المعاكسة أي اللاتأسيس.

وإذا كنا نثير انتباهه إلى صعوبة التأسيس في العالم المعاصر كعامل أساسي في تحويله للفلسفة عن وظيفتها التاريخية فإننا لن نغفل نقطة أخرى كان لها دورها الكبير، في نظرنا، في تحديد توجهه هذا. نعتقد أن تخلي هيدجر عن التفكير في التأسيس جاء أيضا وبالخصوص نتيجة تصوره له بالطريقة القديمة أي التأسيس وفق المركز أو القمة ووفق السيطرة التامة والخضوع التام. ولكن هل من الضروري أن يفكر الفلاسفة المعاصرون في التأسيس انطلاقا من مثل هذا التصور؟ هل من الضروري أن ينحصر الإبداع الفلسفي المقرون بعملية التأسيس في هذا الإطار بالذات؟ لا نعتقد ذلك، والدليل هو وجود فلاسفة معاصرين جاءوا بعد هيدجر وفتحوا المجال للإبداع الفلسفي في الإطار نفسه الذي يرفضه فيلسوف الاختلاف، دون السير مع ذلك في الخط الذي انضبط فيه القدماء والمحدثون·



الهوامش:

1 - Platon, La République, trad. Emile Chambry, ed. Gouthier 1977, p. 313.

2 - Nietzsche, Ainsi parlait Zarathoustra, trad. Maurice de Gaudillac, ed. Gallimard, p. 164.

3 - Platon, la République, p. 312.

4 - Nietzsche, p. 165.

5 - Rilke,Lettres à un jeune poète,Trad. Claude Mouchard et Haus Hartje, ed. Livre de poche 1989 p.37.

سأكتفي في الإحالات الأخرى على ريلك بذكر الصفحة فقط لأن المرجع سيكون دائما هو ذاته.

6 - نتجاوز هنا مسألة تأثير أحدهما على الآخر. لقد اطلع هيدجر على ريلك وكتب عنه ولكنه لا يحيل عليه مثلا حينما يتحدث عن قيمة السؤال في الفلسفة أو حينما يربط هذه الأخيرة بفتح الآفاق أو حينما يطالبها بالعمل على استعصاء الوضع. كل ما نسعى إلى تسجيله هو إمكانية (أو ضرورة) الالتقاء بين الفلسفة والشعر انطلاقا من تحديد هيدجر وريلك لهما.

7 - هناك فعلا هيدجريون كثيرون لن يقبلوا بتاتا هذه الفكرة، ولكننا نتجرأ مع ذلك على إثارتها لأن هناك مجموعة من الأقوال تخترق كتاباته، وبعض المقالات خاصة المقال المعنون: لماذا الشعراء؟ (أو لماذا كان عصرنا في حاجة إلى الشعراء؟) تؤكد أن عملية التأسيس ظلت تراود هيدجر بشكل قوي. سنحاول تطوير الفكرة في مقال آخر.

اتمنى ان كون قد احسنت الاختيار

بولعلام 04-05-2009 20:48

أيها الخل الطيب ياتي تساؤلك اليوم في خضم عالم حطت فيه الماكينة كل اوزارها،فتحكمت وملأت عالم الإنسان العام والخاص...، ايها الجواد إذا كنا يوما مضى نعيش على حكايات الجدة كنموذج بسيط أبهى السويعات، عبر أسمار تتجاوز لذتها أعالي الجوزاء، فقد كان للإبداع في أبسط تجلياته اكثر من المعنى وأقوى من الرسالة...، ما بالك حين كنا نغوص في قصيد من نسج داوود حاكه فحل من كبار فحول القول في النثر أو الشعر او الفلسفة... ،كنا يا احمد الرائع نهيم في سهوله ، نطير فوق جباله نغوص عبر اعماقه، نرتوي نسستمتع، نبني الذات على أسس صلبة من المبادئ والمواقف الحاملة لاجمل القيم.....كنا يامغربي نصنع من الإبداع وبكل الألوان قصورا لازالت تحفظها الذاكرة بل يفيض اللاشعور بها بين الآن وأخيه....، اليوم يا أمين صارت الحال غير الحال والمعطيات غير المعطيات...، دخلت إلى المنزل الريفي ، إلى المدرسة ، إلى المقهى.......صناديق العجب التي جاءت بها الثورة الصناعية، آلات قتلت الجدة القاصة المبدعة، وأفقدت الحكواتي ربعه وصولاته وجولاته ....، وجعلت من المعلقات السبع ممياء محنطا في رفوف المكتبات ، واحرقلباه يا احمد ، وصرنا ايها الفارس المغوار نعيش وباء خطيرا ، إنه العزوف عن مصاحبة الإبداع بالقراءة حتى وإن كان حاملا لأقدس المعاني الكونية ، وعاد الفرد لاهثا وراء ما تقدمه الآلة من منتوج استهلاكي لا يصنع إلا شبابا مستهلكا بثقافة سطحية، أدميت قلبك أيها الشحرور فلا تحاسبني ، لن اقول مطلقا بان الإبداع صار بغير معنى، فلازالت الأقلام تمج ذهبا، ولن اذهب بعيدا هذه المرة، دفاترنا الحبيبة، فبين الفينة وابنة خالتها ياتي مبدعونا بفرائد ذات معان لما تحمله من معنى ، لها شان عند المبدع ولها قيمة عند جيرانه، ومنهم نحن...لكن ما تنفطر له القلوب وتسيل له النفوس كمدا، وضع الإبداع عند غير هؤلاء من العامة والخاصة....وقد أولمك أخي الكريم بما آلمني في يوم من الأيام من صديق مثقف آلي، خاطبني قائلا: من سيتولى شعب الإبداع الفني في زمن ستشتري فيه الشركات الخاصة المدارس والكليات، من سيتولى أمر الشنفرى وتأبط شرا............................... ولا زالت نفسي تشتعل نارا

tijani 05-05-2009 12:38

ربما يكون الابداع موجودا وحاضرا بقوة هنا وهناك ..لكن لغلبة المادة على الانسان اليوم ...ولكثرة تشجيع الفنانين والفنانات في السر والاعلان ، ربما من هنا فقط أصاب العين رمد فلم تعد تنتبه للجواهر المتلألئة .
فكم كتابا يؤلف مقابل كم شريطا غنائيا يسجل ؟
كم مفكرا يشار إله بالبنان وكم فنانا ورياضيا وسياسيا بقدم ويرقع الايدي والهتافات ؟
الذهب موجود على الرغم من قلته ..رأيناه وانتبهنا إليه ام لم ننتبه ..
وماهذا الدفتر إلا معقلا للإبداع ..او انطلاقة نحو الابداع على الاقل ..ومن جد وصل ..
دعونا نقول نحن نبدع ..ولو بمقدار ..

مودتي

احمد امين المغربي 06-05-2009 21:58

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بولعلام (المشاركة 647553)
أيها الخل الطيب ياتي تساؤلك اليوم في خضم عالم حطت فيه الماكينة كل اوزارها،فتحكمت وملأت عالم الإنسان العام والخاص...، ايها الجواد إذا كنا يوما مضى نعيش على حكايات الجدة كنموذج بسيط أبهى السويعات، عبر أسمار تتجاوز لذتها أعالي الجوزاء، فقد كان للإبداع في أبسط تجلياته اكثر من المعنى وأقوى من الرسالة...، ما بالك حين كنا نغوص في قصيد من نسج داوود حاكه فحل من كبار فحول القول في النثر أو الشعر او الفلسفة... ،كنا يا احمد الرائع نهيم في سهوله ، نطير فوق جباله نغوص عبر اعماقه، نرتوي نسستمتع، نبني الذات على أسس صلبة من المبادئ والمواقف الحاملة لاجمل القيم.....كنا يامغربي نصنع من الإبداع وبكل الألوان قصورا لازالت تحفظها الذاكرة بل يفيض اللاشعور بها بين الآن وأخيه....، اليوم يا أمين صارت الحال غير الحال والمعطيات غير المعطيات...، دخلت إلى المنزل الريفي ، إلى المدرسة ، إلى المقهى.......صناديق العجب التي جاءت بها الثورة الصناعية، آلات قتلت الجدة القاصة المبدعة، وأفقدت الحكواتي ربعه وصولاته وجولاته ....، وجعلت من المعلقات السبع ممياء محنطا في رفوف المكتبات ، واحرقلباه يا احمد ، وصرنا ايها الفارس المغوار نعيش وباء خطيرا ، إنه العزوف عن مصاحبة الإبداع بالقراءة حتى وإن كان حاملا لأقدس المعاني الكونية ، وعاد الفرد لاهثا وراء ما تقدمه الآلة من منتوج استهلاكي لا يصنع إلا شبابا مستهلكا بثقافة سطحية، أدميت قلبك أيها الشحرور فلا تحاسبني ، لن اقول مطلقا بان الإبداع صار بغير معنى، فلازالت الأقلام تمج ذهبا، ولن اذهب بعيدا هذه المرة، دفاترنا الحبيبة، فبين الفينة وابنة خالتها ياتي مبدعونا بفرائد ذات معان لما تحمله من معنى ، لها شان عند المبدع ولها قيمة عند جيرانه، ومنهم نحن...لكن ما تنفطر له القلوب وتسيل له النفوس كمدا، وضع الإبداع عند غير هؤلاء من العامة والخاصة....وقد أولمك أخي الكريم بما آلمني في يوم من الأيام من صديق مثقف آلي، خاطبني قائلا: من سيتولى شعب الإبداع الفني في زمن ستشتري فيه الشركات الخاصة المدارس والكليات، من سيتولى أمر الشنفرى وتأبط شرا............................... ولا زالت نفسي تشتعل نارا

أيها المحارب الذي غاب عن متصفحي ردحا من الزمن وعادت شباك الأسئلة المتناسلة من عمق الأزمة للقبض عليه نعم وأقول أزمة إبداع ...باعتبار ما آلت إليه أوضاع الكتابة التي تمت إحالتها على التقاعد النسبي..فهل يا ترى قدم المبدعون استقالتهم من قيادة الطليعة ومن الخطوط الأولى للجبهة أم كتب عليهم أن يكونوا مجرد ظلال للسلطان الذي هو بدوره ظل الله في الأرض..تمت إذن أسئلة مستفزة ومنهكة في نفس الآن .أين الصور البلاغية التي عرفناها لدى القدامى كالشنفرى الذي ذكرت في لاميته ؟وأين المحسنات البديعية التي قد تغني عن صندوق العجب الذي قلت ..أين نحن من الناظمين المجيدين بما يعني النظم من ترابط وتماسك في بعديهما الدلالي والشكلي ؟أين ذاك الجمال الممهور بمسحة الإبداع الخلاق الذي تواعدناه على حين غرة من الزمن والناس نيام يغطون في سبات شتوي طويل؟أين نحن من روائع المقامات .....أين كتاباتنا الراهنة من كل زخم المعنى المتصرف رغما عن ذاتيته المشاكسة وماهيته الممانعة؟أين نحن من كل السرديات من صويحبات الحكمة ببليغ الكلام ورائق اللفظ ودقيق العبرة و قوةالبديع؟أين تفاصيل أبي الفتح الإسكندري؟أين يوميات عيسى بن هشام؟وأين مرويات سهل بن هارون على لسان الجاحظ؟
وإذاكان الشاعر قديما يعبر عن الجماعة فماذا تبقى له اليوم مع العلم أن شاعرنا اليوم بات يعبر عن نفسية معلولة مصدومة مهزوزة بفعل تفاصيل تضج بها محيطاته المختلفة؟
أخيرا عزيزي بولعلام:-المعنى سقف معقول لكل ناهل من معين الإبداع،ولا شك أن على كل مبدع في الأدب خاصة أن يعلم أن الألفاظ خدم للمعاني ومصرفة في حكمها كما يذهب القاضي عبد القاهر الجرجاني نفسه .
لك التحيات وأنت الرضي دوما.

نجيب اعكور 07-05-2009 23:11

لم يسبق للفظ ان مارس نظام السخرة لدى المعنى.ولكن القاضي الجرجاني في /نقد القرن 2 الهجري/مارس اغلبهم هذا النظام لدى بلاط الامراء.وعيسى ابن هشام شخصية هلامية في قصص الاقدمين/المقامات/بديع الزمان..الحريري..ابن الاجثم.....والحبل على الجرار.
والا كيف نتناول لوحة تشكيلية/الحرب الاهلية...لبيكاسو مثلا/انطلاقا من مقولة اللفظ يخدم المعنى؟ورائعة بيتهوفن الصامتة؟ والرقص؟ تعبير بالالوان والاشكال والحركات..والجوكاندا..
تكلم عبد القاهر الجرجاني..الزوزني..الجاحظ..الكسائي..الشيباني..ابن قتيبة..الاصمعي ايضا..وعلماء الكلام ايضا في المبنى والمعنى..الشكل والمحتوى بلغة الفلاسفة.الاشكال الهندسية والمعايير الهندسية بلغة الرياظيين. ولكن لا احد تبنى مقولة مطلقة.
قال احد نقاد القرن 2ه ..ان اللفظ مطروح في الطريق يعرفه الخاص والعام و....والسوقي....وقال لسانيون..ان اللغة باعتبارها علامات/سمات هي الوجود..جاك بييرك...وغيرهم كثير جدا.
لايمكن ابدا ان نطبق مقولة اللفظ يخدم المعنى/وفقط/ على النص القرآني.والا من الاصل اللفظ ام المعنى في القرآن وحاشا ان نسأل مثل هذا السؤال.ونحن نعرف المقولات التي لم يكن على علماء المسلمين ان يدخلوا اليها وهم غير مؤهلين علميا لذالك.انما فتحوا باب جهنم في مقولة الخلق.وهي من صلب /اللفظ و المعنى/
اللفظ والمعنى كلية/totalite منسجمة. انها وحدة واحدة في ابلاغ قصدية التواصل.
والى هذا.هل عبر ابو نواس واسمه/ الحسن ابن هاني/عن الجماعة؟ وهل عبر استاذه/والبة بن الحباب/ عن الجماعة؟
واشرب الراح ودعني//من صلاة كل يوم
هل يمكن ان نعتبر هذا البيت ومطلع القصيدة /اكرف/تعبير عن ضمير جمعي للعرب في ذات الزمن.
خفف الوطء ما اظن اديييييم ال//ارض الا من هذه الاجساد
من عبر على من؟...الحسن بن هاني ام المعري؟
ان الشاعر القديم قد عبر على نفسه فقط مع استثناءات كبيرة.ومن ثم صح الشعر القديم بصحة /الأنا/الشاعرة كما قال القاضي الجرجاني نفسه وكما قال غيره ايضا.ومن ثم نسب الشعر/ لشيطان الشعر/
للترفييه.......
لاحظ/ الأخطل/ جمله الذكر يقفز على ناقة /الفرزدق/وهو يلقي قصيدته في هجو الفرزدق في المربد فقال..
اني وكل شاعر من العرب//شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
مع أخلص تحياتي العزيز احمد أمين وباقي الأعزاء

احمد امين المغربي 08-05-2009 17:17

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة tijani (المشاركة 648853)
ربما يكون الابداع موجودا وحاضرا بقوة هنا وهناك ..لكن لغلبة المادة على الانسان اليوم ...ولكثرة تشجيع الفنانين والفنانات في السر والاعلان ، ربما من هنا فقط أصاب العين رمد فلم تعد تنتبه للجواهر المتلألئة .
فكم كتابا يؤلف مقابل كم شريطا غنائيا يسجل ؟
كم مفكرا يشار إله بالبنان وكم فنانا ورياضيا وسياسيا بقدم ويرقع الايدي والهتافات ؟
الذهب موجود على الرغم من قلته ..رأيناه وانتبهنا إليه ام لم ننتبه ..
وماهذا الدفتر إلا معقلا للإبداع ..او انطلاقة نحو الابداع على الاقل ..ومن جد وصل ..
دعونا نقول نحن نبدع ..ولو بمقدار ..

مودتي

ذكر ابن خلدون في مقدمته أن صاحبا له أنشد قائلا:
لم أدر حين وقفت بالاطلال...ما الفرق بين جديدها والبالي....ملاحظة أوردها الباحث المغربي عبد الفتاح كليطو في معرض حديثه عن المعاني في الشعر حين تنتسب في ميدان آخر غير الشعريؤدي ذلك حتما اللى الخلط بينالأنواع كما من شأنه أن يعكر صفاء النموذج الشعري....فأذكر أن مثلا استخدام النظم لا يسهل الا حفظ القواعد مما صعب إدراكه بمجرد الحفظ.كما أن دور الأرجوزة إنما هو نقل المعرفة ليس إلا دونما تمحيص في الأسلوب والخطاب والدلالة..
أما الإبداع فله لغته التي لابد من تذوقها وتلمس طريقها بعيدا عن الوظائف الكلاسيكية للغة.
وهذا لعمري إحدى المقاربات التي تصح لتشخيص واقع الإبتدال والمعاياة الذي لا يبتعد كثيرا عما ذكرت يا أيها التيجاني الصريح دوما.
لك التحايا في عمق المعاني....

احمد امين المغربي 08-05-2009 17:31

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نجيب اعكور (المشاركة 656700)
لم يسبق للفظ ان مارس نظام السخرة لدى المعنى.ولكن القاضي الجرجاني في /نقد القرن 2 الهجري/مارس اغلبهم هذا النظام لدى بلاط الامراء.وعيسى ابن هشام شخصية هلامية في قصص الاقدمين/المقامات/بديع الزمان..الحريري..ابن الاجثم.....والحبل على الجرار.
والا كيف نتناول لوحة تشكيلية/الحرب الاهلية...لبيكاسو مثلا/انطلاقا من مقولة اللفظ يخدم المعنى؟ورائعة بيتهوفن الصامتة؟ والرقص؟ تعبير بالالوان والاشكال والحركات..والجوكاندا..
تكلم عبد القاهر الجرجاني..الزوزني..الجاحظ..الكسائي..الشيباني..ابن قتيبة..الاصمعي ايضا..وعلماء الكلام ايضا في المبنى والمعنى..الشكل والمحتوى بلغة الفلاسفة.الاشكال الهندسية والمعايير الهندسية بلغة الرياظيين. ولكن لا احد تبنى مقولة مطلقة.
قال احد نقاد القرن 2ه ..ان اللفظ مطروح في الطريق يعرفه الخاص والعام و....والسوقي....وقال لسانيون..ان اللغة باعتبارها علامات/سمات هي الوجود..جاك بييرك...وغيرهم كثير جدا.
لايمكن ابدا ان نطبق مقولة اللفظ يخدم المعنى/وفقط/ على النص القرآني.والا من الاصل اللفظ ام المعنى في القرآن وحاشا ان نسأل مثل هذا السؤال.ونحن نعرف المقولات التي لم يكن على علماء المسلمين ان يدخلوا اليها وهم غير مؤهلين علميا لذالك.انما فتحوا باب جهنم في مقولة الخلق.وهي من صلب /اللفظ و المعنى/
اللفظ والمعنى كلية/totalite منسجمة. انها وحدة واحدة في ابلاغ قصدية التواصل.
والى هذا.هل عبر ابو نواس واسمه/ الحسن ابن هاني/عن الجماعة؟ وهل عبر استاذه/والبة بن الحباب/ عن الجماعة؟
واشرب الراح ودعني//من صلاة كل يوم
هل يمكن ان نعتبر هذا البيت ومطلع القصيدة /اكرف/تعبير عن ضمير جمعي للعرب في ذات الزمن.
خفف الوطء ما اظن اديييييم ال//ارض الا من هذه الاجساد
من عبر على من؟...الحسن بن هاني ام المعري؟
ان الشاعر القديم قد عبر على نفسه فقط مع استثناءات كبيرة.ومن ثم صح الشعر القديم بصحة /الأنا/الشاعرة كما قال القاضي الجرجاني نفسه وكما قال غيره ايضا.ومن ثم نسب الشعر/ لشيطان الشعر/
للترفييه.......
لاحظ/ الأخطل/ جمله الذكر يقفز على ناقة /الفرزدق/وهو يلقي قصيدته في هجو الفرزدق في المربد فقال..
اني وكل شاعر من العرب//شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
مع أخلص تحياتي العزيز احمد أمين وباقي الأعزاء

.................لا أنكر كثيرا مما ذكرت لكن تذكر أنني كنت أقصد المعنى في الإبداع المكتوب وأن اللفظ لا يسعه إلا أن يكون آلية قمينة بتحقيق المطلوب وإلا فلا داعي له على الإطلاق ....وما دمنا في باب الأدب فإن مجال اللسانيات إنما يكون على سبيل الإستئناس لأن بين النظريتين مسافة طويلة من التقديرات التي قد تصرفنا عن المراد..
إلا أن في كلامك ما يوحي بانسيابية تضع النقاش في محك حقيقي وأظن أن مسألة الأنا أو حتى النحن أعني ضمير الجمع في ابداع الشعراء القدامى مسألة نسبية ذلك أن الشاعر يبكي على الأطلال يرثي لحاله يتذكر معشوقته ولكنه في نفس الآن يعتد بقبيلته ،يذكر بشيم الكرم التي هي صفة جمعية.......
إلا أنني وفي معرض الكلام عن كل هذا أود أن أدغدغك مرة أخرى بسؤال أود أن تسترسل في الرد عليه بلا هوادة :
_هل اللفظ والمعنى في الإبداع رديفان؟
وبعبارة أخرى أوضح:هل يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر؟
ومع أن الجواب بديهي إلا أني أود أن تجيب عنه بما عرف عنك من منطق تخضع له كل ممكنات الإجابة.
مع خالص ودي ومحبتي.

احمد امين المغربي 08-05-2009 17:40

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة aborayaan (المشاركة 647003)
من اجل تعميق النقاش حول تساؤل الأخ أحمد امين.اليكم هذا العرض لعبد الحي ازرقان حول :


الإبداع في الفلسفة والشعر





عبد الحي أزرقان

أود في البداية أن أقدم توضيحا بصدد العنوان الذي اخترته لهذا العرض. لن أحاول رصد الشروط العامة للإبداع في مجالي الشعر والفلسفة بقدر ما سأعتمد على وجهة نظر تاريخية تكمن في اختيار فلاسفة وشعراء ينتمون إلى مراحل تاريخية مختلفة خصصوا جزءا من تفكيرهم وكتاباتهم للموضوع.

وسوف أقسم المقال إلى جزأين: جزء أول سأركز فيه على فيلسوفين يلتقيان، رغم التباعد الحاصل بينهما فيما يخص الأزمنة التي عاشا فيها، وكذلك الأسس الفلسفية التي طوراها، في حصرهما للإبداع في مجال الفلسفة دون الشعر؛ وجزء ثان سأتناول فيه شاعرا وفيلسوفا يتفقان معا على كون الشعر مجالا خصبا لتحقيق الإبداع وعلى أن الفلسفة لن تنال حظها بصدد هذا الأخير إلا في الحالة التي يدرك فيها الفيلسوف شروط التجربة الشعرية ليوجه وفقها تفكيره. سألجأ في الختام، طبعا، إلى استخلاص أهم الفوارق الموجودة بين الفلسفة والشعر، تلك الفوارق التي تجعل الجمع بينهما يخل في الحقيقة بإحدى أهم وظائف الفلسفة أي وظيفتها التأسيسية، كما يمكن أن يخل في الوقت ذاته بالتجربة الشعرية لأن هناك من سيعتقد، في حالة القول بالجمع، في إمكانية ربطها بالوظيفة التأسيسية. حرمان الفلسفة من التأسيس أو إسناد التأسيس للشعر، هذا هو الخطأ (إن لم نقل الخطر) الذي ينطوي عليه القول بمماهاة الإبداع في الفلسفة والشعر.

يلتقي كل من أفلاطون ونيتشه في كون إنتاج الشعراء لا يرقى إلى المستوى الذي نطلق عليه الإبداع. والسبب في ذلك راجع بالنسبة للفيلسوفين معا إلى كون الشعراء في نظرهما يظلون مرتبطين بالمعرفة السائدة عند العوام. إنهم يقيمون معرفتهم على المعرفة العامية، كما يسخرونها في إرضاء العامة. تكاد التعابير تكون واحدة بهذا الصدد عند كاتب الجمهورية وكاتب هكذا تكلم زردشته. يقول الأول: "مع ذلك فإنه (الشاعر) لن يتردد في المحاكاة دون أن يعرف الجانب الذي يجعل كل شيء حسنا أو قبيحا(…) إن ما يبدو جميلا للعوام والجهلة سيكون هو بالضبط ما سيحاكيه الشاعر"(1) ونقرأ عند الثاني ما يلي: "ولكن افتراض شخص ما يقول بكل جدية إن الشعراء يغالون في الكذب، فإن هذا الشخص لن يكون على خطإ، ذلك لأننا نغالي في الكذب (…) فلأن معرفتنا فقيرة فإننا نرضى من أعماق قلوبنا بضعفاء الفكر وخاصة إذا تعلق الأمر بالنساء الصغيرات! والأكثر من ذلك فإننا نرغب فيما تتراوده العجائز فيما بينها ليلا. ذلك الذي نسميه نحن شخصيا بالمؤنث الأبدي".

نلاحظ بعد هذا الالتقاء الكامن في القول بالطابع العامي للمعرفة الشعرية التقاءهما أيضا في ربط الإنتاج الشعري (أي إبداعه) بالأشباح. "إن فن المحاكاة، يقول أفلاطون بعيد إذن عما هو حق. إذا كان في استطاعته إنجاز كل شيء فذلك لأنه لا يحس، على ما يبدو، سوى جزء صغير من كل شيء. وما هذا الجزء الصغير إلا شبحا". ثم يضيف: "لنمعن النظر فيما يلي: "إن مبتكر الأشباح، أي المحاكي، لا يفهم شيئا فيما يخص الواقع. إنه لا يعرف سوى الظاهر"(3) يعبر نيتشه عن الفكرة ذاتها في كتابه السالف الذكر حيث يقول : "نفخ في الأشباح ومحاذاتهم. هذه هي قيمة هرج قيثارهم بالنسبة إلي"(4).

هناك نقطة أخرى يلتقي حولها أفلاطون ونيتشه وهي كون إنتاج الشعراء يتسم بالضعف والرداءة. إذ "لا تخلق المحاكاة بالنسبة لأفلاطون سوى ما هو وضيع" (الجمهورية ص 315). وهذه هي الفكرة ذاتها التي يعبر عنها نيتشه حينما يقول على لسان زردشته: "لقد ألقيت بشباكي في بحارهم (أي الشعراء) وأردت اصطياد الأسماك الجيدة: غير أن ما اصطدته من جديد هو رأس إله قديم. هكذا كان نصيب الجائع من كرم البحر هو الحجر" (ص165).

ونورد في الأخير، بصدد التقاء الفيلسوفين في انتقادهما للشعر والشعراء، إثارة مؤاخذتهما لهؤلاء على عدم نفاذهما إلى أعماق الأشياء. تتضح الفكرة عند أفلاطون حينما يعتبر أن مرجعية الشاعر لا تخرج عن إطار الصورة أو الظل، أي عما هو ظاهري، وكذلك حينما يؤكد على أن العنصر الفاعل في التعامل مع هذه المرجعية يختزل على العموم في المشاعر والأحاسيس الحيوانية، أي المكون السيء للروح. "إننا على حق في مهاجمته (أي الشاعر) ووضعه في المكانة ذاتها التي نضع فيها الرسام، ذلك لأنه يشبهه في كونه ينجز أعمالا ذات ثمن بخس إذا ما قارناها بالحقيقة؛ وإنه ليشبهه أيضا في العلاقات التي تربطه بجزء من الروح ذي الثمن البخس أيضا. بينما لا تجمعه أية علاقة بالجانب الأفضل منها" (ص 317).

وإذا انتقلنا إلى نص نيتشه عن الشعراء فإننا نقع، وفي وضوح تام، على الانتقاد ذاته حيث يقول بدوره: "لقد تعبت من الشعراء، القدماء منهم والجدد على حد سواء. إنهم سطحيون كلهم وبحار بدون عمق بالنسبة إلي. إلى الأعماق الحقة لم تصل أفكارهم، بحيث إلى الأعماق لم تنفذ مشاعرهم. شيء من اللذة وشيء من الضجر، هذا كل ما اهتمت به أفضل تأملاتهم" (ص 165).

هذه إذن مجموعة من النقاط تؤكد لنا التقارب الكبير الحاصل بين أفلاطون ونيتشه في نظرتهما إلى الشعر والشعراء. ولكن هل هي كافية للقول بوحدة النظرة عند فيلسوفين يجمع مؤرخو الفلسفة على تعارض فلسفتهما؟ إن فحص منطلقيهما في تقويمهما للشعر يجعلنا نقلل من أهمية الالتقاء الحاصل بينهما في هذا الإطار ونبحث عن معطى محدد يسمح في نهاية المطاف بالاحتفاظ بالفكرة رغم ما يمكن أن تنطوي عليه من تعسف.

يفصح أفلاطون في الكتاب العاشر من الجمهورية، الكتاب ذاته الذي اعتمدنا عليه أعلاه، على أن رفضه للشعر جاء نتيجة تناقض هذا الأخير، في نظره، مع تأسيس الدولة وسن قوانينها، ومن ثمة مع تحقيق العدالة وباقي الفضائل الأخرى (ص 317-319). إن الفلسفة وحدها، حسب النص المذكور، هي التي يكون في استطاعتها تحقيق مثل هذه المهمة. هكذا يكون الفيلسوف هو المبدع ويكون الإبداع هو خلق الأسس المتينة التي تسمح ببناء مجتمع يسود فيه العدل وباقي الفضائل الأخرى. الإبداع مقرون إذن بالنموذج العقلي. وهذا ما يفسر تركيز النقد الأفلاطوني على صنف معين من الشعر وهو الشعر القائم على المحاكاة ("عدم قبول هذا الجزء من الشعر الكامن في المحاكاة" ص305) أي الشعر المعبر عما هو موجود. إن شرط الإبداع في مجالي الشعر والفلسفة بالنسبة لأفلاطون هو التوجه نحو واجب الوجود أو نحو النموذج، نقول بتعبير آخر الاهتمام بمسألة التأسيس.

أما إذا انتقلنا إلى نيتشه فإننا نلاحظ أن انتقاده للشعر ينطلق من كون الشعراء لا يتمكنون من خلق الإنسان المتفوق نظرا لفقر معرفتهم، أي لعدم ارتقائها إلى مستوى دحض القيم السائدة وتحطيم طابعها الخالد. ما الذي يسمح بالاعتقاد في خلود القيم؟ الجواب دقيق وبسيط حسب النص الذي نعتمده في تطوير هذا الموضوع أي عن الشعراء. إنه الاعتقاد في خلود الروح، ذلك الموقف الذي لا ينفصل عن القول بفناء الجسد وبممارسة احتقاره. لقد قدم زردشته موقفه من الشعراء، ذلك الذي لخصناه أعلاه، بعدما أكد في بداية المقال: عن الشعراء على معرفته الجيدة للجسد "منذ أن بدأت أعرف الجسد بشكل أفضل لم يعد الروح بالنسبة إلى روحا إلا على مستوى الكلام. وكل ما هو خالد فما هو أيضا إلا صورة (ص 162). تسير نهاية المقال بدورها في هذا الاتجاه، أي التخلص من الفكر المرتبط بخدمة الروح، حيث يقول: "التائبون عن خدمة الروح، هؤلاء هم الذين رأيتهم قادمين. وعن أولئك (الشعراء) نشأ هؤلاء" (ص 166).

إذا كان الالتقاء بين الفيلسوفين واضحا بصدد النقاط التي ذكرناها في البداية فإن الاختلاف هنا أوضح. إذا كان أفلاطون يعيب على الشعراء قصورهم فيما يخص التأسيس، إن لم نقل تعارضهم مع هذه الوظيفة،فإن نيتشه يرفض إنتاجهم لأنه لا يرقى إلى مستوى دحض المبادئ الخالدة أي إلى مستوى اللاتأسيس. يرتبط الإبداع إذن عند نيتشه فيما يتصل بالفلسفة والشعر بعملية اللاتأسيس وبالضبط بالهدم. هدم ماذا؟ هدم الأسس التي تستند إليها القيم كي تضفي على ذاتها طابع الخلود.

ولكن لنتساءل مرة أخرى عما إذا كان الاختلاف لا يحتاج إلى مزيد من التحديد وعما إذا كان لا يؤدي في نهاية المطاف إلى التقاء وطيد.

أعتقد أن التقارب حاصل بين الفيلسوفين لأن الإبداع مقرون عندهما معا بالرسالة من جهة، وبالتأثير في الواقع من جهة ثانية. لا يهم إن كانت الرسالة تحمل الإيجاب أو السلب. المهم هو التنصيص على الرسالة. هكذا يتبين لنا من ربط الإبداع في الفلسفة والشعر بالرسالة أن الخلاف يكمن بين الفيلسوفين في المرجعية التي ينبغي أن يستند إليها الشاعر والفيلسوف وليس في مسألة المرجعية ذاتها. كما يتبين لنا، وهذا هو المهم، أن الاتفاق حاصل في كون الفلسفة تظل تأسيسية فتبتعد بذلك عن الشعر الذي يبقى بعيدا عن مثل هذه المهمة.

لننتقل الآن إلى الموقف الثاني الذي يقر بالالتقاء بين الإبداعين الفلسفي والشعري، أي بالصلة الوثيقة بين الفلسفة والشعر، ولنسجل أهم النقاط التي يعتمد عليها في هذا الإقرار. وسنركز هذه المرة على فيلسوف وشاعر وهما هيدغر وريلك نظرا لانطباق ما يقوله كلاهما عن مجاله على مجال الآخر. إن معظم العناصر التي يطالب ريلك بتوفرها في التجربة الشعرية يثيرها هيدجر بدوره في إطار تنظيره للتجربة الفلسفية.

يمكن القول إن هيدجر وريلك يقومان معا بتجذير مفهوم الإيبوكي للتوصل إلى الغياب الفعلي للمرجعية كي يتحقق الإبداع في الفلسفة والشعر بالطريقة ذاتها التي يتحقق بها في مجال الفن التشكيلي مثلا.

الرجوع إلى الأشياء ذاتها أو الأشياء كما هي، هذا هو منطلق الفينومينولوجيين، ويفيد محاولة التخلص من المعاني السائدة، أي محاولة إرجاع المعنى إلى درجة الصفر. هناك الفيلسوف (أو الشاعر) من جهة وهناك الأشياء، من جهة ثانية، وهي فارغة من كل ما شحنت به من المعاني. وحتى إذا لم يكن من الممكن الحديث عن غياب المعنى فإنه من الممكن، على الأقل، الحديث عن المعنى الواحد. ويقصد بالمعنى الواحد تساوي الأشياء فيما بينها في لحظة معينة، أو إمكانية الفيلسوف (أو الشاعر) ممارسة هذه المسألة وأخذ الأشياء من حين لآخر في مستوى واحد. يمكن أن يكون كل شيء غنيا، كما أن كل شيء يمكن أن يكون فقيرا فيما يخص المعنى.

لا معنى في البداية بالنسبة للفيلسوف، حسب هذا المنطلق، لتفضيل مجال عن مجال آخر، وجانب من الحياة عن جانب آخر، أو نوع من المعرفة عن نوع آخر. وهذا ما يعبر عنه ريلك حينما يقول: "ليس هناك فقر بالنسبة للمبدع، كما أنه ليس هناك مكان فقير وبدون أهمية"(5). لا يستعمل ريلك تعبير الرجوع إلى الأشياء ذاتها، على الأقل في النص الذي نعتمد عليها هنا، ولكنه يستعمل مع ذلك "الرجوع إلى الطبيعة"، و"ربط العلاقة بالطبيعة" حيث ينصح صديقه قائلا: "اقترب إذن من الطبيعة" (ص37) و"وابحث على أن تكون قريبا من الطبيعة"(ص 58) كما يستعمل كذلك تعبير "الحياة الخالصة". إنها تعابير تفيد كلها تغييب المرجعية أو تغييب المعنى القبلي كشرط للإبداع في التجربة الشعرية. إنه شرط يؤكد عليه هيدغر باستمرار في التجربة الفلسفية.

وفي هذا الإطار تدخل أيضا نصيحة ريلك لصديقه الشاعر القاضية بعدم الاهتمام بالنقاد وبعدم قراءة الكتابات النقدية. فالاهتمام بالنقد قد يجعل الشاعر يحبس نفسه في إطار معين محدد سلفا من طرف غيره من حيث الشكل ومن حيث المضمون. إنه سيخضع إنتاجه لنظام قائم وضعه الآخرون، فكيف يمكن أن يحصل الإبداع إذا ما انضبط المبدع للنظام؟

لا يعني انمحاء المعنى أمام الفيلسوف والشاعر طبعا انمحاء الفيلسوف أو الشاعر ذاتهما. تفيد العملية إعطاء الأولوية للشاعر وللفيلسوف، وتفيد تقدير العلاقة التي يمكن أن تنسج بينهما كليهما والعالم الخارجي، وتقدير التفاعل الناتج عن تلك العلاقة. إن مفاد انمحاء المعنى هو السماح للشاعر أو الفيلسوف بتجسيد المعاني المتعددة والمختلفة التي تخترق باله وتوهج أحاسيسه. إنها فرصة لأخذ الحرية والتفكير خارج الممنوع وغير اللائق لطرح مختلف الأسئلة التي تراود المبدع والإجابة عنها وفق حدة تفاعلاته مع عالمه. إنها لحظة ينتفي فيها الانتقاء على مستوى طرح السؤال وعلى مستوى تقديم الجواب.

وإذا كان هيدجر يؤكد على هذه المسألة فيما يخص الفلسفة في كثير من كتاباته وعلى الخصوص في الفصل الأول من مدخل إلى الميتافيزيقا فإن ريلك بدوره يثيرها في مراسلاته، والأكثر من ذلك فإنه يؤكد على حصر السؤال في المستوى الذي يمكن فيه للشاعر أن يقدم الجواب، وذلك حفاظا على صدق أحاسيس الشاعر وعلى طبيعة فكره. يقول ريلك وهو ينصح صديقه الشاعر: " عليك أن تتحلى بالصبر اتجاه كل ما يتردد بصدده قلبك وأن تحاول محبة الأسئلة ذاتها كما لو كانت غرفا مغلقة، أو كما لو كانت كتبا مؤلفة في لغة أجنبية. لا تبحث الآن عن الأجوبة التي لا يمكن أن تقدم إليك لأنك لن تستطيع أن تعيشها. يتعلق الأمر بعيش كل شيء. عش الآن الأسئلة. ومن الممكن أن تتوصل يوماما في المستقبل البعيد، وبدون أن تنتبه إلى ذلك، إلى الدخول في الجواب. من الممكن أنك تحمل بداخلك إمكانية الصياغة والتشكيل، ففي طريقة الحياة هذه سهولة وصفاء خاصان"(ص 48).

يثير ريلك نقطة أخرى ستجد صدى قويا في فلسفة هيدجر(6)، وعلى وجه الخصوص في كتابه مدخل إلى الميتافيزيقا. يتعلق الأمر بما يسميانه باستعصاء الوضع، وهي نقطة تلتقي بدورها بما قلناه أعلاه. إن إضفاء الصعوبة والثقل على الأوضاع والأشياء معناه عدم الاستخفاف بأي شيء، وعدم الانسياق مع الحلول التبسيطية التي تعتمد في أغلب الأحيان على المنع أو الإقصاء. لنتأمل في قوليهما بهذا الصدد. يكتب ريلك ما يلي: "لقد أوجد الناس (اعتمادا على الأعراف) الحلول لكل شيء بشكل هش وهش جدا. في حين أنه لأمر واضح أنه علينا أن نقف بجانب الخطورة. فكل من يحيا يوجد بجانبها. كل شيء في الطبيعة ينمو ويقاوم حسب طريقته الخاصة، ويشكل انطلاقا من ذاته شيئا خاصا،ويحاول بأي وجه أن يكون كذلك فيواجه كل عرقلة. نعرف الشيء القليل ولكن يقينا لن يغادرنا وهو أنه علينا أن نكون بجانب ما هو خطير. إنه لأمر جيد أن يعيش المرء العزلة لأن العزلة خطيرة. وأن يكون شيء ما خطيرا ينبغي اعتباره بمثابة سبب للتعاطي إليه (ص 61).

سيعبر هيدجر فيما بعد على الفكرة نفسها بصدد الفلسفة حيث يقول: "إنه لمن ماهية الفلسفة أن تجعل الأشياء أكثر صعوبة وأكثر ثقلا وليس أن تجعلها أكثر سهولة وأكثر هشاشة. إن إضفاء الخطر على الأشياء والموجود يعيد لها الثقل (الوجود). لماذا هذا الأمر؟ لأن إضفاء الخطر على الأشياء يشكل إحدى الشروط الأساسية والحاسمة لنشأة كل ما هو عظيم" (introduction à la métaphysique p. 23-24.).

لا بأس أن نضيف نقطة أخرى تنتمي إلى ماهية الشعر حسب تصور ريلك لهذا الأخير وتحتل مكانة متميزة في التحديد الهيدجري للفلسفة. يتعلق الأمر بالإمكان وفتح الآفاق. إذا كان ريلك يصر على ضرورة تقدير الشاعر لتجربته الفردية فذلك لترك المجال مفتوحا لمختلف الإمكانيات المتوفرة لديه في فهم الحياة وبالخصوص في سبيل فتح الآفاق.تنحو المعرفة الشعرية، حسب ريلك، والفلسفية، حسب هيدجر، نحو المستقبل لخلق فجوات داخل الواقع الذي تنشأ فيه وليس لتحديد الشروط والوسائل التي ستمكن من تحقيق المستقبل المنشود (انظر كتاب ريلك ص 51 و 72 وكتاب هيدجر ص 23). معنى هذا أن الإبداع في الفلسفة والشعر بعيد كل البعد عما يسمى على العموم في اللغة الفلسفية بالتأسيس. لا يسعى الشاعر والفيلسوف إلى الفعل في الواقع بشكل مباشر وإلى توجيهه والسيطرة عليه. إنهما يكتفيان بالبحث عن الانفلات من قوته الاستدراجية وخلخلة الطابع القدسي الذي تسعى تلك القوة إلى إضفائه على نفسها.

بقي أن نتساءل الآن عما يمكن استخلاصه من الالتقاء الذي سجلناه بين التصور الهيدجري للإبداع في المجال الفلسفي والتصور الريلكي للإبداع في المجال الشعري. إننا نلاحظ بكل وضوح أن الالتقاء جاء نتيجة التحول الذي أحدثه هيدجر في ماهية الفلسفة حيث بذل كل جهده، في مختلف كتاباته، وبدون استثناء، من أجل تحويل الفلسفة عن الوظيفة التي ارتبطت بها مع نشأتها، أي الوظيفة التأسيسية.

هناك شرط واضح إذن لكي يلتحق الإبداع الفلسفي بالإبداع الشعري ألا وهو أن تبتعد الفلسفة عن فكرة وضع الأسس وعن فكرة البناء. لا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن هيدجر يجردها مما عبرنا عنه سابقا بالرسالة. كل ما هنالك هو أن الرسالة يتغير معناها. إذا كانت الرسالة تفيد بالضرورة المرور من القول إلى إخضاع الواقع للقول أي إلى ضبطه انطلاقا من هذا القول فإن الفلسفة ستكون حسب التحديد الهيدجري متنافية مع الرسالة. وأما إذا اكتفينا بربط الرسالة بالبحث عن المعنى وخلق المعنى وإظهار المعنى فإن الفلسفة لن تتنافى في هذه الحالة مع الرسالة.

ولكن هل يمكن اعتبار تحويل الفلسفة عن مهمتها التأسيسية من طرف أحد كبار فلاسفة القرن العشرين مسألة كافية لإلحاق الإبداع الفلسفي بالإبداع الشعري؟ الجواب في نظرنا لن يكون إلا بالسلب. ستظل الفلسفة بدون شك مقرونة بالتأسيس، ولن تحافظ على مكانتها إلا بأدائها لهذه الوظيفة. إننا نعتقد أن هيدجر ذاته لم يتخل في نهاية المطاف عن فكرة التأسيس بشكل قطعي(7). كل ما في الأمر، في نظرنا، هو أنه انتبه إلى صعوبة التأسيس في عالمنا المعاصر وظل في الوقت ذاته ينظر إلى التأسيس بالطريقة التي تم تناوله بها في الفلسفات السابقة عليه. فبدل أن ينتهي، بعد انتباهه إلى الصعوبات التي يطرحها التأسيس، إلى التساؤل والبحث عن طرق أخرى في إنجاز التأسيس، نجده أعطى الأولوية للعملية المعاكسة أي اللاتأسيس.

وإذا كنا نثير انتباهه إلى صعوبة التأسيس في العالم المعاصر كعامل أساسي في تحويله للفلسفة عن وظيفتها التاريخية فإننا لن نغفل نقطة أخرى كان لها دورها الكبير، في نظرنا، في تحديد توجهه هذا. نعتقد أن تخلي هيدجر عن التفكير في التأسيس جاء أيضا وبالخصوص نتيجة تصوره له بالطريقة القديمة أي التأسيس وفق المركز أو القمة ووفق السيطرة التامة والخضوع التام. ولكن هل من الضروري أن يفكر الفلاسفة المعاصرون في التأسيس انطلاقا من مثل هذا التصور؟ هل من الضروري أن ينحصر الإبداع الفلسفي المقرون بعملية التأسيس في هذا الإطار بالذات؟ لا نعتقد ذلك، والدليل هو وجود فلاسفة معاصرين جاءوا بعد هيدجر وفتحوا المجال للإبداع الفلسفي في الإطار نفسه الذي يرفضه فيلسوف الاختلاف، دون السير مع ذلك في الخط الذي انضبط فيه القدماء والمحدثون·



الهوامش:

1 - platon, la république, trad. Emile chambry, ed. Gouthier 1977, p. 313.

2 - nietzsche, ainsi parlait zarathoustra, trad. Maurice de gaudillac, ed. Gallimard, p. 164.

3 - platon, la république, p. 312.

4 - nietzsche, p. 165.

5 - rilke,lettres à un jeune poète,trad. Claude mouchard et haus hartje, ed. Livre de poche 1989 p.37.

سأكتفي في الإحالات الأخرى على ريلك بذكر الصفحة فقط لأن المرجع سيكون دائما هو ذاته.

6 - نتجاوز هنا مسألة تأثير أحدهما على الآخر. لقد اطلع هيدجر على ريلك وكتب عنه ولكنه لا يحيل عليه مثلا حينما يتحدث عن قيمة السؤال في الفلسفة أو حينما يربط هذه الأخيرة بفتح الآفاق أو حينما يطالبها بالعمل على استعصاء الوضع. كل ما نسعى إلى تسجيله هو إمكانية (أو ضرورة) الالتقاء بين الفلسفة والشعر انطلاقا من تحديد هيدجر وريلك لهما.

7 - هناك فعلا هيدجريون كثيرون لن يقبلوا بتاتا هذه الفكرة، ولكننا نتجرأ مع ذلك على إثارتها لأن هناك مجموعة من الأقوال تخترق كتاباته، وبعض المقالات خاصة المقال المعنون: لماذا الشعراء؟ (أو لماذا كان عصرنا في حاجة إلى الشعراء؟) تؤكد أن عملية التأسيس ظلت تراود هيدجر بشكل قوي. سنحاول تطوير الفكرة في مقال آخر.

اتمنى ان كون قد احسنت الاختيار

..................................أنا شاكر لك اهتمامك بالموضوع أيها الأخ العزيز علي
كما أعتبر مشاركتك إغناء للنقاش لأن الموضوع بحاجة ماسة ألى من يثريه سيما وأنه ذو طابع سجالي ويقبل الجدل...
وهذا والله ما كنت أهدف إليه تحقيقا لمتعة الحوار وفتحا لآفاق لامحدودة للتعبير عن الرأي عن مسألة أظنها تشغل مساحة محورية في بال كل مبدع.
لك الشكر إذن على ما صنعت إزاء المتصفح الذي تشرف بحضورك الفاعل والنافذ.
ودمت متألقا يا أبا ريان الجميل.
كما لا تفوتني الفرصة لأعتذر لك عن التأخير عن الرد الذي حال بيني وبينه أمور حياتية محضة.

Fouad.M 08-05-2009 18:05

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة احمد امين المغربي (المشاركة 658217)
.................لا أنكر كثيرا مما ذكرت لكن تذكر أنني كنت أقصد المعنى في الإبداع المكتوب وأن اللفظ لا يسعه إلا أن يكون آلية قمينة بتحقيق المطلوب وإلا فلا داعي له على الإطلاق ....وما دمنا في باب الأدب فإن مجال اللسانيات إنما يكون على سبيل الإستئناس لأن بين النظريتين مسافة طويلة من التقديرات التي قد تصرفنا عن المراد..
إلا أن في كلامك ما يوحي بانسيابية تضع النقاش في محك حقيقي وأظن أن مسألة الأنا أو حتى النحن أعني ضمير الجمع في ابداع الشعراء القدامى مسألة نسبية ذلك أن الشاعر يبكي على الأطلال يرثي لحاله يتذكر معشوقته ولكنه في نفس الآن يعتد بقبيلته ،يذكر بشيم الكرم التي هي صفة جمعية.......
إلا أنني وفي معرض الكلام عن كل هذا أود أن أدغدغك مرة أخرى بسؤال أود أن تسترسل في الرد عليه بلا هوادة :
_هل اللفظ والمعنى في الإبداع رديفان؟
وبعبارة أخرى أوضح:هل يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر؟
ومع أن الجواب بديهي إلا أني أود أن تجيب عنه بما عرف عنك من منطق تخضع له كل ممكنات الإجابة.
مع خالص ودي ومحبتي.

اود ان اجيب عن سؤال اخي الكريم باختصار شديد دون ان اقرأ الصفحات السابقة ....ان مسألة المفاضلة بين اللفظ والمعنى قد حسمت مند القديم على يد عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الاعجاز اذ يقول:" لايتصور أن تعرف للفظ موضعا من غير ان تعرف معناه...." واعتقد ان ماكتبه الدكتور احمد المتوكل " نحو قراءة جديدة لنظرية النظم" سيزيل هذا الخلاف الودي....
شكرا لاخي احمد امين المغربي على موضوعك القيم....ولي عودة بما يناسبه من تعليق...
ملحوظة: اعتذر عن تطفلي على الموضوع فانا لم اقراه منذ البداية.....
تحياتي ومودتي...

احمد امين المغربي 08-05-2009 18:27

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة fouad.m (المشاركة 658384)
اود ان اجيب عن سؤال اخي الكريم باختصار شديد دون ان اقرأ الصفحات السابقة ....ان مسألة المفاضلة بين اللفظ والمعنى قد حسمت مند القديم على يد عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الاعجاز اذ يقول:" لايتصور أن تعرف للفظ موضعا من غير ان تعرف معناه...." واعتقد ان ماكتبه الدكتور احمد المتوكل " نحو قراءة جديدة لنظرية النظم" سيزيل هذا الخلاف الودي....

شكرا لاخي احمد امين المغربي على موضوعك القيم....ولي عودة بما يناسبه من تعليق...
ملحوظة: اعتذر عن تطفلي على الموضوع فانا لم اقراه منذ البداية.....
تحياتي ومودتي...


.....................لا بالعكس أيها الأخ الحبيب يا فؤاد يا أمير القوافي....كلامك درر يعتد بها .
أشكرك على اهتمامك بالموضوع وأدعوك إلى مشاركتنا هم السؤال...


الساعة الآن 11:31

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها