| الطالب الباحث |
17-06-2009 14:35 |
النتائج السلبية في المدرسة . . أرق الآباء قبل الأبناء
النتائج السلبية في المدرسة . . أرق الآباء قبل الأبناء
إذا كانت النتائج المدرسية للابن غير ما كان يتوقعه الأبوان فإن اللوم كل اللوم غالباً ما يصب على الابن لأنه ((لم يجتهد بما فيه الكفاية، وأكثر من اللعب ومشاهدة التلفزيون والاهتمام بكل ما ليس له علاقة بالدرس))، إلى غير ذلك من الاتهامات التي تحمله المسؤولية الكاملة عن فشله، وقلما يعترف الآباء بأنهم يتحملون جزءاً من المسؤولية في فشل أبنائهم، على الرغم من أنهم قد يكونون ـ في بعض الحالات ـ هم السبب الرئيسي لهذا الفشل، وكمثال على هذه الحالات يورد العالم الأمريكي (بتلهايم) حالة فتاة عرفت، وبكيفية مفاجئة، تراجعا في نتائجها المدرسية. وبعد تحليل وضعيتها الأسرية تبين أن الفتاة متعلقة بوالدها المنفصل عن أمها التي تولي ابنتها عناية كبيرة، وتتمنى هذه الفتاة أن يتراجع والدها عن قراره بالانفصال عن أمها ويعود إلى أسرته ويستأنف حياته في جو من التفاهم والحب، إلا أن نجاحها في دراستها قد لا يشجع الأب على أن يعيد النظر في قراره، في حين أن فشلها في الدراسة قد يشعر الأب بأنه مسؤول عن هذا الفشل، مما قد يدفعه إلى العودة إلى منزل الزوجية والتراجع عن قراره. ويؤكد (بتلهايم) أن الفشل في مثل هذه الحالة (متعمد) ويرمي لا شعورياً إلى تحقيق هدف أهم من النجاح المدرسي ألا وهو عودة الأب إلى زوجته وأسرته، وهو نفس الهدف الذي تتمني الأم تحقيقه. ويشير إلى أن غالبية الآباء لا يدركون أن أبناءهم يشاركونهم نفس الأهداف، غلا أن التعبير عن هذه الأهداف يتم في الجانبين بكيفية مغايرة إذ قد يكون لا شعورياً لدى الأبناء وشعورياً لدى الآباء، وقد تكون حوافز الأبناء مختلفة عن حوافز الآباء إلا أنها في النهاية ترمي إلى تحقيق هدف واحد ألا وهو نجاح الأبناء وتفوقهم.إن اهتمام كثير من الآباء بالنتائج الدراسية لأبنائهم قد يبلغ حداً ينسيهم الاهتمام بالأبناء أنفسهم كما لو كانت هذه النتائج ـ في نظرهم ـ أهم من الأبناء، حتى إن الابن، في مثل هذه الحالة، يشعر أن حب والديه له وعطفهما عليه مرهون بنتائجه الدراسية مما يجعل علاقته بوالدين معرضة دائماً للاهتزاز وعدم الثبات.
ويشعر الابن بخوف شديد من إمكان فقدانه لحب وعطف والديه بسبب عدم حصوله على النتائج الدراسية التي يتوقعها والده، وشعور الابن بالفشل والإحباط بسبب نتائجه الدراسية المتدنية قد يدفعه حتى إلى التفكير بالانتحار لكونه يعتبر أنه لم يعد يساوي شيئاً في نظر والديه، وأنهما لن يمنحاه الحب والعطف اللذين تعودا منحهما له، وبذلك تضطرب صورته عن ذاته. وقد يميل إلى تعذيب نفسه بأشكال مختلفة كأن يتظاهر بالمرض أو يفقد شهيته للطعام أو يتكاسل في أداء واجباته المدرسية، كل ذلك ليثير اهتمام والديه به شخصياً بدل اهتمامهما بنتائجه المدرسية، وقد يلجأ الطفل إلى مثل هذه الأساليب اللا شعورية عندما يتحول اهتمام والديه به إلى الاهتمام بمولود جديد لهما، بل قد تظهر لديه بعض الأعراض المرضية بسبب تحول الاهتمام عنه (التبول اللا إرادي، تساقط الشعر).
وعادة ما يصعب على الآباء قبول تدني النتائج المدرسية لأبنائهم. وليس المطلوب منهم قبول هذا الوضع باعتباره أمراً طبيعياً، وإنما المطلوب منهم أن يتساءلوا عن سبب ذلك ويحاولوا ـ بالتعاون مع الأبناء أنفسهم وبمحاورتهم ـ إيجاد الحل المناسب الذي يكون منطقياً ويقتنع به حتى الأبناء. وبلجوء الآباء إلى هذا الأسلوب الهادئ والمتفهم يمكنهم التوصل إلى فهم موضوعي لأسباب تراجع النتائج المدرسية لأبنائهم، وإلى تحفيز الأبناء على بذل ما يكفي من الجهد للحصول على نتائج أفضل. وعملية تحفيز الأبناء، يجب أن تقوم على أساس إدراك أن حوافزهم تختلف عن حوافز الأبناء، وإن الحاضر أهم من المستقبل بالنسبة للأبناء، الأمر الذي يتطلب تعديلاً للخطاب الأبوي التقليدي يأخذ بعين الاعتبار هذه المعطيات، بحيث يغلب على الخطاب الأبوي طابع الحب والحنان والتفهم والحوار، لا طابع الزجر والتبخيس والتهديد، ومن شأن خطاب كهذا أن يعيد للابن ثقته بنفسه ويشعره بأنه لا يزال محط عناية وحب والديه، مما قد يساعده على الاهتمام أكثر بدراسته وبالتالي تحسن نتائجه المدرسية.
وقد يلجأ الآباء، عندما يفاجأون بنتائج أبنائهم الدراسية المتدنية، إلى اتخاذ موقف اللا مبالاة من الأبناء، كأن يتفادون الحديث معهم والاهتمام بهم كتعبير عن عدم رضاهم عن النتائج التي حصل عليها الأبناء في الدراسة، إن مثل هذا الموقف يماثل في سلبيته موقف الزجر والتهديد والتبخيس الذي يتخذه بعض الآباء إزاء أبنائهم، إذ إنه قد يضعف لدى الأبناء الحوافز التي تدفعهم إلى بذل أي مجهود، أو يجعل منهم أشخاصاً لا عقلانيين عديمي الثقة بأنفسهم ويميلون إلى العزلة والعنف، وبالتالي يجعلهم أكثر استعداداً للانحراف، وفي هذا يقول (إريك فروم): ((إن الفرد المعزول والعاجز تغلق أمامه أبواب تحقيق إمكاناته الحسية والعاطفية والعقلية، وهو ينقصه الأمان الداخلي والتلقائية وهما الشرطان لمثل هذا التحقيق)).
|