![]() |
ليلة من سنة-2-
ليلة من سنة – 2 – عقارب الساعة تتحرك ببطء قاتل . فللوقت هنا حسابات أخرى و إيقاعات أخرى . الأجواء خارج البيت / المسكن مظلمة ، كئيبة ، مرعبة .. يصر " الجيلالي " دوما على القول أن الزمن هنا يحتضر ، و يختصر " عبد الفتاح موقفه من الزمن قائلا : لعل عصر الخلافة سينبعث من هنا و يسميه " ادريس " متذمرا : " الوقت ديال الزفت . و يجمع الكل علـى ان هـذه المـناطق المـنسية من المـغــرب تتـحرك خـارج إيقــاع زمن الحكومة و زمن غرينتش و زمن الرأسمالية المتوحشة و زمن العولمة المتغطرسة .... يتدبر عبد الفتاح أمر تهييء وجبة العشاء بيمناه فقط بينما يسراه لا زالت وجهتها مجهولة. في حين انكب الأربعة المتبقين على التناحر بهمة و إخلاص و عزيمة صادقة يفتقدونها داخل أقسامهم حول لعبة الورق . ادريس : متـأففا ، هـاذ الحـرفة مـا يمـشـيلها غـير اللـي مـا عنـد بـابـاه لا عقل ولا ضمير و لا طموح . المغناوي : يحرك رأسه مؤيدا بالرغم من أن عينيه تخفيان خلاف ذلك . سالم : عيب هذه الحرفة يا أخي أنها تطفئ فينا وهج الرجولة ، تكبت فينا مطامحنا المشروعة .أشعــر أننـي وأدت شبابــي و مشاريعي بين هذه الجبال البئيسة... فلا ظروف ترضي و لا نتائج تقنع ، و لا راتب يحفز ... و لا فتيات تؤنس ... أخخخخ الجيلالي : حرفتنا هذه تحتاج إلى إحساس فني مرهف ، و ليلنا هذا يحتاج لترنيمات تجدد فيكم الأمل و العطاء و تدفعكم لإعادة النظر في أولياتكم و أحكامكم و مشاريعكم.. استمعوا إذن كي تحبوا هذه المهنة ..و انطلق مترنما : لعلك استيقظت هذا الصباح أيضا كالمنبوذ.. عد إذن لتنام فالكل اخلف الوعود.. و الوطن أعاد رسم الحدود.. و نعتذر ديباجة كل الردود .. ماذا عساك تنتظر .. و أنت تحسب عمرك بالعقود.. جافتك الورود و الحظوظ و الخدود .. عد إذن لتنام فالكل اخلف الوعود.. أو إلق بنفسك في طمت السدود .. لا تتردد.. حَرِّق نفسك أو علقها بأعلى عمود .. أو عش صامتا بكبرياء و زهد الهنود.. و عد غدا لتنام فالكل أخلف الوعود.. ادريس : عـلى الأقل فهـذه الخلطة الجديدة من الكلمات خير من " طاق راق "و " الشن الطن " سر يا زميلي على درب العبث فأمثالك من يؤثثون فضاء إبداع هذا البلد . سالم : و الله العظيم يْلاَ هو اللي مْهْنِّي ، كيخبط و يغرز و يفصل في الكلمات و كينتـقم مـن الـوضـع و مـنـا و مـن راسـو ..الوزارة حـايـرة مـع الإصلاح و المـردودية و هو ما مسوقش ... الجيلالي : اسمع أنا أمارس الإصلاح على طريقتي ... إذا لم تكن تبدع أدبا أو رسما أو موسيقى أو حتى تخيلا فإنك لن تبدع داخل فصلك و بالتالي لن تصلح شيئا ... الإصلاح في نظري مسالة إبداع ، رؤية مشرقة بعيدة المدى ، أقصد مسألة أفق وضاء ...إليك مثلا هذه " الصيحة الزجلية " التي ألفتها في شهور و سألقيها عليكم في ثوان و يا لسخرية الإبداع .. نفيق فالصباح مضيوم و نلوح عليا الملايا .. نشوف خليقتي مزلوطة منهوكة فلمرايا .. نصرخ وأدوا القرايا .. كي ندير نصون نفسي من البلا و كثرة الرزايا.. تباعت المناصب و الأعراض رخيصة بالهدايا .. نصيح طالبين الحمايا .. من غول الجور و التهميش و فتنة السبايا .. من تجار القيم و الاخلاق وخوانين الرايا .. سالم : في الحقيقة يلا عولات عليك الوزارة تصلح شي زفتة طفراتو بكري ..أعدتنا لزجلك الصداح و ياليتك ما كتبت الزجل ، تعيس هو من لم يستمع لزجلك الرنان . شنو غنكولك أصاحبي الله يسهل علي بشي انتقال و خلاص !!! عبد الفتاح : الإصلاح مسالة إيمان و إخلاص ووعي مطلق بالمسؤولية أمام الله و أمام العباد . فما يفترض أن يقال قيل و ما يفترض أن يكتب كتب و ما يفترض أن يشخص شخص لكن ما يفترض أن يعمل لم يعمل بعد و هنا مربط الفرس. حرك طنجرة الضغط مرة تلو الأخرى وأعاد إدخال يده في جيب قميصه الأفغاني ..أما يسراه فإنها لم تبرح جيبه منذ عهد طويل . ادريس: عجيب هو أمر هذه المدرسة، و عجيب هو أمرنا كلما اعتقدنا أننا نبذل قصارى جهدنا نكتشف أننا لا ننتج شيئا... لعل مدرستنا تحتاج إلى نفس تجديد أي إلى فن جديد للتدريس أو ربما لرقيب مقيم . الجيلالي : التجديد هو ما جادت به قريحتي أيها المعلم الفاشل . عبد الفتاح : الرقيب هو الله سبحانه و تعالى ثم الضميرمقاطعا مشيرا بيمناه نحو السماء . داسا يسراه بين غياهيب تلابيب قميصه . الجيلالي : مـن اليـوم فـصاعدا لـن أسمـعكم غـير نثـر يطفح بالصمود و الكفاح والجهر بالمناكر و المفاسد و تبنى قضايا المستضعفين ... و القضايا الدولية العادلة ... سالم : أرجوك ... إطفح لوحدك ..نحن لم نشتكيك أو نوكلك قضايانا ..وضعنا أردى من أشد الأوضاع الدولية قتامة . الجيلالي : تصــور البارحـة حلـت بـي حـالة إلـهام . انتصر علي تدفق الأفكار والأبيات و اكتنفتني حالة إبداع خالدة ،دونت خلالها خواطري بيمناي و يسراي – سرق نظرة خاطفة ماكرة ، صوب عبد الفتاح وكرر ضاغظا على مخارج الحروف :-نعم بيسراااااااااااي- ثم أتمم : إليكم ما تفتقت عنه قريحتي.. قصيدة نثرية ستخلخل مفهوم الأب في مجتمعاتنا المتخلفة ، سأعلن خلالها عن ميلاد جديد للأب المتفهم ، المتحضر و انطلق دون استئذان..: تتأمل في فخر قدها الأملس من سمك السلمون.. تتساءل في ديوتية أبية أأنا ؟ أأنا من أبدع كل هذه الفنون ؟.. تقدر.. لعل عربون جمالها سيتجاوز المليون ؟.. تقتني لها سريلا ضيقا بلون الليمون .. حمالات و تبانا بلون الزيزفون .. هاتفا نقالا ، محفظة يد و غيلون .. فرشاة أسنان ، مناديل صحية و سنون .. باستماتة تساعدها في ارتداء و خلع البنطلون .. و لا تتردد في تزويدها بالعوازل و الصابون .. لا تبالي ..فاجهاض بعزة خير من مذلة دزينة من البنون .. و لأن تصادق ابنتك ذوي الترليون .. خير ألف مرة من انتظار سدادة يعلوها رسم الكيدون .. فنعم الأب أنت ... و لا تسئ بي الظنون .. فأنت الشهم و أنا الملعون .. ادريس : حقيقة على الرغم من تلويتك لأسماعنا بهذا التجشؤ اللغوي غير أننا الفناك و ألفنا إبداعاتك ... ليالينا تصير غير ذات نكهة دون سيلانك الأدبي ... لكن صدقني بينك و بين الإبداع جدارات برلين و غزة و سبتة ... عبد الفتاح : أتدري ما يعوزك حقا؟ نقح لغتك من مفردات الجرائد و القصص و كراسات التلاميذ ..و انكب على أمهات الكتب قراءة و تدبرا ..وقتها ستكسب لغة وسطى.. وحينها أعد كتابة القران و صحاح الأحاديث و متون الروايات و الأثار ... ربما.. ربما ستصير لغتك حينها قابلة للقراءة ... الجيلالي : -غـاضبا- و أنت أتـدري ما يعـوزك ...أخـرج يـدك اليسرى من مخبئها ... و تعاطى مع الحياة بيديك معا ... و كفاك موعظة و ادعاء تقوى . أنت اخر من يسدي النصح أو يتحدث عن الإصلاح و الواجب . المغناوي : لقبه الجيلالي في إحدى نثرياته بــ" الحسود المنبوذ. " لم يعد يتحدث كثيرا منذ اكتشاف سعيه الدؤوب لاختلاق الفتن و المشاكل و الإيقاع بين الزملاء و بين التلاميذ و بين أناس الدوار ...بل و حتى بين الحيوانات . سالم : محاولا تهدئة الوضع و الرجوع لموضوع الليلة.. نحن بين الجبال غير معنيين على ما أعتقد بقضية الإصلاح.. الجيلالي: الإصلاح أيها الإخوة ولادة جديدة لنفوس ميتة قتلها الإحباط و الرتابة ... الإصلاح قضية راهنة لإعادة تركيب ذواتنا وبنائنا الفكري السلبي المتواطئ.. الإصلاح تجديد لهذه البنى المفككة المقززة و لهذه الكتب المنفرة... خلاصة القول الإصلاح إبداع ... و ها أنذا أمامكم أمثل النموذج الحي للإصلاح و التجديد. بت لا أجد صعوبة تذكر في إبداع الشعر بكل أوزانه و الرواية و الزجل و القصة و السيناريو و المسرحيات و المقامات و البحوث العلمية الرصينة ... لقد صار الإبداع عندي ملكة و أصالة . سالم : اسمع.. أضمن جنس أدبي أعترف لك بالإبداع فيه هو كتابة الجذاذات. بصراحة الله يحسن عوان داك التلاميذ معاك.. الجيلالي : استمع أيها العقيم إلى هذه التركيبة اللغوية لتعي المعنى العميق للإصلاح والتجديد و الإبداع.. و انطلق مسترسلا بالرغم من المعارضة الشديدة لكل الحاضرين .. أبغي فيلا أطرحه أرضا بجرة قلم .. عبد الفتاح : عمل بمبدإ تغيير المنكر باليد فاستل يسراه من جيب قميصه و كال بها لكمة وقعت مباشرة على توحيمة الجيلالي صارخا : سئمنا من تفسخك و استهتارك أيها المرتد ..أبهذا الإنحطاط و السفه يتحدث المرء عن فلسطين و العراق؟ تدخل الزملاء باستثناء " المغناوي " لفظ النزاع قبل أن تتطور الامور لما لا تحمد عقباه . تناوبا على جبر خاطره و الطبطبة على توحيمته .إلي بديناصور أعتصره ليا بقبضة ألم .. أمسك نفسي من ياقتي .. و أطوح بي في السماء .. أنقذف بلا وجهة صوب اللافضاء.. أصيح بملء الإبداع الذي يبتلعني .. بطاطس قلاها الموت.. بطاطس علاها الروت.. تلتقطني مقلاة الغلاة .. و على زيتها أقلى أنا المبدع كالبطاطس.. هكذا روحي تغلي دماؤها المحروقة .. هكذا فلسطين تنكفئ عن جراحها المسلوقة .. هكذا العراق يبكي أطلاله المسروقة .. ادريس : صمت طويلا و هو يتكئ بخده على يده راميا الجيلالي بنظرات تقطر شررا و توعدا و حسرة و غيظا ... سالم : مقهقها : لقد نلت من حرمة النثر أخيرا ... إبداعاتك تقطر سخفا و عقما ...هذا ليس بإبداع أيها الواهم.. هذه أوهام و تخاريف الغربة ... و أنت اخر من يتحدث عن الإصلاح ... تحدث عن فن الكاريكاتور ..عن الرسوم المتحركة ..عن الأمراض النفسية ... استغل الجيلالي لحظة التعاطف هاته و الإلتفاف حول توحيمته المصابة .اعتلى طاولة الفصل و نهق نهقته الاخيرة كما وصفها زملاؤه في حين اعتبرها هو زأرته الاخيرة و انطلق مبدعا : هجرة القوافي أنسكب نثرا و لا أجافي .. التقط جمرا من على سبع أثافي .. أنسج قصيدة دون قوافي .. تاه الشعر و الفكر في الفيافي .. و علا الدنس أديم بحر صافي.. سطع نجم الحثالة و المرتزقة و الـحوافي .. صرخ البلداء حسبك.. كفاك.. باراكا ..صافي .. هجرت الشعر و صرت إسكافي .. المغناوي : يصفق حاقدا . ادريس : الله على راحة . عبد الفتاح : يعيد دس يسراه في جيب قميصه ، عادا على مسمع الأخرين بأصابع يمناه عدد الوجبات و الصلوات المتبقية قبل حلول العطلة البينية . و تابى الليلة ان تنـقضي ........ |
شكرا على الإبداع
|
أيها العفريت لم أعرف أنك مهووس بكتابة الشعر والزجل, والله ياأخي نوالدين إن تلك الترانيم وليس الخلطة والجلطة لجد معبرة عما يختلج إحساس فنان مبدع راكم تجارب حياتية استطاع بلورتها بفطنته وذكائه. تقبل مروري المتواضع . تحياتي dd1dd1dd1 |
اقتباس:
|
اقتباس:
شكرا على مرورك وجملك المشجعة حياك الله أخي |
| الساعة الآن 07:37 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها