![]() |
دموع شعلة متأججة
دموع شعلة متأججة حركة نشيطة تدب بين الساحة والأزقة التي تصب فيها، حين عم غيم كثيف سماءها، حاملا معه تيارا باردا كأنه ينذر أن الليلة لن تكون كمثيلتها؛ إذ كان هو قد هيأ جلوسه الاعتيادي في هدوء على الشرفة، لكنه زاد في لف جسده النحيل بمعطف صوفي، والسيجارة تعانق شفتيه المدبوغتين. على المائدة كأس شاي أسود، وبجانبه كتاب احتجب جزء منه بصحيفة ومسمعه يستلذ بنغمات موسيقى كلاسيكية، وهو يردد بصوت خافت وصوت المطرب " ...بحب عشت الحرية..." وعيناه تتحركان مع حركات المارة. ارتمت يده على كثلة الكتاب ، وركز بمقلتيه على عنوانه، فأطال التمعن، كأنه يستدرك نطق بعض الحروف، لقد فحص الكتاب من كل جوانبه، ثم أعاد النظر إلى العنوان، ونطق بلسان مثقل بالأسرار والخبايا وقال:" الحياة حرية والحرية حياة". هب واقفا عند سماعه لأصوات أطفال، وهم يرددون: " عمي مبارك احمق، فين عقلك، وفين الحق؟؟ عمي مبارك احمق، فين عقلك، وفين الحق؟؟................ صوب نظره نحو مصدر الأصوات، لتظهر له زمرة أطفال يقفزون ويصرخون، يتقدمهم امبارك مطأطأ الرأس، منكمش الجسم، محاولا بذلك اتقاء لسعات برد الليلة التي تلدغ بدنه المكسو بأسمال يرفض تغييرها. وصل امبارك إلى فضاء الساحة، محاولا الرد على الأطفال بحركات من يديه، لعلهم يكفون من مضايقته، وكان ذلك البيت القصيد لديهم، لتحقيق متعتهم، وليجددوا حدة صياحهم؛ حاولت امرأة رد مضايقتهم له، لكن، دون جدوى؛ جماعة من الشباب تجلس في ركن من أركان الساحة شغلهم الأمر بأسف، ليعيدوا سرد قصة امبارك على بعضهم للمرة المائة؛ قام اثنان منهم، واتجها نحو زمرة الأطفال، في حين غابت عن نظره، وهو متجمد في مكانه على الشرفة، ومتأملا امبارك المتحرك صوب إحدى الأزقة، إلى أن غاب عن نظره. رمى بهيكله على الكرسي، وأسند رأسه بكف يده، وقال لنفسه: " كيف عاد ولم يمر على ولوجه المصحة إلا زمن قصير؟ تحرك في مكانه، دون أن يدري ماذا سيفعل، وردد: اللعنة على المتلاعبين، اللعنة..... زاد ثقل وزن رأسه، ليدعم حمله بالكف الأخرى، وساح في متاهة؛ حاول التخلص منها بانتفاضة خفيفة في موضعه، باحثا حوله عن شيء يتلهى به، لمست يده الصحيفة، تناولها وعرضها أمام نظره، وبدل جهدا ليتمكن استيعاب ما سيقرأه، استقرت عيناه على عنوان عريض قرأ فيه:" نداء من معتقلي الرأي إلى المنظمات الحقوقية، حول القتل البطيء و..... " كان آخر حرف من النداء قد غير من ملامح وجهه، لتظهر عليه علامات الأسى وتبلل دمعة أحدى خديه، فأعادت ذاكرته استعراض الماضي، زمن الزنزانات ولعبة القنينات وصدى أصوات الجلادين والهراوات، وآثارها عليه وعلى رفيق دربه امبارك،استعاد كل الوسائل والمحاولات لتفتيت قناعتهما بمبدأ كرامة الإنسان، تذكر ذكاء امبارك المتوهج ، واللحظات المتكررة التي كان يقتاد فيه لمخافر الشرطة بعد كتابة مقال في صحيفة، الذي كان يكشف فيه دوس شرف المواطن باسم ديمقراطية لم تزدد بعد. في لحظة شروده الخصب هذا، كان محياه توشحه ابتسامة صمود وتحد حينا، وعلامات حزن لما فعلت أيدي مغتصبي الحق، حينا آخر تذكر فطنة، ورزانة امبارك، وهو مازال صبيا، رغم تيار الأزمات التي كادت أن تعصف بحياته، لقد توفي أبوه، لتتخلى عنه أمه، ويسقط في حضانة عجوز لم ترحم فيه براءة طفولته، لتستغله أبشع استغلال. فرغم هدوء امبارك الطفولي، كان ذاك المتمرد على القيم المجنونة في مجتمعه، يبادر، يناقش، يحلل،يساعد، ينصح، يحترم، يتأمل للمريض، ويقف نصرة للمظلوم، ويفرح للمنتصر على ذئاب زمانه فتح جانبا آخر من ذاكرته، ليظهر له، أن امبارك كان ذاك الرجل الصغير، يعمل ويلعب، يجد ويلهو، ينتج ويتسلى؛ لم ينس اليوم الذي تمرد فيه امبارك على العجوز ليصبح صديقا وأخا له، يعيشان أسفل سقف غرفة واحدة تحت كفالة أبيه، كانا ينموان وتنمو معهما مفاهيم الوجود وأغواره. تقلصت مساحة عينيه، وأخذ وجهه لون الحزن، حين تذكر ساعة الامتحان، بعد أن لفقت لهما تهم كان منها: الإخلال بالأمن العام وحيازة كتب ممنوعة، فكانت خمسة عشر سنة سجنا نافذة من نصيبه ظلما، وعشرون سنة نافذة من نصيب امبارك عدوانا؛ إبان أيامها وشهورها تذوقا أمر العذاب، لكن إيمانهما بالقضية يزداد ثباتا وقناعتهما بحقيقتها تكبر فيهما كشجرة الياسمين. أسترجع الشهور الأخيرة من مدة اعتقاله، والتي كان يلاحظ فيها صديقه امبارك تتحلل خلالها صحته، كنتيجة للإهمال والإرهاب النفسي والجسدي الذين تكبدهما. اغرورقت عيناه بالدموع لما مر أمامهما مشهد الصدمة الكبرى،حين ذهب لاستقبال أخيه امبارك بباب المعتقل، فاتسع الجرح، بعد أن بدأ يلتئم، وهو يشاهده يقوم بحركات غريبة ويتفوه بعبارات مبهمة، لقد فقد عقله. قطرات مطر لمست سحنته، انتشلته من غفوته، في وقت كانت الساحة يسودها سكون تام، وقد زينتها المصابيح ذات النور الخافت، والتي تعتبر من بقايا المستعمر . همهمات تسمع عن قرب منه، تطلع بنظره في كل جهات الساحة، فلم يلاحظ شيئا، انحنى بنصف جسمه على سياج الشرفة ليتراءى له امبارك تحت ملتفاحول جسمه. حاول تجفيف الدموع التي غزت مقلته، لكن الظرف أبى إلا أن يزيد في غزارتها. فأسرع في جمع ما فوق المائدة، ويلقي الكل بالداخل ، ثم اتجه نحو باب الشقة، فتحها وأخذ يسحب الدرج خلفه، حتى وجد نفسه على رأس امبارك، تأمله لحظة، أوقفه، ليرتمي في أحضانه، ويزداد سيلان دموعه، مشى به إلى الداخل وهو يهمس له: يا ليت أن تكون قضيتك شعلة دموع متأججة.. نريد أن تلتئم الجراح، وتشفى القلوب، نريد أن تجف الدموع، وتستوي البسمة القلوب ؛فهل سيأتي يوم ينتصر فيه الحق؟؟ scout202 tanger2002 |
لابد للحق ان ينتصر يوما يا اخي مهم طال الظلم و الجور
لابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر اسلوب راق و مشاركة متميزة لك تحياتي |
اقتباس:
مرورك أسعدني، ورقي تعبيرك، شجعني شكرا أخي، تقبل مودتي واحترامي |
رائع أخي scout202 قصة رائعة أسلوب في الحكي مشوق ... تأسرك أحداثها إلى النهاية قصتك هاته ارجعتني إلى أجواء عبد الرحمن منيف في رائعتيه " شرق المتوسط " و " الآن هنا " و أيضا رواية " العريس " لصلاح الوديع و كتابات محمد الريسي عن جحيم تازمامارت ... لي بعض الملاحظات المتعلقة بالجانب اللغوي و التي لا اسميها اخطاء و انما تقع سهوا اثناء الرقن على الحاسوب أرجو ان تعيد تعديلها على نصك 1/ حين عم غيام كثيف سماءها ربما تقصد غيم 2 / ..." وعيناه تتحرك : تتحركان 3/ ، في حين كانت قد غابت عن نظره : لا داعي للفعل الناقص كان لأنه يثقل الجملة 4 / ، تذكر الذكاء امبارك المتوهج : تذكر ذكاء امبارك المتوهج 5 / دوس شرف المواطن باسم ديمقراطية لم تزداد بعد : لم تزدد بعد ( جزم ) 6/ محياه توشحه ابتسامة صمود وتحدي حينا : و تحد حينا (إذا نون المنقوص حذفت ياؤه ) 7/ ؛ لم ينسى : لم ينس 8 / ليتراءى له امبارك تحت ملتف حول جسمه : ملتفا (حال) 9 / حاول التجفيف الدموع التي غزت مقلته : حاول تجفيف مزيدا من الابداع أخي محمد |
اقتباس:
شكرا أخي حسام على لغتك المشجعة، وعلى ملاحظاتك النيرة، دمت لنا أخا مرشدا ،منبها ومشجعا ،حتى نرقى بموهبتنا نحو الأفضل. مودتي وتقديري |
| الساعة الآن 02:01 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها