منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية

منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية (https://www.dafatir.net/vb/index.php)
-   القصص والروايات (https://www.dafatir.net/vb/forumdisplay.php?f=75)
-   -   هـرَّنـْـدو (https://www.dafatir.net/vb/showthread.php?t=100566)

tijani 30-05-2009 19:47

هـرَّنـْـدو
 
******* هـرَّنـْـدو

في الركن الأيمن من المقهى ،كنت أراه منذ سنوات عديدة جالسا بمفرده أحيانا ..ومع ثلة من أصحابه حينا آخر.عيناه على التلفزة مرة ..ومرات يرنو إلى صندوق خشبي مفتوح أمامه ، تتوسطه علب السجائر المتنوعة وقد شدت بشريطين أبيضين بشكل متواز.. جامد كالصخر .. يغوص في أعماق نفسه يسبر أغوارها..وأحيانا أخرى يظل يحملق في كل جسد متحرك أو يرفع رأسه ملتفتا نحو مصدر الأصوات المرتفعة قبل أن يعود لمتابعة تأملاته الصامتة ونظراته التائهة كمن يتلمس خيط دخان يتلاشى في الفضاء ..أو كمن يحمل نوائب الدهر وحده..
- جوج ماركيز أهرّندُو !
يتفرس القطع النقدية من أجل التأكد قبل أن يناوله قضيبين مذهبي المؤخرة ثم يدس المبلغ في جيبه.
عناية بادية بشعره الشديد السواد، غضون بدأت تحفر لها أخاديد على صفحة المحيا.. ينفجر بالضحك عندما يكون مع أصحابه فتهتز المقهى حتى أن البعض يضحك لمجرد ضحكه ذي النكهة الخاصة..
في الصيف تجده في ذات الركن من الخارج، يصب على المارة نظراته الثاقبة المتفحصة.. يزيد في الجرعة عند مرور سرب الغزلان،يكاد يتجمد من كثرة التحديق وينشى بمرأى المائلات المميلات..
-هرّندو! واحد ماركيز أربعَه كازا!
يمد يده لأخذ النقود ، يسلمه البضاعة وهو يتفقد القطع كعادته قبل دسها في جيبه. أحيانا أتساءل: هل يبيت لياليه في مكان ما من المقهى؟ فأنت عندما تدخلها تجده أمامك في نفس الركن ..وعندما تغادرها في وقت متأخر من الليل تتركه وراءك..تصورت أنه لو كان هناك شخص يحق له أن يرث هذه المقهى لكانـَه هذا الرجل العازب.. لا أحد يعلم بالضبط متى احتل هذا الركن ولا لكم سنة سيظل يحتله؟
انتبهت على جلبَة ثـلة من أصحابه يأخذون مقاعدهم حوله، طفقوا يبادلونه أطراف الحديث وهم يضحكون ويضحكون.. أصحابه فئات مختلفة، عاطلون..أساتذة.. قدماء المحاربين.. طلبة..
قال أحدهم وهو يربت على كتفه في خبث:
- هل تعلم أن التدخين حرام؟ أنت إذن عضو فاسد! تبيع الحرام ..أنت مصيبة هذا البلد تتسبب في هلاك المجتمع. ..
نظر إليه في صمت وقد زم شفتيه، أردف الآخر:
- كـُون كنت شي قايد ندّي والـْديكْ الـْحـبْسْ .ثم قام واتجه صوب الصندوق المفتوح وصاح في حركات مضحكة توهِمه بقلبها بركلة من رجله:
- يا اللهْ اجمعْ علي الحرامْ ديالك ألا نقـلبْها!
اهتزت المقهى على ضحك مجنون..ساد لغط هنا وهناك..يعلمون أنه محب للمزاح، مهرّج بحكم ثقل لسانه بعض المرات .. لذا كانوا يستفزونه بأسئلتهم فقط ، وما إن هدأ اللغط حتى التفت إليه وغرس فيه عينين جاحظتين :
- وما البديل؟ هل يستطيع أبوك أو حتى أمك أن تشغلني عندها؟
ساد الضحك من جديد، تابع هو رشقَ السهام وقد قطب حاجبيه فظهرت عليه خطوط متوازية ومتساوية الطول:
- مثلي لا يهتم به أحد، لا الجماعة القروية ولا العمالة ولا الوزارة ...ثم ضرب الطاولة بقبضة من يده، شووووفْ! أنا نب... ييعْ حتى السّسسسمْ إلى بغيتْ...
سمعتي؟
حضر النادل على عجل وهو يبتسم حتى لا تفوته الفرجة، بضربة من كفه مسح رذاذ لعابه من على شفته السفلى قبل أن يتابع في حنق هذه المرة:
- هادوا لي كايحرڭـوا، علاش كيحرڭـوا؟ إيووووَا هدرْ؟ ألا عارفْ غيرْ التعليق الخاوي ونفييييخ ْالشكاوي؟
ساد صمت عميق هذه المرة إلا من صوت التلفاز المنخفض، تحركت بعض الرؤوس موافقة، بصعوبة شديدة قام من مكانه وهو يتكئ على الطاولة، تطوع أحد أصحابه فامتثل قائما أمامه، شده من وسطه واتجها نحو مرحاض هناك في الزاوية، كان جدعه يرتعش كأنه يرقص..رجلاه لا تكادا تحملانه..قرب سارية، وقف المرافق ينتظر بعد أن أشعل سيجارة.

***********
التجاني / بومية

mahdar 31-05-2009 09:22

هذا النص سبق للاخ التيجاني ان نشره بجريدة الصباح ..النص هوعبارة عن رصد لحياة شخصية مجتمعية مهمشة بما لها وعليها ..التيجاني يتخد المقهى كفضاء للحكي وتطور الاحداث ..الشخصية معروفة لدى الكاتب منذ سنوات لانها حقيقية ..صاحبها يبيع السجائر بالتقسيط ليعيش له اعاقة جسدية تمنعه من الحركة وبالتالي فهو يعيش وضعا نفسيا صعبا الى جانب وضعه الاجتماعي المتردي ..طبعا هو يحاول ان يكون اجتماعيا و يضحك مع اصدقائه الذين يتسلون به اولا واخيرا ..دون ان يهتموا لوضعه.. الحوارات المتبادلة تدخل في نطاق اليومي ومن خلالها يتم تمرير خطاب نقدي للوضع السائد حاليا...غياب الاهتمام بالمعاق ..الهجرة السرية الخ...........
الاخ التيجاني نجح في توظيف الزمن والمكان وتقديم الشخوص والاحداث في توليفة مقبولة كما اننا نلمس لديه تحكما في تقنية السرد .....شكرا اخي التيجاني ودامت لنا نصوصك

Fouad.M 31-05-2009 12:01

لاحظت في الآونة الاخيرة لكتاباتك اخي زايد تغييرا على مستوى اللغة والطرح...فقد راقني ما قرأت لك هنا اذ عرضت لقضية اجتماعية وسياسية تتعلق بمسألةالتهميش ...بل الاكثر من هذا انك كنت ذكيا حين اخترت اسم البطل "هراندو" وما تحمله رمزية هذا الاسم في المفهوم الشعبي المغربي...اذ يمتلك قوة بدنية دون فائدة....فضلا عن حبكة النص وما تخللها من وصف وسرد وحوار باسلوب ساخر في بعض الاحيان..مع توظيف اللهجة العامية ليكتسب النص مشروعيته الادبية والواقعية....
دمت مبدعا ومتالقا....
لك تحياتي وودي...

الزبير 31-05-2009 16:52

مساهمة جديدة وقد ارتدت حلة اجتماعية كسابقتها
شكرا لك على الطرح الجميل الذي يمزج بين السخرية الهادفة والعبارات القصودة من قبيل تجبر القايد الذي يرمي بمن يشاء في السجن في اي وقت شاء ثم العلاقة التي تجمع البطل بمرتادي النادي من مختلف الفئات اساتذة طلبة عاطلين... هذا المشهد يحيل على العلاقة المميزة التي تنشأ بين الناس فس الأوساط الشعبية ولم تنس التركيز على الفصول التعاقبة الصيف الذي تكشف فيه الغزلان عن ساقيها طمعا في حراك عائد لتوه الى الوطن يهرب بها الى نعيم الغرب بعيدا عن جحيم البلاد.كما اثرت يااستاذي العزيز السبب الكامن وراء كل هذا الصخب المعاش وهو البطالة القاتلة اللهم موت الكارو ولا موت الجلسة كما يقال
سلمت يداك استاذي العزيز التيجاني

محمد معمري 31-05-2009 19:38

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أخي الكريم زايد قصة انتشلتها من واقع مشهود وكنت الشاهد العيان ومترجم القصة... حقا كنت رائعا هذه المرة...
مودتي وتقديري.


الساعة الآن 19:59

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها