![]() |
بيداغوجيا الصلع
بيداغوجيا الصلع أمسك الجيلالي خصلة شعر تتدلى من مؤخرة رأسه و حاول تثبيتها بعناية بالغة على المساحة الجرداء التي طالها صلع تاريخي وراثي ..أبت بعض الزغيبات الانصياع و الخضوع لمخطط الجيلالي الترقيعي فوجد المسكين نفسه مضطرا لاستعمال مقاربة البصاق العجيبة.. لس راحة يده مرارا و تكرارا و مررها برفق على الزغيبات المتمردة ..فاستسلمت منصاعة منقادة ساترة صلعة من أعظم الصلعات التي عرفتها البشرية .. وضع حتى و إن كان قد أقنع الجيلالي و حقق له نزرا من التوازن و الاستقرار النفسي ..غير أن التدليس كان جليا و الزحمة و الرياح كانتا له بالمرصاد لفضح انجراف لم ينفع معه لا أدوية و لا أعشاب و لا فقهاء و لا مشعوذون ... -“لا أعرف لماذا كلما وجدت نفسي مرغما على لس راحة يدي إلا واستحضرت مرغما بنود المخطط الاستعجالي و كل المشاريع الإصلاحية التي تناوبت على المدرسة المغربية ترتيقا و ترقيعا وحتى بعض ذكريات مراهقتي الطائشة...“ تساءل الجيلالي مضطربا و هو يضع راحتي يديه على زغيبات شعره المتطايرة ساترا تصحرا أخطأ مكانه الطبيعي .هو لا يريد أن يعترف بالصلع و لا يتردد في اقتناء شتى أنواع و أصناف الطواقي و الطرابيش ... كما أنه بات يفكر جديا في الخضوع لعملية زرع شعر.. و يعترض بشدة على كل من يقترح عليه قص كل الزغب المتبقي العالق بالفوذين و الناظرين و مؤخرة الرأس و التعاطي مع الحياة بمنطق أصلع و جرأة - قرعاء- ... مطامحه السياسية تمنعه من ذلك.. هو يعلم أن جل الزعماء السياسيين لا زالوا يحتفظون بشعورهم و بالتالي بكراسيهم... -“تركيب باروكة شعر مستعار خطة كانت ستعفيني من وجع الضمير.. لكن مع من ؟ مع قوم بمقدورهم تمييز جلد اليمام من جلد الحمام ...لقد تأخرت في وضع الباروكة.. نعم كانت ستكون خطة ناجحة لوكنت قد أقدمت على هذا الأمر يوم بدأت زغيباتي تتطاير و تنط كما تنط حبات الذرة المقلية..“ تحسر الجيلالي مبتهلا من العلي القدير أن يخفف من شدة هبوب رياحه وأن يصيب كل المارة بالعمى.. هو الموظف الحديث التعيين بديوان وزير التعليم يحز في نفسه كثيرا أنه الأصلع الوحيد .. و لا زميل واحد يتقاسم و إياه نظرات الموظفات و الموظفين القاسية .. و لا أصلع آخر يشاطره الهم و يتبادل و إياه آخر التجارب و الوصفات ... .أغلق مكتبه من ورائه ...تأمل بعض مسودات الخطب و المشاريع و الأوراش التي هيأها لأجندة عمل الوزير و همهم غاضبا: -“لا أحد يعلم أكثر مني أن النظرية غير التطبيق.. و أن جل مشاريع الإصلاح تصل إلى حدود أبواب المدارس و المؤسسات و تقف هنالك إلى حين خروج آلاف العلل و المحن و المشاكل والإكراهات ...“ انتفض من مكانه مضطربا بعدما انعكست صورة صلعته على سطح مكتبه الصقيل.. تدارى في غرفة جانبية و غير بذلته الكلاسيكية بأخرى رياضية صاحبها بقبعة راقية غير أنه سرعان ما ارتكس و انتكس بعدما احتلت توحيمته صدارة المشهد و صارت مركز ثقل هندامه الجديد و شخصيته الغريبة ... الإعلاء و التعويض و التنفيس و العصاب حالات نفسية صارت تلازم يوميات الجيلالي و مشاعره.. مثله مثل الوزارة التي صار الإخفاء و الإلهاء والارتجال و التعتيم و التبرير أسلوب و منطق عمل تتعايش معه و تسير به همها التربوي اليومي المتراكم... -“هذا الجيلالي من تلك الوزارة ... أصلع يداري صلعته داخل مؤسسة تائهة تداري سوء تسييرها“ اعترف الجيلالي و هو يعيد ارتداء بذلة عمله الرسمية... لقد وصل به عدم التوازن يوما إلى درجة صباغة صلعته بقلم أسود قاتم و قص حزمة من شعر زوجته – حنان – أمضى أزيد من ثلاث ساعات و هو يلصقها زغبة زغبة بغراء صيني قوي على امتداد انجراف صلعته المصبوغة ... أمضى بعدها أسبوعا بأحد المصحات محاولا إرجاع ضغط دمه لمستواه العادي ...و أسبوعا ثانيا متحملا خلاله آلام نتف تلك الزغبات الاصطناعية زغبة زغبة ... -“لم أكن أعلم بتاتا أنه يجدر بالمرء أن ينتظر مدة معانيا كي يتعافي من ورطة إصلاحات خاطئة ..كم اتمنى أن أستيقظ يوما و أجد شعري و قد عاد لجميل عهده وقت كنت أبلغ من العمر أربع سنوات و خصلات شعري تنسدل على كتفي و جبهتي كحصان عربي أصيل ...“ عاد ليفرش مسودات مشاريع الوزارة الموكولة له أمامه.. ترآى له الصلع في كل الجمل و الأفكار ... و ظهرت له آثار الصباغة و الباروكة و الغرس في كل المشاريع والمخططات .. -“سبحان الله ... عجيب هو أمر هذا الإنسان ...أصلع يرفض الاعتراف بصلعه...أنا بصل أقرع و ما علي سوى التعايش مع حالتي بحلم و سلم وذكاء و تقبل صلعتي كما هي ...لاأحد يفقه في أسرار صلعتي مثلي ... بصلعتي هذه أنا قادر على أن أبدع أكثر مما بوسعي فعله لو زرعت شعرا أو داريت أو واريت أو لونت.. نعم من الصلع يجب أن أنطلق...ولأراهن على حنان عسى أن تغدق علي بجيل أشعث..... |
عودة موفقة اخي الكريم
و مقاربة بيداغوجية موفقة ايضا صلعة الجيلالي و محاولاته الفاشلة لاخفائها مقابل اوضاع التعليم و محاولاتهم البشعة لاصلاح ما سبق اصلاحه حتى لم يعد ينفع الاصلاح و اصبحت هذه الكلمة مرادفة لافساد |
اخيرا يطل علينا الجيلالي بعد غياب طال امده الغريب في الأمر ان الجيلالي هذه المرة انتقل الى مقر الوزارة بدلا من القسم لكن الجميل فيه هو احتفاضه بتوحيمته كعلامة مميزة وماركة مسجلة لكن المتن القصصي بدى لي هذه المرة مختلفا عن سابقاتها فقد طغى الوصف على غيره من السمات الأدبية التي اعتدناها معك اخي نورالدين في انتظار مرور التيجاني ومعمري وبقية الأعضاء كان الله في عونك صديقي العزيزي |
بعد يانا ماعندي ما نخبي ..راضي بها وكثر هههههههههه
ياك ما غير حسدتينا عليها ؟ هههههههه لو علم بطلك أن صلعته هي مثابة شيك على بياض ..يملأ بالحسنات كل يوم ...كل سنة ..لفرح أيما فرح ..ولكنه يبدو جاهلا ..لايفكر أبعد من أرنبة أنفه . أخي نورالدين قصة واقعية فعلا ..كثير من الناس لايرضون بما حباهم الله ..لذا تجدهم يفعلون المستحيل لتغيير الطبيعة ، فإذا بهم يقعون ضحية حرب نفسية طويلة الامد ..منهم من لم يرض بالصلعة..ومن لم يرض بلونه ..ومن لم يرض بالشيب ..ومن لم يرض بعاهة فيه ...ومن ومن ... مناوشة مع النفس جميلة ، فقط فضلت لو توقفت عند " و الباروكة و الغرس في كل المشاريع والمخططات .." أما ما جاء بعدها فقد بدا تقريرا . كما أوصيك أن تطعم أسلوبك بعضالمحسنات البلاغية ..القصة الادبية لابد لها من شيء من ذلك يا أخي ..لاتجعلها تبدو فقيرة الى هذا الحد . بالحق نحمد الله على عودتك ..فقد غبت أكثر من الازم مودتي |
أخي نور الدين أسجل بإعجاب كبير عملك القصصي المتفرد ،إذ عمدت الى خلق تماه فاضح بين حالة شخصية نصك الذي تصر على ابقاء اسمه مثبتا في كل النصوص وحالة المنظومة التربوية العليلة التي أعيت الحلول أمام واقع الرداءة الذي لم يعد ينفع معها لا علاج ولا ترقيع ولا إخفاء ...فالكل أصبح على علم ان القضية على شفا خط من الإفلاس المبين.....
وإذ لم يسع الجيلالي الا الركون الى مصيره والتعايش معه ربما كان محفزا له على الابداع فكذلك شأن رجلنا المريض وجسده المثخن بالتجارب....فلم يترك القيمون حلا إلا استوردوه ولا وصفة الا جربوها ولم يبق في الاخير الا الاعتراف بأن الداء يكمن في الأوصال وأن العلاج ينبغي أن يكون نابعا من إرادة داخلية... آنذاك يمكننا أن نتلمس الخطوات الأولى نحو الحل...... أرأيت أخي نور الدين أن نصك حمال للدلالات وحابل بالمعاني ومستفز وباعث على الخوض في النقاش بالتذاذ يفوق التصور؟ تقبل مروري المتواضع أمامك أيها العملاق... |
| الساعة الآن 11:30 |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها