![]() |
مولاي عبد الله أمغار
على بعد عشركيلومترات جنوب مدينة الجديدة تقع جماعة مولاي عبد الله التي حملت اسم وليها الشهيروتعرف سنويا نزوح آلاف المغاربة من كل الجهات، ليكون اكبر موسم على الصعيد الوطنيعلى خلفية عدد زواره الذي يفوق مليونين وخيامه التي تحول فضائه إلى ما يشبه مدينةخيام. محمد الماطيوالزائر لابد وان يقف مشدوها أمام مظاهره المميزة للحياة بدكالة والتي لها منالإثارة ما يجعلها عامل جدب وإعجاب حقيقيين تخلق لديه شعورا بجمالية الحياةالمغربية. وجرت العادة أن يقوم الفلاحون ببيع منتجاتهم والعمل على تهيئة جيادهم وترويضهااستعدادا لـ"الحركة" بضم الراء وجمع الخيمة ولوازمها إلى حيث مكان الموسم، ثم يحضر "حفظان" الضريح للاعتناء به بطلاء جدرانه وضمان الماء فيه وغسل أثاثه والحفاظ علىنظافته. وتبدأ الطقوس والعادات المتوارثة بتقديم كسوة الضريح والذبيحة في موكب رسمي علىأنغام فرق عيساوة كما تقوم "السربات" بزيارة الضريح للتبرك و طلب "التسليم" درءالحدوث مكروه. والوافد على هده المنطقة قد لا يعلم أن سيدي عبد الرحمان المجدوب الشخصيةالمغربية الشهيرة وصاحب أشهر الرباعيات الزجلية قد ولد بها في احد أيام رمضان للعامالهجري 909 قبل أن يرحل للاستقرار بمكناسة الزيتونة. ولأسباب مجهولة لم يوضحها كتاب المناقب الذين تحدثوا عن هذا الوالي الصالح فقدرحل عنها رفقة والده إلي مكناسة الزيتونة واستقر بها. وتقول إحدى مصادر عبد العظيم الزموري وهي معلومات يطغى عليها الطابع الأسطوري أنرجلا من المدينة المنورة اسمه إسماعيل أمغار تماثلت له رؤيا في نومه تأمره بالرحيلإلي المغرب لينفع الناس ببركاته. فاصطحب معه اخوين له يعقوب وأبي زكرياء إلي حيثقادهم نور سماوي إلى منطقة تيط (منطقة جماعة مولاي عبد الله) حيث استقبله السكان منصنهاجة ودكالة استقبالا حسنا. ولم يلبث أن حظي بالإجلال والتقدير من قبل السكان الصنهاجيين فزوجه زعيمهمبابنته التي رزق منها بإ**** الذي كان على خلق أبيه زاهدا متعبدا. ويذكر صاحب كتاب جواهر الكمال في تراجم الرجال أن نسب مولاي عبد الله يعود إلىالحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ومن الكرامات التي تحكى عنه، يقول صاحبكتاب التشوف إلى أصل التصوف انه كان يوتر الصلات في جزيرة صغيرة وسط البحر لم يعدلها اثر اليوم. وتعتبر تيط رباطا كبيرا أسسته أسرة شريفة رابطت بالمنطقة في منتصف القرن الثانيعشر ميلادية، وعندما نزل البرتغاليون سنة1513م بمدينة ازمور أعلن سكان تيط خضوعهموالتزموا لهم بأداء إتاوة سنوية لكن السلطان الوطاسي محمد نظم حملة عسكرية ضدالبرتغاليين، واستولى على تيط وقتل جابي الملك البرتغالي ورحل سكان المدينة إلىضواحي فاس ثم أمر بتخريب الأسوار حتى لا يستعمل البرتغاليون هذا الحصن سنة1514م. ويذكر الكانوني انه قد دفن بتيط من الامغاريين الشيخ أبو الفداء إسماعيل والشيخأبو عبد الله أمغار وفي هده الفترة بذات كانت مدينة تيط تفقد تدريجيا أهميتهاالاقتصادية والإستراتيجية لتتحول إلى قرية صغيرة وسط أطلال الرباط القديمة. وعلى بعد اثني عشر كيلومترا من الجديدة إلى اسفي عبر الطريق الساحلية تمتد بقاياأسوار وأبواب وأبراج منيعة يذكر التاريخ أنها تعود لأسباب دفاعية ضد الغاراتالمسيحية وهى آثار قاومت قوة الطبيعة ولازالت اليوم تشهد على أمجاد تاريخ المنطقةالعريق وتنفتح الأسوار على أبواب مختلفة الشكل. وفي مكان قريب من البحر تنتصب صومعة على زاوية مولاي عبد الله، ويذكر التاريخايضا أن لتيط مكانة ضمن كبريات المدن المغربية وهي مثال فريد في العمران. وأقوى دليل على القوة التي تمتعت بها عائلة المغاريين خلال القرن الثاني عشرالميلادي هو أقدس رباط بحري في بلاد المغرب. وتسمية المدينة بـ "تيط" يرجع الى اصول بربرية يقابله في اللغة العربية العينوحسب المصادر الإسلامية فان المنطقة كانت تسمى بالبربرية "تيطنفطر" (عين الفطر) بينما تقول بعض الروايات الشفوية أن هذه التسمية جاءت بناء على كون سكان المنطقةكانوا يفطرون بالماء بعد الصيام قبل تناول الفطور. وفي أيام الموسم يفد إلى جماعة مولاي عبد الله آلاف الزوار لتشكل امتدادا بشرياهائلا هو أقرب لنزوح شبه جماعي يتكرر في كل سنة. وتصطف عربات محملة بالخيام ولوازم الاصطياف على جنبات الطريق على امتداد الشاطئوتنتشر آلاف من الخيام على طول سور المدينة العتيقة إلى حدود دور السكان الواقعةبجانب الضريح أو خلفه. وتصبح كل المهن والحرف مشروعة ، المنظمة والغير منظمة والمنفلتة عنوة من لجانالمراقبة وشروط الصحة والجودة، وتتناسل السلع مثل الفطر من كرموس، طايب اوهاري،الحرشة والمسمن والبوكاديوس، سردين مشوي، وما لذ وطاب من أنواع الطاجين، وينام الناسكيفما اتفق ويأكلون ويزدحمون كما اتفق ويرمون نفاياتهم مخلفين جبال من والقاذوراتتتحول فيما بعد الى مختبر لمختلف الحشرات الزاحفة والطائرة. وتعرف زيارة الوالي الصالح إقبالا منقطع النظير وما أن يتقدم الزائر نحو الضريححتى تطالعه لوازم الزيارة المعروضة على طول الممر الذي يقود إلى الضريح شموع وبخوروتمائم وحلي ومجامر. وفي ركن قريب من ضريح الوالي الصالح يوجد مكان مبلط في شكل دائرة يتوسطه عموداإسمنتيا يشبه إلى حد ما قفص المتهمين داخل المحاكم يقصده المتخاصمون المتنازعونليدفعوا بالمشتبه به إلى وضع يده اليمنى فوق العمود الأسمنتي فيبدأ بإلقاء اليمينويعترف بحق الوالي الصالح بالحقيقة فيفض النزاع بالوصول إلى حل يرضي الأطرافالمتنازعة. وفي مكان آخر شرق ضريح الوالي يوجد المشور على بعد أمتار من جانب المقبرة وهوعبارة عن بيت عاري لا تتعدى مساحته عشر أمتار او ينيف وبدون باب جدرانه مطليةبالجير واغلب زواره من النساء القرويات يقصدنه بغرض الشكوى وكلهن أمل في ان ينصفنمن غبن او ظلم يلاحقهن. وبين الفينة والأخرى تفد النسوة على المشور بعد أن يزرن ضريح مولاي عبداللهأمغار وضريح سيدي جعفر وسيدي الفزاري وهن محملات بالدجاج والشموع كهدايا في انتظارتحقيق المطلوب ويعدن بإحضار "المرفودة" إن تحقق مسعاهن. وتقضي عادات الموسم أن ينصرف الناس إلى قضاء مآربهم خلال الفترة الصباحية ويتجهالزوار صوب البحر بينما يخصصون فترة بعد الظهر للتفرج على ألعاب الفانتازيا، يرتديالفرسان ملابسهم التقليدية ويركبون جيادهم انطلاقا من خيامهم إلي ميدان الفروسيةوهو ما يصطلح عليه محليا "المحرك"، عشرات الفرسان تجتمع في صف واحد "السربة" وكلسربة تمثل جماعة أو قبيلة في انتظار إشارة من قائدهم "العلام" للانطلاق وحين يصيح "أهاو أهاو" ترفع البنادق عاليا ثم يردد "الحافظ الله" كإشارة ببدأ الانطلاق للعدووالركض. وبإطلاق البارود موحدا عند خط الوصول تعلو زغاريد النساء وهتاف الحناجر بقول "اللهم صلي عليك يا رسول الله" ايدانا بنجاح السربة وحين يخطئ احدهم بالضغط علىالزناد خارج السرب يعاقب بالترجل عن فرسه وسط حنق وسخط أبناء قبيلته أو الجماعةالتي ينتمي إليها ،في أعراف السربة يعتمد على انسجام الفرسان في طلق البارود وفيطريقة لباسهم التقليدي. والناس في مولاي عبد الله امغار بينهم وبين الشاطئ علاقة ارتباط قوية ضاربة فيالقدم فالبحر هو احد اهم مصادر الرزق ان لم تكن اهمها على الاطلاق ، نساء ورجال منمختلف الاعمار واطفال يتعاطون جمع الطحالب البحرية وبيعها والبعض الاخر بما يجود بهالبحر من اسماك وفواكه البحر يبيعونها من اجل ضمان لقمة العيش، وبحلول فصل الصيفومعه موسم الوالي الصالح يشهد هدا المركز الاصطيافي حركة نزوح لا مثيل لها يأتهالناس من كل انحاء المغرب لرمزيته في نفوسهم وانفراده بموقعه على الشاطئ ولفرجويتهبالمساء . لذا يقضي الناس هنا صباحهم في شاطئ البحر وفي المساء يختفي صوت الموجوهديره في صخب الموسم وفلكلوره ، وفي هذا الشاطئ تتناسل سلع الكرموس والعنب كأكثرالسلع حضورا ، وعلى الرغم من أن نزوح آلاف الزوار فالمنطقة لا تتوفر على وحداتللإيواء من فنادق ومخيمات سوى آلاف من الخيام المنتشرة هنا وهناك على الجانب الصخريللشاطئ . مزيج غريب من البشر من كل الجهات يجحد نفسه في الشاطئ بينما يفضل البعضالآخر الاستلقاء على الرمال إلى جانب مراكب الصيد التقليدية الصغيرة المصطفة في كسلجنبا إلى جنب . ألوان من الفولكلور والفنون الشعبية تحييها الخيام التابعة لمختلف الجماعاتوأعيانها، تصدح الخيام بموسيقى الشيخات والأجواق لتملأ المكان وتتخللها الولائم،فرجات أخري يحييها مجموعة من الحلايقية بمحرك الفروسية تحت أضواء قنينات الغاز،السرك الموسيقى الألعاب البهلوانية، شرب الماء الساخن، اللهو مع الثعابين، وحلقاتاخرى في علم التنجيم والتنبؤ بالغيب تصيبك بالذهول، لعب الاطفال وطاولات القمار. ولعل أكثر الحلقات شهرة حلقة القصص والحكايات وحلقة الضحك والفكاهة بمواضيعهاالمتجاوزة والمستهلكة كموضوع الامازيغي والعروبي والمديني فتجد الثقافة الرثة فضاءالموسم ملائما لها. |
شكرا على المساهمة معلومات قيمة بارك الله فيك |
اقتباس:
حفظك الله |
موضوع رائع خصوصا الخلفية التاريخية للمنطقة شكرا جزيلا لك
|
| الساعة الآن 09:45 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها